سورة (مريم)
س. ج. م. من سلطنة عمان صحار ما معنى قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) الضمير (هَا) يعود إلى النار (وَإِنْ) بمعنى ما أي ما منكم أحد إلا وارد على النار ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا.
واختلف العلماء رحمهم الله في الورود المذكور في هذه الآية فمنهم من قال إن الورود الدخول فيها، أي أن جميع الناس يدخلونها ولكن المؤمنين لا يحسون بحرها بل تكون عليهم برداً وسلاماً كما كانت النار في الدنيا على إبراهيم عليه الصلاة والسلام برداً وسلاماً واستدل هؤلاء بأن الورود يأتي بمعنى الدخول استدلوا بقوله تعالى عن فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) وبقوله تعالى: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً) وما أشبه ذلك وقال بعض أهل العلم المراد بالورود في قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) المراد به العبور على الصراط لأن الصراط يمد فوق جهنم فيعبر الناس فيه على قدر أعمالهم فهذا العبور على هذا الصراط هو الورود المذكور في قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) وأيدوا قولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنه (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وذلك في صلح الحديبية حين بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت شجرة هناك وبأنه ثبت في الصحيحين من حديث عتبان بن مالك (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) فقوله (حرم على النار) وقوله في الحديث الذي قبله (لا يدخل النار أحد) يدل على أن المؤمنين لا يدخلون النار وإذا كان كذلك تعين أن يكون المراد بالورود هو الورود فوقها وكلا القولين له وجه والعلم عند الله تعالى ولكن المهم أن نعلم علم اليقين أن من مات من أهل الكبائر فإنه إذا دخل النار يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج منها إن شاء الله تعالى أن يعذبه وقد يغفر الله له لأن الله تعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ولكن ينبغي للإنسان بل يجب عليه أن يبادر بالتوبة من كل معصية لأنه لا يدري فربما لا يكون داخلاً تحت مشيئة الله المغفرةُ له فإن من مات بدون توبة من كبائر الذنوب غير الكفر والشرك فإنه يخشى ألا يغفر الله له لأن الله قيد المغفرة له بالمشيئة فقال (لمن يشاء) فلا ينبغي أن يتخذ بعض الناس هذه الآية سبيلاً إلى التهاون بالتوبة وعدم المبالاة بفعل الكبائر إذ لا يدري أيدخل فيمن شاء الله أن يغفر له أم لا يدخل فهو على خطر حتى يتوب إلى الله توبة نصوحاً.
نورة من القصيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) ما معنى هذه الآية الكريمة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الله تعالى يقول ما منكم أحد إلا وارد للنار وهذا الخبر كان حتماً على الله عز وجل مقضياً لا بد منه ولكن بعد هذا الورود ينقسم الناس قسمين قسم قد اتقى الله عز وجل وقام بما يلزمه من شرائع الله في الدنيا فينجيه الله عز وجل من النار وقسم آخر ظالم لنفسه مضيع لحق الله عز وجل فهذا يترك في النار جاثياً واختلف العلماء في المقصود بالورود هنا فمنهم من قال إن المراد بالورود المرور على متن جهنم على الصراط الذي يوضع على متن النار فيكردس من كان ظالماً في النار ويعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج ومن كان متقياً فإنه ينجو ولا يكردس في النار ومنهم من قال إن الورود هو الوقوع في النار نفسها وإن كل واحد يدخل النار ولكن المتقين لا تضرهم النار شيئاً ولا يجدون شيئاً من عذابها.
يقول السائل ما معنى الورود في قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نحن نشكر السائل على سؤاله عن معنى هذه الآية الكريمة ونرجو أن يحتذي المسلمون حذوه في البحث عن معاني آيات القرآن الكريم وذلك لأن الله أنزل الكتاب وبين الحكمة من إنزاله فقال تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) فوصف الله تعالى القرآن بأنه مبارك لبركته في آثاره وفي ثوابه وبين الحكمة من إنزاله وجعل ذلك في شيئين الأول ليدبروا آياته أي يتفهموها ويتفكروا في معانيها مرةً بعد أخرى حتى يصلوا إلى المراد منها والأمر الثاني أن يتذكر أولو الألباب والتذكر يعني الاتعاظ والعمل بما علم الإنسان من معاني الآيات الكريمة ولا يمكن العلم في معاني آيات القرآن الكريم إلا بالبحث ومراجعة أهل العلم وعلى هذا فنقول أنه ما منكم من أحد إلا وارد النار أي سيردها واختلف العلماء في الورود المقصود من هذه الآية فقيل معنى الورود أن الإنسان يقع في النار لكنها لا تضره بشيء كما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ألقي في النار فقال الله تعالى (يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فكانت برداً وسلاماً عليه فيرد الناس النار ويسقطون فيها وإذا كانوا لا يستحقون العقوبة بها لم تضرهم شيئاً وقال بعض العلماء المراد بالورود العبور على الصراط والصراط هو الجسر الموضوع على جهنم أعاذنا الله والمستمعين وإخواننا المسلمين منها فيمر الناس على هذا الصراط على قدر أعمالهم وهو ممرٌ دحضٌ ومزلة وعليه الكلاليب تخطف الناس بأعمالهم والمرور عليه بحسب العمل في الدنيا فمن الناس من يمر كالبرق ومنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالفرس الجواد ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يمشي ومنهم من يزحف ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم وهذا المرور على قدر قبول الإنسان لشريعة الله في الدنيا فمن قبلها بانشراح واطمئنان وسارع فيها وتسابق إليها فإنه سوف يمر على هذا الصراط سريعاً ناجياً ومن كان دون ذلك فعلى حسب عمله فصار في معنى الورود المذكور في الآية قولان القول الأول الوقوع في جهنم لكن لا تضر من لم يكن مستحقاً للعذاب فيها والثاني العبور على الصراط الموضوع على جهنم.
ما معنى قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) هل معنى ذلك أن الكافر والمسلم لا بد أن يردوها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أما ورود الكافر النار فهذا أمر ظاهر ولا إشكال فيه كما قال الله تعالى (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) وأما المؤمنون فإن قوله تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً) فقد اختلف أهل التفسير في المراد بالورود هنا فقال بعض المفسرين إن المراد بالورود ورود الناس على الصراط لأن الصراط منصوب على جهنم فإذ مر الناس عليه فهذا ورود لجهنم وإن لم يكونوا في داخلها والورود يأتي بمعنى القرب من الشيء كما في قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) أي قرب حوله وليس معناه أنه دخل في وسط الماء وقال بعض المفسرين إن المراد بالورود دخول النار لكن من دخلها من غير المذنبين فإنه لا يحس بها فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم أي كما كانت نار الدنيا برداً وسلاماً على إبراهيم والله أعلم.