فتاوى نور على الدربصفحات 1-2

كتاب الجهاد - فضله - حكمه - أحكام البغاة -أحكام أهل الذمة

صفحات 1-2

أحسن الله إليكم وبارك فيكم أيمن عبد المنعم من جمهورية مصر العربية يقول ما هو جزاء الشهيد ومكانته عند الله وهل يغفر الله عز وجل الكبائر التي اقترفها ذلك الشهيد قبل أن يتوب منها وهل يعتبر الشهيد من الستة الذين يظلهم الله في ظله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: جزاء الشهيد ومكانته عند الله ما ذكره الله تعالى في قوله (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) فقال بل أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر معلقة تحت العرش وهم أعني الشهداء يغفر لهم كل ذنب اقترفوه إلا الدين فإن الدين لصاحبه يطالب به يوم القيامة وأما قول السائل هل هم من الستة الذين يظلهم الله في ظله فقد غلط في قوله الستة لأن الذين ورد فيهم الحديث سبعة قال النبي صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه).


يقول الطالب في جامعة الملك عبد العزيز والدي يحتاجني في عمله وحاجة أهلي وأخي الأكبر في مدينة أخرى يطلب العلم، وأنا أريد أن أذهب إلى الجهاد ولم يرض أحد من الوالدين فهل يحق لي الذهاب مع العلم أن أخي يقدر أن يقوم مقامي بترك دراسته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد وأهلك محتاجون إليك ومانعوك من السفر إلى الجهاد بل حتى وإن لم يحتاجوا إليك فإذا لم يأذنوا لك فإنه لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد لأن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال الصلاة على وقتها قلت ثم أيّ؟ قال بر الوالدين قلت ثم أيّ؟ قال الجهاد في سبيل الله) فقدم النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله وأما أخوك فإن تفرغه لطلب العلم فيه خير كثير وأمر عظيم وطلب العلم كالجهاد في سبيل الله لأن الله تعالى جعله عديلاً له في قوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فجعل الله التفقه في الدين معادلاً للجهاد في سبيل الله وغزو المسلمين ليس بالسلاح فقط وإنما هو بالسلاح والفكر والخلق والغزو بالفكر لا يقاوم إلا بالعلم والأخلاق أيضاً لا تقاوم إلا بالعلم والاستقامة وربما يكون غزو الأعداء من سنين غزواً فكرياً أعظم فتكاً من السلاح المادي لأن النوع الأول من الغزو غزو يدخل بدون استئذان ويحتل بدون قتال فهو أنكى وأعظم من الجهاد المسلح بالسلاح المادي والمسلمين يجب عليهم هذا وهذا ولهذا قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاهد المنافقين بالسلاح المادي ولم يؤمر به، وإنما يجاهد المنافقين بالسلاح العلمي والبيان والإرشاد فسفر أخيك لطلب العلم وتغربه لطلب العلم لا شك أنه خير كثير أما أنت فالخير لك أن تبقى عند أهلك وأن تقوم ببر والديك وإذا كان لديك مال فجاهد بمالك لأن الجهاد بالمال كالجهاد بالنفس بل هو قرينه في كتاب الله عز وجل.


رسالة م. ع. ظ. من معهد النماص العلمي يقول سمعنا من محدث أن أهل الأعراف هم أناس أو رجال خرجوا للجهاد في سبيل الله ولم يستأذنوا أهلهم في الخروج للجهاد ولكنهم خرجوا وقتلوا في سبيل الله وماتوا شهداء ولم يدخلوا الجنة ولا النار فهم على الأعراف بينهما حتى يقضي الله فيهم يوم القيامة فهل هذا صحيح أم لا؟ ثم لو كان صحيحا وأراد الإنسان الجهاد والهجرة في وقتنا الحاضر فهل مع أهل الأعراف إذا لم يستأذن والديه للخروج لأنهما قد لا يأذنا له فإذا كان الأمر كذلك فإنا قد قرأنا في القرآن الحث من الله عز وجل والترغيب في الجهاد بقوله تعالى (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) وقوله تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حثه على الجهاد (من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) أو كما قال صلى الله عليه وسلم فما قولكم في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قولنا في هذا إن ما سمعت من أن أهل الأعراف هم قوم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله بدون استئذان أهليهم هذا ليس بصحيح فإن أهل الأعراف على ما قاله أهل العلم هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا هم الذين غلبت عليهم السيئات حتى أدخلوا في النار ليطهروا من سيئاتهم ولا هم قوم غلبت حسناتهم حتى يدخلوا الجنة ولكنها تساوت حسناتهم وسيئاتهم فكان من حكمة الله عز وجل وعدله أن يوقفوا في الأعراف وآخر أمرهم أن يدخلوا الجنة بفضل الله تعالى ورحمته هؤلاء هم أهل الأعراف أما ما ذكرت من الجهاد في سبيل الله بدون استئذان الأبوين فإننا نقول في ذلك إذا كان الجهاد تطوعا فإنك لا تخرج إلا باستئذان الأبوين فإذا كان الجهاد واجبا فإنه لا يحتاج إلى إذن الأبوين بل لك أن تخرج وإن لم تستأذنهما وإن لم يرضيا بذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق اللهم إلا أن يكونا في ضرورة إلى بقائك فحينئذ تقدم دفع ضرورتهما على الجهاد وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله وسلم (ففيهما فجاهد) حيث كانا يضطران إلى وجود ابنهما عندهما وأما خروج الجهاد في سبيل الله والهجرة فإن هذا أمر معلوم بدلالة الكتاب والسنة والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ومن أهم الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله عز وجل (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) ولكن ليعلم أن الجهاد في سبيل الله ليس هو مجرد قتال الكفار بل إن الجهاد في سبيل الله تعالى هو الذي يقاتل فيه الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله فقال عليه الصلاة والسلام (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وهذا هو الميزان الحقيقي الصحيح الذي يعرف به كون الجهاد في سبيل الله أو ليس في سبيل الله فمن قاتل دفاعا عن الوطن لمجرد أنه وطن فليس في سبيل الله ومن جاهد عن وطنه لأنه وطن إسلامي ولإعلاء كلمة الله فإنه في سبيل الله فالميزان الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام ميزان بين واضح فمن قاتل دون ماله أو دون أهله أو دون نفسه وقتل فهو شهيد كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم


بارك الله فيكم ذكرتم في إجابتكم أن الجهاد اً إذا كان تطوعاً فإنه يستلزم أن يستأذن والديه وإذا كان واجباً لم يلزمه ذلك هل لنا أن نعرف الحالات التي يكون فيها الجهاد تطوعاً ويكون واجباً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قال أهل العلم إنه يجب الجهاد إذا استنفره الإمام بأن قال له اخرج ثانياً إذا حاصره العدو أو حاصر بلده أو كان محتاجاً إليه في الجهاد بحيث يكون المجاهدون مفتقرون إلى وجود هذا الشخص لكونه يعرف أن يتصرف في الآلات المعينة التي يقاتل بها دون غيره فهو يجب إذا حصره أو حصر بلده عدو أو استنفره الإمام أو كان المجاهدون بحاجة إليه بعينه وكذلك أمر خامس إذا حضر الصف فإنه لا يجوز الفرار فإنه من كبائر الذنوب لقوله تعالى (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وفيما عدا ذلك يكون تطوعاً.


هذه رسالة وردتنا من المرسل أحمد موسى القرني يقول في رسالته مما لا شك فيه أنه منذ أن قُتل عثمان رضي الله عنه الخليفة الثالث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقعت حروب كثيرة في الدول الإسلامية ثم اتسعت هذه الحروب وتعددت ألوانها وأشكالها بتعدد الممالك العربية والإسلامية ولا شك أنه إذا قامت الحرب بين دولتين عربيتين ومسلمتين فإن الذين يُقاتلون في هذه المعارك هم جنود مسلمون فنريد أن نعرف إذا تقاتل المسلمان في هذه الحالة هل يقع الإثم عليهما أو على الدول أو على رؤساء هذه الدول الذي يشعلون نار هذه الحرب نرجو الإفادة وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال (لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه) وقال صلى الله عليه وسلم (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فلا يجوز للمسلمين أن يقتل بعضهم بعضاً أو يقاتل بعضهم بعضاً ولكن من قوتل فله أن يدافع عن نفسه بأخف الضررين فإن لم يكن الدفاع إلا بالمقاتلة فله أن يقاتل وحينئذ يكون المقتول من البغاة في النار وأما المقتول من المدافعين عن أنفسهم الذين لم يجدوا دفاعاً دون القتل يكون في الجنة وإن قتل من البغاة فليس عليه شيء والواجب على المسلمين إذا اقتتلت طائفتان أن يسعوا في الصلح بينهما لقوله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فتبين الآن أن لنا نظرين النظر الأول في حكم الاقتتال بين المسلمين وهو حرام لا يجوز لكن من بُغي عليه واعتدى عليه فله أن يدافع عن نفسه بأقل ما يمكن فإن لم يكن الدفاع إلا بقتال فله ذلك، النظر الثاني بالنسبة لبقية المؤمنين فإذا كانت الطائفتان المقتتلتان من المؤمنين فإنه يجب على بقية المؤمنين أن يصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ولم توافق على الصلح فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوها حتى تفيء إلى أمر الله فإذا فاءت وجب الصلح بما حصل بينهم من إتلافات وغيرها.

يافضيلة الشيخ: ما ذنب الجندي في الطائفة أو في الدولة التي تبغي إذا كان خروجه أو امتناعه عن الحرب يعتبر خروجاً أيضاً عن سلطانه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس خروجاً عن السلطان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما الطاعة في المعروف) وهذا ليس من المعروف أن يقاتل الرجل أخاه المسلم أو يقتله بل يجب عليه أن يرفض هذا الأمر ولا يخرج وفي هذا الحال قد يكون رفضه من أكبر الأسباب الداعية إلى عدم البغي لأنه إذا رفض هذا وهذا وهذا لم يكن بيد الباغي قوة يبغي بها على غيره.


رسالة من إسحاق محمد نور حامد الحاج يسأل يقول هل يجوز للمسلمين أن يسمحوا للمسيحيين أن يبنوا كنائس داخل بلادهم ويقيموا شعائرهم فيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال سؤال هام جداً وذلك أن كثيراً من الناس يظنون أن الفرق بين دين الإسلام والأديان الأخرى سواء كان ذلك من دين النصارى الذين ينتسبون إلى المسيح عيسى بن مريم أو من دين اليهود الذين ينتسبون إلى موسى بن عمران عليهما وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة والسلام يظنون أن الفرق بين هذه الأديان الثلاثة وغيرها أيضاً مما يدين به العالم كالفرق بين مذهب ومذهب في ملة واحدة وهذا ظن خطأ وذلك أن العباد كلهم عباد الله تعالي هو خالقهم ورازقهم وهو الذي أعدهم وأمدهم وهو الذي يكون إليه المرجع ويكون لديه الحساب يوم القيامة وهو سبحانه وتعالى يتعبد عباده بما شاء من شريعة ويمحو الله تعالى ما يشاء ويثبت ولكنه سبحانه وتعالى بين في كتابه العزيز الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم أن (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) والإسلام هو الشريعة التي شرعها الله تعالى لعباده في كل زمان وفي كل مكان وفي حال قيام دعوة موسى عليه الصلاة والسلام كان الإسلام دين اليهود وفي حال قيام دعوة عيسى عليه الصلاة والسلام كان الإسلام دين النصارى وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام محمد كان الإسلام دينه فقط قال الله تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) وقال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) فالناس والعالمون عام يشمل كل بني آدم بل إن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن والإنس وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إذن فدين الإسلام هو الدين الذي يجب أن يكون الخلق عليه من بني آدم ومن الجن أيضاً هذا هو الواجب وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم على هذا اعتناق الإنسان ديناً غير دين الإسلام محرم عليه ولا يجوز له وعلى هذا فإذا أراد أحد من غير المسلمين أن يبني في بلاد المسلمين معابداً من كنائس وغيرها فإن ذلك لا يجوز لأن معناه إظهار غير دين الإسلام في بلاد الإسلام وهذا لا يجوز ولا يجتمع دينان في بلد واحد بل الدين واحد وهو الذي تعبَّد الله به عباده وعليه فيحرم على ولاة المسلمين أن يمكنوا أحداً من غير المسلمين من النصارى أو اليهود أو غيرهم أن يبنوا معابد في بلاد الإسلام سواء كانت كنائس أو صوامع أو بيعاً أو غيرها وإنما تبنى المساجد التي هي من خصائص المسلمين.


المستمعة تغريد تقول في رسالتها أنا معلمة في منطقة بعيدة عن سكن الأهل تستوجب وظيفتي أن أسكن في سكن المعلمات الذي خصصته الحكومة لنا وكان من ضمن المعلمات اللواتي معي في نفس الغرفة معلمة غير مسلمة وهي تشاركني في الأكل والشرب وكذلك في ماء الغسيل لأننا نجلب الماء من الشاطئ ونخزنه فأنا أضطر في صلاة المغرب أن أتوضأ من هذا الماء لأنني أخاف الخروج ليلاً إلى النهر وخاصة أن المنطقة ريفية وموحشة ليلاً وبقيت على هذا الحال أربع سنوات فهل صلاتي صحيحة وأيضاً هل معاشرتي لها صحيحة أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن سؤالين السؤال الأول عن حكم استعمال الماء المخزن بينكما أي بين المرأة السائلة وبين من كانت معها وهي غير مسلمة فهذا الماء المخزن طاهر مطهر وذلك لأن بدن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية بل نجاسة الكافر نجاسة معنوية لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة (إن المسلم لا ينجس) وعلى هذا فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء الذي خزنه غير المسلم وكذلك يجوز أن يلبس الثياب التي غسلها غير المسلم وأن يأكل الطعام الذي طبخه غير المسلم وأما ما ذبحه غير المسلمين فإن كان الذابح من اليهود والنصارى فذبيحته حلال لقول الله تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) قال ابن عباس رضي الله عنهما (طعامهم ذبائحهم) ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية) (وأجاب يهودياً على إهالة سنخة وخبز شعير) وأقر عبد الله بن مغفل على (أخذ الجراب من الشحم الذي رمي به في فتح خيبر) فثبت بالسنة الفعلية والسنة الإقرارية أن ذبائح أهل الكتاب حلال ولا ينبغي أن نسأل كيف ذبحوا ولا هل ذكروا اسم عليه أم لا؟ فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها (أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سموا أنتم وكلوا، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر) يعني أنهم جديدوا الإسلام، ومثل هؤلاء قد تخفى عليهم الأحكام الفرعية الدقيقة التي لا يعلمها إلا من عاش بين المسلمين ومع هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السائلين إلى أن يعتنوا بفعلهم هم بأنفسهم (فقال: سموا أنتم وكلوا) أي سموا على الأكل وكلوا وأما ما فعله غيركم ممن تصرفه صحيح فإنه يحمل على الصحة ولا ينبغي السؤال عنه لأن ذلك من التعمق والتنطع ولو ذهبنا نلزم أنفسنا بالسؤال عن مثل ذلك لأتعبنا أنفسنا إتعاباً كثيراً لاحتمال أن يكون كل طعام قدم إلينا غير مباح فإن من دعاك إلى طعام وقدمه إليك فإنه من الجائز أن يكون هذا الطعام مغصوباًَ أو مسروقاً ومن الجائز أن يكون ثمنه حراماً ومن الجائز أن يكون اللحم الذي ذبح فيه لم يسمَّ الله عليه وما أشبه ذلك فمن رحمة الله تعالى بعباده أن الفعل إذا كان قد صدر من أهله فإن الظاهر أنه فُعِلَ على وجهٍ تبرأ به الذمة ولا يلحق الإنسان فيه حرج وأما ما تضمنه السؤال وهو معاشرة هذه المرأة الكافرة فإن مخالطة الكافرين إن كان يرجى منها إسلامهم بعرض الإسلام عليهم وبيان مزاياه وفضائله فلا حرج على الإنسان أن يخالط هؤلاء ليدعوهم إلى الإسلام ببيان مزاياه وفضائله وبيان مضار الشرك وآثامه وعقوباته وإن كان الإنسان لا يرجوا من هؤلاء الكفار أن يسلموا فإنه لا يعاشرهم لما تقتضيه معاشرتهم من الوقوع في الإثم فإن المعاشرة تذهب الغيرة والإحساس وربما تجلب المودة والمحبة لأولئك الكافرين وقد قال الله عز وجل (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) ومودة أعداء الله ومحبتهم وموالاتهم مخالفة لما يجب على المسلم فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ) ولا ريب أن كل كافر فهو عدو لله وعدو للمؤمنين قال الله تعالى (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) فكل كافر فهو عدو لله ولايليق بمؤمن أن يعاشر أعداء الله عز وجل وأن يوادهم ويحبهم لما في ذلك من الخطر العظيم على دينه وعلى منهجه نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والعصمة مما يغضبه.


من جمهورية مصر العربية وردتنا هذه الرسالة من كمال محمد العطار مدينة قنا يقول فيها هل يجوز للحاكم المسلم أن يسوي بين المسلم والكتابي يهودياً كان أو نصرانياً دون أن يأخذ منهم الجزية وكيف تكون معاملتنا معهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلم والذمي والعدل إعطاء كلٍ منهما ما يستحق فالمسلم له حقوق والكافر له حقوق والكافر أيضاً حقوقه تختلف فالذمي له حقوق والمعاهد له حقوق والمستأمن له حقوق والحربي ليس له حقوق والحاصل أنه يجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلمين وغير المسلمين فيما يجب من حقوقهم وأما بالنسبة للحاكم إن أراد به الحاكم القاضي فإنه يجب عليه أن يعدل أيضاً بينهم بحيث لا يفضل المسلم على الكافر في دخوله عليه مثلاً أو في جلوسه معه أو في تلقينه الحجة أو ما أشبه ذلك بل يجب عليه العدل في ذلك كله وقد أمر الله تبارك وتعالى بالعدل وأخبر أنه من خصال المؤمنين (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).


أيضاً يقول في رسالته هل يجوز أكل أموال غير المسلمين أم هي محرمة كحرمة أموال المسلمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أموال غير المسلمين إذا كانوا معصومين فإنه لا يجوز للمسلم أن يخونهم في أموالهم وأعراضهم والمعصوم من الكفار ثلاثة أصناف الذميون والمعاهدون والمستأمَنُون هؤلاء الثلاثة معصومون لا يجوز الاعتداء عليهم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم وأما الكفار الذين ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان ولا ذمة وإنما هم حربيون فهؤلاء ليسوا معصومين فأموالهم ودماؤهم أيضاً وذرياتهم ونساؤهم حلالٌ للمسلمين ولهذا هم يعلنون الحرب علينا ونحن نعلن الحرب عليهم ثم إن المعاهدات تنقسم إلى قسمين معاهدات ثنائية ومعاهداتٌ جماعية عامة ويجب مراعاة شروط هذه وهذه حسبما يتفق عليه الطرفان.


البيوع

آداب البيع وما ينهى عنه منه

المستمع ح. ع. ع. جدة العمارية فضيلة الشيخ ما حكم من أنفق بضاعته باليمين الكاذبة وجهونا جزاكم الله خير الجزاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أنفق سلعته بالحلف الكاذب أي طلب نفاقها ورغبة الناس فيها أو زيادة ثمنها بالحلف الكاذب فإنه متوعد بالوعيد الشديد أن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب فعليه أن يتوب إلى الله مما صنع وألا يعود لذلك وأن يعلم أن رزق الله لا يستجلب بالمعاصي فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فليتقِ الله وليجمل في الطلب وليعلم أن الوسيلة المحرمة لجلب الرزق تنزع بركة الرزق وتوقع صاحبها في الإثم ويكون ما يأكله من أرباحها سحتاً وما نبت من السحت حري أن تكون النار أولى به وليعلم أن الرزق القليل الحلال الطيب خير من الكثير الخبيث الحرام وباب التوبة مفتوح إذا تاب الإنسان وأقلع عن هذا العمل وتصدق بما يسر الله له من الصدقة فلعل الله أن يتوب عليه ويهديه صراطاً مستقيماً.


البائع الذي يحلف للزبون بكلمة صدقني هذا آخر شيء مثلا. هل هذا صحيح، حتى لا يجعل الله عرضة لكثرة الأيمان للتجارة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال صدقني فهذا ليس يمينا لكنه طلب من المشتري أو من السائم أن يصدقه أما لو قال والله لقد اشتريتها بكذا أو والله لقد سيمت كذا وهو كاذب فهذا هو الذي اشترى بعهد الله ويمينه ثمنا قليلا والمنفق سلعته بالحلف الكاذب من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم كما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال أبو ذر من هم يا رسول الله خابوا وخسروا قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ومع هذا إذا قلنا إن قوله صدقني ليست يميناً فلا يحل له أن يخبر المشتري بخبرِ كذب سواء أخبره بصفة في السلعة وهو كاذب أو أخبره بأنه اشتراها بكذا وهو كاذب أو أخبره بأنها سيمت كذا وهو كاذب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (البيعان بالخيار فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما).


المستمع آدم على إبراهيم من السودان يقول ما حكم الشرع فضيلة الشيخ في التاجر الذي يجمع ماله بطريقة غير مشروعة نرجو بهذا إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن الإنسان إذا اكتسب ماله بطريقٍ غير مشروع فالواجب عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من هذا العمل الذي يكتسب به المال عن طريقٍ غير مشروع وأعظم الطرق تحريماً في المكاسب طريق اكتساب المال بالربا فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا في كتابه في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) قال (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ومن الذي يستطيع أن يعلن الحرب على الله ورسوله وقال عز وجل (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء) والربا يكون في أجناسٍ معينة من المال لا في كل المال بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل وسواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الإصناف فبيعوا كيف شيءتم) فالذهب والفضة وما كان بمعناهما هو الذي فيه الربا وكذلك الأصناف الأربعة الباقية المطعومة المكيلة هي التي فيها الربا هي وما شابهها في الجنس وأما ما سوى ذلك فليس فيه ربا ولهذا يجوز للإنسان أن يبدل سيارة بسيارتين أو سيارة بسيارة ودراهم أو بعيراً ببعيرين أو شاةً بشاتين أو ما أشبه ذلك مما ليس فيه ربا ومن المكاسب المحرمة أن يكتسب الإنسان المال بممارسة بيع وشراء ما لا يجوز مثل أن يتجر بالدخان فإن الدخان محرم لما فيه من الضرر البدني والمالي فإذا اتجر به الإنسان فإن الاتجار به محرم وكسبه حرام أيضاً ومن ذلك أن يبيع ما لا يجوز بيعه مثل أن يبيع كلباً أو خنزيراً أو نحو ذلك ومن هذا أيضاً أن يتجر بالخمور والمخدرات وغير هذا من الأشياء التي حرمها الله فكل من اكتسب شيئاً محرماً فإن عليه أن يتوب إلى الله من ذلك ويخرج من ماله مقدار الكسب الحرام إن علمه فإن لم يعلمه تحرى فأخرج ما تبرأ به ذمته.


ماحكم الشرع في نظركم في التدخين وما حكم المتاجرة به؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التدخين الذي هو شرب الدخان اختلف أهل العلم فيه ما بين مبيح ومحرم كما هو الشأن في كل أمر جديد يقع على الساحة فإن العلماء تختلف اجتهاداتهم فيه ولكن في الأونة الأخيرة تبين للإنسان أنه لا يمكن القول بإباحته لما يشتمل عليه من الأضرار المستعصية التي تؤدي بصاحبها إلى الهلاك وقد قال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) وقال تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ولما ثبت أنه ضرر فإننا نضيف إلى ضرر البدن الضرر المادي فإن به إفناء كثير من المال ولو أن الإنسان أحصى ما يتلفه في هذا السبيل لرأى أنه يتلف شيئاً كثيراً فيكون صرف المال فيه من باب إضاعة المال وقد قال الله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) فنهى عن إيتاء السفهاء وهم الذي لا يحسنون التصرف بأموالهم أن يؤتوا المال، وبين أن المال قيام أي تقوم به مصالح الدين والدنيا وإنما نهى عن إتيان السفهاء أموالهم، قال الله عنها (أَمْوَالَكُمْ) لأجل أن يكون الإنسان حريصاً على مال اليتيم كما يحرص على ماله وإلا فمن المعلوم أن المال لليتيم ومع ذلك نهى عن إتيان السفهاء ذلك لأن السفهاء لا يحسنون التصرف فيه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال، ولأن شارب الدخان تثقل عليه العبادات ولا سيما الصوم لأنها تحجزه عن شربه وإنه بهذه المناسبة مناسبة استقبال شهر رمضان عام عشرة وأربعمائة وألف أحب أن أوجه نصيحة قصيرة إلى الذين ابتلوا بشربه وأقول إن هذا الشهر المبارك شهر رمضان ميدان فسيح للتسابق إلى تركه أولاً لأنه شهر ينبغي أن تكثر فيه الأعمال الصالحة وثانياً أن الصائم لن يتناول هذا الدخان في النهار فإذا صبر عن شربه طول النهار فليتصبر أيضاً في الليل حتى يطلع الفجر فإذا دام على ذلك لمدة شهر كامل فإن ما في دمه من النيكوتين سوف يتحلل ويزول ويسهل عليه جداً أن يتركه فنصيحتي للإخوان الذين ابتلوا به أن يستعينوا الله عز وجل في هذا الشهر شهر رمضان على تركه ومن استعان الله بصدق وإخلاص أعانه الله عز وجل وخلاصة القول أن شرب الدخان محرم لأنه ضرر على البدن وضرر على المال وضرر على النفس وإذا كان الشيء محرماً كان الاتجار به محرماً وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه) فلا يحل الاتجار به وعلى من ابتلي بذلك أن يقلع عن هذا لأن الاتجار به حرام والكسب الحاصل به حرام.


توجد بقالة لبيع المواد الغذائية والحلويات وأنا أعلم علم اليقين بأن هذه البقالة من مصدر حرام فهل يجوز أن نشتري من هذه البقالة وهل يصح أن أنصح عامة الناس بعدم الشراء من ذلك الدكان وما الحكم إذا كان لابد من الشراء من تلك البقالة جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك أن تشتري من هذه البقالة وإن كان صاحبها قد أنشأها من مصدر حرام وذلك لأن المعاملة التي تجري بينك وبينه معاملة مباحة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى من يهودي طعاماً لأهله ورهنه درعه ومات صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي كما أنه صلى الله عليه وسلم قبل هدية اليهود وقبل دعوتهم حين دعاه يهودي إلى خبز من شعير وإهالة سنخة لكن إن وجد بقالة أخرى ليس في مصدرها شبهة فهي أولى.


يقول السائل إذا اشترى شخص سلعة بالتقسيط وتبين له أن الطريقة التي اشتريت بها السلعة طريقة غير جائزة أو محرمة فكيف يتصرف؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أمكن أن يرد البيعة ردها وإذا لم يمكن فعليه أن يستغفر الله عز وجل ولا يعود ثم إن كان هو الذي أخذ الزيادة فليرد الزيادة على صاحبها مع الجهل وإن كان مع العلم فليتصدق بالزيادة تخلصاً منها.


السائل من الدمام يقول فضيلة الشيخ ما حكم الشرع في نظركم في الغش في البيع والشراء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الغش في البيع والشراء وجميع المعاملات محرم بل من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من غش فليس منا) والغش ينافي كمال الإيمان لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فإذا كان الإنسان لا يحب أن يقوم بغشه أحد فكيف يرضى لنفسه أن يغش الناس وعلى هذا فالواجب على من ابتلي بهذه المصيبة أن يتقي الله عز وجل وان يكون صريحاً واضحاً في معاملاته وفي أخلاقه حتى يعرفه الناس ويعاملوه على بصيرة.


مستمع للبرنامج من الامارات يقول والدي عنده مكائن وقرر هو وشركاؤه بيعها وإحدى هذه المكائن فيها عيب فهل علي إثم أن أبيعها دون إخبار المشتري بالعيب خوفاً من غضب والدي أرجو بهذا إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لأحد أن يبيع سلعة معيبة إلا مبيناً عيبها (لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صاحب طعام فأدخل يده في الطعام فإذا في أسفله بلل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا قال أصابته السماء يا رسول الله فقال هلا جعلته فوق ليراه الناس) أو كلمة نحوها ثم قال (من غش فليس منا) وكاتم العيب كالمدلس بل أشد وعلى هذا فلا يحل لك أن تبيع هذه الماكينة التي فيها العيب إلا مبيناً عيبها حتى لو أمرك أبوك أن تبيعها بدون بيان فإنه لا يحل لك أن تطيعه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعليك أن تنصحه وتبين له أن هذا حرام وأن الكسب من ورائه حرام وتقول له سأبين عيبها والرزق الذي يريده الله لك سوف يأتيك فإن أصر على بيان العيب فقل له لا أستطيع أن أبيعها لأن ذلك حرام عليّ وحرام عليك أيضاً وأنا مأمور ببرك ومن برك أن أمنعك من هذا الظلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا يا رسول الله هذا المظلوم فكيف نصر الظالم قال تمنعه من الظلم فذلك نصره)


المستمع طه من مكة المكرمة فضيلة الشيخ يأتيني بعض البضائع فأخلط القديم مع الجديد علماً بأن هذا القديم ليس فيه شيء فاسد ولا خربان هل هناك شيء في هذا وهل لا بد أن أبين للمشتري فأقول هذا جديد وهذا قديم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هناك أشياء تتغير بالقدم وإن كانت لا تفسد فساداً بيّناً فهذه لا يجوز أن يخلط بها الجديد وتباع على أنها جديدة بل يجب أن يميز كل شيء على حدة لأن هذا من تمام البيان والنصح وهناك أشياء لا تتغير بتقدم الزمن فلا حرج أن تخلط هذه مع هذه، مثل لو كان عند الإنسان مواد حديدية لا تتغير بتغير الزمن ولم تتغير الصنعة فيها فخلط بعضها ببعض فلا حرج لأن الحكم لا يتغير والثمن لا يتغير والرغبات فيها لا تتغير فخلط بعضها ببعض ليس بغش ولا خديعة وليعلم أن المتبايعين إذا صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما فليجعل من له معاملة مع الناس هذا الحديث أمام عينيه دائماً وليجعل أمام عينيه أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وليجعل أمام عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) وليجعل أمام عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم (من غش فليس منا) وإذا بنى الإنسان معاملته على هذه الأسس العظيمة القيمة النيِّرة فليبشر بالخير وليعلم أنه ولو كسب قليلاً فإن الله سيجعل في هذا الكسب بركة وأنه لو حاد عنها وكسب كثيراً فلا خير في هذا الكثير تنزع منه البركة فلا يستفيد منه صاحبه شيئاً ويكون وإن كثر ماله كالمعدم وربما تسلط على ماله آفات تستنفذه وربما يصاب هو أو عائلته بأمراض تستنفذ ما كسب فليحذر الإنسان أن يعامل الناس بما لا يحب أن يعاملوه به والله ولي التوفيق.


المستمع حامد شاكر من حريملاء يقول ما حكم بيع عسل النحل المغذى بالسكر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس ببيع عسل النحل المغذى بالسكر لكن إن كان يختلف في الجودة عن عسل النحل الذي لا يتغذى بالسكر فإنه يجب عليه أن يبين للمشتري بأن هذا العسل من نحل يتغذى بالسكر لئلا يقع في الغش الذي تبرأ النبي عليه الصلاة والسلام من فاعله حيث قال (من غش فليس منا) ولئلا تفوته البركة في بيعه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) فعلى المرء أن يتعامل مع الناس بالصدق والبيان وأن يتعامل مع الناس بما يحب أن يعاملوه به فإن هذا هو حقيقة الإيمان لقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ولقوله صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه).


حد الربح وحكم التسعير والاحتكار

هل للربح حد معين في البيع والشراء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس للربح حد معين في البيع والشراء ما دام السوق كله قد ارتفع السعر فيه والإنسان قد يشتري السلعة بمائة مثلا ثم يرتفع السعر طفرة واحدة إلى مائتين فيبيع مائتين فهنا ربح مائة في المائة وأما إذا كان يزيد في الربح والسوق راكد لكنه هو أراد أن يُضر بالناس أو كان يزيد السعر لكون المشتري غريراً لا يعرف الأسعار فهذا حرام عليه ولا يحل له أن يبيع بأكثر مما يبيع به الناس قد يقول بعض الباعة أنا لو أذكر السعر المحدد لقام المشتري يماكسني لأنزل من السعر فنقول لا بأس حينئذٍ أن تزيد في السعر إذا كنت تظن إنه سيماكسك لكن إذا لم يماكسك فلا بد أن تقول له السعر الذي كان في السوق فمثلا إذا جاءك الرجل يشتري سلعة قيمتها مائة فقلت بمائة وعشرين ظنا منك أنه سوف يماكسك حتى تنزل إلى المائة لكن الرجل لم يماكسك وقبلها بمائة وعشرين ففي هذه الحال يجب عليك أن تقول له اصبر أنا قلت لك بمائة وعشرين لأنني ظننت أنك مثل كثير من الناس الذين يماكسون حتى ينزلوا السعر وما دمت لم تماكس فإن القيمة الحقيقية مائة فحينئذٍ لا بأس ويكون هذا دليل على صدق معاملته مع الناس وبيانه للواقع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).


أحمد صالح اليماني مقيم بحفر الباطن يقول في بلدنا عادة وهي إذا أراد أحد الناس أن يبيع نوعاً من بهيمة الأنعام الإناث ذات اللبن وهي أنهم يحبسون اللبن في ضرع هذه البهيمة لمدة يومين أو ثلاثة قبل الذهاب بها إلى السوق لبيعها حتى ينخدع المشتري لمنظرها ذلك فيشتريها بثمن زائد فهل هذا جائز أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل ليس بجائز أعني كون الإنسان إذا أراد أن يبيع بهيمة ذات لبن منع حلبها لمدة يومين أو ثلاثة حتى يمتلئ ضرعها فينخدع المشتري بذلك هذا عمل محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه في قوله (لا تصر الإبل والغنم) والتصرية حبس اللبن في ضرع البهيمة حتى يظن أنها ذات لبن كثير فهذا وقوع فيما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أيضاً من الغش لأن هذا خداع لأخيك المسلم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (من غش فليس منا) وهو أيضاً مناف لكمال الإيمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ومن المعلوم أنك لا تحب لنفسك أن يخدعك أحد بمثل هذه الخديعة فإذا كنت لا تحب ذلك لنفسك فكيف تحبه لأخيك المؤمن إذاً تكون قد أحببت لأخيك ما لا تحب لنفسك فانتفى عنك كمال الإيمان ففي هذه العملية ثلاث مفاسد وقوع فيما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام ووقوع فيما تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه ونقص في الإيمان فعلى المؤمن المتقي لربه أن يكون بيعه وشراؤه صريحاً واضحاً حتى يبارك له فيه لقول النبي عليه الصلاة والسلام (البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما) ثم إن المشتري الذي اشترى هذه البهيمة المصراة له الخيار بعد أن يحلبها ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر.


هل هناك حدٌ شرعي يحدد الأرباح التجارية فيضعها في الثلث أو غيره فإنني سمعت أن من الناس من يحددها بالثلث ويستدل على ذلك بأن عملية البيع تكون مبنية على التراضي واختاروا الثلث ليرضي الجميع نرجو التوضيح والتفصيل مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الربح الذي يكتسبه البائع ليس محدداً شرعاً لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في إجماع أهل العلم ولا علمنا أن أحداً حدده غاية ما في ذلك أن بعضاً من أهل العلم لما ذكروا خيار الغبن قالوا إن مثله أن يغبن بعشرين في المائة أي بالخمس ولكن مع هذا ففي النفس منه شيء فإن التحديد بالخمس ليس عليه دليلٌ أيضا فعلى كل حال فإننا نقول إنه لا حد للربح لعموم قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وعموم قوله تعالى (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فمتى رضي المشتري بالثمن واشترى به فهو جائز ولو كان ربح البائع فيه كثيراً اللهم إلا أن يكون المشتري ممن لا يعرفون الأسعار غريراً بالقِيَم والأثمان فلا يجوز للبائع أن يخدعه ويبيع عليه بأكثر من ثمن السوق كما يفعله بعض الناس الذي لا يخافون الله ولا يرحمون الخلق إذا اشترى منهم الصغير والمرأة والجاهل بالأسعار باعوا عليه بأثمان باهظة وإذا اشترى منهم من يعرف الأسعار وهو عالمٌ يعرف كيف يشتري باعوا عليه بثمن أقل بكثير إذن نقول في الجواب إن الربح غير محدد شرعاً فيجوز للبائع أن يربح ما شاء لعموم الآيتين الكريمتين (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) و (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ولأن الزيادة والنقص خاضعان للعرض والطلب فقد يكون الطلب شديداً على هذه السلعة فترتفع قيمتها وقد يكون ضعيفاً فتنخفض ومن المعلوم أنه قد يشتري الإنسان الشيء بمائة ثم تزيد الأسعار فجأة فيبيعها في اليوم الثاني أو بعد مدةٍ طويلة بمائتين أو بثلاثمائة أو أكثر نعم من احتكر شيئاً معيناً من المال وصار لا يبيعه إلا بما يشتهي فإن لولي الأمر أن يتدخل في أمره وأن يجبره على بيعه بما لا يضره ولا يضر الناس سواءٌ كان هذا المحتكر واحداً من الناس أو جماعةً لا يتعامل بهذا الشيء إلا هم فيحتكرونه فإن الواجب على ولي الأمر في مثل هذه الحال أن يجبرهم على البيع بربحٍ لا يضرهم ولا يضر غيرهم أما إذا كنت المسألة مطلقة والشيء موجودٌ في كل مكان لا يحتكره أحد فإنه لا بأس أن يأخذ ما شاء من الربح إلا إذا كان يربح على إنسانٍ جاهل غرير لا يعرف فهذا حرامٌ عليه أن يربح عليه أكثر مما يربح الناس في هذه السلعة.


عبد الصمد عبد الله يقول ما هو المقدار الجائز شرعاً في الربح عندما يتاجر شخص بنوع من السلع هل هو نصف رأس المال أو الربع أو الثلث أو أكثر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الربح في البيع والشراء ليس له تقديرٌ شرعاً فقد يربح الإنسان أكثر من رأس المال مرات عديدة حسب نشاط السوق وارتفاع الأسعار فكم من أناس اشتروا الشيء بثمن ثم باعوه بأضعافه وقد يربحون دون ذلك وقد لا يربحون شيئاً وقد يخسرون، الأمر في هذا راجع إلى قوة العرض والطلب والأسعار بيد الله عز وجل فهو المسعر القابض الباسط الرازق لكن المحظور هو أن يرفع الإنسان السعر عما جرى فيه العرف أو عما كانت عليه السلعة في السوق ويخدع بها الجاهل كما لو كان الناس يبيعون هذه السلعة بعشرة فباعها بخمسة عشر أو أكثر على إنسانٍ جاهل فإن هذا لا يجوز لما فيه من الخديعة والغش وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (من غش فليس منا) وإذا كان الإنسان لا يرضى أن أحداً يعامله بهذه المعاملة فكيف يرضى أن يعامل غيره بها أما لو كان السوق قد ارتفع مثل أن يشتري هذه السلعة بعشرة ثم تزداد السلعة حتى تصل إلى ثلاثين أو أربعين فلا حرج أن يبيع بهذا السعر لأنه سعر الناس وأما (حديث عروة بن الجعد بن البارقي رضي الله عنه فقد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ديناراً يشتري به أضحية فاشترى شاتين بالدينار ثم باع إحداهما بدينار ثم أتى بأضحيةٍ ودينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه فكان لو اشترى تراباً لربح فيه) وهذا لا يدل على ما ذكره السائل لأنه من الجائز أن يكون من باع الشاتين للبارقي بدينارٍ واحد عرف أن هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل من السعر وأيضا قد يكون عجلاً يريد أن يذهب إلى أهله فباعها برخص وقد يكون السعر زاد في هذه الساعة التي وقع فيها الشراء ثم البيع بعد ذلك على كل حال فيه احتمالات ولكن القاعدة الأصيلة أنه لا يجوز للإنسان أن يغلب غيره غلبةً لا يقتضيها ارتفاع السعر هذا هو الظاهر.

ما الحكم في تاجر يبيع الأشياء بأسعار مختلفة للناس ولو كانت السلعة هي نفسها فيبيعها لواحد مثلا بعشرة ريالات وللآخر بعشرين ولثالث بخمسة وهل مثل هذا يجوز أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الاختلاف بسبب اختلاف السوق وأن هذه السلعة تزداد يوما وتنقص يوما فهذا لا بأس به أن يبيع بسعر السوق وليس في ذلك محظور وأما إذا كان هذا الخلاف فيما يبيع به إنما هو من أجل شطارة المشتري وكونه جيداً في المماكسة أو غير جيد فإذا رأى أنه غير جيد غلبه وإذا رأى أنه جيد نزل له فإن هذا لا يجوز لأنه من الغش وخلاف النصيحة وقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث تميم الداري أنه قال (الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وكما أنه لا يرضى أن يفعل به أحد مثل ذلك فكيف يرضى لنفسه أن يفعله في إخوانه المسلمين فالواجب أن يكون بحسب ما تقتضيه الأسعار في المكان الذي هو فيه وألا يجعل لهذا سعراً ولهذا سعراً بسبب غباوة المشتري أما كونه يحابي بعض أصحابه وبعض أصدقائه في التنزيل من الثمن فهذا لا بأس به ولا حرج عليه أو كونه يبيع السلعة بما تساوي في الأسواق ثم يأتي رجل يلح عليه في المماكسة والتنزيل حتى ينزل له فإن هذا لا يضره لأنه ما خرج عن السعر المعتاد.


ما حكم الشرع في رجلٍ يبيع بضاعته وهو زاهد فيها لدرجة أنه إذا قدمت له أي مبلغٍ قليل يرضى به ولا يبالي بذلك وذلك ليس من باب المساعدة فإنه يريد أن يتخلص من بضاعته تلك بأي طريقة وما الحكم الشرعي في كلٍ من البائع والمشتري هل عليهما إثمٌ في ذلك أفيدونا أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في هذا شيء في الشرع لأن للإنسان أن يبيع سلعته بثمنها أو بقيمتها المعتادة وله أن يبيعها بأقل وله أن يبيعها بأكثر إذا رضي المشتري بذلك إلا إذا كان هذا البائع سفيهاً لا يحسن التصرف فإنه لا يجوز الشراء منه لأن تصرف السفيه غير صحيح حتى يأذن بذلك وليه الذي جُعل عليه من قبل الشرع أو من قبل الحاكم الشرعي.


حسن عبد الله من السودان يقول بأنه اشترى دراجة في أحد الأعوام بمبلغ مائة وثلاثين جنيهاً وفي هذه الأيام وبعد انقضاء سبع سنوات من استعمالها حيث تقل قيمتها كلما صارت قديمة إذا أردت بيعها إلا أن شخصاً رفع قيمة هذه الدراجة بمبلغ ألف ومائتا جنيهٍ بزيادة ألف وسبعين فما الحكم في هذه الزيادة الكبيرة حيث إن الحديث يقول (الملح بالملح والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلاً بمثل وما زاد فهو ربا) أفيدونا بارك الله فيكم.

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الزيادة لا بأس بها إذا كان ذلك من أجل ارتفاع قيمة هذه الدراجات، لأن هناك فرق بين قيمة الأشياء منذ سبع سنوات وقيمتها اليوم أما إذا كانت هذه الزيادة من أجل أن المشتري جاهل بالثمن وأنك خدعته وبعتها عليه بهذا المبلغ مع أنها لا تساويه فإن هذا حرام عليك لأنه لا يجوز التغرير بأحد من المسلمين لقول النبي عليه الصلاة السلام (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وكثيراً ما ترتفع الأسعار في أقل من هذه المدة أحياناً يشتري الإنسان الشيء بمائة وفي خلال سنة واحدة يرتفع إلى ألف أو أكثر فلا حرج عليك إذا بعتها بالزيادة وأما قولك إن هذا قد يكون ربا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء) فهذا لا يدخل في هذا الحديث الذي ذكرت لأن هذا الحديث المراد منه إذا بيع كل واحد من هذه الأشياء بجنسه مثل أن أبيع ذهباً بذهب فلا بد فيه من التساوي والتقابض في مجلس العقد أو أبيع فضة بفضة فلا بد من التساوي والتقابض في مجلس العقد أو تمراً بتمر فلا بد من التساوي والتقابض في مجلس العقد أما إذا بيع جنس بآخر كأن أبيع تمراً ببر فلا بأس بالزيادة لكن بشرط أن يكون ذلك يداً بيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيءتم إذا كان يد بيد).


يقول في بعض السلع التجارية نكسب أكثر من النصف ولو لم نعمل هكذا لما ربحنا ولما غطينا الصرفيات هل في ذلك حرج يا فضيلة الشيخ

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الربح هو سعر البلد والتجار فيه مشتركون فإن هذا لا بأس به لأنه قد يكون الربح في هذا البلد كثيراً لوجود نفقات كثيرة عند ترحيل السلعة من البلد الأول إلى الثاني أو من أجل المخازن أو لأي سببٍ آخر أما إذا كان هذا من باب التضرر بالناس وعدم الرحمة فإن هذا لا يجوز ولهذا لو اجتمع التجار على أن يرفعوا سعر سلعةٍ معينة لا توجد إلا عندهم فإن هذا حرامٌ عليهم لا يجوز مثلاً لو اجتمع تجار الخضرة الذين يبيعوا الخضرة على ألا يبيعوا الكيلو إلا بكذا وكذا مما هو أزيد من قيمته ولم يوجد أحدٌ يتعاطى بيع هذه الخضراوات فإنه لا يحل لهم ذلك ولولي الأمر أن يتدخل وأن يقرر سعراً معيناً يحصل به الربح للبائع دون ضررٍ على المشترين المستهلكين.


هل للتجارة حد في الربح وما حكم التسعيرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الربح ليس له حد فإنه من رزق الله عز وجل والله تعالى قد يسوق الرزق الكثير للإنسان فأحياناً يربح الإنسان في العشرة مائة أو أكثر فقد يكون اشترى الشيء بزمن رخص ثم ترتفع الأسعار فيربح كثيراً كما أن الأمر قد يكون بالعكس فقد يشتريها في زمن الغلاء وترخص رخصاً كثيراً فلا حد للربح الذي يجوز للإنسان أن يربحه نعم لو كان هذا الإنسان هو الذي يختص بإيراد هذه السلع وتسويقها وربح على الناس كثيراً فإنه لا يحل له ذلك لأن هذا يشبه بيع المضطر يعني البيع على المضطر لأن الناس إذا تعلقت حاجتهم بهذا الشيء ولم يكن موجوداً إلا عند شخص معيَّنٍ فإنه في حاجة للشراء منه وسوف يشترون منه ولو زادت عليهم الأثمان ومثل هذا يجوز التسعير عليه وأن تتدخل الحكومة أو ولاة الأمر فيضربون له ربحاً مناسباً لا يضره نقصه ويمنعونه من الربح الزائد الذي يضر غيره ومن هنا نعرف أن التسعير ينقسم إلى قسمين قسم يلجأ إليه ولاة الأمور لظلم الناس واحتكارهم وهذا لا بأس به لأنه من السياسة الحسنة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يحتكر ألا خاطئ) والخاطئ من ارتكب الخطأ العمد وإذا كان خاطئاً فإنه يجب أن يصحح مساره عن طريق ولاة الأمر فإذا احتكر الإنسان هذه السلعة ولم تكن عند غيره والناس في حاجة إليها فإن على ولاة الأمور أن يتدخلوا في هذا وأن يضربوا له الربح الذي لا يتضرر به البائع وينتفع به المشتري أما إذا كان رفع الأسعار ليس صادراً عن ظلم بل هو من الله عز وجل إما لقلة الشيء أو لسبب من الأسباب التي تؤثر في الاقتصاد العام فإن هذا لا يحل التسعير فيه لأن هذا ليس إزالة ظلم من هذا الشخص الذي رفع السعر فإن الأمور بيد الله عز وجل ولهذا (لما غلى السعر في المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاؤوا إليه فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن الله تعالى هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإن لأرجو أن ألقى الله عز وجل وما أحد منكم أن يطلبني بمظلمة في دم ولا مال) فأمتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يسعر لهم لأن هذا الغلاء ليس من فعلهم وصنيعهم وبهذا نعرف أن التسعير على قسمين إن كان سببه إزالة الظلم فلا بأس به وإن كان ظلماً هو بنفسه بحيث يكون الغلاء ليس من ظلم الإنسان فإن التسعير حينئذ يكون ظلماً ولا يجوز.


حامد أحمد قدسي بالسودان يقول الحكومة تعطي سلع التموين إلى التجار بأسعار مخفضة ليبيعوها للشعب بعد إضافة الربح المعقول فإذا كان هذا التاجر أخفى بعض هذه السلع لبيعها بالسوق الأسود، وقال للشعب نفذت، فهل هذا الربح الأكثر من المسموح له حلال أم حرام، علماً بأن أحد التجار استفتى عالماً فأفتى له بصحة ذلك، فنرجو الإفادة وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الرجل إذا استفتى عالماً يثق بقوله ويعتقد أن ما قاله هو الحق فإنه لا يجوز له أن يسأل عالماً آخر، وإذا كان السؤال من غيره وسمع أنه سئل فأجاب فلا بأس أن يسأل كما أسلفنا، وأرجو أن يكون الأخ هذا من هذا القبيل أي أنه سمع أن عالماً سئل فأجاب، ونحن لا نوافق هذا العالم الذي أجاب بالصحة والحل ذلك لأن الحكومة قد خفضت السعر مراعاة للمواطنين، فما دامت قد خفضت السعر فمعنى ذلك أن هذه السلعة تساوي أكثر لولا تخفيض الحكومة، وإذا كان كذلك فإن الواجب عليه أن يكون نصيبه من الربح بالمقدار الذي قررته الحكومة، لأنها أي الحكومة حينما خفضت قيمة السلعة كأنها تقول بعتك هذه السلعة بكذا بشرط أن تبيعها بكذا، فإذا بعتها بأكثر فقد نقضت الشرط الذي بينك وبين الحكومة، وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) ثم إن هذا مع مخالفته لهذه الآيات هو في الحقيقة طمع ينافي كمال الإيمان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعض وشبك بين أصابعه)، ويقول صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهذا الجشع والطمع، فالحكومة تريد نفع الناس وهو يريد الإضرار بهم وهذه أنانية مذمومة مخالفة لكمال الإيمان فنرى أنه لا يجوز للمرء الذي أخذ من السلع المدعومة من قبل الدولة أن يزيد في الربح عما قررته الدولة، لأن هذا بيع بشرط، ولأن هذا ينافي كمال الإيمان الذي يكون مقتضياً لأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه.


هذا السائل من تشاد يوسف شرف الدين يقول لي سؤال يدور حول الاحتكار وهو أني عملت في مال أبي كنا مشتركين في الربح واحتكرنا الطعام إلى أن ارتفع السعر ومعنى ذلك دفعت رأس المال إلى والدي وقسمنا الربح في ما بيننا ولقد أشكل علي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الاحتكار الحديث (لا يحتكر إلا خاطئ) وظننت أن المال الذي وقع لي في قسمتي هو حرام وسألت بعض الإخوة فقالوا بأن الاحتكار المحرم هو ما أضر بالناس وأما ما ليس به ضرر بالناس فهو ليس بحرام نرجو من فضيلة الشيخ أن يوضح لنا هذه المسألة جزاه الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاحتكار فيما يحتاج الناس إليه محرم لأن ذلك مضر بهم وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يحتكر إلا خاطئ) والخاطئ هو مرتكب الذنب عمداً ولكن الاحتكار أنما يكون فيما لا يوجد عند غير هذا المحتكر وأما ما كان يوجد عنده وعند غيره وأراد أن يبقي السلعة عنده حتى يأتي موسمها فإن هذا لا بأس به ولا يعد هذا احتكاراً فلو أن شخصاً اشترى أرزا مثلا وقال أدخره إلى وقت موسمه والناس عندهم الأرز يبيعون كما يشاؤون فإن هذا لا يعتبر محتكراً أما إذا كان لا يوجد إلا عنده وحبسه حتى يأتي وقت الغلاء فإنه يكون محتكراً.
قال أهل العلم ويلزم ولي الأمر أن يجبر المحتكر على أن يبيع ما احتكره كما يبيع الناس في الوقت الذي يحتاجون إليه لأن هذا من المصالح العامة.


أحكام بعض أنواع البيوع - بيع المصحف وشراؤه

فضيلة الشيخ أسأل عن حكم بيع المصاحف؟

فأجاب رحمه الله تعالى: بيع المصاحف لا بأس به وهو مما تدعو الحاجة إليه أو الضرورة أحياناً ويظهر لك ذلك فيما لو كان الإنسان محتاجاً إلى مصحف وليس عنده مصحف لكن عنده دراهم يمكن أن يشتري بها فكيف يتوصل إلى اقتناء هذا المصحف إلا بالشراء وعلى هذا فبيع المصحف وشراؤه حلال ولا بأس به لدعاء الحاجة إليه وأما من منع ذلك فيحمل على ما إذا كان سبباً لابتذاله وامتهانه فيمنع لهذا السبب.


مستمعة من المدينة المنورة تقول فضيلة الشيخ هل شراء المصحف ومن ثم بيعه محرم حيث يقول الله تعالى (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) الآية أرجو بهذا إفادة مأجورين.

فأجاب رحمه الله تعالى: بيع المصحف وشراؤه لا بأس به ولا حرج فيه وما زال المسلمون يتبايعون المصاحف من غير نكير ولا يمكن انتشار المصحف بين أيدي الناس إلا بتجويز بيعه وشرائه أو إيجاب إعارته لمن يستغني عنه كما ذكره بعض أهل العلم وأما الآية الكريمة التي ذكرها السائل فإن المراد بذلك من يكتبون الكتاب بأيديهم ويحرفونه بالزيادة والنقص ليشتروا به ثمنا قليلا فهنا يحق عليهم الوعيد لأنهم حرفوا كلام الله من أجل أن يتوصلوا إلى ما يريدون من أغراض الدنيا سواء كانت أموالاً أو جاها أو غير ذلك.


بيع التماثيل

ما هو الحكم الشرعي في التماثيل الموجودة في كل أسواق المسلمين وبيوتهم على شكل خيول وبنين وبنات وحيوانات وطيور فهل هذا جائز أم هو حرام بيعه وشراؤه واتخاذه في البيوت للزينة وما هي نصيحتكم لإخواننا المسلمين حول ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في هذه التماثيل الموجودة في البيوت سواء كانت معلقة أو موضوعة على الرفوف أن هذه التماثيل يحرم اقتناؤها سواء كان حيوانا أوخيولاً أو أسوداً أو جمالاً أو غير ذلك لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة) وإذا كانت الملائكة لا تدخل هذا البيت فإنه لا خير فيه فعلى من عنده شي من ذلك أن يتلفه أو على الأقل يقطع رأسه ويزيله حتى لا تمتنع الملائكة من دخول بيته وإنك لتعجب من رجال يشترون مثل هذه التماثيل بالدراهم ثم يضعونها في مجالسهم كأنما هم صبيان وهذا من تزيين الشيطان لهم وإلا فلو رجعوا إلى أنفسهم لوجدوا أن هذا سفه وأنه لا ينبغي لعاقل فضلاً عن مؤمن أن يضع هذا عنده في بيته والتخلص من هذا يكون بالإيمان والعزيمة الصادقة حتى يقضوا على هذه ويزيلوها فإن أصروا على بقائها فهم آثمون في ذلك وكل لحظة تمر بهم يزدادون بها إثماً نسأل الله لنا ولهم الهداية وأما بيعها وشراؤها فحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) فلا يجوز استيرادها ولا توريدها ولا بيعها ولاشراؤها ولا يجوز تأجير الدكاكين لهذا الغرض لأن كل هذا من باب المعونة على الإثم والعدوان والله عز وجل يقول لعباده (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وكذلك أيضاً يحرم أن تستر الجدران وأبواب الشبابيك بشيء فيه صور من خيل أو أسود أو جمال أو غيرها لأن تعليق الصور رفع من شأنها فيدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة) وأما ما يوجد من هذه الصور في الفرش التي تداس وتمتهن فإن فيه خلافاً بين أهل العلم هل يحرم أو لا وجمهور أهل العلم على حله فمن أراد الورع واجتنابه وأن يتخذ فرشاً ليس فيها صور حيوان فهو أولى وأحسن ومن أخذ بقول جمهور العلماء فأرجو ألا يكون عليه بأس.


عبد الرحمن السيف يقول يوجد مناظر للزينة وفيها صور محنطة وعليها زجاج هذه المناظر فهل يصح أن تعلق للزينة في المجالس وغيرها أم لا أفتونا جزاكم الله عنا خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن هذه فيما نرى لا يجوز بذل الدراهم فيها بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يشتري مثل هذه الصور المحنطة لأنها ليست مقصودة قصداً شرعياً إذ ليس فيها فائدة لا في الدين ولا في الدنيا وإنما هي مناظر لا تفيد شيئاً فلا يجوز للإنسان أن يبذل الدراهم في شراء مثل هذه الصور المحنطة أما إذا اشتريت هذه الصور المحنطة للعلم والإطلاع على مخلوقات الله والتبصر بما فيها فهذه منفعة لا بأس الإنسان أن يشتريها لهذا الغرض كالذي يوجد في بعض أمكنة المعامل في المدارس هذه لا بأس بها ولا حرج من شرائها.


بيع الأعضاء

طالبة بالمملكة من سريلانكا تقول في زماننا هذا كثر التبرع بالعين وربما بيعها ممن قد يئسوا من الحياة فأرجو إجابتكم على الحكم في الحالتين في التبرع والبيع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة كما ذكرت السائلة حدثت أخيراً في الأزمان المتأخرة واختلف أهل العلم فيها فمنهم من أجاز للإنسان أن يتبرع بأحد أعضائه التي يبقى له منها شيء ثم اختلف هؤلاء هل يجوز أن يتبرع فقط أو له أن يبيع ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقاً وقال لا يجوز لأحد أن يتبرع أو أن يبيع شيئاً من أعضائه حتى وإن كان قد أيس من حياته وذلك لأن بدنه أمانة عنده لا يجوز له أن يتصرف فيه فالإنسان مملوك وليس مالكاً وإذا لم يكن مالكاً لشيء من أعضائه وإنما هي أمانة عنده فإنه لا يجوز له أن يتصرف فيها ببيع ولا غيره وتبرعه بعضو في بدنه من جنسه قد يقوم البدن بدون ذلك العضو الذي تبرع به ولكن من المؤكد أن الله تعالى لم يخلق هذين العضوين إلا لفائدة عظيمة وذلك بأن يتساعدا على المصلحة التي أوكلت إليهما ثم إنه إذا تبرع بأحد هذين العضوين لم يبق له إلا عضو واحد وفي هذه الحال ربما يتعطل ذلك العضو فيكون هذا المتبرع فاقداً للمنفعة كلها ثم إنه إذا تبرع به لغيره فإن تحقق المفسدة فيه قد حصلت حيث فقد ذلك العضو وحصول المصلحة للمتبرع له به أمر محتمل لأن العملية قد لا تنجح فمثلاً لو أن أحداً تبرع بكليته لشخص فإنها إذا نزعت منه فقدها وهذه مفسدة ثم إذا زرعت في المتبرع له فإنها قد تنجح وقد لا تنجح فنكون هنا قد ارتكبنا مفسدة لمصلحة غير متيقنة والذي يترجح عندي أنه لا يجوز أن يتبرع أحد بشيء من أعضاء بدنه وإذا لم يجز التبرع فالبيع من باب أولى وأما التبرع بالدم فإن التبرع بالدم للمحتاج إليه لا بأس به وذلك لأن الدم يخلفه غيره فإذا كان يخلفه غيره صار النقص الذي يحصل على البدن مفقوداً ويكون هنا فيه مصلحة إما متيقنة أو محتملة لكن بدون وجود مفسدة ومثل هذا لا تأتي الشريعة بمنعه فالتبرع بالدم لمن احتاج إليه جائز بشرط أن يقرر الطبيب أنه لا ضرر على هذا المتبرع إذا تبرع بدمه.

جارٍ التحميل