فتاوى نور على الدربسورة الكهف

يقول السائل ماحكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وهل يداوم الإنسان على قراءة هذه السورة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة سنة وفيها أجر والمداومة على ذلك سنة لأنها من الأمور المشروعة في يوم الجمعة فهي كالمداومة على التبكير يوم الجمعة وعلى ما يسن يوم الجمعة.


يقول السائل هل صحيح أن من يقرأ سورة الكهف ليلة الجمعة يضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح لكنه ورد حديث في فضل قراءتها يوم الجمعة لا ليلة الجمعة ولهذا ينبغي للإنسان أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة والاحتياط أن يكون ذلك من بعد طلوع الشمس ولا فرق بين أن يقرأها قبل الصلاة أو بعد الصلاة.


تقول السائلة هل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة وليلتها عمل مندوب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة عمل مندوب إليه وفيه فضل ولا فرق في ذلك بين أن يقرأها الإنسان من المصحف أو عن ظهر قلب واليوم الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وعلى هذا فإذا قرأها الإنسان بعد صلاة الجمعة أدرك الأجر بخلاف الغسل يوم الجمعة لأن الغسل يكون قبل الصلاة لأنه اغتسال لها فيكون مقدماً عليها.


يقول السائل قال الله تعالى (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) فهل معنى الآية كما فهمت أن المؤمنين يحل لهم الذهب في الآخرة كما يحل لهم الخمر في الآخرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: جواب هذا السؤال أن نقول نعم إن المؤمنين في الجنة يحل لهم أن يتحلوا بالذهب واللؤلؤ وأن يلبسوا الحرير وأن يشربوا الخمر وهذا وإن كان محرماً في الدنيا لما يترتب عليه في الدنيا من الانصراف عن عبادة الله تعالى وطاعته بالاشتغال بهذه الأمور أما في الآخرة فإن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف وإن كان أهل الجنة يسبحون الله عز وجل ويحمدونه ويثنون عليه بما هو أهله على وجه الشكر والمحبة في الثناء على الله عز وجل وقد ذكر الله تعالى في حلية أهل الجنة أنها من لؤلؤ وذهب وفضة كما قال تعالى (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) وإذا اجتمعت هذه الأصناف على المكان الذي يتحلى فيه كان لها منظرٌ عجيب ورونقٌ بديع وهذا من تمام سرورهم ونعيمهم نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً منهم بمنه وكرمه


يقول السائل يقول الله تعالى (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) فما هي الباقيات الصالحات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الباقيات الصالحات هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله وأمثالها مما يقرب إلى الله عز وجل وإن شيءت فقل الباقيات الصالحات كل الأعمال الصالحة لأنها تبقى للإنسان بعد موته يجدها يوم القيامة أمامه فهذه الباقيات الصالحات خيرٌ من الدنيا وما فيها خيرٌ ثواباً وخيرٌ أملا


يقول السائل يقول الله تعالى في سورة الكهف (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) فما معنى هذه الآية وإلى ماذا تشير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تشير هذه الآية إلى بيان عظمة الله عز وجل وأنه سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متكلماً لأنه لم يزل ولا يزال فعالاً وكل فعل فإنه بإرادة منه جل وعلا وإذا أراد أن يخلق شيئاً فإنما يقول له كن فيكون ومخلوقات الله عز وجل لا تزال باقية فإن الجنة فيها خلود ولا موت والنار فيها خلود ولا موت وحينئذ يكون الله عز وجل دائماً أزلاً وأبداً ولا حصر لكلماته ولا منتهى لكلماته فلو كان البحر مداداً لكلمات الله أي حبراً تكتب به كلمات الله عز وجل لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله لأن البحر له أمد ينتهي إليه وكلمات الله عز وجل لا أمد لها وقد قال الله تعالى في آية أخرى (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ)


ما معنى قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً).

فأجاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) السائل هنا قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن (ذِي الْقَرْنَيْنِ) وكانت قصته مشهورة ولاسيما عند أهل الكتاب وهو ملك صالح كان على عهد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويقال إنه طاف معه بالبيت فالله أعلم، هذا الرجل الصالح مكَّن الله له في الأرض وأتاه من أسباب الملك كل سبب يتوصل به إلى الانتصار وقهر أعدائه فأتبع سبباً يعني سلك طريقاً يوصله إلى مقصوده (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً) فاستولى عليهم وخيره الله فيهم (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) فحكم بينهم بالعدل قال (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْر) ثم مضى متجها نحو مطلع الشمس (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً) يحول بينهم وبين حرها ليس عندهم بناء ولا أشجار وإنما يعيشون في النهار في السراديب وفي الكهوف ثم في الليل يخرجون يلتمسون العيش وكان الله عز وجل في جميع أحوال هذا الرجل عالماً به يسير بعلم من الله عز وجل وهداية كما قال تعالى (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً) ثم مضى (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) كانوا أعاجم لا تفهم لغتهم ولا يفهمون لغة غيرهم ولكنهم اشتكوا إلى هذا الملك الصالح إلى ذي القرنين بأن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض وهما أمتان من بني آدم كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وتذكر روايات وأخبار إسرائيلية في هاتين الأمتين أعني في يأجوج ومأجوج كلها لا أصل لها من الصحة وإنما يأجوج ومأجوج من بني آدم وعلى شكل بني آدم كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يقول الله تعالى يعني يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك فيقول أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار قال يا رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار إلا واحداً من الألف فكبر ذلك على الصحابة فقالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد فقال النبي عليه الصلاة والسلام أبشروا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج) وهذا دليل واضح وصريح على أنهم أعني يأجوج ومأجوج من بني آدم سيكون شكلهم وأحولهم كأحوال بني آدم تماماً لكنهم من قوم طبعوا والعياذ بالله على فساد في الأرض وتدمير مصالح الخلق وقتلهم وغير ذلك مما يكون فساداً في أرض الله عز وجل فقالوا له هل نجعل لك خرجاًَ أي مالاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا فأخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى أعطاه من الملك والتمكين ما هو خير من المال الذي يعطونه إياه (قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي بقوة عملية عمال وأدوات وما أشبه ذلك (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) ثم طلب منهم زبر الحديد أي قطع الحديد فصف بعضها على بعض حتى بلغت رؤوس الجبلين (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا) فأوقدوا عليه النار ونفخوها حتى صار الحديد ناراً يلتهب فأفرغ عليه قطراً أي نحاساً مذاباً حتى تماسكت هذه القطع من الحديد وصارت جداراً حديدياً صلباً (فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي يظهروا فوقه (وَمَا اسْطَاعُوا لَهُ نَقْباً) أي أن ينقبوه من أسفل فكان ردماً بين يأجوج ومأجوج وبين هؤلاء القوم وقصته معروفة مشهورة ذكرها الله تعالى في سورة الكهف في آخرها فمن أراد أن يعرف المزيد من علمها فليذهب فليقرأ ما كتبه أهل التفسير الموثوق بهم في هذه القصة العظيمة


جارٍ التحميل