فتاوى نور على الدربصفحة 2

سورة الإخلاص يقال إنها تمثل أو تعدل ثلث القرآن فهل صحيح هذا وأن من يقرؤها ثلاث مرات كأنه قرأ القرآن كله؟

صفحة 2

قال الله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) ما هي المحبة المقصودة في الآية هل هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه.

فأجاب رحمه الله تعالى: المحبة في القلب وكل أحد يعرف المحبة والبغض والكراهة لكن من آثار محبة الله أن يقوم الإنسان بطاعة الله عز وجل طلباً للوصول إليه تبارك وتعالى فالذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء الكفار لأصنامهم لأنهم يعبدون الله على بصيرة أو أنه أشد حباً لله من هؤلاء لله إن كان في قلوب هؤلاء العابدين للأصنام محبة لله عز وجل.


يقول السائل ما تفسير الآية الكريمة (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الأمة التي أشار الله إليها هي الأمم التي بعث إليهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب والرسل السابقون فإن هؤلاء لهم دينهم وانتهوا وخلوا ولكم أنتم أيها المخاطبون في عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم ما كسبتم فأنقذوا أنفسكم ولا تقولوا نحن أبناء هذه الأمة أبناء الرسل وما أشبه ذلك فإن لهؤلاء ما كسبوا ولكم أنتم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون وقد قالت اليهود إن إبراهيم كان يهوديا وقالت النصارى ان إبراهيم كان نصرانيا وصاروا يحاجون المسلمين ولكن إبراهيم كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين عليه الصلاة والسلام.


الطيب محمد من السودان يقول ما معنى قوله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى آخر الآية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قوله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) هو أن اليهود لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة بدلاً من بيت المقدس وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة يصلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يحب صلى الله عليه وسلم أن يؤمر بالتوجه إلى الكعبة فيقلب وجهه في السماء ترقباً لنزول جبريل بذلك فأنزل الله تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلى آخر ما ذكره الله سبحانه وتعالى في هذا الموضوع فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فكان اليهود ينتقدون ذلك وهو أنه اتجه أولاً إلى بيت المقدس ثم إتجه ثانياً إلى الكعبة فبين الله تعالى أن الاتجاه إلى المغرب أو إلى المشرق ليس هو البر ولكن البر طاعة الله سبحانه وتعالى والإيمان به (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) إلى آخر الآية والمعنى ولكن البر هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين الإيمان الذي يستلزم امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه فهذه هي حقيقة البر.


يقول السائل كيف نوفق بين قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) والآية الأخرى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وهل الرواية التي عن ابن عباس رضي الله عنه في قراءة وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين واردة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نوفق بين الآيتين اللتين أشار إليهما السائل وهي قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) وبين قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) بأن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن سلمة بن الأكوع أن الصيام أول ما فرض كان الإنسان مخيراً بين أن يصوم ويفدي ثم أنزل الله تعالى الصيام عيناً وبقي الفداء لمن لا يستطيع الصيام على وجه مستمر فإن العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً كالكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه يكون عليه بدلاً عن الصوم فدية طعام مسكين وأما ما أشار إليه السائل من قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين فهذه لا أعلمها عن ابن عباس ولكنه قول لبعض المتأخرين وتفسير الآية به تفسير ضعيف جداً لأنه يقتضي تفسير الشيء المثبت بشيء منفي وهذا ضد التفسير تماماً وإنما جاء عن ابن عباس في الآية الكريمة وعلى الذين يُطَوَّقُونه فدية طعام مسكين أي يبلغون طاقتهم فيشق عليهم ولكن الصحيح في الآية ما أشرنا إليه أولاً لصحة الحديث به وهو أنه كان الصوم حين فرض أولاًَ يخير فيه الإنسان بين أن يفدي وأن يصوم ويدل لذلك قوله تعالى (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) وهذا دليل على أن الآية نزلت فيمن يستطيع الصوم فيخير بين أن يصوم ويفدي ثم تعين الصيام بعد ذلك خلاصة لما سبق يكون في الآية الكريمة ثلاثة أوجه الوجه الأول أنها فيمن يطيقون الصوم فلهم أن يصوموا ويفدوا ولكن الصوم خير لهم وهذا القول وهذا الوجه هو الصواب لدلالة الحديث الصحيح عليه والوجه الثاني أن معنى الآية وعلى الذين يطوِّقونه أي يبلغوا طاقتهم ويشق عليهم وهذا الوجه مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما والوجه الثالث أن معنى الآية وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين وهذا الوجه قاله بعض المتأخرين وهو وجه ضعيف لا يتناسب وتفسير القرآن والوجه الأول هو الصحيح لثبوت الحديث به.


يقول السائل ما معنى قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أفيدونا بذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة يتبين معناها بمعرفة مانزلت فيه وذلك أنهم كانوا أول ما فرض الصيام إذا نام الإنسان منهم أو صلى صلاة العشاء حرم عليه الأكل والشرب والجماع حتى تغرب الشمس من اليوم التالي ثم منّ الله تعالى على عباده فأحل لهم الأكل والشرب والجماع حتى يتبين الفجر فقال جل ذكره (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) إي الإفضاء إليهنّ وهذا يعني الجماع ثم بين الله سبحانه وتعالى أن المرأة لباس لزوجها وأن زوجها لباس لها لأن كل واحد منهما يحصل به تحصين فرج صاحبه وحمايته وحفظه (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) أي باشروا نساءكم بالجماع (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لكم) من الولد الصالح والعمل الصالح في هذه الليلة التي أبيح لكم فيها الجماع بحيث لا يلهيكم الجماع عن طاعة الله عز وجل ولا تريدوا بالجماع مجرد التلذذ والشهوة أو مجرد التلذذ وإدراك الشهوة فباشروهنّ بالجماع مبتغين ما كتب الله لكم من الأعمال الصالحة والولد الصالح (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) أي حتى يظهر لكم بياض النهار من سواد الليل (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) أي إلى غروب الشمس لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أقبل الليل من هاهنا -يعني المشرق- وأدبر النهار من هاهنا -يعني المغرب- وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) ثم لما كان إحلال المرأة ليلة الصيام عاماً شاملاًَ استثنى الله تعالى أو خص الله سبحانه وتعالى زمن الاعتكاف فإنه لا يحل للزوج أن يباشر زوجته وهو معتكف فقال (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) والاعتكاف هو التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد للتفرغ لطاعته وقد (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله واعتكف أزواجه من بعده) ثم بين الله سبحانه وتعالى أن هذه الأحكام المشتملة على المنهيات وعلى الأوامر بأنها حدود الله ونهى عن قربانها والنهي عن القربان يختص بالحدود المحرمة والنهي عن الاعتداء يختص بالحدود الواجبة فإذا قال الله سبحانه وتعالى تلك حدود الله فلا تعتدوها أي لا تتجاوزوها فالمراد بها الواجبات وإذا قال تلك حدود الله فلا تقربوها فالمراد بها المحرمات وهنا يقول عز وجل (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي مثل هذا البيان يبين الله سبحانه وتعالى آياته الشرعية للناس حتى يعلموها وتقوم عليهم الحجة بها وفي آخر الآية دليل على أن الله عز وجل قد بين لعباده كل ما يحتاجون إليه في أمور الشريعة إما في كتاب الله وإما في سنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم لكن هذا البيان قد يخفى على بعض الناس إما لقصوره وإما لتقصيره وإلا فإن القرآن كما وصفه الله عز وجل بقوله (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) فهذا هو معنى الآية الكريمة.


فائز فرج عبد الرزاق كلية الهندسة بغداد يسأل عن قوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الله تعالى أباح لنا أن نأكل ونشرب كل الليل حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر والخيط الأبيض هو بياض النهار والخيط الأسود هو سواد الليل أي إن الله عز وجل أباح لنا أن نأكل ونشرب حتى نرى الفجر بأعيننا فإذا رأيناه متبيناً ظاهراً وجب علينا الإمساك حينئذ من ذلك الوقت إلى الليل وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في قوله (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) هذا هو معنى الآية الكريمة وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه فهم الآية على أن المراد بالخيط الأبيض الحبل الأبيض وبالخيط الأسود الحبل الأسود فجعل رضي الله عنه عقالين تحت وسادته وجعل يأكل ويشرب فلما تبين له العقال الأبيض من العقال الأسود أمسك فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل).


عبد الباسط سالم من ليبيا قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) ما تفسير هذه الآية الكريمة بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ) خطاب من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجيب الصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الحكمة في هذه الأهلة فبين الله سبحانه وتعالى أنها مواقيت للناس ومواقيت للحج مواقيت للناس في معاملاتهم وعباداتهم وغير ذلك مما يحتاجون فيه إلى التوقيت وكلمة الناس عامة تشمل جميع بني آدم فتحديد الشهور الذي وضعه الله تعالى لعباده إنما هو بالأهلة لأن الله قال هي مواقيت للناس وعمم وقال سبحانه وتعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) وقد اتفق العلماء على أن المراد بهذه الشهور هي الشهور الهلالية اعتمادا على ما جاءت به السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهي مواقيت للناس في العبادات وفي المعاملات في العبادات شهر رمضان يصام إذا رئي هلاله ويفطر منه إذا رئي هلال شوال، وفي المعتدات المتوفى عنها زوجها تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام بالأهلة، المطلقات اللاتي لا يحضن لصغر أو إياس يعتددن بثلاثة أشهر بالأهلة، الناس يؤجلون ديونهم وغير ديونهم بالأشهر بالأهلة وهكذا جميع ما يحتاج إلى تأجيل بالشهر يكون الاعتماد فيه على الأهلة وقوله تعالى (وَالْحَجِّ) يعني أن الحج مربوط بالهلال أيضا لأن ابتداء الحج يكون من اليوم الثامن من ذي الحجة وينتهي باليوم الثالث عشر منه وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كما قال تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) وهذه الأشهر الهلالية منها أربعة حرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متوالية ورجب منفرد بين جمادى وشعبان والأهلة مقرونة بالقمر يبدو في الغرب صغيرا ثم لا يزال ينمو رويدا رويدا إلى أن يتكامل نموه في نصف الشهر ثم يعود إلى الاضمحلال حتى يتم ثم يعود مرة ثانية فيخرج من المغرب وخروجه من المغرب هو ابتداء الهلال هذا هو معنى الآية الكريمة.


أحمد محمد جمهورية مصر العربية يقول قال الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) من هم حاضروا المسجد الحرام هل هم أهل مكة أم أهل الحرم أفيدونا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكره السائل هو جزء من آية ذكرها الله سبحانه وتعالى فيمن تمتع فقال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) هم أهل مكة ومن كان من الحرم دون مسافة القصر على اختلاف العلماء في تحديدها هؤلاء هم حاضرو المسجد الحرام فمن كان من حاضري المسجد الحرام فإنه وإن تمتع بالعمرة إلى الحج ليس عليه هدي مثل لو سافر الرجل من أهل مكة إلى المدينة مثلاً في أشهر الحج ثم رجع من المدينة فأحرم من ذي الحليفة بالعمرة مع أنه قد نوى أن يحج هذا العام فإنه لا هدي عليه هنا لأنه من حاضري المسجد الحرام ولو أن أحداً فعله من غير حاضري المسجد الحرام لوجب عليه الهدي أو بدله إن لم يجده وأهل مكة يمكن أن يتمتعوا ويمكن أن يقرنوا ولكن لا هدي عليهم فمثال تمتعهم ما ذكرت آنفاً أن يكون أحدٌ من أهل مكة في المدينة فيدخل مكة في أشهر الحج محرماً بعمرة ناوياً أن يحج من سنته ثم يحج فهذا تمتع بالعمرة إلى الحج لكن لا هدي عليه لأنه من حاضري المسجد الحرام ومثال القران أن يكون أحد من أهل مكة في المدينة ثم يحرم من ذي الحليفة في أيام الحج بعمرة وحج قارناً بينهما فهذا قارن ولا هدي عليه أيضاً لأنه من حاضري المسجد الحرام.


ما معنى قوله تعالى (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) يعني أنه كان أهل مكة لا يقفون بعرفة في الحج يقفون في مزدلفة ويقولون نحن أهل الحرم لا يمكن أن نقف إلا بالحرم فيقفون في مزدلفة فقال الله تعالى (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) أي من المكان الذي أفاض الناس منه وهو عرفة ولهذا قال جابر رضي الله عنه وهو يصف حج النبي صلى الله عليه وسلم أجاز رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تشك قريشٌ إلا أنه واقفٌ عند المشعر الحرام كما كانت قريشٌ تفعل في الجاهلية ولكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تجاوزها ونزل بنمرة ثم لما زالت الشمس ذهب إلى عرفة ووقف هناك فأمر الله تعالى الناس جميعاً ومنهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض الناس (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) يعني اسألوا الله المغفرة والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) وذلك لأن الإنسان إذا فرغ من العبادة ربما يلحقه كسل أو ملل فيغفل عن ذكر الله فأمر الله تعالى أن يذكر الإنسان ربه إذا قضى نسكه وهذا كقوله تعالى في سورة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فأمر بذكره لأن الإنسان مظنة الغفلة إذا خرج من الصلاة ثم سعى في التجارة فإنه مظنة الغفلة فلهذا قال (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ثم قسم الله تعالى الناس إلى قسمين منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا وليس له همٌ في الآخرة ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا والله سريع الحساب.


م. ع من الرياض يقول ما هي المنافع الواردة في هذه الآية الكريمة (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المنافع للناس ما يحصل من الاتجار في الخمر ومن المكاسب بالميسر وما يحصل من النشوة والطرب في الخمر وما يحصل من الفرح والسرور في الكسب في الميسر وما يحصل كذلك من الحركة في العمال الذين يباشرون هذه الأعمال ولكن هذه المنافع وإن عظمت وكثرت فإن الإثم أعظم منها وأكبر كما قال الله تعالى (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) وتأمل هذه الآية الكريمة حيث قال (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فذكر المنافع بصيغة منتهى الجموع الدالة على الكثرة ومع ذلك فإن كثرتها ليست بشيء بالنسبة لما فيهما من الإثم الكبير وقد كان الخمر حلالا في أول الإسلام لقوله تعالى (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) ثم أنزل الله آية البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ثم نزلت آية النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) فامتنع الناس عن الشرب وقت الصلاة وكان في هذا نوع فطام لهم ثم نزلت آية المائدة وهي آخر ما نزل بشأن الخمر والميسر فقال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) فانتهى الناس عن ذلك وصار تحريم الخمر بنص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين ولهذا قال العلماء من استحل الخمر فهو كافر مرتد خارج عن الإسلام ومن شربها معتقدا تحريمها فهو آثم وعاص لله ولرسوله ويجب على ولي الأمر أن يقيم عليه العقوبة التي جاءت بها السنة وصحت عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وذهب بعض العلماء إلى أنه أي شارب الخمر إذا شرب ثم جلد ثم شرب ثم جلد ثم شرب ثم جلد ثم شرب الرابعة فإنه يقتل لحديث ورد في ذلك وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقتل إذا لم ينته الناس بدون القتل يعني بمعنى أن الناس انهمكوا فيها حتى صار الإنسان منهم يجلد ثلاث مرات ولا يتوب ففي هذه الحال يقتل لأن مصلحة قتله خير من مصلحة بقائه لكن جمهور أهل العلم على أنه لا يقتل ولو جلد ثلاث مرات بدعوى أن الحديث الوارد في ذلك إما منسوخ أو ضعيف وعلى كل حال فإن الواجب على المسلم أن يكون مؤمنا بالله قائما بأمر الله مجتنبا لهذه القاذورات التي إن كان فيها نشوة ساعة من زمان ففيها مضرة أياما وشهورا والخمر مفتاح كل شر وأم الخبائث وكم من إنسان سكر فطلق زوجته وكم من إنسان سكر فزنى بمحارمه والعياذ بالله وكم من إنسان سكر وقتل نفسا وربما يقتل نفسه فالحاصل أن الواجب على المؤمن أن يتجنب مثل هذه القاذورات وأن يتقي الله عز وجل وأن يحمد الله الذي فضله على كثير ممن خلق تفضيلا.


يقول السائل المال الذي تريد الزوجة أن تفتدي به نفسها من زوجها هل يرجع أمر تحديده إلى الزوج برغبته وما معنى قوله تعالى (فلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وهل لابد أن يكون مالاً أم لا يشترط ذلك بل بما يرضي الزوج أياً كان ومن ذلك أن رجلاً اشترط على زوجته شرطاً هو أنها إذا طلبت الطلاق سيكون ثمن ذلك هو أن ما عندها وقت الطلاق من الأطفال يكونون معه بدون شرط ولا حساب وإلا فلن يطلقها حتى يبلغ الأطفال سبع سنين فهو يقول لأهلها سأقبل تسريحها إذا هي أرادت إذا كان ولدي المنفطم بيدي آخذه متى شيءت بلا شرط ففداؤها عدم حضانتها فهل يصح مثل هذا أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة تسمى مسألة الخلع أو الطلاق على عوض كما هو عند أكثر أهل الفقه وإن كان بعض أهل العلم يقول إن الطلاق على عوض خلع ولو وقع بلفظ الطلاق وذلك أن المرأة إذا لم تستطع البقاء مع الزوج ولم يرغب أن يطلقها بدون عوض فلا جناح عليهما فيما افتدت به، واختلف أهل العلم هل يجوز أن يطلب منها في الخلع أكثر مما أعطاها أو لا يجوز فمنهم من قال إنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها بل ليس له الحق إلا أن يأخذ ما أعطاها فقط وذلك لأن أخذه أكثر مما أعطاها فيه شيء من الظلم لها واستدلوا بأن هذا الرجل أخذ مقابل ما أعطاها بما استحل من فرجها فإذا أخذ منها أكثر كان ظلماً وقال بعض أهل العلم إنه يجوز أن يخالعها بأكثر مما أعطاها لعموم قوله تعالى (فلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وما اسم موصول فهو من صيغ العموم إلا أن القائلين بأنه لا يأخذ أكثر قالوا إن هذا الاستثناء عائد على ما سبق وهو قوله (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) مما أعطاها ولاشك أن هذا القول أعنى أنه لا يأخذ أكثر مما أعطاها أبرأ لذمته وأسلم اللهم إلا أن يكون قد تزوجها في وقت المهور فيه رخيصة ولو اقتصر على ما أعطاها لم يجد به زوجة وهو لا يجد ما يكمل المهر فهنا قد نقول بأنه لا حرج عليه في طلب أكثر مما أعطاها أما ما ذكره السائل من كون العوض إسقاط حقها من حضانتها فظاهر الآية أنه يصح لعموم قوله (فيما افتدت به) ولكن المعروف عند أهل العلم أنه لا يصح إلا بالمال بما يصح مهراً وإسقاط حقها من الحضانة ليس من هذا الباب وعلى هذا فنقول إذا أراد أن يخالعها فليجعل عوضاً ولو يسيراً لو عشرة دراهم أوما أشبهها وحينئذ يتم الخلع وإذا أسقطت حقها من الحضانة فلا حرج في ذلك.


يقول السائل ما معنى قوله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) وما المقصود بالصلاة الوسطى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بالصلاة الوسطى هنا صلاة العصر وقد ثبت تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال في غزوة الخندق (شغلونا يعني الأحزاب عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) وإذا فسّر النبي عليه الصلاة والسلام القرآن بشيء فإن تفسيره هو الواجب قبوله ولا قول لأحد بعد قول الرسول صلى الله عليه وسلم والعلماء مختلفون في هذه المسألة ولكن الراجح هو ما ذكرنا لدلالة السنة عليه.


هذا السائل الذي رمز لاسمه بـ أ. أ. يقول في هذا السؤال أرجو توضيح كلمة القنوت بالتفصيل حتى نكون إن شاء الله من القانتين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القنوت لعله يريد قول الله تبارك وتعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وهو يطلق على معانٍ متعددة منها السكوت ولهذا قال راوي الحديث (فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) ومعلوم أن المراد بالسكوت أي بالسكوت عن كلام الناس لا بالسكوت عن كل شيء لأن الصلاة كلها أقوال وأفعال لا بد منها فالقنوت يطلق على ترك ما ينافي الصلاة ويطلق أيضا على إطالة القيام والقراءة ويطلق أيضا على كمال الخشوع لله عز وجل ويطلق على الدعاء كما قنت النبي صلى الله وعليه وسلم للمستضعفين وقنت يدعو على أقوام آخرين.


يقول ما فضل آية الكرسي وفيم تذكر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: آية الكرسي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أعظم آية في كتاب الله وأن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح وهذا فضل عظيم وحماية عظيمة من الله سبحانه وتعالى لمن قرأها ويستحب أيضاً أن تقرأ في أدبار الصلوات المكتوبة هذا ما أعرفه حول هذا الموضوع.
فضيلة الشيخ: لكن هل هناك أشياء تذكر فيها مثلاً إنسان سيدعو على إنسان آخر أو سيطلب منه شيئاً هل يقرأ هذه الآية؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا ما يقرؤها يعني يجعلها مقدمة لحاجته، لا ليس بمشروع.


في الآية الكريمة في سورة فاطر (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وتفسير الآية في سورة البقرة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ) هل تأتي التقوى قبل العلم أم العلم قبل التقوى وكيف تكون التقوى بدون علم بناء على ما جاء في تفسير الآية الكريمة (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) والخشية قوة الخوف من الله تبارك وتعالى لكمال عظمته وسلطانه وهذا لا يتأتى إلا من شخص عالم بالله وأسمائه وصفاته ولهذا قال (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) أي ما يخشاه الخشية التامة إلا العلماء والمراد العلماء بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وليس العلماء بطبقات الأرض وأجواء السماء وعلم الفيزياء وما أشبه ذلك فإن هؤلاء علومهم لا تؤثر عليهم بالنسبة لخشية الله ولهذا نجد من هؤلاء العلماء الكبار الذين هم رؤوس في الكفر والعياذ بالله لكن المراد بالعلماء هنا العلماء بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه فهم الذين يخشون الله تعالى حق خشيته والخشية مبنية على العلم فكلما كان الإنسان أعلم بالله كان أشد خشية لله وأعظم محبة له تبارك وتعالى.
وأما قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ) فإن كثير من الناس يظنون أن قوله (وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ) مبني على قوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ) وليس كذلك بل الأمر بتقوى الله أمر مستقل ولا يمكن تقوى الله إلا بالعلم بالله وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذا المعنى في قوله في صحيحه باب العلم قبل القول والعمل ثم استدل لذلك بقول الله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين لأن قوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أمر مستقل بالتقوى ولا يمكن أن يتقي الإنسان ربه إلا إذا علم ما يتقيه أما قوله (وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ) فهي جملة مستأنفة تفيد أن العلم الذي نناله إنما هو من عند الله وحده فلا علم لنا إلا ما علمنا الله تبارك وتعالى وتعليم الله إيانا نوعان غريزي وكسبي.
فالغريزي هو ما يؤتيه الله تعالى للعبد من العلم الذي لا يحتاج إلى تعلم أرأيت الصبي تلده أمه ويهتدي كيف يتناول ثديها ليرضع منه بدون أن يعلمه أحد وكذلك البهائم تعلم ما ينفعها مما يضرها دون أن يسبق لها تعليم من أحد وأما التعليم الكسبي فهو ما يورثه الله العبد بتعلمه بالعلم وتعاطي أسبابه حيث يتعلم على المشايخ ومن بطون الكتب ومن أصوات أشرطة التسجيل وغير ذلك ولهذا لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح ما هي؟ مع أنها مادة الحياة ولا حياة للبدن إلا بها أمر الله نبيه أن يقول (الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وهذا يتضمن توبيخهم عن السؤال عن الروح كأنه قال الروح من أمر الله وما بقي عليكم أن تسألوا عن شيء إلا عن الروح ما بقي عليكم من العلوم أن تدركوه إلا علم الروح ولهذا قال (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) والحاصل أن قوله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) تفيد أنه من كان بالله أعلم كان له أخشى وأما آية البقرة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ) فليس فيها أن التقوى مقدمة على العلم لأنه لا يمكن تقوى إلا بعلم ما يتقى وأن الجملة (وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ) ليس لها ارتباط بما قبلها.


يقول السائل ما تفسير قول الله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية حينما نزلت على الصحابة رضي الله عنهم شق عليهم ذلك وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاثين على ركبهم يرجون التخفيف فقال النبي صلى الله عليه وسلم (قولوا سمعنا وأطعنا) فقالوا (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فخفف الله عنهم وأنزل قوله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) فرفع الله عنهم التكليف إلا فيما كان تحت طاقتهم ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس مهما بلغ من الفحش والقبح لا يضر ما دام الإنسان كارها له غير راكن إليه فإنه لا يضره لقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).


يقول السائل كيف نجمع بين قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) وبين معنى الحديث الشريف الذي هو (إن الله تجاوز عن أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما حدثت به أنفسها ما لم تفعله أو تتكلم به) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الذي أشرت إليه هو في قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) فما كان بوسع الإنسان فإنه مؤاخذٌ به وما كان ليس بوسعه فهو غير مؤاخذ به فقوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) جاءت الآية بعده (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فالخواطر التي ترد على المرء ولا يركن إليها ولا يطمئن لها وإنما هو حديث نفسٍ عابر لا يركن إليه ولا يأخذ به هذا لا يؤاخذ به لأنه فوق طاقة المرء أما إذا كانت الهواجس التي ترد على القلب يطمئن إليها الإنسان ويأخذ بها فإنه عمل يؤاخذ به العبد ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) وأخبر عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل أخاه المسلم فقال عليه الصلاة والسلام (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه) فالمهم أن ما يرد على القلب إذا اطمأن إليه الإنسان وأخذ به واعتبره فإنه يؤاخذ عليه أما الهواجس التي تطرأ ويحدِّث الإنسان نفسه فيها ولكنه لا يركن إليها فلا يؤاخذ بها مثل لو كان يحدث الإنسان نفسه هل يطلق زوجته أو لا نقول إن الزوجة لا تطلق حتى لو نوى أن يطلقها فإنها لا تطلق لأن الطلاق لا يكون إلا بالقول أو بما يدل عليه من الفعل كالكتابة ولا يؤاخذ بهذا وكذلك لو نوى أن يتصدق بهذه الدراهم وعزم ولكنه ما دفعها إلى الآن فإنه لا يلزمه التصدق بها سواءٌ نواها لشخصٍ معين أو نواها صدقةً ولم يعين من يتصدق بها عليه فإنه لا تلزمه الصدقة.


يقول السائل ماهي فوائد قراءة آية الكرسي وآخر آية في سورة البقرة عند الخروج من البيت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في هذا سنة حتى نقول ما هي الفوائد فلا يسن للإنسان إذا خرج من بيته أن يقرأ آية الكرسي أو الآيتين اللتين في آخر سورة البقرة.


جارٍ التحميل