فتاوى نور على الدربسورة الشعراء

يقول السائل قال الله تعالى في كتابه العزيز (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) وقال في موضعٍ آخر (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) وقال (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) فما معنى هذه الآيات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآيات كما سمعنا جميعاً ذكر بعضها بالإفراد وبعضها بالتثنية وبعضها بالجمع وقد يفهم الإنسان بادئ ذي بدء أن هناك تعارضاً بين هذه الآيات وأقول إنه لا تعارض في القرآن الكريم أبداً فالقرآن الكريم لا يتعارض بعضه مع بعض ولا يتعارض مع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا وجدت شيئاً متعارضاً فاطلب وجه الجمع بين هذه التي تظن أنها متعارضة فإن اهتديت إلى ذلك فذلك المطلوب وإن لم تهتد إليه فالواجب عليك أن تقول كما يقول الراسخون في العلم (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) واعلم أنه إنما يتوهم التعارض بين القرآن أو بينه وبين ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان قاصراً في العلم أو مقصراً في التدبر وإلا فإن الله يقول (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) وإنما قدمت هذه المقدمة لأجل أن تعم الفائدة أما الجواب على السؤال فنقول إن الإفراد في قوله تعالى (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشرِقِ وَالْمَغرِبِ) يراد به الجنس وما أريد به الجنس فإنه لا ينافي التعدد وأما قوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) فإن المراد بالمشرقين ما يكون في الصيف وفي الشتاء يعني آخر مشرق للشمس في أيام الصيف وآخر مشرق للشمس في أيام الشتاء يعني معناه مدار الشمس أو انتقال الشمس من مدار الجدي إلى مدار السرطان تكون في آخر هذا في أيام الصيف وفي آخر هذا في أيام الشتاء هذا أكبر دليل على قدرة الله عز وجل حيث ينقل هذا الجرم العظيم وهذه الشمس العظيمة ينقلها من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال وبالعكس وهذا من تمام قدرة الله عز وجل أن تنتقل من الشمال إلى الجنوب فهذا معنى المشرقين أي مشرقا الصيف والشتاء وأما قوله (الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) بالجمع فقيل إن المراد مشرق الشمس ومغربها كل يوم فإن لها في كل يوم مشرقاً ومغرباً غير المشرق والمغرب في اليوم الذي قبله أو اليوم الذي يليه والله تعالى على كل شيء قدير وقيل المراد بالمشارق والمغارب مشارق الشمس والنجوم والقمر فإنها تختلف فيكون الجمع هنا باعتبار ما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وعلى كل حال فالله تعالى رب هذا كله وهو المدبر سبحانه وتعالى والمتصرف فيه كما تقتضي حكمته.


ما معنى هذه الآية الكريمة (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام سأل الله تعالى أن يجعل له لسان صدق في الآخرين أي أن يجعل له من يثني عليه في الآخرين ثناء صدق وقد استجاب الله تعالى دعاءه فكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام محل الثناء في كتب الله عز وجل وفي ألسنة رسله حتى إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ) فالثناء على إبراهيم حصل في الآخرين حتى إن اليهود قالوا إن إبراهيم كان يهوديا والنصارى قالوا إن إبراهيم كان نصرانيا فأنكر الله ذلك وقال (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) والمقصود أن هذه الأمم كلها تفتخر أن يكون إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها لكنها كاذبة ما عدا المسلمين، واليهود والنصارى ليسوا على هذا الوصف بل هم كفار.
(وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقد كذبهم الله تعالى في ذلك في قوله (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) وفي سورة الإخلاص قال الله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).


في كتاب الله ورد (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ) هل الغاوون هم الشياطين وما معنى ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الغاوون جمع الغاوي وهو كل من خالف طريق الرشد ومعنى يتبعهم الغاوون أي يأخذون بهم بأقوالهم وشعرهم من المدح والذم والرثاء والهجاء وغير ذلك مما يكون مخالفاًَ للشرع من أقوال الشعراء فتجد أهل الغواية يتبعون هؤلاء ويعتدون بأقوالهم ويسبون الناس بما يقولون من هذه الأشعار ولكن هذا ليس عاماً لكل شاعر ولهذا قال الله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا).


جارٍ التحميل