ع. ب. العتيبي يقول في رسالته: ما هو العلم الذي نصت عليه الأحاديث وورد في آيات القرآن الكريم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العلم الذي وردت الشريعة بالثناء على أهله والترغيب فيه إنما هو العلم بأحكام شريعة الله عز وجل، وقبل ذلك العلم بالله عز وجل: بأسمائه وصفاته، وما له من الصفات العليا والأفعال الحميدة المبنية على الحكمة والرحمة، ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
أي: العلماء به تبارك وتعالى، وبما له من العظمة التي تقتضي الخشية منه، وليست كما يفهمه بعض العامة وأشباههم من أن المراد بالعلماء في هذه الآية العلماء بالكون الذين أحاطوا بشيء من علمه، وما أوتوا من العلم إلا قليلاً، فإن من الناس من علم شيئاً من الكون مما علَّمه الله ومع ذلك فإنه من أشد الناس استكباراً وأبعدهم عن خشية الله تبارك وتعالى، وإنما المراد بالعلماء العلماء بالله وما له من العظمة والكبرياء اللذين بهما تكون الخشية لله سبحانه وتعالى.وخلاصة الجواب: أن العلم الذي ورد في الكتاب والسنة فضله والترغيب فيه إنما هو العلم بالله تبارك وتعالى، وبأحكامه الشرعية التي تعبد عباده بها، وأما العلم بما أودع الله تعالى في الكون من الأسرار والحكم فإنه داخل في العلم بالله سبحانه وتعالى.
أثابكم الله يا شيخ محمد المستمعة عواطف من جدة أرسلت بهذه الرسالة تقول فيها: إنني أرى ولله الحمد شباب اليوم وخاصة بأنهم التزموا بطاعة الله،ولكن نراهم يميلون إلى مذاكرة الحديث والتفسير والتوحيد والفقه فقط، ويهملون المواد الأخرى مثل الرياضيات والعلوم، ويقولون: فقط يريدون الدين ولا يهمهم باقي المواد، يريد الآخرة،نعم ولله الحمد نحن لا نمنعهم من ذكر الله، ولكن الله عز وجل أمرنا بالعلم وحثنا عليه.
نريد من فضيلتكم نبذة بسيطة عن فضل العلم، وأيضاً تقول: وبصراحة نرى تطوعهم فيه تشديد جداً جداً،نرجو منكم الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن ما ذكرته السائلة- من- أن العلم لا يقتصر على العلوم الشرعية كعلم التفسير والحديث والتوحيد والفقه وما يتعلق بذلك-صحيح-، لكن العلم المحمود على كل حال هو هذه العلوم، هي التي أمر الله بها،وهي التي فيها الفضل، وهي التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
وقال فيها (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
أما العلوم الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير كانت خيراً، وإن اتخذها وسيلة إلى شر كانت شراً،فهي لا تحمد لذاتها ولا تذم لذاتها، بل هي بحسب ما توصل إليه وهناك علوم أخرى،علوم ضارة إما في العقيدة وإما في الأخلاق وإما في السلوك، فهذه محرمة وممنوعة بكل حال فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال، ومذمومة بكل حال، ومباحة يتعلق الذم فيها أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له، والنصوص الواردة في فضل العلم والحث عليه تتعلق بالقسم الأول فقط وهو المحمود بكل حال.
وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق،ولم تشغل عما هو أهم منها،كان طلبها محموداً؛ لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق.
وأما قولها: إنها ترى هؤلاء يتشددون في الدين تشدداً عظيماً، فالتشديد والتيسير أمر نسبي، قد يرى الإنسان الشيء شديداً وهو في نظر غيره يسير، وقد يرى الإنسان الشيء يسيراً وهو في نظر غيره شديد، والمرجع في ذلك إلى السنة المطهرة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، المبنية على كتاب الله عز وجل فإن كان ما يقومون به من أعمال موافقاً للكتاب والسنة فليس بتشديد،بل هو اليسر والسهولة،وإن كان بعض المتهاونين المفرطين يرونه تشديداً فلا عبرة بما يرونه، فإنه إذا وافق الكتاب والسنة فهو يسير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر)، لكن قد يستنكر بعض المفرطين شيئاً من شريعة الإسلام، ويظن أن القيام به تشديد، فيصف المتمسكين به بالتشدد في دينهم، ونحن لا ننكر أنه يوجد فئة من الناس تتنطع في دينها وتزيد فيه، وتعنف على من خالفها في بعض الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد ويسع الأمة فيها الخلاف، وهؤلاء لا عبرة بهم؛لأنهم مُفرِطون،والذين يتساهلون ويرون أن التمسك بالشريعة تشديد لا عبرة بهم أيضاً؛ لأنهم مُفرِّطون، والدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
السائلة ع. ع. ف. من السودان أبو سليم تقول: ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وجد حلقة علم وحلقة ذكر، فجلس في حلقة العلم، فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف كان يذكر أولئك الذين كانوا في حلقة الذكر، أو ماذا يقولون؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم، ولكنه فضل حلقة العلم، وهل يعتبر هذا دليلاً على أن حلق الذكر الجماعي بدعة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن كان صحيحاً لم ينههم عن ذلك وإنما اجتنبهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا أعلم صحته، ولا أظنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال؛ لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان، والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه.
وأما الذكر فإن الاجتماع أيضاً على الذكر لا بأس به، ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية: يجتمعون جميعاً ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك، إنما لو يجتمعون على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا، مثل أن يقرأ واحد والآخرون ينصتون له، ثم يديرون القراءة بينهم، فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.
بارك الله فيكم تسأل عن معنى وصحة الحديث الذي ما معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فضل العالم على الجاهل يوم القيامة كفضلي على سائر الناس) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر لي أن هذا الحديث ضعيف، ولكن لا شك أن العالم لا يساويه الجاهل بأي حال من الأحوال؛ لقول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ).وقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
أما أن يفضله بهذا المقدار المعين فإن الحديث في ظني ضعيف ولم أكن أحرره.
والله أعلم.
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ هذا السائل ع. ع يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ ما نصيحتكم لطالب علم اجتهد في إصلاح نيته واجتهد في الإخلاص، ولكنه لم يقدر، وهو خائف من أن تصدق عليه الأحاديث الواردة في الوعيد الشديد لمن كانت نيته ليست خالصة لله، ويوشك أن يترك طلب العلم.
وجهونا في ضوء هذا السؤال مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا السؤال سؤال مهم لطالب العلم، وذلك أن العلم عبادة من أفضل العبادات وأجلها وأعظمها،حتى جعله الله تعالى عديلاً للجهاد في سبيله،حيث قال تبارك وتعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).
فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يمكن للمؤمنين أن ينفروا في الجهاد في سبيل الله كلهم، ولكن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقه القاعدون في دين الله، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون،والآخرون يقاتلون في سبيل الله.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فإذا رأى الإنسان أن الله تعالى قد فقهه في دينه فليبشر أن الله تعالى أراد به خيراً، ويجب إخلاص النية لله في طلب العلم، بأن ينوي الإنسان في طلبه للعلم أولاً: امتثال أمر الله تبارك وتعالى؛ لأن الله تعالى قال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِله إِلاَّ اللَّهُ).
قال البخاري رحمه الله: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
ثانياً: أن ينوي بتعلمه حفظ شريعة الله،فإن الشريعة تحفظ في الصدور، وتحفظ في الكتاب المسطور.
ثالثاً: أن ينوي بتعلمه حماية شريعة الله من أعدائها؛ لأن أعداءها مسلطون عليها منذ بعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، فلينوِ بطلب العلم حماية هذه الشريعة العظيمة.
رابعاً: أن ينوي بذلك المدافعة عن الشريعة إذا هاجمها أحد، وحينئذ يجب أن يتعلم من العلم السلاح الذي يدافع به، بل ينبغي أن نقول الذي يهاجم به أعداء الله، ويعامل كل أحد بالسلاح الذي يناسب حاله، والناس يختلفون في هذا الشيء: فمن الناس من يحاج في العقيدة،فيحتاج الإنسان إلى تعلم العقيدة التي يدافع بها العقائد الفاسدة ومن الناس من يهاجم الإسلام بالأخلاق السافلة، فيجب على الإنسان أن يتعلم الأخلاق الفاضلة، وأن يتعلم مساوئ الأخلاق السافلة وآثارها السيئة، وهلم جرًّا.
كذلك أيضاً ينوي طالب العلم بطلبه العلم أن يقيم عبادة الله على ما يرضي الله عز وجل؛ لأن الإنسان بدون التعلم لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله، لا في وضوئه ولا صلاته ولا صدقته ولا صيامه ولا حجه.
وأيضاً يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بعلمه، فيبين الشريعة للناس ويدعوهم إلى التمسك بها.
فالعلم في الحقيقة من أفضل العبادات وأجلها وأعظمها نفعاً، ولهذا تجد الشيطان حريصاً على أن يصد الإنسان عن العلم، فيأتيه مرة بأنه إذا طلب العلم يكون مرائياً لأجل أن يراه الناس ويقولوا: إنه عالم، فيستحسر ويقول: مالي وللرياء؟ أو يقول له: انوِ بطلبك العلم الشرعي شيئاً من الدنيا حتى يحق عليك الوعيد: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله،لا يريد إلا أن ينال عرضاً من الدنيا،لم يرح رائحة الجنة).
ويأتيه بالأشياء الكثيرة التي تصده عن العلم.
ولكن على المرء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يمضي لسبيله، ولا يهتم بهذه الوساوس التي تعتري قلبه، وكلما ما أحس بما يثبطه عن العلم بأي وسيلة فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،وليقل: اللهم أعني، وما أشبه ذلك.
وأقول لهذا الطالب: امض لسبيلك، اطلب العلم، لا يصدنك الشيطان عن ذكر الله ولا عن طلب العلم، واستمر وأنت سوف تلاقي صعوبة ومشقة في تصحيح النية ولكن تصحيح النية، أمر سهل فامض أيها الشاب في سبيلك، واستعن بالله عز وجل، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
السائلة أم هشام من جدة تقول معلمة تدرس القرآن الكريم، وسبب تدريسها هو ترشيح الإدارة المدرسية لها لشدة حاجة المدرسة للمعلمات، وأخرى تدرس من أجل المال، فليس لديهن النية التي يقرأن ويسمعن عنها من ابتغاء وجه الله عز وجل، فهل تثابان على هذه النية أم عليهما وزر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمتنع أن يريد الإنسان بتعليم القرآن ما يحصل له من مكافأة وما يرشح له من عمل، مع إخلاص النية لله تعالى، فتكون النية مركبة من هذا، ومن هذا وقد قال الله تعالى في الحج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) يعني:بالتجارة.
فأشير على هاتين المرأتين أن تجعلا الأصل هو منفعة الدارسات وتعليمهن كتاب الله عز وجل، وهذا لا يفوت عليهما المكافأة، ولا القيام بما رشحتا له.
حدثونا عن أهمية العلم الشرعي بالنسبة لطالب العلم، وما هي الطريقة المثلى لطالب العلم الشرعي، وماذا يجب عليه في حفظ القرآن الكريم،وكيف نستطيع أن نفهم العقيدة الإسلامية، خاصة إذا كان الشخص وحيداً وليس لديه ما يساعده على ذلك في مسألة الصفات والأسماء لله عز وجل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: طلب العلم الشرعي فرض على كل مسلم، لكنه على قسمين: الأول: فرض عين، والثاني: فرض كفاية.
أما فرض العين:فيجب على كل مسلم أن يتعلم من شرع الله ما يحتاج إلى فهمه، فمثلاً إذا كان عنده مال يجب عليه أن يتعلم ماهي الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ وما مقدار الزكاة الواجبة؟ وما شروطها؟ ومن المستحقون لها؟ ليعبد الله تعالى على علم وبصيرة إذا كان تاجراً فعليه أن يتعلم من أحكام تجارته ما يستعين به على تطبيق التجارة على القواعد الشرعية، وإذا كان ناظراً على الأوقاف فيجب عليه أن يتعلم من أحكام الأوقاف ما يستعين به على أداء مهمته، وهلم جرًّا.
أما فرض الكفاية فهو ما عدا ذلك من العلوم الشرعية، فإن على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها بتعلم أحكامه، وعلى هذا فكل طالب علم يعتبر أنه قائم بفرض كفاية يثاب على طلبه ثواب الفريضة، وهذه بشرى سارة لطلاب العلم أن يكونوا حال طلبهم قائمين بفريضة من فرائض الله عز وجل، ومن المعلوم أن القيام بالفرائض أحب إلى الله تعالى من القيام بالنوافل، كما ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: (ما تقرب إلي عبدي بشي أحب إلي مما افترضت عليه).
وأما كيفية الطلب: فيبدأ الإنسان بما هو أهم، وأهم شيء هو علم كتاب الله عز وجل وفهمه؛ لقول الله تبارك وتعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمُ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ).أي: إنه وبخهم عز وجل لعدم تدبرهم كلام الله عز وجل وقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
وقال الله تبارك وتعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
والتدبر يعني تفهم المعنى، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.
ثم بعد ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، ثم ما كتبه أهل العلم مما استنبطوه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم خير القرون بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله وفهم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وليبدأ في المتون بالمختصرات قبل المطولات؛لأن طلب العلم كالسلم إلى السقف،يبدأ فيه الإنسان من أول درجة، ثم يصعد درجة درجة حتى يبلغ الغاية، وقولي حتى يبلغ الغاية ليس معناه أن الإنسان يمكن أن يحيط بكل شي علماً هذا لا يمكن: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) حتى ينتهي العلم إلى الله عز وجل، ولكن يبدأ بالأهم فالأهم، ويبدأ بالمختصرات قبل المطولات.
وخير ما نراه في باب الأسماء والصفات من الكتب المختصرة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنها عقيدة مختصرة سهلة جامعة نافعة، أكثر ما جاء به في صفات الله من القرآن الكريم وأما كيف تستعمل هذه الأدلة؟ فإن الطريق الصحيح والمنهج السليم فيها أن يجريها الإنسان على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، فيجريها على ما يدل عليه ظاهرها، لكن من غير تمثيل ولا تكييف فإذا قرأ قول الله تعالى يخاطب إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) آمن بأن لله يدين اثنتين حقيقة لا مجازاً، لكن لا يجوز أن يقول: كيفيتهما كذا وكذا، ولا أن يقول: إنهما مثل أيدي المخلوقين، يعني: لا يمثل ولا يكيف.
وكذلك إذا قرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن) فيثبت لله عز وجل أصابع حقيقية، ولكن لا يمثل ولا يكيف،فلا يقول إن أصابع الله عز وجل كأصابع المخلوق، ولا يكيف صفة معينة يقدرها في ذهنه لهذه الأصابع ودليل هذا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا في القرآن باللغة العربية، فما دل عليه اللفظ بمقتضى اللغة العربية فهو ثابت؛ لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وقوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بلسانٍ عربي مبين) فبين الله تعالى أنه أنزل القرآن وصيره باللغة العربية من أجل أن نعقله ونفهمه، وهذه هي القاعدة في إرسال الله تعالى الرسل: يرسلهم الله تعالى بلغة أقوامهم ليبينوا لهم، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
فنجري آيات الصفات على ما تقتضيه اللغة العربية، لكننا لا نمثل ولا نكيف: أما عدم التمثيل فلأن الله تعالى نهانا أن نضرب له المثل، فقال: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
وأخبرنا عز وجل أنه لا مثل له، فقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً).
وبهذه الآيات يتبين أنه لا يحل لنا أن نمثل بصفات الله عز وجل وأما امتناع التكييف بأن نقول: كيفية يده كذا،كيفية أصابعه كذا،فلقول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)، ولقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ).
ومن المعلوم أن الله تعالى أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها، فإذا حاولنا أن نكيف صرنا ممن افترى على الله كذباً،هذه هي القاعدة في باب أسماء الله وصفاته.
فلو قال لك قائل: المراد باليدين النعمة أو القدرة، فبكل سهولة أنت قل: هذا باطل؛ لأن هذا خلاف مدلولهما في اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية، ولا نقبل هذا التحريف إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو أقوال السلف.
وإذا قال لك قائل: المراد باستواء الله على العرش استيلاؤه عليه.
فقل: هذا باطل؛ لأن الاستواء على الشيء لا يعني الاستيلاء عليه في اللغة العربية،والقرآن نزل باللغة العربية، ومعنى الاستواء على الشيء في اللغة العلو عليه علوًّا خاصًّا،ليس العلو المطلق العام الشامل.
وإذا قال لك قائل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) أي: يبقى ثواب الله.
فقل: هذا باطل؛ لأن الله وصف الوجه بالجلال والإكرام فقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) وذو صفة الوجه، ومعلوم أن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام، وسر على هذا المنهج تسلم من البدع الضالة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من البدع، قال: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
والعجب أن هولاء المحرفين الذين يقولون: المراد باليد النعمة أو القدرة، والمراد بالوجه الثواب،والمراد بالاستواء الاستيلاء، يدعون أنهم فعلوا ذلك تنزيهاً لله عما لا يليق به، وفي الحقيقة أنهم بفعلهم هذا وصفوا الله بما لا يليق به، فقد أخبر عن شيء هو في نظرهم غير صحيح،فيكون في كلام الله إما الكذب وإما التلبيس والتعمية على الخلق،الله عز وجل يقول: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ).
ويقول عز وجل: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
فالله عز وجل قد بين لنا في القرآن كل شيئ، ولا سيما ما يتعلق بأسمائه وصفاته،فقد بينه الله تعالى بيانًا كافيًا شافيًا لا يحتاج إلى أقيسة هؤلاء التي يدعونها عقلية وهي خيالات وهمية.
ثم إني أنصح من أراد طلب العلم أن يختار شيخًا له موثوقا في علمه وموثوقًا في دينه، سليم العقيدة سليم المنهج مستقيم الاتجاه؛ لأن التلميذ سيكون نسخة من أستاذه، فإن وفق الله له أستاذًا سليمًا مستقيمًا صار على نهجه، وإن كانت الأخرى فسينحرف كما انحرف أستاذه.
فإذا قدر أنه لا يستطيع الوصول إلى مثل هذا الأستاذ الموصوف بما ذكرنا، فقد اتسع الأمر ولله الحمد في الآونة الأخيرة، وصارت أصوات العلماء تصل إلى أقصى الدنيا عبر الشريط، فيمكنه أن يقرأ على الأستاذ بما يسمعه من الشريط، ويقيد ما يشكل عليه من الكلام ويراجع به الأستاذ المتكلم، إما عن طريق الهاتف أو عن طريق الفاكس أو عن طريق المكاتبة، كل شيء متيسر ولله الحمد، ومعلوم أن تلقي العلم عن الشيخ أقرب إلى التحصيل، وأسرع وأسلم من الزلل، ولهذا نجد الذين يعتمدون على مجرد قراءة الكتب يحصل منهم الخطأ الكثير، ولا يصلون إلى الغاية من العلم إلا بعد زمن طويل، لكن عند الضرورة لا بأس أن تستند إلى الكتب وإلى الأشرطة وما أشبه ذلك، بشرط أن تكون هذه الأشرطة والكتب عن مأمون في علمه ودينه ومنهجه.
بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ هذه الرسالة وصلت من ليبيا المستمع مفتاح موسى يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما هي الطريقة المثلى التي يمكن بها لطالب العلم دراسة الفقه الإسلامي؟ وهل من الممكن الاعتماد على الكتب ودراستها دون استشارة وطلب الشرح من الفقهاء والعلماء؟ أرجو التوضيح مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
طلب العلم له طريقان: الطريق الأول: تلقي العلم من المشايخ، والطريق الثاني: مراجعة الكتب.
لكن الطريق الأولى يجب أن يكون الشيخ الذي يتلقى منه العلم شيخاً مأموناً في علمه، ومأموناً في دينه، في العقيدة وفي العمل؛ لأن بعض المشايخ يدعي المشيخة وينصب نفسه معلماً ومفتياً، وهو جاهل لا يعرف من العلم إلا الشيء اليسير، فيضل الناس بغير علم لكن إذا كان الرجل معروفاً بالاستقامة والعلم والدين والأمانة،وسلامة العقيدة وسلامة الفكر فهذا يتلقى منه العلم.
وطريق التلقي عن العلماء أسهل من طريق قراءة الكتب؛لأن العالم كالمجهز للطعام يعطيك الطعام مطبوخاً منتهياً، فيكون تلقي العلم من طريقه أقصر، ولأن العالم إذا تلقيت من عنده علمك كيف تتلقى العلم؟ كيف تستنبط الأحكام من الأدلة؟ كيف الترجيح بين أقوال العلماء؟ وما أشبه ذلك.
أما التلقي من الكتب فهذا يصار إليه عند الضرورة، إذا لم يجد الإنسان عالماً في بلده يثق به علماً وديناً وخلقاً وفكراً، فحينئذٍ ليس له طريق إلا التلقي من الكتب، ولكن التلقي من الكتب طريقٌ طويل يحتاج إلى جهدٍ كبير، ويحتاج إلى تأنٍّ ويحتاج إلى نظر، ويحتاج أيضاً إلى مطالعة كتب الفقهاء عموماً؛ لأنك لو اقتصرت على مطالعة كتب فقهٍ معين فربما يكون عند الفقهاء الآخرين من الأدلة ما ليس عند هذا، فالطريق طويل ولهذا أطلق بعض الناس أن من كان دليله كتابه،كان خطؤه أكثر من صوابه.
ولكن هذا ليس على إطلاقه: فإن من العلماء من تلقوا العلم من الكتب، ويسر الله لهم الأمر، وبرعوا في العلم وصاروا أئمةً فيه.
أما كيف يتلقى العلم فنقول: ينظر إلى أقرب المذاهب إلى الحق فيأخذ به ويتفقه عليه، ولكن لا يعني ذلك أن لا يأخذ بما دل عليه الدليل من المذاهب الأخرى، بل يأخذ بالدليل ولو كان خلاف المذهب الذي اعتنقه، ولست بذلك أدعو إلى التقليد، ولكني أدعو إلى أن يكون للإنسان طريقٌ معين يصل إلى الفقه منه، ولا يجعل العمدة كلام العلماء، بل العمدة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وهذا لا يضر أن أتفقه مثلاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وعلى قواعد هذا المذهب،وإذا تبين لي الصواب،في مذهبٍ آخر أخذت بالصواب كما هي طريق شيخ الإسلام ابن تيمية، وطريق الشيخ محمد بن عبد الوهاب،وغيرهما من العلماء المحققين البارزين،وهذا لا يعني أن لا أتفقه على الكتاب والسنة، أنا أتفقه على الكتاب والسنة.
لكن أجعل لي شيئاً أعبر منه إلى الكتاب والسنة وعلى هذا فنقول:إذا اخترت مثلاً مذهب الإمام أحمد بن حنبل ففيه كتبٌ مختصرة وكتب متوسطة وكتب مطولة، فاحفظ أولاً الكتب المختصرة في هذا المذهب، ثم إن كان لديك عالم تتلقى العلم منه فاقرأ هذا الكتاب عليه بعد أن تحفظه، وهو يبين لك معانيه ويشرحه لك، وإذا كان عنده سعة علم بين لك الراجح والمرجوح، وبين لك مآخذ العلماء،وحصلت على خيرٍ كثير، ولكن لا تخلِ نفسك من كتب الحديث: احفظ من كتب الحديث ما تيسر، فإن تيسر لك أن تحفظ بلوغ المرام من أدلة الأحكام فهذا حسنٌ جداً، وإن لم يتيسر فعمدة الأحكام، حتى يكون لك نصيب من الأدلة تعتمد عليه، وهذا كله بعد حفظ كتاب الله عز وجل وتفهم معانيه؛لأنه هو الأصل، فصار هذا الترتيب الذي ذكرته هو من أحسن ما يتمشى عليه طالب العلم فيما أرى.
والله الموفق.
يقول فضيلة الشيخ أرجو إيضاح المنهج الصحيح لطالب العلم المبتدئ وكذلك إيضاح الكتب التي يبدأ فيها طالب العلم جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المنهج الصحيح لطالب العلم مبتدئاً -كان أو راغبًا أو منتهياً- هو أن يسير في عقيدته وأقواله وأفعاله وأخلاقه على ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن ثمرة العلم هو العمل به، والعلم إذا لم يعمل به من أعطاه الله إياه صار وبالاً عليه؛ لأنه بالعلم قامت عليه الحجة، وتبينت له المحجة فإذا عاند وخالف صار علمه حجة عليه ووبالاً عليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (القرآن حجة لك أو عليك).
وعلى طالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي أن يظهر أثر علمه عليه: في الوقار والسمت الحسن والخلق الجميل،حتى يكون محترماً بين الناس معظماً فيهم؛ لأن كلمة المحترم المعظم تزن ألف كلمة من المستهان به، إن قبلت الكلمة من المستهان به، وعلى طالب العلم أن يبلغ ما علمه من شريعة الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بلغوا عني ولو آية).
فالعلماء ورثة الأنبياء، والوارث يجب أن يكون على هدي الموروث؛ لأن الوارث يحل محل الموروث فيما ترك، فكما أن المال إذا مات صاحبه انتقل المال نفسه إلى ورثته، كذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا ماتوا انتقل ميراثهم وهو العلم إلى من بعدهم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، وعلينا أن نسلك ما سلكه الرسل عليهم الصلاة والسلام في هداية الخلق ودعوتهم إلى الحق، فطالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي عليه مسؤولية في نشر علمه ودعوة الخلق إلى الحق، وعلى طالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي، عليه ألا يقع في قلبه حسد لأحد، فإن الحسد من أخلاق اليهود،وهو خلق ذميم، وأول ما يتضرر به صاحبه؛ لأنه كلما رأى نعمة الله على أحد احترق قلبه وضاقت نفسه، ولم ير نعمة الله عليه في شيء، بل ربما يتدرج به الحسد إلى أن يشعر بنفسه أن الله قد ظلمه،حيث أعطى فلاناً ما لم يعطه، وقد أنكر الله هذا على أولئك الحسدة في قوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً).
وليعلم الحاسد -من طالب العلم وطالب المال وطالب الولد- أن حسده لا يمكن أن يمنع فضل الله على المحسود، وليسترشد بما أرشد الله إليه في قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ).
فإذا رأى من فاقه علمًا ودينًا وولدًا ومالًا فليعلم أن ذلك من فضل الله، وليسأل الله من فضله، الذي أعطى هذا فليعطك، وأما كونك تحسده وتكره ما أنعم الله به عليه فهذا خطأ في التصور، وسفه في العقل، وضلال في الدين.
أما الكتب التي أنصح بها طالب العلم: فأولها كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي أكد الله عز وجل أنه يسره للذكر، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ).
فليتجه الإنسان طالب العلم إلى القرآن الكريم حفظًا وتلاوة، وتدبرًا وفهماً، وعملاً بما دل عليه، حتى ينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة،وليحرص على مراجعة كتب المفسرين الموثوقين في علمهم وأمانتهم؛ لأن مشارب المفسرين في القرآن الكريم مختلفة، ومنها ما هو ضلال، فيحاول من كان هذا مشربه إلا أن يُحرِّف نصوص القرآن إلى ما يعتقده،مثال ذلك: قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
وقد ذكر الله تعالى استواءه على عرشه في سبعة مواضع من القرآن الكريم وكلها بلفظ استوى على العرش، والاستواء على الشيء معلوم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم،كما قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ).
وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ).
وفي اللغة العربية: الاستواء إذا تعدى بعلى فإن معناه العلو على الشيء، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ).
فاستواء الله على عرشه علوه عليه على وجه يختص به ويليق به جل وعلا، ولكننا لا نعلم كيفيته؛لأن الله تعالى أخبرنا أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى.
ولهذا لما سأل رجل الإمام مالكاً رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ أطرق مالك برأسه حتى جعل يتصبب عرقاً من شدة ما نزل عليه من هذا السؤال،ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال: ما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به فأخرج من المسجد النبوي؛ لأنه سأل عن شيء لا يسعه إلا السكوت عنه، فإن الصحابة لم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أحرص منا على معرفة صفات الله عز وجل، وأشد منا تعظيماً لله، وأشد منا حبًّا للعلم، وعندهم من إذا سألوه فهو أجدر بالإجابة منا، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يسألوه.
يوجد من المفسرين من يفسر (استوى على العرش) أي: استولى عليه ومَلَكه وقَهَره بقوة السلطان والسيطرة، ولا شك أن هذا معنى باطل، مخالف لما تقتضيه دلالة القرآن الكريم ولما كان عليه السلف الصالح وأئمة المسلمين، فمثل هذا التفسير يجب أن يحترز الإنسان منه وألا يغتر؛ به لأن هذا التفسير قد يصاغ بأسلوب بياني يملك شعور الإنسان، حتى يصدق به مع كونه تحريفًا لكتاب الله.
والأمثلة على هذا كثيرة منهم من يحاول صرف الآيات الكريمة إلى معتقده، ومنهم من يحاول صرفها إلى مذهبه الفقهي، ومنهم من يحاول صرفها إلى مذهبه النحوي فيقول: هذا شاذ وهذا غير قياسي وما أشبه ذلك.
الخلاصة أني أقول: أهم كتاب يعتني به طالب العلم كتاب الله عز وجل، لكن ليكن تلقيه لمعاني كتاب الله عز وجل من الكتب الموثوقة في التفسير التي قام بتأليفها علماء موثوقون في علمهم وفي دينهم وفي أمانتهم، ثم بعد ذلك ما صح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويبتدئ بالمختصرات مثل كتاب عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم المنتقى من أخبار المصطفى للمجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعد هذا المختصرات الفقهية كزاد المستقنع في الفقه الحنبلي، وما يشابهه من المختصرات الفقهية في المذاهب الأخرى، ولكن لا نجعل هذه الكتب الفقهية التي ألفها علماء دليلًا يحتج به؛ لأن كلام العلماء رحمهم الله مهما بلغوا في العلم يحتاج أن يحتج له، وليس دليلًا يحتج به، فأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها، لكنها لا شك أنها مما يستأنس به ويستشهد به فإذا تمكن الإنسان من هذه الكتب الفقهية، ويسر الله له شيخًا يبين له معناها، ويبين الراجح من المرجوح، فإنه يحصل على خير كثير.
وإنني أحث طلبة العلم على الاعتناء بالأصول والقواعد؛ لأنها هي العلم حقيقة، أما أفراد المسائل فهي- وإن كانت علمًا- لكنها لا تعطي الإنسان ملكة يستطيع بها أن يعرف الراجح من المرجوح والصحيح من الضعيف، وأسأل الله تعالى أن يكثر من أمثال هذا السائل في جامعاتنا.
يقول السائل: ما هي المراحل التي ينبغي على طالب العلم أن يسير عليها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في تحصيل العلم أن يبدأ أولًا بكتاب الله عز وجل، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم بما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليسلك في ذلك أخصر ما يكون ما دام في ابتداء الطلب، ثم إذا ترعرع في الطلب واشتد ساعده بدأ يترقى إلى الكتب الكبيرة التي فيها ذكر الآراء والمناقشة فيها، وليكن مرجعه في ذلك شيخه الذي يدرس عليه، فالشيخ هو الذي يوجه التلميذ فيما يقرأ وفيما لا يقرأ.
يقول السائل: طالب العلم هل يبدأ بحفظ القرآن الكريم أم بقراءة كتب العلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا والله، يبدأ بحفظ القرآن حفظ القرآن، لا شيء قبله مما يحفظه الإنسان؛ لأن القرآن كلام الله، وتلاوته عبادة،وتدبره عبادة، والعمل بما يدل عليه عبادة، وتصديق خبره عبادة، فهو أفضل الكتب المنزلة من الله عز وجل، وأفضل من الكتب المؤلفة من الناس ولا سواء، فليبدأ الإنسان بحفظ القرآن الكريم،ثم بما صح من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله، فإنه كتاب مختصر جداً في الأحكام،ثم بما تيسر له من كتب أهل العلم في العقيدة وغيرها.
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ السائل أبو عبد الله سعيد يذكر في رسالته ويقول: يبلغ من العمر الثامنة والعشرين، وقبل هذا الوقت يقول: كنت مسرفاً على نفسي، ولكن هداني الله عز وجل والحمد لله، وأريد أن أتعلم العلم الشرعي وأتفقه في الدين، فهل فات الوقت بالنسبة لسني؟ وكيف السبيل لتحصيل ذلك العلم؟ خاصة وأنا أعمل هنا تقريبًا في اليوم كله؟ فأرجو من فضيلة الشيخ أن يضع جدولًا لمن هم في مثل حالتي، وجزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول الحمد لله الذي هداه وأسأل الله لي وله الثبات على الحق أما فيما يتعلق بسنه فإنه لم يفت الأوان والحمد لله الإنسان لا يفوت أوانه واستعتابه وتوبته إلا إذا حضره الموت، ومادام في زمن الإمهال فإنه لا يفوته شيء.
أما فيما يتعلق بطلبه العلم الشرعي مع كونه مشغولًا كل اليوم: فبإمكانه أن يستحضر رسائل أو أشرطة يستمع إليها من أهل العلم الموثوقين في علمهم وأمانتهم، ويحصل على ما تيسر.
بارك الله فيكم هذا يقول في سؤاله: تعلم العلم الشرعي هل يقتصر على المواد الشرعية فقط، أم يدخل بذلك بعض العلوم؟ أرجو منكم الإفادة في سؤالي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: العلوم الشرعية داخلة في العلم الشرعي، وتعلمها تعلم شرعي لا إشكال في هذا، أما بقية العلوم فينظر: إن كانت تُعين على العلم الشرعي فإنها من العلوم النافعة التي ينتفع بها الإنسان في التقوي على معرفة العلوم الشرعية، مثل علم النحو والبلاغة، وإن كانت لا تساعد على العلوم الشرعية نظرنا: إن كانت نافعة في الدنيا فهي من الأمور المباحة إن كان النفع لا يتعدى للغير، وهي من الأمور المطلوبة إن كان النفع يتعدى إلى الغير وإن كانت ضارة فهي محرمة، وإن كانت لا ضارة ولا نافعة فهي من اللغو الذي ينبغي للعاقل أن يتجنبه.
أيهما أفضل: الدراسة لكي ينال الشخص الشهادة، أم التعليم الديني فقط وحفظ القرآن ودروس العقيدة؟ وجهونا في ضوء هذا السؤال؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وهذا، فيقرأ في المدارس والمعاهد والكليات النظامية، ويقرأ على المشايخ في المساجد ويحفظ القرآن ولا منافاة، وفي الوقت الحاضر أرى أنه لابد من أن ينال الإنسان الشهادة؛ لأن الوظائف الآن أصبح ميزانها تلك الشهادات، ولا يمكن أن يتوصل الإنسان إلى منزلة ينفع بها المسلمين النفع المطلوب إلا بالشهادات، حتى يتمكن من أن يكون مدرسًا في المعاهد والمدارس والجامعات، ويتمكن أن يكون قاضيًا من القضاة،ويتمكن أن يكون عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المجالات الآن أصبحت مبنية على الشهادة،والإنسان إذا طلب العلم لينال الشهادة لهذا الغرض- أي: لينفع المسلمين بما يحصل له من الوظائف- فإن هذه النية لا تقدح في الإخلاص؛ لأنه اتخذ هذه الشهادة وسيلة وذريعة لنيل أمر مقصود شرعاً.
جزاكم الله خيرًا هل توجد فلسفة في الشريعة الإسلامية؟ وما هو الرد على من يدعي ذلك؟ وهل يجوز أن يدرس الطالب مثل هذا ويتعمق فيه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الفلسفة بحث يوناني مستقل، يتعمق فيه أصحابه حتى يؤول بهم إلى تحكيم العقل ورد ما جاء في الكتاب والسنة، والفلسفة على هذا الوجه منكرة لا يجوز الخوض فيها ولا الدخول فيها، وأما الفلسفة بمعنى الحكمة فهذه موجودة في الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية كلها مبنية على الحكمة قال الله تبارك وتعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
لكنه لا ينبغي أن نقول عن الحكمة الشرعية: إنها فلسفة؛ لأن هذه الكلمة يونانية، بل نقول عن الحكمة الشرعية: إنها حكمة، وما من شيء في الشرع إلا معلل بالحكمة، لكن من الحكم ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه؛ لأن عقولنا قاصرة،وأعظم حكمة في الأحكام أن يكون الحكم ثابتاً بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نؤمن بأن كل حكم ثبت في الكتاب والسنة فإنه حكمة، وامتثاله حكمة؛ لأن في امتثاله طاعة الله ورسوله وحصول الثواب والأجر.
وعلى هذا فلو سألنا سائل عن حكمة شيء من الشرائع فإنه يكفيه إذا كان مؤمنًا أن يقال: هكذا قال الله ورسوله؛ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).
وقد كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه الصحابة رضي الله عنهم، فقد (سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فلماذا مع أن الصوم فرض والصلاة فرض،والصلاة أوكد من الصوم، ومع ذلك لا تقضى؟ والصوم يقضى فأجابت عائشة رضي الله عنها:بأن ذلك كان يصيبهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة) وهذا يعني أن الحكمة هي حكم الله ورسوله.
يقول السائل: كيف يعلم الأب أبناءه التوحيد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يعلمهم التوحيد كما يعلمهم غيره من أمور الدين، ومن أحسن ما يكون في هذا الباب كتاب ثلاثة الأصول لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، إذا حفظوه عن ظهر قلب وشرح لهم معناها على الوجه المناسب لأفهامهم وعقولهم صار في هذا خير كثير؛ لأنها مبنية على السؤال والجواب وبعبارة واضحة سهلة ليس فيها تعقيد، ثم يريهم من آيات الله ليطبق ما ذكر في هذا الكتاب الصغير: الشمس يقول: من الذي جاء بها؟ القمر، النجوم، الليل، النهار، ويقول لهم: الشمس من الذي جاء بها؟ الله.
القمر؟ الله.
الليل؟ الله.
النهار؟ الله.
كلها جاء بها الله عز وجل، حتى يسقي بذلك شجرة الفطرة؛ لأن الإنسان بنفسه مفطور على توحيد الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
وكذلك يعلمهم الوضوء، كيف يتوضؤون بالفعل، يقول: الوضوء هكذا ويتوضأ أمامهم، وكذلك الصلاة، مع الاستعانة بالله تعالى، وسؤاله عز وجل الهداية لهم، وأن يتجنب أمامهم كل قول مخالف للأخلاق أو كل فعل محرم، فلا يعودهم الكذب ولا الخيانة ولا سفاسف الأخلاق، حتى وإن كان مبتلىً، بها كما لو كان مبتلىً بشرب الدخان فلا يشربه أمامهم؛ لأنهم يتعودون ذلك ويهون عليهم.
وليعلم أن كل صاحب بيت مسؤول عن أهل بيته؛ لقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (التحريم: من الآية6).
ولا يكون وقايتنا إياهم النار إلا إذا عودناهم على الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد ذلك في قوله: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته).وليعلم الأب أن صلاحهم مصلحة له في الدنيا والآخرة، فإن أقرب الناس إلى آبائهم وأمهاتهم هم الأولاد الصالحون من ذكور وإناث.
(وإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً على ما حملنا من الأمانة والمسؤولية.
يقول يا فضيلة الشيخ في هذا السؤال: هل يجب أن نتعلم الدين كله؟ وما هو الذي يجب أن نتعلمه من الدين؟ وهل صلاة الكسوف والخسوف وصلاة العيد وغيرها من الصلوات يجب أن نتعلمها أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على الإنسان أن يتعلم كل ما يحتاجه من العلم: فإذا أراد أن يصلى مثلاً يجب أن يتعلم كيف يصلى، وإذا أراد أن يتوضأ يجب أن يتعلم كيف يتوضأ، لكن هذا التعلم يحصل بمشاهدة الناس وما يفعلون إذا كانوا من أهل العلم، ومن ثم نعرف أن من فوائد صلاة الجماعة أن يتعلم الجاهل من العالم.
وأما ما لا يحتاجه الإنسان فإنه لا يلزمه أن يتعلمه، فلا نقول للفقير: يجب أن تتعلم أحكام الزكاة- أي: أحكام زكاة الأموال- ولا نقول لمن لا يستطيع الحج: يلزمه أن يتعلم كيف يؤدي الحج، لكن العلم على سبيل العموم فرض كفاية، بمعنى: أنه يجب على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها في جميع أحكامه، حتى لا تتلاعب به أيدي العابثين وتنطلق به ألسن المحرفين.
أما صلاة الكسوف والخسوف فإنها سنة، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة، والغالب أن هذه الصلاة تفعل في المساجد ويتبع الناس فيها إمامهم، فما فعل الإمام يفعلونه.
وليعلم أن الكسوف والخسوف معناهما واحد، لكن الغالب أن الخسوف يكون في كسوف القمر، وأن الكسوف يكون في خسوف الشمس، وإلا فمعناهما واحد.
بقي أن يقال: متى تشرع صلاة الكسوف؟ والجواب على هذا: أنها تشرع إذا كسفت الشمس أو القمر بانحجاب بعض أجسامهما، وهذا قد يكون كلياً وقد يكون جزئياً، فتسن حينئذٍ الصلاة، فينادى لها: الصلاة جامعة، ويجتمع الناس إليها في المساجد، والأفضل أن تكون في الجوامع، أي: في المساجد التي تقام فيها الجمعة،حتى يكثر الجمع وتحصل الرهبة والخوف من الله عز وجل، ويصلىها الإمام ركعتين، في كل ركعة ركوعان وسجودان، ويطيل القراءة فيها جداً: فالقيام الأول الذي قبل الركوع الأول يكون طويلاً جداً، ثم يركع ركوعاً طويلاً جداً، ثم يرفع فيعيد القراءة: الفاتحة وما بعدها، ثم يركع ركوعاً طويلاً لكنه دون الأول، ثم يرفع ويحمد ويطيل بقدر الركوع، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر الركوع، ثم يجلس بين السجدتين بقدر السجود، ثم يسجد للثانية كالأولى يطيلها، ثم يقوم إلى الركعة الثانية ويقرأ ويطيل، ولكنه دون الأول، ويركع ويطيل ولكنه دون الأول، ويرفع ويطيل ويقرأ، ثم يركع ركوعاً طويلاً ولكنه دون الأول، ثم يرفع ويطيل القيام بقدر الركوع، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر الركوع، ثم يجلس بين السجدتين ويطيل الجلوس بقدر السجود، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر السجدة الأولى، ثم يجلس ويتشهد ويسلم.
وينبغي للإمام بعد ذلك أن يخطب للناس خطبة بليغة يعظهم فيها، إن تيسر له أن يخطب بما خطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا هو الأكمل، وإلا قال من عنده كلاماً يعظ الناس ويهز قلوبهم ويخوفهم بالله عز وجل، وإذا كان الإمام لا يستطيع أن يخطب وفي القوم من يستطيع ذلك طلب منه أن يقوم ويعظ الناس، وهذه الخطبة قيل: إنها خطبة الراتبة، يعني: أنها خطبة مشروعة كخطبة العيد بعد الصلاة، وقال بعض أهل العلم: بل هي من الخطب العارضة، والأقرب أنها من الخطب الراتبة، وذلك لأن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا مرة واحدة وخطب، ولو أنه وقع مرة أخرى ولم يخطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقلنا: إنها عارضة، لكن لما خطب فالأصل أنها مشروعة، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن المقام يقتضي ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده.
السائل عزوزي من الجزائر يقول في سؤالٍ له في هذه الرسالة ما هي الأمور الشرعية التي يجب على المؤمن أن يتعلمها مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمور الشرعية التي يجب على الإنسان أن يتعلمها كل ما أوجب الله عليه من طهارةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحج وبرٍ للوالدين وصلةٍ للأرحام، وغير ذلك مما يتعلق بأمور دينه، فيجب على الإنسان أن يتعلم أمور دينه قبل كل شيئ قال الله تبارك وتعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).قال البخاري رحمه الله: فبدأ الله تعالى بالعلم.
قبل العمل فمثلاً إذا أراد أن يتطهر الإنسان ويتوضأ للصلاة فلا بد أن يعرف كيف يتوضأ، يجب عليه أن يعرف كيف يتوضأ، وإذا أراد أن يصلى، يجب عليه أن يعرف كيف يصلى وماذا عليه لو أخل بكذا أو كذا، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وهذا معنى قول الإنسان: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: دلنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم الذي يوصلنا إليك يا ربنا.
أما مالا يحتاج إليه من الأمور: فلا يلزمه تعلمه إلا أن يكون فرض كفايةٍ عليه، يعني مثلاً تعلم المعاملات، تعلم البيع الصحيح والإجارة الصحيحة والرهن الصحيح والوقف الصحيح ليس بواجب على كل أحد، بل يجب على من أراد أن يتعامل بهذا، وأما غيره فلا يجب عليه إلا إذا قدرنا أنه ليس في العالم من يعرف هذا، فإنه يكون فرض كفاية ولم يقم به أحد، فيجب على الإنسان.
حفظكم الله السائل يقول: ما هي المسائل التي يجب تعلمها والعمل بها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يجب أن يتعلم الإنسان كل ما يحتاج إليه في دينه بدون حصر، فعلى الإنسان أن يتعلم كيف يتوضأ؟ كيف يصلى؟ كيف يصوم؟ كيف يحج؟ كيف يزكي إذا كان عنده مال؟ فكل ما يحتاج الإنسان إلى معرفته في الدين فإنه يجب عليه أن يتعلمه، هذه هي القاعدة،وهي واضحة.
وأما ما لا يحتاج إليه فطلب العلم فرض كفاية، إذا اشتغل الإنسان به قام بفرض كفاية، وإن اكتفى بغيره من أهل العلم فذمته بريئة.
بارك الله فيكم يقول المستمع حامد إبراهيم: ما هي العلوم التي تعلمها فرض كفاية؟ وهل هناك علم يجب على المسلمين معرفته جميعاً أو أن يعرفوه جميعاً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم حفظ الشريعة واجب على المسلمين عموماً، فلا بد أن يكون في المسلمين من يقوم بحفظ الشريعة.
وأما الفرض على الأعيان فإنه يختلف: فقد يجب على شخص من العلوم ما لا يجب على شخص آخر، فمثلاً من كان عنده مال وجب عليه أن يتعلم من أحكام الزكاة ما يستعين به على براءة ذمته، ولكن هذا لا يجب على من ليس عنده مال، من كان يشتغل بالبيع والشراء وجب عليه أن يتعلم من أحكام البيع والشراء ما يصحح معاملاته، ومن ليس مشتغلاً بالبيع والشراء فإنه لا يجب عليه ذلك.
فالمهم أن حفظ الشريعة بطلب العلم فرض كفاية على عموم المسلمين، وأما الفرض العيني فهذا يختلف باختلاف الناس، فقد يجب على شخص ما لا يجب على الآخر، كما سبق التمثيل به.
هذه السائلة تذكر بأنها شابة معاقة وتقول: قد انتهيت من المرحلة المتوسطة، وأرغب في العلم الشرعي بأسرع وقت، لذلك فإنني أفكر بترك الدراسة، وذلك لسببين: الأول: طلب العلم الشرعي، والثاني: لشدة إعاقتي، حتى لدرجة أنني أتعب تعباً شديداً في الذهاب إلى المدرسة، وإنني في حيرة من أمري: فالبعض من إخواني يقولون: اتركي الدراسة لترتاحي وتريحي غيرك، والبعض يقول: أكملي لكي تدخلي كلية الشريعة وتحصلى على العلم الشرعي الذي تريدينه فما مشورتكم يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن مشورتي أن تتفرغي لطلب العلم الشرعي، وهو حاصل والحمد لله اليوم بالاستماع إلى الأشرطة من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم، دون أن تكلفي نفسك وتكلفي غيرك، هذا ما أراه.
فاستعيني بالله عز وجل، واحرصي على مراجعة العلوم الشرعية من أفواه العلماء بواسطة الهاتف، أو باستماع الأشرطة، أو الرسائل والكتب المفيدة.
ونسأل الله تعالى أن يثيبك ويأجرك على ما أصابك، وأن يجعل ذلك رفعة في درجاتك وتكفيراً لسيئاتك.
هذه مستمعة من الحدود الشمالية رمزت لاسمها بـ د. ف. ش. ح رفحة تقول: مجموعة من النساء لا نستطيع أن نحضر إلى المساجد لسماع الندوات، فنضطر لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات.
سؤالي: هل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة، من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا، ليس الذين يستمعون إلى الأشرطة كالذين يحضرون إلى حلق الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامعين للأشرطة لهم أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وكما قلت آنفاً: ما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط- كما نعلم- خفيف المحمل سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، يمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشياً في طريقه، ومن أجل ذلك كان لهذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.
بارك الله فيكم يقول المستمع أبو عبد الله بأنه يسكن مع والده، ويعمل في مدينة مجاورة ويتردد عليها يومياً، وأحياناً يقول: أفكر في السكن قرب عملي، ولأجل أن أحضر حلقات العلم في ذلك البلد.
أرجو توجيه النصح لي وجزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يشق عليه التردد إلى والديه في بلدهما فلا حرج عليه أن يتخذ مسكناً في البلد الذي يعمل فيه، ولكن إذا كان الوالدان مضطرين إلى وجوده عندهما فإنه يجب عليه أن يحاول الانتقال إلى البلد الذي فيه الوالدان، وإذا علم الله من نيته أنه يريد دفع ضرورة الوالدين بالانتقال فإن الله سييسر له الأمر؛ لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً).
وإذا لم يمكن هذا فليعرض على والديه الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيها؛ ليكون سكناهما معه، فيقوم بالوظيفة وبواجب والديه بدون تعب.
حفظكم الله في الحديث يا فضيلة الشيخ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به). هل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، أم هو مقيد بالشرعي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كل علمٍ يثاب عليه العبد ثم يعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه، وإذا أثيبوا عليه ناله من أجرٍ بعد موته ما يستحق،وأما ما لا ثواب في تعلمه فليس فيه أصلاً ثواب حتى نقول: إنه يستمر، فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها، فإذا علمها أحداً من الناس أثيب هذا المتعلم، فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه.
أحسن الله إليكم هذا السائل كمال الدين من السودان ومقيم بالمملكة يقول: إنسانٌ يرغب في طلب العلم الشرعي، ولكنه كثير الشرود والفكر والتفكير والنسيان، ولا يحفظ بسهولة إلا بعد فترة تستمر كثيراً من الوقت، مع العلم بأنه يقضي وقته في الأشياء النافعة مثل الاستماع إلى الأشرطة الشرعية وإذاعة القرآن الكريم والمحاضرات، فبماذا توجهون مثل هذا مأجورين؟ بأي شيء يبدأ بالكتب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول للأخ: لا ييأس من رحمة الله، وليثابر على طلب العلم، والشرود الذي يحصل له قد يرده الله عز وجل، وأنصحه أولاً أن يبدأ بكتاب الله عز وجل: يحفظه ثم يتدبره؛ ليعرف معانيه ثم يعمل به.
ثانياً بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، وهي مشهورة متداولة بأيدي الناس، ثم بكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ثم بالعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية،الأول كتاب التوحيد فيما يتعلق بالعبادة، والثاني فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته والإيمان باليوم الآخر وغير ذلك، ثم بما عليه أهل بلده من الفقه، وليختر من العلماء من كان أوسع علماً وأتقى لله عز وجل؛ لأن من الناس من هو واسع العلم لكنه ضعيف التقوى، ومنهم من هو قوي التقوى ضعيف العلم، ليختر كثير العلم قوي التقوى بقدر المستطاع.
حفظكم الله تحدثتم مأجورين عن فضل التفقه في الدين، فكيف يتفقه الشاب في دينه ويطلب العلم الشرعي الموثوق؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يتفقه في دينه على أيدي العلماء الموثوقين علماً وأمانة، فليلزم هؤلاء وليستمسك بغرزهم وليقتد بهم، ولا يلتفت يميناً وشمالا، ً حتى إذا كبر وبلغ درجةً من العلم يمكنه أن يفهم النصوص بنفسه، ويحمل مجملها على مبينها، ومطلقها على مقيدها وما أشبه ذلك، حينئذٍ يتصرف هو بنفسه بالأدلة على حسب ما آتاه الله من العلم.
جزاكم الله خيراً هل لطالب العلم أن يتخذ شيخًا معيناً يراجع معه، أو يتخذ أكثر من شيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن يتخذ شيخًا واحدًا ما دام في بداية الطلب؛ لأن المشايخ ربما تختلف آراؤهم في مسألة ما،وإذا كان هو صغيراً في ابتداء الطلب فإن ذلك يشوش عليه، فليتخذ شيخًا واحدًا فيما يريد قراءته عليه، ومن الممكن أن يتخذ شيخًا آخر لكن في فن آخر، مثلا: له شيخ في النحو، وله شيخ في الفقه، وله شيخ في العقيدة، وله شيخ في التوحيد، وما أشبه ذلك أما أن يتخذ شيخين في الفقه فلا أشير به،لا يتخذ شيخين في العقيدة، أما النحو فأمره سهل، حتى لو اتخذ شيخين واختلفا عليه ما يهم، لكن المهم مثل المسائل العملية الدينية، لا يتخذ شيخين في فن واحد؛ لئلا تختلف أقوالهما فيبقى متذبذباً.
ومن ثم أقول لطالب العلم المبتدئ: لا يراجع كتب الخلاف، يعني لا يراجع مثلًا المغني أو المجموع للنووي، أو غيرهما مما يذكر فيه الخلاف ما دام في ابتداء الطلب؛ لأن الأمور تلتبس عليه ويبقى متذبذباً، وتختلط المعلومات فما دام في ابتداء طلبه فليلزم شيخاً واحداً وكتابا واحدا ولا يتخذ أكثر من شيخ في فن واحد.
من الجزائر السائل شرف الدين يقول في هذا السؤال: ما هي أحسن وسيلة لتلقي العلم النافع جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الوسائل مختلفة،وهي كثيرة والحمد لله في وقتنا الحاضر، فمن الوسائل أن تتلقى العلم على شيخ مأمون في علمه ودينه، وهذه أحسن الوسائل وأقوى الوسائل وأقرب الوسائل إلى تحصيل العلم، ومنها أن تتلقى العلم من الكتب المؤلفة التي ألفها علماء مأمونون موثوقون في علمهم ودينهم، الثالث أن تستمع إلى الأشرطة المنشورة من العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم.
هذه ثلاث طرق يمكن أن يحصل بها العلم، وأهم شيئ هو الاجتهاد والمثابرة وحسن القصد، فإن ذلك من أسباب حصول العلم.
بارك الله فيكم تقصدون فضيلة الشيخ الوسائل الموصلة للعلم الشرعي من أشرطة وإذاعة القرآن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم، قصدي من أشرطة بالنسبة للدروس التي تلقى عندهم في بلدهم لا في الإذاعة، أما الإذاعة فأمرها متيسر والحمد لله لكل أحد.
يقول: الكتب الدينية غالية مثل تفسير ابن كثير والصحيحين، فكيف للشباب أن يتفقهوا في دينهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مسألة كونها غالية هذا أمر نسبي في الحقيقة يختلف باختلاف أهل البلدان وباختلاف حال الشخص، ولكن هي موجودة ولله الحمد في المكاتب، فبإمكان الشاب الحريص أن يذهب إلى أي مكتبة ويجد بغيته هذه، وإذا لم يكن عنده مكتبة في بلده فإنه إن كان يستطيع أن يشتري فليشتر، وإلا فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة ليشتري بها هذه الكتب التي يحتاجها في دينه.
المستمعة من الأردن عائشة تقول: ما هو علاج النسيان؟ سواء كان للقرآن الكريم، أو لغيره من العلوم الشرعية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: علاج النسيان التعاهد، يعني: تعاهد الإنسان ما حفظ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نتعاهد القرآن وقال: (تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).
فليتعاهد الإنسان ما حفظ، بأن يقرأه دائماً حتى لا ينساه، والنسيان غريزة،غريزة بمعنى أن بعض الناس يكون مجبولاً على عدم النسيان، يكون مجبولاً على سرعة الحفظ وبطء النسيان، ومن الناس من يكون سريع الحفظ سريع النسيان، ومنهم من يكون بطيئ الحفظ سريع النسيان،فيختلفون، فالأقسام أربعة بالنسبة لسرعة الحفظ والنسيان.
ويكون النسيان أيضاً بسبب غير غريزي، ومن ذلك المعاصي، فإن المعاصي سبب للنسيان، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ).
ويذكر أن الشافعي رحمة الله عليه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
وإذا كان هذا هو السبب- أعني: المعاصي- فإن دواء ذلك أن يتوب الإنسان من المعصية، وأن يقبل على الله، وأن يكون مهتماً بأموره التي يلزمه الاهتمام بها، سواء كانت خاصة به أم عامة، أما أن يشغل نفسه بما لا فائدة فيه فإن ذلك من اللغو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
وهذا التشاغل بما لا فائدة فيه هو من أسباب النسيان أيضا؛ ً لأن المعلومات والتذكرات تتراكم على الإنسان، فينسي بعضها بعضاً.
بارك الله فيكم هذا الشاذلي السيد جمهورية مصر العربية محافظة قنا يقول: فضيلة الشيخ أريد أن أحفظ القرآن، لكنني لا أعرف ما هي الطريقة التي أحفظ بها القرآن الكريم جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة التي يحفظ الإنسان بها القرآن تختلف باختلاف حال الإنسان،وباختلاف حال المدرس الذي يسمع إليه، فلها طرق، منها: أن يحفظ الإنسان كل خمس آيات على حدة، ولا ينتقل إلى ما بعدها إلا إذا أتقنها تماما.
ً ومنها: أن يحفظ صفحة كاملة ثم يعيدها، والمهم أن يسلك الإنسان في حفظ القرآن ما يناسبه، لكن يتعاهد القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).
وتعاهد القرآن قد يكون في قراءة الإنسان لنفسه وحده، وقد يكون بمشاركة أحد زملائه، يتحافظ عليه، يمسك الزميل المصحف بيده وذاك يقرأ، ثم يأتي العكس.
والمهم أن هذه مسائل ليس فيها نص يؤخذ به، وإنما أوكلت إلى حال الإنسان.
في نظركم يا شيخ محمد ما هي الطريقة المثلى لمن أراد أن يحفظ القرآن؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه تختلف بعض الناس يسهل عليه أن يحفظ القرآن على وجه كبير، يحفظ الصفحة كاملة، يرددها حتى يحفظ.
وبعض الناس يحب أن يحفظ شيئاً يسيراً: أربعة أسطر أوخمسة أسطر، ثم ينتقل إلى أسطر أخرى، وكل على حسب مزاجه.
ثم إنه ينبغي أن يتحفظ القرآن وهو على نوع من فراغ البطن؛ لأن حفظ القرآن على الشبع ربما يصعب حفظه ويسرع نسيانه.
يقول: إنني أحرص دائماً على قراءة القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنني قليل الحفظ، فما هي الطريقة التي تنصحونني بها كي أحفظ كتاب الله؟ أرشدوني بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أسباب الحفظ أولا: ً أن يبادر الإنسان به في حال صغره؛ لأن الحفظ في الصغر -كما قيل- كالنقش على الحجر والإنسان الآن الكبير يتذكر أشياء مرت عليه في صغره ولا يتذكر أشياء مرت عليه عن قرب، فهذا أول سبب يكون به الحفظ.
ثانياً: المتابعة والدراسة وتعاهد ما حفظ، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتعهد القرآن، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنه أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).
ثالثاً: أن يكون دائماً مرتبطاً نفسياً بما حفظه، بحيث لا يغيب عن ذهنه، وبحيث يعرف ويشعر نفسه بأنه ملزم بهذا الذي حفظه من العلم، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال أهل العلم.
رابعا: ً أن يكون على جانب كبير من الإيمان بالله عز وجل وتقوى الله سبحانه وتعالى، فإن هذا من أكبر أسباب الحفظ، يقول الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ).
ومن الحكم المأثورة: قيدوا العلم بالعمل، فالعمل بالعلم من أسباب حفظه وربطه، فإذا كان الإنسان كثير المعاصي فإن المعاصي توجب النسيان، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ).
فالمعاصي سبب كبير من أسباب النسيان، كما أن الطاعات والإيمان سبب كبير من أسباب الحفظ، ومما يؤثر عن الشافعي رحمه الله أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومن عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.
بارك الله فيكم تقول: أريد أن أحفظ من كتاب الله ما يتيسر، وأريد منكم توجيهي إلى الطريقة الصحيحة (حتى يكون) حفظي كاملاً لا أنساه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: من أفضل الطرق لبقاء حفظ الإنسان للقرآن ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو: تعاهد القرآن، تعاهد قراءته، يقرؤه الإنسان كل يوم في الصباح والمساء؛ وفي الليل لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).
ومنها أن يدعو الله سبحانه وتعالى بإمساك القرآن عليه حتى لا يتفلّت منه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
أحسن الله إليكم يا فضيلة الشيخ الأخت السائلة من منطقة عسير تقول: أريد أن أحفظ القرآن في المدرسة الخاصة بتحفيظ القرآن، لكن ظروفي لا تسمح لي بذلك، أريد منكم حفظكم الله الطريقة الصحيحة لحفظه في المنزل، وهل إذا حفظت القرآن بدون تجويد أو فهمٍ لمعانيه هل فيه شيء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريق إلى ذلك أن الإنسان يحفظ خمس آيات حتى يتقنها، ثم خمس آيات حتى يتقنها، ثم خمس آيات حتى يتقنها، فإذا أتم جزءًا كاملاً عاد فتعاهد ما حفظه حتى يعلم أنه لم ينسه، ثم يأخذ في الجزء الثاني كما أخذ في الجزء الأول، حتى ينتهي من القرآن، ولا يشترط أن يكون بالتجويد ولا أن يعرف معناه، التجويد ما هو إلا تحسينٌ للفظ وليس بواجب، والمعنى يمكنه بعد أن يكمل الحفظ ويكبر أن يقرأ من التفاسير المأمونة الموثوقة ما ينتفع به.
ما هي أفضل طريقة ترونها لحفظ القرآن الكريم؟ وهل يجوز أن أقرأ جزءاً معيناً مثل الجزء السادس والعشرين لكي أحفظ ذلك وأترك باقي القرآن؟ أفيدوني مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن؛ لأن صغير السن يسهل عليه الحفظ وليس فيما بعد، ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان: الفائدة الاولى: سهولة الحفظ، والفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه، هذا بالنسبة للسن الذي ينبغي أن يحفظ القران فية.
أما الوقت فأحسن ما يكون في أول النهار، إذا صلىت الفجر أن تقرأ القرآن فيه لتحفظه.
وأما كيفية الحفظ فالناس يختلفون: فمن الناس من يقرأ خمسة أسطر مثلًا فيحفظها، ثم يعيدها مرة بعد أخرى حتى ترسخ في قلبه، ثم ينتقل إلى خمسة أسطر أخرى، وهكذا، وكلما أنهى خمسة أسطر حفظ ما بعدها، ومن الناس من يقرأ صفحة كاملة ويكررها ثم يحفظها، ومن الناس من يأخذ أكثر من هذا.المهم أن هذا -أعني كيفية الحفظ- يرجع الى شخص الانسان وهو يعرف من نفسه ما هو أهون عليه.
ويجوز أن تقتصر على حفظ جزء معين في وسط القرآن ولا حرج عليك، لكن احرص على أن تبدأ من أول القرآن حتى تكمله.
هذا أخوكم في الله ع ع الرياض يقول: فضيلة الشيخ أنا أتعلم القرآن من الأشرطة، والذي أتعلمه بعد صلاة العصر أتلوه بعد صلاة الفجر، هل هذا العمل جائز؟ أم لا؟ أفتونا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل جائز، أعني أنك تستمع القرآن من الأشرطة في العصر ثم تعيده بعد صلاة الفجر، وإذا شيءت أن تتبع طريقة أخرى فلا بأس؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، والناس يختلفون في التحفظ، أي: تحفظ القرآن أو غيره من الكلام، فما ترى أنه أيسر لك وأقرب إلى الحفظ فافعله.
جزاكم الله خيرًا السائل م ع ج يقول فضيلة الشيخ كيف يستطيع الشخص أن يوفق بين حفظ كتاب الله وبين حضور الدروس العلمية اليومية؟ لأنه يصعب عليه أن يوازن بينها، وأن يوفق بينها، إلى جانب أعماله وأعمال الأهل، والسائل من عنيزة رمز لاسمه بـ م ع ج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يعود إلى قدرة الإنسان الذاتية، والناس يختلفون: فمن الناس من يستطيع أن يقوم بهذه الأعمال، ومنهم من لا يستطيع أن يقوم إلا بعمل واحد، ومنهم من يستطيع أن يقوم بعملين أو ثلاثة.
على كل حال ينظر الإنسان إلى نفسه، فإذا تزاحمت فإن القيام بحفظ كتاب الله عز وجل أولى من حضور الدروس، ولكن إذا كان أحد الدروس مهماً وجديراً بالعناية به فليحاول أن يحضر إليه حتى لا يفوته، أما حاجة الأهل: فحاجة الأهل إذا لم يكن أحد يقضيها فإن قضاءها من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله عز وجل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في امرأتك) أي: في فمها، مع أن ما يجعله في فم امرأته من الواجب عليه، إذ إن نفقة الزوجة واجبة، ومع ذلك كان له بها أجر، فإذا قام الإنسان على أهل بيته محتسباً أجره عند الله عز وجل آجره الله على ذلك.