ما حكم تعليق الأحجبة على أعضاء الجسد، وخاصة تلك الحجب التي بها آيات قرآنية أو أحاديث؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة- أعني: تعليق الحجب أو التمائم- تنقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون المعلق من القرآن، والثاني: أن يكون من غير القرآن مما لا يعرف معناه.
وأما الأول، وهو: تعليقها من القرآن، فقد اختلف في ذلك أهل العلم سلفاً وخلفاً، فمنهم من أجاز ذلك، ورأى أنه داخلٌ في قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ)، وأن من بركته أن يعلق ليدفع السوء.
ومنهم من حرَّم فعل هذا وقال: إن تعليقها لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سببٌ شرعيٌ يدفع به السوء أو يرفع به، والأصل في مثل هذه الأشياء التوقيف.
وهذا هو القول الراجح، وأنه لا يجوز تعليق التمائم ولو من القرآن، ولا يجوز أن تجعل تحت وسادة المريض، أو تعلق في الجدران أو ما أشبه ذلك، وإنما يوضع المريض ويقرأ عليه مباشرةً، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل.
وأما إذا كان المعلق من غير القرآن- وهو القسم الثاني مما لا يعرف معناه- فإنه لا يجوز بكل حال؛ لأنه لا يدرى ماذا يكتب، فإن بعض الناس يكتبون طلاسم وأشياء معقدة، حروفاً متداخلة ما تكاد تعرفها ولا تقرؤها، فهذا من البدع، وهو محرم لا يجوز بكل حال.
ماحكم وضع القرآن في السيارة حفظاً من العين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لايجوز هذا ولا ينفع؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنه يتحصن بالقرآن على هذا الوجه، وما يتوهمه بعض الناس فهو لأنه تخيّل أنّ هذا نافع، فظن أنّ انتفاء الشر والعين عن سيارته بواسطة وضع المصحف فيها.
أحسن الله إليكم يا شيخ، امرأة كلما حملت تسقط، وذكر لها أحد الناس بعمل تمائم من القرآن وقد نفعت، وهي مترددة، فما الحكم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التمائم من القرآن- يعني: التي تعلق على العنق- اختلف فيها السلف والخلف، فمنهم من قال بجوازها، واستدل بعموم قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)، وقالوا: إن أي تجربة يكون فيها الشفاء وهي من القرآن الكريم فإنها داخلة في هذا العموم.
ومنهم من قال: إن التمائم ممنوعة، سواء كانت من القرآن أو من غير القرآن، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.
السائلة من الأردن تقول: والدي يعلم بأن والدتي تستعمل أحجبة العرافين، لكنه لا يهتم بذلك بحجة أنه يقرأ المعوذات وآية الكرسي، وأنها لن تستطيع أن تؤثر عليه، علماً بأن والدتي تستخدم هذه الأحجبة نظراً للمشكلات بينها وبين أبي، فما الحكم في ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الحجاب الذي يعلقه المريض من القرآن والأدعية المباحة فقد اختلف العلماء رحمهم الله في جواز تعليقه، فمنهم من منعه ومنهم من أجازه، أما إذا كان الحجاب قد كتب فيه ما لا يدرى عنه ولا عن معناه فإنه لا يجوز لبسه؛ لاحتمال أن يكون به أشياء شركية لا نعلم بها.
هذه رسالة وصلت من أحد الإخوة المستمعين من العراق رمز لاسمه بـ ن م ع يقول في رسالته: في بلدنا دارج وضع الحجاب، إما لغرض الحفظ من العين، أو للحماية من إطلاق الرصاص، أي: لا يصيب الشخص أيُّ أذى من إطلاق النار عليه بحمد الله ولبسه للحجاب، أو يوضع في غرض تهدئة الطفل الذي يبكي كثيراً.
ولكن رأيي- والله أعلم- هو أنه خرافة أو بدعة، وأستند على قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ).
ولكن في بعض الأحيان بعض الناس يقولون: إن الحجاب الذي يحتوي على بعض آيات من القرآن أو أدعية من أدعية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبارة عن رقية مكتوبة؛ لأن الرقى هي تؤدي إلى شفائها، فما رأي الشرع في نظركم في هذه المسألة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يريد السائل بالحجاب التميمة التي تعلق على الإنسان في عنقه، أو يجعلونها في جيبه، أو يجعلونها تحت وسادته إذا نام.
وهذه التمائم تكون على وجهين: الوجه الأول: أن يكتب فيها ما لا يعلم ولا يدرى معناه، فإن هذه لا تحل ولا تجوز؛ لأنه لا يدرى ما الذي تشتمل عليه: أهو شرك، أم أسماء للشياطين، أو لمردة الجن، أو ما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة؟ فهذه لا تجوز قطعاً.
وأما الوجه الثاني: فهو التمائم التي يكتب فيها شيء من القرآن على وجه واضح بيِّن يقرأ، أو شيء من الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من أجازها ومنهم من منعها، والصواب مع من منعها وأنها لا تجوز؛ لأن الاستشفاء بالقرآن إنما يجوز على الوجه الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بقراءته على المريض مباشرة، وبعض السلف يجوِّز أن يكتب القرآن في إناء بزعفران أو نحوه، ويصب عليه الماء ويحرك حتى يصطبغ الماء بهذا اللون المكتوب به القرآن، ثم يشرب.
وعلى هذا فنقول: إن تعليق التمائم واصطحابها في الجيب ووضعها تحت الوسادة لا يجوز مطلقاً، سواء كانت من القرآن أو غيره، ولكن يقرأ على المريض بالآيات التي يرقى بها للمرضى.
وأما قول السائل: أرى أن هذا لا يفيد؛ لأن الله تعالى يقول: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ).
فإن الآية لا تدل على منع هذا الحجاب أو هذه التميمة إذا صح أنها سبب شرعي؛ لأن قوله تعالى: (فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) يشمل ما كشفه الله سبحانه وتعالى بسبب غير معلوم لنا، وما كشفه بسبب معلوم، لكن لا بد أن يكون هذا السبب معلوماً عن طريق الشرع، أو عن طريق الحس والتجربة.
من سوريا تقول: فضيلة الشيخ انتشرت عندنا ظاهرة الأحراز التي يعلقها الشباب والشابات على صدورهم، وهذه الأحراز مكتوبة من مشايخ يقولون بأنها تحفظ من العين. فما حكم الشرع في نظركم في مثل هذه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال: أنه يجب أن نعلم أن الأسباب التي تجلب الخير أو تدفع الشر لابد أن تكون متلقاة من الشرع؛ لأن مثل هذا الأمر- أعني: جلب الخير أو دفع الشر- لا يكون إلا بتقدير الله عز وجل، فلابد أن نسلك الطريق الذي جعله الله سبحانه وتعالى طريقاً يوصل إلى ذلك، أما مجرد الأوهام التي لا تبنى على أصل شرعي فإنها أوهام لا حقيقة، لها قد يتأثر الإنسان منها نفسياً لاعتقاده فيها ما يعتقد، وإن كان في الحقيقة خلاف ذلك.
وتعليق الأحراز على الصدور لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن تكون طلاسم أوحروف مقطعة لا يعلم لها معنى، فهذه محرمة بلا شك، وربما يكتب عليها أسماء الشياطين من الجن ولا يعلم حاملها ذلك، وعلى هذا فيكون تعليقها نوعاً من الشرك، وإذا اعتقد معلقها أنها تنفع أو تضر بدون قدر الله عز وجل كان مشركاً شركاً أكبر، وأما إذا كان يعتقد أن النافع والضار هو الله ولكن هي وسيلة، فهي شرك أصغر؛ لأن الله تعالى لم يجعل هذا سبباً يندفع به الشر أو يحصل به الخير.
أما الثاني: فأن تكون هذه الأحراز مكتوبة بحروف معلومة من القرآن أو من صحيح السنة، فهذه موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من يرى أنها لا بأس بها، مستدلاً بعموم قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً).
ومنهم من يرى منعها وأنها من الشرك الأصغر، مستدلاً بعموم الأحاديث الدالة على أن التمائم شرك.
والذي ينبغي للمؤمن أن يتجنبه، وذلك لأن أقل ما فيها أنه لم يرد فيها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على الجواز، والأصل في مثل هذه الأمور المنع حتى يقوم دليل على الجواز.
ثم إن الإنسان إذا تعلق بها أعرض عن ما ينبغي أن يقوم به من الأوراد القولية التي جاءت بها الشريعة، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم في آية الكرسي: (إن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح).
وقوله في الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة: (من قرأهما في ليلة كفتاه).
وكذلك قوله في المعوذتين.
المهم أن هذه الأحراز توجب غفلة الإنسان عن ما ينبغي أن يقوم به من الأوراد الشرعية القولية، وعلى هذا فإن نصيحتي لهؤلاء وأمثالهم أن يَدَعوا هذه الأحراز، وأن يقوموا بما جاءت به السنة من الأوراد القولية، إما من الكتاب وإما من السنة.
المستمع عودة بن مرعي من قباء شمال يقول: البعض من الناس يكتب سور القرآن الكريم ويعلق ذلك على الأطفال، مثل المعوذتين وسورة الإخلاص، يقصد بأنها تحميه من العين، وتجلب له النفع والهداية.
فهل هذا عمل صحيح؟ أرجو بهذا إفادة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تعليق الآيات على صدور الصبيان منهيٌ عنه؛ لأنه داخلٌ في التمائم في عمومها، إذ إن الأحاديث الواردة في ذلك لم تستثن شيئاً مما يعلق، ثم إن فيه عرضة بامتهانه؛ لأن الصبي لا يحترز من وقوع الأذى على هذا الذي علق عليه من القرآن، وربما يتلطخ بشيء نجس، وربما يدخل به بيت الخلاء وما أشبه ذلك، فلهذا ينهى عن هذا العمل، ويقال: إذا أردت أن تعوذ أبناءك بشيء فعوذهم بالقراءة عليهم.
ومن العلماء من رخص في تعليق المكتوب من القرآن على المريض للاستشفاء به.
واستدل بعموم قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً).
والاحتياط أن لا يفعل ذلك، لا لدفع البلاء كما ذكره السائل، ولا لرفعه كما أشرنا إليه، وليكن مستعملاً لما جاءت به السنة من تعويذ الإنسان بالقراءة، والقراءة على المريض كذلك بما جاءت به السنة.
من العراق محافظة ديالي رمز لاسمه ب ي ي يقول: فضيلة الشيخ ما حكم من يقوم بالقراءة على الأطفال، وكتابة بعض الكلمات أو العبارات في أوراق وتسخيرها لهم، زعماً منه أن في هذا شفاء لهم من الخوف أو غير ذلك مما يسمونه بهذه الأسماء؟ مع العلم بأن هذه العبارات قد تكون غير مفهومة، وأن هذا الرجل يأتيه الناس ويقولون: إن الله هو الشافي، وإن هذا سبب في الشفاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تعليق التمائم، أو وضعها تحت وسادة الفراش، أو تعليقها في جدران الحجرة، أو ما أشبه ذلك، كله من البدع، بل مما نهي عنه: (فمن تعلق تميمة فلا أتم الله له).
والشفاء الذي يحصل بهذا ليس منها، بل هو فتنة حصل عندها لا بها.
لكن اختلف السلف رحمهم الله فيما إذا كان المعلق من القرآن هل هو جائز أم لا؟ فكرهه ابن مسعود وجماعة، وهذا أقرب إلى الإخلاص والتوكل على الله عز وجل، وأجازه آخرون.
وأما ما ليس من القرآن فلا يجوز، لا سيما إذا كان فيه حروف لا يعرف معناها، فإنها قد تكون أسماء للشياطين وطلاسم سحرية، فلا يجوز اعتمادها، حتى لو حصل الشفاء عند استعمالها فإنه لم يحصل بها؛ لأنه لم يقم دليل على أنها سبب شرعي، ولا هي سبب حسي، لكن قد يبتلي الله سبحانه وتعالى العبد ويفتنه، فيحصل مطلوبه بوسيلة محرمة.
فليحذر العاقل اللبيب من هذه الأمور، وليستعن بالله عز وجل، وليتوكل عليه.
نعم لو وجدنا رجلاً صالحاً يقرأ على المريض بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية فهذا لا بأس به، وهو من السنة أن يرقي الإنسان أخاه بالرقى المشروعة.
من الأردن تقول في هذا السؤال: أود أن أسأل عن الحجب، وهل يجوز إخراجها من مكانها؟ علماً بأن أهلي قاموا في العام الماضي بالذهاب إلى إحدى النساء التي تعمل ذلك، وتقول بأنها أخرجته من مكانه، وتقوم هذه المرأة بإحضار ماء ويوضع في وسط هذه الحجب، ولكن المرأة تأخذ مبالغ كبيرة مقابل ذلك العمل، هل ينالنا العقاب جراء ذهابنا إلى هذه المرأة وتعاملنا معها؟ وما حكم الشرع في نظركم في هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أنني ما عرفت معنى الحجب بالضبط؛ لأن المعروف أن الحجب هي عبارة عن أوراق يكتب فيها أدعية وتعوذات وآيات قرآنية، يحملها الإنسان على صدره مربوطة في عنقه، يرى أنها تحجبه من الشر ومن الشياطين، وبعضهم يفعل ذلك إذا مرض، يرى أن الله يشفيه بها، هذا معنى الحجب التي نعرف، وأما ما يفيده ظاهر كلامها فكأنها تريد بذلك نقض السحر، ونقض السحر بالسحر ممنوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان.
لكن قد يكون هناك حالات خاصة ينظر فيها بعينها.
بارك الله فيكم هذا المستمع أبو عبد الله يقول في هذا السؤال: مرض أحد أقربائي، فطلبت مني والدتي أن أحضر لها عزائم من أحد الناس الذين يقرؤون على الناس، فطلب مني ذلك الرجل مبلغ ألف ريال مقابل هذه العزائم التي توضع عند رأس المريض، فما حكم هذه العزائم؟ وما حكم أخذ هذا الرجل هذا المبلغ الباهظ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما بالنسبة لهذه العزائم فإنه لا يجوز للإنسان أن يستعمل عزائم لا يدري ما هي حتى يعرف أنها من القرآن أو من السنة الصحيحة أو من الأدعية المباحة، فأما أن يأتي لأي شخص يجده يقرأ على الناس ويكتب لهم العزائم فيطلب منه ذلك فإن هذا لا يجوز.
وأما وضعها عند الرأس فلا أصل له، ولم يفعله أحد من السلف، لكن رخص بعض السلف في العزائم إن كانت من القرآن أن يتقلدها الإنسان، أو أن يضعها في ماء ويشرب أثر المداد الذي يتحلل في هذا الماء، وأما وضعها عند الرأس أو تحت الوسادة فلا أصل له.
وأما أخذ الأجرة والعوض على هذه العزائم: فالذي ينبغي للإنسان أن لا يفعل، وإن فعل فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أجاز أخذ الأجرة على الرقية في قصة الصحابة الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم، فاستضافوا قوماً فلم يضيفوهم، فسلط الله على حية فلدغ، ثم جاؤوا إلى الصحابة يطلبون منهم قارئاً، قالوا لا نقرأ عليكم إلا بكذا وكذا من الغنم.
فأعطوهم من الغنم، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأقره.
وأما كون القارىء يأخذ أجراً كثيراً على عمل يسير: فإني أنصحه أن يتقي الله عز وجل في إخوانه، وألا يستغل ضرورتهم في ابتزاز أموالهم فليأخذ ما يرى أنه حق له، وأما ما زاد فليتورع عنه.
أحسن الله إليكم هذا سؤال من المستمعة فتاة من الأردن الزرقاء تقول: عمرها خمسة وعشرون عاما، ً فمنذ صغرها وهي تطلب للزواج ولا يحصل نصيب، لا يكون ذلك برفض منها ولكنها لا تدري ما هو السبب، فهي إنسانة طبيعية متوسطة الجمال، فقال الناس لأمها: إن ابنتك لها حجاب عن الزواج، ولكن أمها رفضت هذه الفكرة من الأصل؛ لأنها تخاف الله ولا تصدق بهذه الأشياء.
وفي يوم من الأيام ذهبت الفتاة وحدها إلى امرأة يقال لها: شيخة، فقالت لها: إن لك عدة أعمال محجوبة، من ضمنها الزواج والوظيفة والقلق والكراهية وما إلى ذلك، وعملت لها عدة أشياء، منها ما يعلق على الصدر وعلى الكتف اليمين، ومنها ما يشرب ويرش، فبقيت تستعمل هذه الأشياء بالسر عن والدتها، ومضى شهر وشهران وأكثر ولم يطرق بابها أي خاطب.
أما ما قالته لها بخصوص العمل فهي موظفة، أما ما تعانيه فهو صحيح: فهي تكره أن ترى الناس، بعد ذلك تغيرت وأصبحت حالتها أحسن، وذات مرة خطر ببالها أن تمزق هذا الحجاب الذي أعطته لها تلك المرأة، وعندما فتحته وجدت بداخله تكراراً لأسماء الرسول والخلفاء وبعض الرسل وبعض الأسماء الغريبة، فحرقتها جميعا.
ً فتسأل: هل صحيح أن الحجاب الذي يعمله المشعوذون يمنع الفتاة عن الزواج؟ وهل ما قامت به من تمزيقه حرام؟ مع العلم أن بعض ما أخبرتها به صحيح؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا سؤال يتلخص جوابه في شيئين: الشيء الأول: تعليق هذه الحجب، سواء كان لطالب الزواج، أم للبراءة من المرض الجسمي أو النفسي، هل هو جائز أو ليس بجائز؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يرى أنه ليس بجائز على كل حال، وذلك لأنه لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعليق مثل هذا يكون سبباً في إزالة ما يكره أو حصول ما هو محبوب، وإذا لم يثبت شرعاً فإنه لا يجوز إثبات كونه سبباً.
ومن العلماء من يقول: إنه لا بأس به- أي: بتعليق الحجاب- لدفع ضرر أو حصول منفعة، لكن بشرط أن يكون من إنسان موثوق به، وأن يعلم ما كُتب فيه، وأن لا يكون هذا المكتوب مخالفاً لما جاء به الشرع، فإذا تمت هذه الشروط الثلاثة فهو جائز، وبعضهم يشترطون شرطاً رابعاً، وهو: أن يكون من القرآن خاصة.
وعلى هذا القول الثاني يجوز التعليق بالشروط الأربعة، ولكن الذي أرى أنه لا يجوز مطلقاً؛ لأن تعليل من قال بعدم الجواز قوي، حيث إنه لم يثبت في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن هذا من الأسباب النافعة، وكل شيء يثبت سبباً لشيء ولم يكن معلوماً بالشرع أو معلوماً بالحس فإنه لا يجوز إثباته.
أما المسألة الثانية أو الشيء الثاني مما يتضمنه جوابنا هذا على سؤال المرأة: فإن هذا الذي عملته في هذا الحجاب تمزيقه من المعروف، وهو عمل طيب، بل يجب عليها إذا كانت لا تدري ما الذي فيه أن تكشف عنه، فإذا رأت فيه مثلما ذكرت أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وأسماء الخلفاء وبعض الرسل فإنه لا يجوز تعليقه؛ لأن هذا شيء غير مؤكد، وإذا رأت فيه قرآناً فإنه ينبني على الخلاف الذي ذكرناه قبل قليل والذي نرى أيضاً أنه لا يجوز تعليقه.
فإذا كان قرآناً فهناك طريقان: إما أن تدفنه في محل نظيف، وإما أن تحرقه وتدقه بعد إحراقه حتى يتلاشى نهائياً.
وبهذه المناسبة أود أن أحذر إخواننا من التردد على أولئك الناس الذين يكتبون هذه الأحراز وهذه الحجب، وحالهم لا تعلم لا من جهة الديانة ولا من جهة العلم؛ لأن هذه من الأمور الخطيرة، وكون الإنسان إذا فعلها يتأثر ويجد خفة قد لا يكون ذلك من جراء هذا العمل، قد يكون الله تعالى قد أذن ببرئه أو شفائه وصادف أن يكون عند هذا الشيء لا به، وأيضاً فإنه من المعلوم نفسياً أن الإنسان إذا شعر بشيء منه نفسياً فإنه يتأثر به جسمه، حتى إن الإنسان -كما هو مشاهد- إذا كان غافلاً عما به من مرض فإنه لا يحس به، فإذا التفت بفكره إليه أحس به هذا الرجل، يكون مشتغلاً بتحميل عفشه مثلاً فيجرحه مسمار أو زجاجة، تجده لا يحس بها حين اشتغاله بالعمل، فإذا تفرغ فإنه يحس به؛ لأنه جعل فكره إليه.
والمهم أننا ننصح إخواننا عن هذه الطرق التي لا يعلم من سلكها، ولا يعلم ما فيها من مكتوب، والإنسان ينبغي له أن يعلق قلبه بالله عز وجل، ويتبع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستشفاء بالقرآن والدعاء.
من السودان المستمع إدريس يقول: يوجد في قريتنا مسجد، ولكن إمام المسجد يستعمل التراب من القبور، ويكتب التمائم والحروز، ويدعي بأنها تعالج المرضى وتفك من السحر والعين.
هل تصح الصلاة خلف هذا الإمام المذكور؟ نرجو إفادة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إنه لا شك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن شر الأمور محدثاتها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن ذلك في خطب الجمع.
وأخذ التراب من القبور للاستشفاء به بدعة، وهو ضلال في دين الله وسفهٌ في العقل، فإن هذا التراب لم يحدث له أي شيء يجعله سبباً في شفاء المرضى من أجل دفن الميت في القبر، بل هذه التربة كسائر تراب الأرض، وليس لها مزيةٌ على غيرها، ومن تبرك بها أو استشفى بها فقد ابتدع وضل وسفه في عقله، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل من هذا العمل، وأن يعلم أن الشفاء من الله عز وجل، وأنه لا شفاء بأي سببٍ من الأسباب إلا ما جعله الله سبباً، ولم يجعل الله تعالى أخذ التراب من القبور سبباً في شفاء المرضى.
وأما القراءة على المرضى بآياتٍ من القرآن، أو بما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن هذا سببٌ شرعي يحصل به الشفاء بإذن الله، وقد صح أن سريةً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام نزلوا على قومٍ فاستضافوهم، فأبى القوم أن يضيفوهم، فقدر الله تعالى على سيدهم- أي: سيد القوم- أن لدغته حية، فأتوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: هل عندكم من راقٍ؟ قالوا: نعم.
قالوا إنه لدغ سيدهم، فيريدون أن يرقى عليه.
فقالوا لا نرقي عليه إلا بكذا وكذا من الغنم.
فأعطوهم إياها، فذهب أحد القوم من السرية إلى اللديغ، فجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب، فقام هذا الملدوغ كأنما نشط من عقال، وبرأ بإذن الله بقراءة الرجل عليه سورة الفاتحة.
وتأثير قراءة القرآن في المرضى أمرٌ لا ينكر، قال الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً).
والشفاء هنا شامل الشفاء من أمراض القلوب وأمراض الأجسام، وهذا الإمام الذي ذكرت أنه يتبرك بتراب القبور ويستشفي بها يجب عليكم أن تنصحوه، وتبينوا له أن ذلك بدعةٌ وضلالٌ في دين الله وسفهٌ في العقول، وأن عليه أن يتوب إلى الله عز وجل من هذا العمل الذي كان يقوم به.
وأما قراءته على المرضى بآياتٍ من القرآن وبما جاءت به السنة فإن هذا لا بأس به، بل هو أمرٌ مطلوب.
وأما الصلاة خلفه: فالقول الراجح من أقوال أهل العلم أن الإنسان إذا لم يصل بعمله وبدعته إلى الكفر المخرج من الإسلام فإنه يصلى خلفه، وتصح الصلاة خلفه، إلا إذا كان في الصلاة خلفه فتنة، بحيث يفتتن به الناس ويتابعونه على بدعته، فحينئذٍ يحسن أن لا يصلى خلفه؛ لئلا يفتتن به الناس ويظنوا أنه على حق، حيث كان الناس يصلون وراءه، لا سيما إذا كان الذي يصلى وراءه ممن يشار إليهم بالفقه والعلم.
يقول الله تعالى في سورة البقرة: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ).
ما معنى هذه الآية؟ وهل يدخل فيها من يكتبون الحجب من القرآن مقابل أجر نقدي يتقاضونه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى توعد أولئك الذين يفترون عليه كذباً فيكتبون بأيديهم كلاماً ثم يقولون للناس: هذا من عند الله، من أجل أن ينالوا به حظاً من الدنيا، إما جاهاً أو رئاسة أو مالاً أو غير ذلك، ثم بين الله تعالى أن هذا الوعيد على الفعلين جميعاً: على كتابتهم الباطلة، وعلى كسبهم المحرم الناشيء عن هذه الكتابة الباطلة.
أما الذين يكتبون الحجب- وهي: ما يعلق على المريض لشفائه من المرض، أو على الصحيح لوقايته من المرض -فإنه ينظر: هل تعليق هذه الحجب جائز أم لا؟ إذا كانت هذه الحجب لا يعلم ما كتب فيها، أو كتب فيها أشياء محرمة، كأسماء الشياطين والجن وما أشبه ذلك، فإن تعليقها لا يحل بكل حال.
وأما إذا كانت هذه الحجب مكتوبة من القرآن والأحاديث النبوية ففي حلها قولان لأهل العلم، والراجح أنه لا يحل تعليقها، وذلك لأن التعبد لله سبحانه وتعالى بما لم يشرعه الله بدعة، ولأن اعتقاد شيء من الأشياء سبباً لم يجعله الله سبباً نوع من الشرك.
وعلى هذا فالقول الراجح أنه لا يجوز أن يعلق على المريض شيء، لا من القرآن ولا من غيره، ولا أن يعلق على الصحيح شيء، لا من القرآن ولا من غيره، وكذلك لو كتبت هذه الحجب ووضعت تحت وسادة مريض ونحو ذلك، فإنه لا يجوز.
المستمع سعيد عبد اللطيف صالح من اليمن لواء تعز يقول: نعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بأصحابه صلاة الصبح في الحديبية على إثر سماء نزلت في الليل، فلما سلم أقبل على أصحابه وقال لهم: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: (إنه قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فقد أصبح وهو مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فهو مؤمن بالكوكب وكافر بي).
وفي هذا الزمن يقولون: إن الأمطار تتبخر، أو هي نتيجة تبخر البحار والمحيطات إلى غير ذلك، فمن اطلع على حقيقة ذلك؟ وهل هذا الاعتقاد جائز؟ وما الدليل من الكتاب والسنة على هذا القول؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قول السائل: نعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، الصواب أن يقال: إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن قول: روي عن الرسول معناه تضعيف الحديث، والحديث ثابت، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الصبح على إثر مطر نزل، فلما أنهى صلاته أقبل عليهم وقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم) ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: (قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب).
من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بالله؛ لأنه اعترف لله بالفضل، وأن هذا المطر من آثار فضله ورحمته تبارك وتعالى، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يضيف النعم إلى بارئها ومسديها وهو الله تبارك وتعالى، ولا حرج أن يضيفها إلى سببها الثابت شرعاً أو حساً إلا أنه إذا أضافها إلى سببها الثابت حساً أو شرعاً، فإنه لا يضيفها إلى السبب مقروناً مع الله عز وجل بالواو، وإنما يضيفها إلى سببها مقروناً مع الله تعالى بثم، أو إلى سببها وحده.
فلو أن شخصاً أنقذ غريقاً من غرق فهنا لا يخلو من حالات:
الأولى: أن يقول: أنقذني الله تعالى على يد فلان، وهذا أفضل الأحوال.
الثانية: أن يقول: أنقذني الله ثم فلان، وهذه جائزة، وهي دون الأولى.
الثالثة: أن يقول: أنقذني فلان، ويعتقد أنه سبب محض، وأن الأمر كله إلى الله عز وجل، وهذه جائزة، ويدل لجوازها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن عمه أبي طالب أنه كان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه- والعياذ بالله- قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار).
الرابعة: أن يقول: أنقذني الله وفلان، وهذا لا يجوز؛ لأنه أشرك سبباً مع الله بحرف يقتضي التسوية وهو الواو، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: ما شاء الله وشيءت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده).
فالمطر النازل لاشك أنه بفضل الله ورحمته وبتقديره عز وجل وقضائه، ولكن الله تعالى جعل له أسباباً، كما أشار الله إليه بقوله: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً).
قال: (يُرْسِلُ) (فَتُثِيرُ) أضاف الإثارة إلى السحاب؛ لأنها سبب هذه الإثارة، فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء، فلا بأس بإضافة الشيء إلى سببه مع اعتقاد أنه سبب محض، وأن خالق السبب هو الله عز وجل.
وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام عن الله تبارك وتعالى: (أن من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهوكافر بي مؤمن بالكوكب، فهذا لأنهم أضافوا الشيء إلى سبب غير صحيح؛ لأن النوء ليس سبباً للمطر، فالنوء الذي هو الكوكب ليس هو الذي يجلب المطر، ولا علاقة له به، ولذلك أحياناً تكثر الأمطار في نوء من الأنواء في سنة وتقل في سنة أخرى وتعدم في سنة ثالثة، وربما يكون العكس فالأنواء ليس لها تأثير في نزول المطر ولهذا كانت إضافة المطر إليها نوعاً من الشرك فإن اعتقد أن النوء يحدث المطر بنفسه بدون الله فذلك شرك في الربوبية، شرك أكبر مخرج عن الملة، فهذا وجه قوله تبارك وتعالى فيما رواه عنه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب).
وأما ما اشتهر من أن الأمطار تكون بسبب تبخر البحار ونحو ذلك: فهذا إن صح فإنه لا ينافي ما ذكره الله تعالى في القرآن، إذ من الجائز أن يكون هذا البخار تثيره الريح حتى يصعد في جو السماء، ثم يبسطه الله تعالى في السماء كيف يشاء، ثم ينزل به المطر، وهذه مسألة ترجع إلى أهل العلم بهذا الشأن، فإذا ثبت ذلك فإنا نقول: هذا البخار الذي تصاعد من البحار الذي خلقه هو الله، والذي جعله يتصاعد في الجو حتى يمطر هو الله عز وجل، ولا ينافي ذلك ما جاء في القرآن إذا صح علمياً.
والله أعلم.
وردتنا رسالة حول بعض الآبار يقول: إن بعض الناس يقومون بالذهاب إلى البئر التي تقع على طريق المدينة المنورة، ومثلها العين التي تقع في تهامة، لقصد طلب الشفاء من بعض الأمراض، والشافي هو الله سبحانه وتعالى، وأنه عند العودة من هناك يخبروننا بأنهم قد شُفي البعض منهم من بعض الأمراض التي بهم، مثل أمراض كثيرة والأمراض الصعبة، فما رأيكم في صحة ما يذكرون عند اعتقادهم بأن الاغتسال من ذلك الماء يشفي المرضى والله يحفظكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا في هذا أنه إذا ثبت أن لهذا الماء تأثيراً حسياً في إزالة الأمراض فإنه لا بأس من قصده والاستشفاء به، وذلك لأن الطب على نوعين: أحدهما: ما ثبت به الشرع، فهذا مقبول بكل حال ولا يسأل عنه، إنَّما يسأل عن هل هذا الذي ثبت بالشرع أنه دواء هل يكون دواء لهذا المرض المعين؟ لأنه ليس كل ما كان دواء لمرض يكون دواء لكل مرض.
القسم الثاني من أقسام الطب: شيء لم يثبت به الشرع لكنه ثبت بالتجارب، وهذا كثير جداً من الأدوية المستعملة قديماً وحديثاً، فإذا ثبت بالاستعمال والتجارب أن هذا له تأثير حسي في إزالة المرض فإنه لا بأس باستعماله، وكثير من الأدوية التي يتداوى بها الناس اليوم إنما عُلمت منافعها بالتجارب؛ لأنه لم ينزل فيها شرع.
فالمهم أن ما أشار إليه السائل من هذه المياه، إذا ثبت بالتجارب أن لها تأثيراً في بعض الأمراض، فإنه لا بأس بالاستشفاء بها والذهاب إليها.
الأخت سعدية كنجاري من الأفلاج تقول: أرى بعض الناس عندنا عندما يريدون الاحتفاظ بطعام إلى وقت آخر يضعون تمرة على غطاء الإناء الذي فيه الطعام، يزعمون أنها تحفظه من كل سوء كالحشرات ونحوها.
فهل في فعلهم هذا ما يناقض التوحيد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الفعل- وهو: وضع التمر على الطعام لئلا تصيبه الحشرات، هذا- لا أصل له، ولا أعلم له أصلاً من الشرع، ولا أصلاً من الواقع، فإن الحشرات تأتي إلى ما يلائمها، فمنها ما يلائمها التمر وتأتي حوله، بل تأكل منه أيضاً، ومنها ما يلائمها الدسم فتأتي إليه وتطعم منه، ولا أصل لهذا الذي يفعل.
وإذا لم يكن له أصل من الشرع ولا من الواقع فإنه لا ينبغي للإنسان أن يفعله؛ لأنه مبني على مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها.
هذه رسالة وردتنا من المرسل م. ن. العتيبي من نجد: في أيام التشريق ونحن نذهب من منى إلى الجمرات ونعود إليها نجد بعض الأفريقيين يجلسون على الطرقات، ويبيعون أكياساً مثل الحبال، وهي من الجلد الملون، ومختومة من جميع أطرافها، وفيها شيء لا نعلمه، ويقولون: فيها شفاء من أمراض عدة وتقي الإنسان: فاللون الأسود عن الجان مثلاً، واللون الأحمر عن الجلجان، واللون الأصفر عن ذات الصفراء، واللون كذا يشفي من المرض كذا، ويقول: ضع هذا في حقيبتك أو في منزلك فيفيدك.
فما حكم شراء مثل هذه الأمور؟ وما حكم بيعها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم شرائها لا يجوز، واعتقاد أن فيها هذا النفع الذي يقال لا يجوز أيضاً؛ لأن هذا لا دليل عليه، وأما بيعها فلا يجوز أيضاً، وينبغي لكم- بل يجب عليكم- إذا رأيتم مثل هذا أن تخبروا السلطات عن هذا الأمر، حتى يمنعوهم من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن التكسب بمثل هذه الأمور من أكل أموال الناس بالباطل، والواجب منعه وتأديب فاعله.
بارك الله فيكم من ينبع المستمع رمز لاسمه بـ ف ج يقول في رسالته: نرى كثيراً ما توضع لافتات ولوحات، سواء كانت من الورق أو القماش أو اللوحات الخشبية، ومكتوب عليها جميعاً آيات قرآنية، وتوضع على أبواب المساجد والعمائر والشوارع العامة، مما يعرض كلام الله سبحانه وتعالى للإهانة لا سمح الله، بسبب سقوط هذه اللوحات على الطرق والمحلات القذرة.
نرجو التوجيه من فضيلتكم بشأن هذا الموضوع المهم لحماية كلام الله من التعرض للخطأ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الأمر الذي أشار إليه السائل- وهو: تعليق الآيات القرآنية على الجدران وأبواب المساجد وما أشبهها- هو من الأمور المحدثة التي لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح الذين هم خير القرون، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
ولو كان هذا من الأمور المحبوبة لله عز وجل لشرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم فهو مشروع على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا من الخير لكان أولئك السلف الصالح أسبق إليه منا ومع هذا فإننا نقول لهؤلاء الذين يعلقون هذه الآيات: ماذا تقصدون من هذا التعليق؟ أتقصدون بذلك احترام كلام الله عز وجل؟ فإن قالوا: نعم.
قلنا: لسنا والله أشد احتراماً لكتاب الله سبحانه وتعالى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يعلقوا شيئاً من آيات الله على جدرانهم أو جدران مساجدهم.
وإن قالوا: نريد بذلك التذكير والموعظة.
قلنا: لننظر إلى الواقع، فهل أحد من الناس الذين يشاهدون هذه الآيات المعلقة يتعظ بما فيها؟ قد يكون ذلك ولكنه نادر جداً، وأكثر ما يلفت النظر في هذه الآيات المكتوبة حسن الخط، أو ما يحيط بها من البراويز والزخارف، أو ما أشبه ذلك وهو نادر جداً أن يرفع الإنسان رأسه إليها ليقرأها فيتعظ بما فيها.
وإن قالوا: نريد التبرك بها.
فيقال: ليس هذا طريق التبرك، والقرآن كله مبارك، لكنه بتلاوته وتفقد معانيه والعمل به، لا بأن يعلق على الجدران ويكون كالمتاحف.
وإن قالوا: أردنا بذلك الحماية والوِرد.
قلنا: ليس هذا طريق الحماية والوِرد، فإن الأوراد التي تكون من القرآن إنما تنفع صاحبها إذا قرأها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيمن قرأ آية الكرسي في ليلة: (لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح).
ومع هذا فإن بعض المجالس- أو كثيراً من المجالس- التي تكتب فيها الآيات قد يكون فيها اللغو، بل قد يكون فيها الكلام المحرم، أو الأغاني المحرمة، وفي ذلك من امتهان القرآن المعنوي ما هو ظاهر.
ثم إن الامتهان الحسي الذي أشار إليه السائل- بأن هذه الأوراق قد تتساقط في الأسواق وعلى القاذورات، وتوطأ بالأقدام- هو أمر آخر أيضاً مما ينبغي أن ينزه عنه، بل مما يجب أن ينزه عنه كلام الله عز وجل.
والخلاصة: أن تعليق هذه الآيات إلى الإثم أقرب منه إلى الأجر، وسلوك طريق السلامة أولى بالمؤمن وأجدر.
على أنني أيضاً رأيت بعض الناس يكتب هذه الآيات بحروف أشبه ما تكون مزخرفة، حتى إني رأيت من كتب بعض الآيات على صورة طائر أو حيوان، أو رَجُلٍ جالسٍ جلوس التشهد في الصلاة أو ما أشبه ذلك، فيكتبون هذه الآيات على وجه محرم، على وجه التصوير الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعله.
ثم إن العلماء رحمهم الله اختلفوا هل يجوز أن ترسم الآيات برسم على غير الرسم العثماني أو لا يجوز؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: منهم من قال: يجوز مطلقاً أن ترسم على القاعدة المعروفة في كل زمان ومكان بحسبه، ما دامت بالحروف العربية.
ومنهم من يقول: إنه لا يجوز مطلقاً، بل الواجب أن ترسم الآيات القرآنية بالرسم العثماني فقط.
ومنهم من يقول: إنه يجوز أن ترسم بالقاعدة المعروفة في كل زمان ومكان بحسبه للصبيان؛ لتمرينهم على أن ينطقوا بالقرآن على الوجه السليم، بخلاف رسمه للعقلاء الكبار فيكون بالرسم العثماني.
وأما أن يرسم على وجه الزركشة والنقوش، أو صور الحيوان، فلا شك في تحريمه، فعلى المؤمن أن يكون معظماً لكتاب الله عز وجل محترماً له، وإذا أراد أن يأتي بشيء على صورة زركشة ونقوش فليأتِ بألفاظ ُأخر من الحِكم المشهورة بين الناس وما أشبه ذلك، وأما أن يجعل ذلك في كتاب الله عز وجل، فيتخذ الحروف القرآنية صوراً للنقوش والزخارف، أو ما هو أقبح من ذلك بأن يتخذها صوراً للحيوان أو للإنسان، فإن هذا قبيح محرم.
والله المستعان.
هل يجوز تعليق بعضٍ من الآيات من القرآن الكريم في المنازل أو المكاتب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تعليق الآيات على الجدر ونحوها في المساجد والمساكن، والجواب على هذه الفقرة أنني لا أرى ذلك، أي: لا أرى أن الإنسان يعلق آيات من القرآن على الجدر، سواء في المساجد أو في البيوت؛ لأن هذا التعليق لا بد أن نسأل: ما الحامل على ذلك؟ إن قال: الحامل على ذلك التبرك بكلام الله عز وجل.
قلنا: إن التبرك بالقرآن الكريم على هذا الوجه ليس بصحيح؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنهم كانوا يتبركون بالقرآن على هذا الوجه، وإذا لم يرد عنهم ذلك عُلِم أنه ليس من الشرع، وإذا لم يكن من الشرع فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد به لله عز وجل، أو أن يتبرك بالقرآن على هذا الوجه بدون مستندٍ شرعي.
قد يقول: إنني أريد بذلك تذكير الجالسين بما تتضمنه هذه الآية من ترغيب أو ترهيب.
فنقول: هذا التفكير وإن كان مقصوداً للواضع، لكنه في الحقيقة غير واقع وغير عملي، فما أكثر الآيات التي فيها ترغيب وترهيب، إذا وضعت فإن أكثر الحاضرين- إن لم يكن كلهم- لا ينتفع بذلك ولا يتعظ، قد يكون من المعلق قوله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)، ويكون المجلس الذي فيه هذه الآية كله غيبة وكلام في أعراض الناس، فيكون هذا من باب المضادة لكلام الله عز وجل.
قد يقول: إني علقتها حماية لبيتي، فأنا أعلق آية الكرسي لتحفظ البيت من الشياطين؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح).
فنقول: هذا أيضاً من البدع، فإن السلف لم يكونوا يحفظون بيوتهم بتعليق الآيات عليها، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من قرأ آية الكرسي في ليلة)، والقراءة غير التعليق كما هو ظاهر، وبناء على هذه العلة التي يتعلل بها من يعلق الآية تجد كثيراً من الناس يعتمد على هذا التعليق ولا يقرؤها بنفسه؛ لأنه يقول: قد كفيت بتعليق هذه الآية، فيفوت الإنسان خير كثير بناء على هذا العمل المبني على هذا الاعتقاد الذي لا أصل له.
ونحن نقول: إن بعض الناس قد يعلقها- أي: الآيات- من باب التجميل، ولهذا تجدهم أحياناً يعلقون آيات كتبت على غير الرسم العثماني، بل هي مخالفة له، وربما يكتبونها على الشكل الذي يوحي به معناها، وربما يكتبونها على صورة بيت أو قصر أو أعمدة وما أشبه ذلك، مما يدل على أنهم جعلوا كلام الله عز وجل مجرد نقوش وزخرفة، وهذا رأيته كثيراً.
فالذي أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يعلق شيئاً من كلام الله عز وجل على الجدر، فإن كلام الله أعلى وأسمى وأجل من أن يجعل وشياً تحلى به الجدران، ولا يمكن أن يقاس هذا على شخص علق المصحف بوتد أو شبهه في الجدار، فإن هذا قياس مع الفارق العظيم: فالمصحف مغلف في جيبه أو بظرفه، ولم تبدُ حروفه ولا أسطره، ولا أحد يقول: إني علقت المصحف هنا لأتبرك به أو لأتعظ به، وإنما يقول: علقته هنا لرفعه عن الأرض، وحفظه عن الصبيان ونحو ذلك، وفرق بين البارز الظاهر المعلق أو المشمع على الجدار، وبين مصحف معلق مغلف جعل في فرجة أو علق بوتد أو شبهه، ولا ينطلي هذا القياس على أحد تأمل المسألة وتدبرها.
هذا السائل جاد الكريم محمد عبد المنان من السودان يقول: اعتاد بعض المزارعين عندنا حينما تثمر مزارعهم ويكثر ورود الطير عليها مما يتلف المحصول عليهم، اعتادوا أن يذهبوا إلى أحد أهل القرية ليعمل لهم ويكتب ورقة تحمي زراعتهم من الطير، بشرط أن يأخذ منهم ربع جوال من المحصول.
فهل هذا العمل جائز شرعاً أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل ليس بجائز شرعاً، وذلك لأنه لا يمكن أن تكون هذه الورقة تطرد الطيور عن المزارع، فإن هذا ليس معلوماً بالحس، وليس هو أيضاً معلوماً بالشرع، وكل سبب ليس معلوماً بالحس ولا بالشرع فإن اتخاذه محرم، فلا يجوز أن يعملوا هذا العمل، وإنما عليهم أن يكافحوا هذه الطيور التي تنقص محاصيلهم، يكافحوها بالوسائل المعتادة التي يعرفها الناس، دون هذه الأمور التي لا يعلم لها سبب حسي ولا شرعي.
السائل محمود يوسف يقول: ما المقصود بالتطير؟ وما حكمه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان، وأصله من الطير، وكانت العرب في الجاهلية تتشاءم: يزجرون الطير، فإذا طار واتجه إلى جهةٍ ما، تطيروا، حتى إنه ربما كان إنسان قد ربط متاعه وأناخ راحلته يريد السفر، فيتطير، فإذا جنح الطير إلى جهةٍ ما ترك السفر وقال: هذا سفر شر.
هذا هو الأصل في معنى التطير، ولهذا يجب على الإنسان إذا حدث في قلبه التشاؤم أن يتوكل على الله وأن يعتمد عليه، وأن لا يبالي بهذه الأوهام التي يجرها الشيطان إلى العبد ليكدر عليه صفوه، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر).
وقال: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو سحر أو سحر له).
كيف نوفق بين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر). وبين قوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التوفيق بينهما أن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى،ولا طيرة) نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية بأن الأمراض تعدي بنفسها، بحيث ينتقل المرض من المريض إلى السليم بنفسه حتماً، فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وبين أن العدوى لا تكون إلاباذن الله سبحانه وتعالى، أي: إن هذا النفي يتضمن أن العدوى لا تكون إلا من الله عز وجل، ولهذا أورد على النبي صلى الله عليه وسلم لما حدث بهذا الحديث أن الرجل يأتي إبله السليمة بعير أجرب فتجرب الإبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم رداً على هذا الإيراد: (فمن أعدى الأول) ؟ أي: من جعل في الأول المرض؟ هل هناك مريض أعداه؟ والجواب: لا، ولكن الذي جعل فيه المرض هو الله، فالذي جعل المرض ابتداءً في المريض الأول هو الذي يجعل المرض ثانية في المريض الثاني بواسطة العدوى.
وعلى هذا فيكون معنى الحديث (لا عدوى) أي: بنفسها، ولكن ذلك بتقدير الله عز وجل الذي جعل لكل شيء سبباً، ومن أسباب المرض اختلاط المريض بالسليم، ولهذا قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)؛ لأن اختلاطك به قد يكون سبباً للعدوى، فينتقل المرض من المجذوم إليك إذا اختلطت به، ولهذا قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).
فيكون الحديث الثاني فيه الأمر بتجنب أسباب المرض وهي مخالطة المريض، ولهذا جاء في الحديث: (لا يورد ممرض على مصح).
هذا السائل يا فضيلة الشيخ يقول: بعض الشباب يسكنون معي، ودائماً يمزحون ببعض الكلمات العفوية بالنسبة لهم، فيقول أحدهم للآخر مثلاً: إن المصالح اليوم كلها تعطلت في المكان الفلاني لأنك كنت متواجداً فيه، وهذا لشؤم وجهك.
ويضحكون لمثل هذا الأمر، حتى صار هذا ديدنهم في كل كلامهم، بل ويقولون: إن فلاناً مات لأنك ذهبت تزوره، فمات من شؤم وجهك، وهذه هي الكلمات التي يقولونها، فأرجو من فضيلة الشيخ الإجابة عن حكم هذا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكلام محرم؛ لأنه كذب ورجم بالغيب، ثم إنه قد يوجد عقيدة فاسدة بالتشاؤم من هذا الرجل، ثم إنه قد يوجد عداوة مستقبلاً؛ لأن كثرة المزاح في مثل هذه الأمور تؤثر على القلب وعلى النفس حتى يكون فيه عداوة وبغضاء، فنصيحتي لهؤلاء أن يتجنبوا مثل هذه الكلمات المبنية على الكذب، والتي تسبب ما لا ينبغي أن يكون.
هذه رسالة من الأخت.
ع. م. ق. من السودان تقول: نحن نسكن في منزل منذ أربع سنوات، ومنذ نزلنا هذا المنزل ونحن نمر بحالات سيئة جدّاً: من مرض لأفراد الأسرة، ولما نملكه من بهائم، فلم تعد تتكاثر، فلا نسل منها ولا لبن فيها ولا فائدة، مما جعلنا نتشاءم من هذا المنزل، فهل يجوز لنا ذلك؟ وهل لو خرجنا منه وانتقلنا إلى منزل آخر لهذا السبب، هل نأثم بذلك أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ربما يكون بعض المنازل، أو بعض المركبات، أو بعض الزوجات مشؤوماً، يجعل الله سبحانه وتعالى- بحكمته- مع مصاحبته إما ضرراً، أو فوات منفعة، أو نحو ذلك.
وعلى هذا فلا بأس أن تبيعوا هذا البيت وتنتقلوا إلى بيت غيره، ولعل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لكم الخير فيما تنتقلون إليه.
وقد ورد عن النبي صلى الله وسلم أنه قال: (الشؤم في ثلاث، وذكر منها الدار).
فضيلة الشيخ: ما هي الثلاث التي فيها الشؤم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هي الدار والمرأة والفرس، يعني: بعض المركبات قد يكون فيه شؤم، بعض الزوجات يكون فيه شؤم، بعض البيوت يكون فيه شؤم، فإذا رأيت ذلك فاعلم أنه بتقدير الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى بحكمته قدر ذلك لتنتقل إلى محل آخر.
بعض الناس إذا اشترى سيارة ثم حصل لها عدة صدمات قال: هذه السيارة منحوسة، فيقوم ببيعها فهل هذا من التشاؤم في محله؟ أرجو الإفادة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صحيح أن بعض الناس يجد في بعض ماله من بركة فينتفع به كثيراً ويوقى الآفات، سواء كان في السيارة أو في البيت أو في غير ذلك، وربما يجد منه خلاف هذا، ربما يكون هذا الشيء كثير الآفات مقلقاً له لا ينشرح صدره له، فإذا وجد ذلك في بعض ماله فلا حرج عليه أن يبيعه ليتخلص من آفاته، وكم من إنسان حصل له مثل هذا، أي: اشترى سيارة فصارت كثيرة الآفات من صدمات أو غيرها، فيبيعها ثم يشتري أخرى، فيجد منها الراحة والبركة وقلة الآفات، ولا يعد هذا من باب التشاؤم، بل هو من باب التخلص من آفات هذا الشيء وخسارته التي يخسرها عليه، ولا يعد هذا من باب التطير.
هذه الرسالة وردتنا من أحد السادة المستمعين من بلاد بني عمرو من قرية بران ع خ م يقول في رسالته: يوجد أناس في بلد غير بلدنا وقريتنا يتشاءمون برجل منهم، إذا قَبّلهم يقولون: يصيبهم مصيبة.
فما حكم هؤلاء وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء لا يجوز لهم هذا التشاؤم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة وقال: (ليس منا من تطير أو تُطِير له، أو سَحَر أو سُحِر له).
فلا يجوز لأحد أن يتشاءم بشخص، وهذا على عكس التفاؤل، فإن التفاؤل مطلوب، كون الإنسان يتفاءل يكون مطلوباً في حقه، وأما التشاؤم الذي يُدخِل على الإنسان الحزن والهم والغم فإن ذلك ليس من أعمال المسلمين، فلا يجوز للمرء أن يتطير بأحد.
الأسماء والصفات
أحسن الله إليكم يسأل عن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات لله عز وجل؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أهل السنة والجماعة- جعلنا الله منهم- أشد الناس تعظيماً لله عز وجل، وأشد الناس احتراماً لنصوص الكتاب والسنة، فلا يتجاوزون ما جاء به القرآن والحديث من صفات الله عز وجل، فيثبتون لله تعالى ما أثبته الله لنفسه وإن حارت العقول فيه، وينفون ما نفى الله عن نفسه وإن توهمت العقول ثبوته.
مثال ذلك: أن الله عز وجل فوق كل شيء أزلاً وأبداً، وهو سبحانه وتعالى له العلو المطلق في كل وقت وحين، فوق سماواته، فوق مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر)، فيأتي الشيطان للإنسان ويقول: كيف ينزل وعلوه لازم له؟ كيف ينزل؟ فنقول: هذا يحار فيه العقل، لكن يجب علينا أن نصدق ونقول: الله أعلم بكيفية هذا، نؤمن بأنه ينزل ولكن لا نعلم بالكيفية، عقولنا تحار ولكن يجب أن نقبل؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته.
ولهذا قال بعضهم: إن القرآن والسنة أتى بما تحار فيه العقول، لا بما تحيله العقول، فالواجب علينا في أسماء الله وصفاته تصديقها والإيمان بها، وأنها حق وإن حارت عقولنا في كيفيتها، فالجادة لأهل السنة والجماعة أن كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه، سواء في القرآن أو في السنة، فإنه يجب الإيمان به وتصديقه.
قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً).
يأتي الإنسانَ الشيطانُ فيقول: كيف يجيء؟ فنقول: يجيء على الكيفية التي أراد الله، الكيف مجهول، يجب عليك أن تؤمن بهذا حتى لو حار عقلك به، مأمور بأن تصدق على كل حال.
ولذلك ضل قوم حكموا عقولهم في أسماء الله وصفاته، فأنكروا ما أثبته الله لنفسه، وحرفوا به نصوص الكتاب والسنة، فقالوا: إن معنى قوله تعالى: (استوى على العرش) أي: استولى على العرش.
فسبحان الله! كيف يقول عز وجل: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ).
أفيمكن أن نقول: إنه قبل ذلك ليس مستولياً عليه؟ هذا أمر ينكره العامي فضلاً عن طالب العلم، لكن إذا حكم الإنسان عقله في الأمور التي تتوقف على الخبر المحض ضل وزل.
ولهذا ننصح إخواننا الذين يقولون: استوى بمعنى استولى، أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يؤمنوا بأنه استوى على العرش، أي: علا عليه علوّاً خاصًّا يليق بجلاله وعظمته، وليعلموا أن الله سائلهم يوم القيامة عما اعتقدوا في ربهم عز وجل، وهل اعتقدوا ذلك بناء على كتاب الله وسنة رسوله، أو بناء على ما تقتضيه أهواؤهم وعقولهم؟ إن نصيحتي لهؤلاء أن يتوبوا إلى الله، وأسأل الله أن يتوب عليهم ويوفقهم للحق، فليؤمنوا بما جاء في كتاب الله على مراد الله عز وجل، وكذلك أيضاً من قالوا: إن الله ليس عالياً بذاته فوق المخلوقات، وقالوا: لا يجوز أن نقول: إن الله فوق، فنقول: توبوا إلى ربكم، أنتم الآن تدعون الله وتجدون قلوبكم مرتفعة إلى فوق، وتمدون أيديكم أيضاً إلى فوق، دعوكم وفطرتكم فقط، واتركوا عنكم الأوهام والأشياء التي تضلكم، وإذا أنكرتم علو الله وقلتم: إنه بذاته في كل مكان، فكيف يليق هذا؟ أيليق أن يكون الله تعالى في حجرة ضيقة؟ ألا فليتق الله هؤلاء، وليتوبوا إلى الله من هذه العقيدة الفاسدة الباطلة، أخشى أن يموتوا فيلقوا ربهم على هذه العقيدة فيخسروا.
بارك الله فيكم من موريتانيا المستمع سعدي. أ. ن يقول: فضيلة الشيخ أريد أن أعرف الفرق بين أسماء الله وصفاته مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الفرق بين الاسم والصفة ظاهر، فإذا قلت مثلاً السميع، فالسميع اسم والصفة السمع، وإذا قلت: البصير فالبصير اسم والصفة البصر، وإذا قلت: العلي فالعلي اسم والعلو صفة، وإذا قلت: الحكيم فالحكيم اسم والحكمة صفة، وهلم جّراً.
فهذا هو الفرق: فالاسم ما تسمى الله به، والصفة ما اتصف الله به، وهي المعنى القائم بالله عز وجل.
وهناك صفات ليست صفات معانٍ مثل اليد، فلله تعالى يدان اثنتان، قال الله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ).
والعين، فلله تعالى عينان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور).
وما أشبه ذلك مما جاء في الكتاب والسنة، فهذه الصفات وأمثالها ليست صفات معانٍ ولكنها صفات مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء.
هذا السائل من جمهورية مصر العربية يقول: ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات؟ نرجو بهذا الإفادة جزاكم الله خيراً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته أنهم يثبتون لله تعالى كل ما أثبته لنفسه من الأسماء، وكل ما أثبته لنفسه من الصفات، على وجه ليس فيه تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
ولنضرب لهذا مثلاً: قال الله تبارك وتعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
فيقول أهل السنة والجماعة: إن معنى الآية الكريمة أن الله استوى على العرش، أي: علا عليه، لكن كيف علا؟ الله أعلم، لا نكيف صفاته لكن نؤمن بمعناها، فنقول: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أي: علا عليه علوّاً يليق بجلاله وعظمته، ويجتنبون طريق أهل البدع الذين يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أي: استولى.
ولا شك أن هذا صرف للكلام عن ظاهره بلا دليل، ولا شك أيضاً أنه يستلزم لوازم باطلة؛ لأننا إذا قلنا: استوى بمعنى استولى، لزم أن يكون العرش قبل خلق السماوات والأرض ملكاً لغير الله، وأن الله استولى عليه بعد ذلك، ولزم أيضاً أن يقال: إنه يصح أن تقول: إن الله استوى على الأرض؛ لأنه مستولٍ عليها، وهذا أمر باطل.
ومثال ثانٍ: قول الله تبارك وتعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
قال أهل التعطيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه: المراد بوجه الله ثوابه، وليس المراد به وجهه الذي هو صفة من صفاته عز وجل، من صفاته الخبرية التي لا مدخل للعقل فيها وليست معنوية، بل هي صفة خبرية، نظيرها بالنسبة لنا بعض منا وجزء منا، فيقال: هذا خلاف ظاهر الآية الكريمة، وخلاف ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، فوجهه الله تعالى هو وجهه، والثواب شيء آخر، ثم أين المقارنة: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ) أين المقارنة بكون المراد العمل؟ فالآيات هذه لا تناسب ما قبلها حتى يقال: إنها من العمل، أي لا تناسب ما قبلها من حيث تفسيرها بالثواب.
ومن ذلك أيضاً قول الله تبارك وتعالى لإبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ؟ قالوا: المراد باليد هنا القدرة.
فيقال: سبحان الله! كل البشر خلقهم الله بقدرته، ثم هل القدرة تتبعض وتتعدد؟ القدرة صفة واحدة، يستطيع بها القادر أن يفعل بلا عجز.
وقس على هذا كثيراً، فأهل السنة والجماعة يقولون: كل ما سمى الله به نفسه فالواجب علينا إثباته، وكل ما وصف الله به نفسه فالواجب علينا إثباته، لكن يجب أن يكون إثباتنا هذا منزهاً عن التمثيل وعن التكييف، بمعنى: أن نثبت لله هذه الصفة وننفي أن يكون مماثلاً للعباد في هذه الصفة، وكذلك نثبت هذه الصفة ولا نكيفها، لا نقول: كيفيتها كذا وكذا.
ولهذا لما سأل الإمام مالكاً رجل فقال: يا أبا عبد الله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: (يا هذا! الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
فقال رحمه الله: الكيف غير معقول، يعني: لا يمكن أن ندركه بعقولنا، وإذا كنا لا ندركه بعقولنا لزم أن نعتمد في ذلك على النقل، ولم ينقل لا في القرآن ولا في السنة كيفية استواء الله تبارك وتعالى على عرشه، وعلى هذا فتكون كيفية الاستواء مجهولة، وليست معلومة لنا.
بارك الله فيكم من المغرب رسالة وصلت من المستمع أحمد يقول: ما هو منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات؟ نرجو من فضيلة الشيخ إجابة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال سؤال عظيم، ومنهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات منهج وسط بين أهل التعطيل وأهل التثميل: فأهل التمثيل قوم أكدوا لله الصفات، لكن بالغوا في إثباتها وغلوا في ذلك، وجعلوها من جنس صفات المخلوقين، فانحرفوا بذلك عن الصراط المستقيم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
ويقول جل ذكره: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً).
ويقول سبحانه وتعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
اللَّهُ الصَّمَدُ.
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).
ويقول عز وجل: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
والقسم الثاني معطلة: عطلوا الله سبحانه وتعالى من صفاته التي أثبتها لنفسه، ونفوها عنه، وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، وعطلوها من المراد بها بحجج هي شُبَه في الحقيقة وليست بحجج، حكموا في ذلك عقولهم، وجعلوا يثبتون لله ما اقتضت عقولهم إثباته، وينكرون ما لم تقضِ عقولهم إثباته، فظلموا في ذلك وصاروا هم الحاكمين على الله، وليس كتاب الله هو الحاكم بينهم، فأنكروا ما وصف الله به نفسه وقالوا: ليس لله وجه، ليس لله عين، وليس لله يد.
وقالوا أيضاً.
ليس لله فرح، وليس لله غضب، وليس لله عجب.
وقالوا أيضاً: ليس لله فعل: لا استواء على العرش، ولا نزول إلى السماء الدنيا.
بل بالغوا حتى قالوا: إن الله ليس عالياً فوق خلقه، وإنما علوه علوُّ صفة وعلو معنوي، وليس علوًّا ذاتيّاً.
وبالغ بعضهم فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يقال: إنه فوق العالم، ولا تحت العالم، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، وأتوا بأقوال يعجب منها المرء ويقول: كيف يكون هذا مقتضى العقول؟ أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته من الأسماء والصفات إثباتاً حقيقياً، مع نفي المماثلة- أي: مماثلة المخلوقين- فيقولون: نثبت لله كل ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، أي: فيثبتون لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، ويثبتون لله الأفعال المتعلقة بمشيئته: كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والإتيان للفصل بين العباد،؟ ويثبتون لله الفرح والضحك والعجب، ويثبتون لله الحكمة والرحمة، وغير ذلك مما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن من غير تحريف ولا تعطيل.
ويقولون لهؤلاء الذين أنكروا ما أثبته لله لنفسه، وحكموا على الله بعقولهم، يقولون: إننا إذا سلمنا جدلاً أن ما نفيتموه لا يدل عليه العقل، فإنه قد دل عليه السمع، والسمع دليل شرعي نتفق وإياكم عليه، على أن الكتاب والسنة هما الدليلان بإثبات ما أثبته لنفسه، ونفي ما نفاه عن نفسه، وكونكم تقولون: إن إثبات شيء ما من هذه الصفات يقتضي التمثيل والتشبيه، نقول لكم: وأنتم حين أكدتموه يقتضي على قاعدتكم أنكم مشبهة ممثلة.
فأي فرق بين من يقول: إن لله سمعاً وبصراً، ومن يقول: إن لله رحمة وإن لله وجهاً، وإن الله استوى على العرش؟ إن كان ما أكدتموه لا يدخل في التمثيل فما أكدناه نحن لا يدخل في التمثيل، وإن كان ما أثبتناه يقتضي التمثيل فما أثبتموه يقتضي التمثيل، والتفريق بين هذا وهذا تحكُّم وتناقض، والواجب على المرء أن لا يتقدم بين يدي الله ورسوله لنفي ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله، أو إثبات مالم يثبته الله لنفسه ولا أثبته له رسوله، الواجب في هذا الأمر- يعني: في باب الأسماء والصفات- أن يتلقى من الكتاب والسنة؛ لأنه من الأمور التي لا مجال للعقل فيها، والعقل لا يدرك ما يجب لله من الأسماء والصفات أو يجوز أو يمتنع، وإن كان العقل قد يدرك من حيث الإجمال أن الله موصوف بصفات الكمال ولا بد، ولكن تفاصيل ذلك لا تعلم إلا عن طريق السمع.
وخلاصة القول: أن مذهب أهل السنة والجماعة هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفى الله عن نفسه من الصفات، والسكوت عما لم يرد به نفيٌ ولا إثبات؛ لأن هذا هو مقتضى السمع ومقتضى العقل، فنسأل الله تعالى أن يتوفانا على عقيدة أهل السنة والجماعة.
بارك الله فيكم هذه رسالة وصلت من سوداني يعمل بالرياض يقول: فضيلة الشيخ أريد أن أعرف مذهب أهل السنة والجماعة في الصفات مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مذهب أهل السنة والجماعة في ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول هذا الوصف، والإيمان به، واعتقاد أنه حق على حقيقته، إلا أنهم ينزهون الله تعالى عن أي نقص في هذه الصفة، أو عن مشابهة المخلوقين فيها.
فيؤمنون مثلاً بقوة الله، ويؤمنون بأن هذه القوة لن يلحقها ضعف، ويؤمنون بأن هذه القوة لا تشبه قوى المخلوقين، مهما اجتمعوا وكثروا فإن قوتهم لن تكون مثل قوة الله عز وجل.
إن لله تعالى يداً حقيقية، ويؤمنون بأن هذه اليد قوية عظيمة، قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
وقال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).
ويؤمنون بأن هذه اليد لا تماثل أيدي المخلوقين؛ لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
فالقاعدة إذاً فيما جاء من صفات الله عز وجل في القرآن أو السنة: الإيمان بذلك، وقبوله، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن أي نقص فيه، وتنزيه الله تعالى أن يكون مماثلاً للمخلوقين فيه، هذه هي السبيل التي درج عليها أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة وأئمتها، ولهذا كانوا يقولون في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت دون كيف.
وسئل الإمام مالك رحمه الله عن الاستواء فقيل له: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق رأسه حتى تصبب منه العرق، ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
قال الاستواء غير مجهول؛ لأنه معلوم في اللغة العربية أن معنى استوى على كذا أي علا.
والكيف غير معقول، أي: غير مدرك بالعقل؛ لأنه فوق ما تتصوره عقولنا.
والإيمان به واجب؛ لأن النص ورد به، فقد ذكر الله استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه.
والسؤال عنه بدعة، أي: السؤال عن كيفيته بدعة لا عن معناه، فإنه لا حرج على الإنسان أن يسأل عن معنى آيات الصفات وأحاديثها؛ لأن هذا من الأمورالتي يمكن الوصول إليها، أما الكيفية فلا يجوز السؤال عنها؛ لأنها من الأمور التي لا يمكن الوصول إليها.
ولم تكن من عادة السلف، ولهذا قال رحمه الله: السؤال عنه بدعة.
وهكذا نقول في سائر الصفات: إنها معلومة المعنى مجهولة الكيفية، وإن الإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.
فنقول مثلاً في العين: إن معناها معلوم، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة.
وهكذا نقول في الوجه، وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله: إنه معلوم المعنى، مجهول الكيفية.
السائل من السودان يقول في هذا السؤال: حدثونا عن مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات التي ذكرت في الكتاب والسنة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات التي ذكرت في الكتاب والسنة هو الكلمة المشهورة: أمروها كما جاءت بلا كيف، وأنه يجب الإيمان بها والتصديق، واعتقاد مقتضاها من غير تحريف ولا تعطيل، ولاتكييف ولا تمثيل، فلا يجوز أن يحرف الكلم عن مواضعه، فيقال مثلاً: المراد باليدين القوة أو القدرة أو النعمة، ولا يجوز أيضاً أن يحرف الوجه عن معناه فيقال: المراد بالوجه الثواب أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز أيضاً أن يحرف استواء الله على العرش إلى استيلائه عليه فيقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) أي: استولى، ولا يجوز أن يحرف نزول الله إلى السماء الدنيا بنزول أمره أو نزول رحمته، أونزول ملك من ملائكته، ولا يجوز أن يحرف قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) إلى أن المراد إتيان شيء من آياته، ولا يجوزأن يحرف قول الله تبارك وتعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) إلى أن المراد بذلك علمنا أو ما أشبه ذلك.
المهم أن مذهب أهل السنة والجماعة هو إبقاء النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، كما أنه لا يجوز عندهم التمثيل، أي: أن تمثل هذه الصفات بصفات المخلوقين، فيقال مثلاً: إن وجه الله تعالى كوجوهنا، أو يده كأيدينا، أو عينه كأعيننا، أو نزوله كنزولنا، أو استواءه كاستوائنا، كل هذا محرم.
فطريقتهم ما دل الكتاب والسنة والعقل على أنها حق، وذلك بإثباتها على ظاهرها، من غير تمثيل ولا تحريف.
يقول هذا السائل: يا فضيلة الشيخ ما مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات؟ وما معنى أمروها كما جاءت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات إثبات ما أثبته الله لنفسه في القرآن الكريم، أو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة، فكل ما جاء في القرآن من أسماء الله وصفاته فهو حق، وكل ما جاء في السنة مما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو حق، ويتبرؤون من أمورٍ أربعة: التمثيل، والتحريف، والتعطيل، والتكييف.
فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا يحرفون القرآن والسنة عن ظاهرهما بتأويلٍ ليس بسائغ، ولا يعطلون الله تعالى من صفاته التي أثبتها لنفسه، ولا يعطلون النصوص من دلالتها التي أراد الله بها، ولا يكيفون صفات الله بصفات خلقه، بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يتعمقون في البحث عن أسماء الله وصفاته، بل يسكتون عما سكت الله عنه ورسوله، وعما سكت عنه الصحابة رضي الله عنهم.
ومعنى قولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف، يعني أبقوا جلالتها على ما هي عليه، وأثبتوا ما دلت عليه من الإثبات، ولا تكيفوا صفات الله بصفات الخلق، أو تكيفوا صفات الله بصفةٍ تتخيلونها وإن خالفت صفة الخلق؛ لأن الله تعالى أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها.
جزاكم الله خيراً أبو إبراهيم من دمياط من جمهورية مصر العربية يقول في هذا السؤال: سئل أحد السلف رضي الله عنهم عن الأسماء والصفات فقال: أمرُّوها كما جاءت. ما معنى ذلك؟ وهل هذا القول منسوب إلى أحد السلف؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا القول منسوب إلى عموم السلف، يقولون في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف، فقولهم: أمروها كما جاءت يعني: لا تتعرضوا لها بتحريف، أي بتأويل يخرجها عن ظاهرها، ويتضمن هذا القول أيضاً إثبات معانيها، وأنه ليس المراد مجرد إثبات اللفظ؛ لأن نصوص الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ألفاظ جاءت لإثبات معناها، لا أن نمرها على ألسنتنا دون أن نفهم المعنى، فكأنهم يقولون: أمروها على معناها المراد بها لا تغيروها.
وقولهم: بلا كيف، أي: لا تكيفوها، وليس المعنى بلا اعتقاد كيفية لها؛ لأن لها كيفية ضرورة إثباتها، إذ لا يمكن إثبات شيء لا كيفية له، فيكون المعنى: بلا كيف، أي: بلا تكييف لها، لا تكيفوها، لا تقولوا: كيفية وجه الله كذا وكذا، ولا كيفية يديه كذا وكذا، ولا كيفية عينيه كذا وكذا، لأن الله تعالى أجل وأعظم من أن يدرك العباد كيفية صفاته.
وفي هذا القول المشهور عن السلف رد على طائفتين منحرفتين: إحداهما: طائفة التعطيل، التي سلبت عن الله تعالى جميع معاني صفاته، وجعلتها ألفاظاً لا معنى لها، أو جعلت لها معاني مخالفة لظاهر اللفظ؛ لأن الذين لم يمروها على ما جاءت انقسموا إلى قسمين: قسم قالوا: لا معنى لها إطلاقاً، وليس علينا إلا إمرار لفظها دون التعرض لمعناها.
وقسم آخر قالوا: نتعرض للمعنى، لكن حملوا المعنى على خلاف ظاهرها، وأثبتوا لها معاني من عند أنفسهم لا دليل عليها من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا من أقوال الخلفاء والصحابة.
فالأول طائفة المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم من معطلي الصفات، والثانية طريقة الأشاعرة ومن سلك سبيلهم ممن حرفوا نصوص الصفات إلى معانٍ ابتكروها من عقولهم، ولم ينزل الله بها سلطاناً، ولم يثبتوا إلا ما زعموا أن العقل يدل عليه، كالصفات السبع التي أثبتتها طائفة الأشعرية، وأنكروا من الصفات ما العقل أدل عليه من دلالة العقل على هذه الصفات التي أثبتوها.
على كل حال الجملة الأولى فيها رد على طائفتين: الأولى من عطلت المعاني مطلقاً، والثانية من أثبتت معاني لا دليل عليها، وربما تكون الطائفة الثانية أشد مخالفة من الطائفة الأولى؛ لأن الطائفة الأولى أمسكت وقالت: لا نثبت معنى، فنفت المعنى، وهذا نفي بلا علم بلا شك.
والثانية نفت المعنى المراد وأثبتت معنى آخر لا يدل عليه اللفظ، فصار في ذلك جنايتان: الجناية الأولى: نفي المعنى الذي هو ظاهر اللفظ، والثانية: إثبات معنى لا يدل عليه اللفظ، نسأل الله الهداية للجميع.
أما قولهم: بلا كيف، فهو رد على طائفة منحرفة على ضد الطائفتين المعطلتين، وهي طائفة الممثلة الذين قالوا: نثبت لله الصفات، ولكنها على مثل ما كان من صفات المخلوقين: فوجه الله تعالى- على زعمهم، تعالى الله عن قولهم- يكون على مثل أجمل وجه بشري، وهكذا بقية صفاته عز وجل.
وهؤلاء أيضاً خالفوا قول الله تعالى خبراً: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
وعصوا أمر الله تعالى نهياً في قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
وخلاصة الجواب أن معنى قول السلف: أمروها كما جاءت: أثبتوا هذه الألفاظ مع معانيها التي دلت عليها، وهو ما يفهم من ظاهرها، على الوجه اللائق بالله عز وجل.
وقولهم: بلا كيف، رد على الممثلة، أي: لا تكيفوها، وليس المعنى لا تعتقدوا لها كيفية؛ لأن لها كيفية، مجرد القول بإثباتها يستلزم أن يكون لها كيفية، لكنها غير معلومة، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله في استواء الله على عرشه: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
هذا السائل يقول: يا فضيلة الشيخ البعض من الدعاة يقولون بأنه لا ينبغي أن نعلِّم الناس مسائل توحيد الأسماء والصفات؛ لأنها من المتشابه، ولكن إذا حصل إشكال لهم في أي شيء منها- أي: من الصفات- بينا لهم ذلك، فما رأي فضيلتكم بارك الله فيكم وفي علمكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول: إن الناس في هذا الباب- أي: في باب أسماء الله وصفاته- ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط.
فطرفٌ يقول مثلما قال هذا السائل عن شخصٍ آخر أنه يقول: لا تبينوا أسماء الله وصفاته؛ لأنها من المتشابه، ولكن إذا سألوا فأجيبوهم.
وقسمٌ آخر طرفٌ آخر يقول: بينوا للناس أسماء الله وصفاته، ثم ما يتفرع على هذه الأسماء والصفات من الإشكالات أوردوه عليهم، أو تعمقوا في جانب الإثبات واذكروا كل شيء، حتى إن بعضهم يقول مثلاً: كم أصابع الله؟ كيف استوى على العرش؟ هل لله أذن؟ وما أشبه ذلك من الأمور التي يجب الإعراض عنها؛ لأنها لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، ولو كان ذكرها مما تتوقف عليه العقيدة الصحيحة لكان الله يبينها لعباده: إما في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والقسم الثالث وسط يقول: علموا الناس ما يحتاجون إليه في هذا الباب، دون أن تتعمقوا وتتكلفوا ما لستم مكلفين به.
وهذا القول هو الصحيح، هو الراجح، أن نعلم الناس ما يحتاجون إليه، إلى معرفته في هذا الباب، وأن لا نتكلف علم، ما ليس لنا به علم، بل نعرض عنه.
فمثلاً: إذا شاع في الناس مذهبٌ يخالف مذهب السلف، فلا بد أن نبين للناس مذهب السلف في هذا الباب، لو شاع في الناس أن اليدين اللتين أثبتهما الله لنفسه هما النعم، يجب علينا أن نبين أن هذا خطأ، وأن اليدين صفتان لله عز وجل، أثبتهما الله لنفسه، وبين جل وعلا أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله يبسط يده بالليل ليتوب المسيء بالنهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب المسيء بالليل).
وأخبر أن يد الله ملأى سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وأجمع سلف الأمة على أنهما يدان حقيقيتان ثابتتان لله على وجهٍ يليق به، لكن لا تماثلان أيدي المخلوقين، حتى يزول عن الناس الاعتقاد الذي ليس بصحيح، وهو أنهما النعمتان، هذا لا بد منه.
لكن إذا كنا في قومٍ لم يطرأ على بالهم هذا الشيء، ولو دخلنا معهم في مسائل تفصيلية لحصل لهم ارتداد، أو لدخلوا في أمورٍ يتنطعون فيها، فهنا نأخذ بما جاء عن السلف، وخاصةً عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إنك لن تحدث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).
وقال عليٌ رضي الله عنه: (حدث الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله) ؟ أما التعمق في الصفات، وطلب ما لا يمكن العلم به، فإن هذا من التكلف والبدعة، ولهذا لما قال رجلٌ للإمام مالك: يا أبا عبد الله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ وكان هذا سؤالاً عظيماً وقع موقعه في الإمام مالك رحمه الله، فأطرق برأسه وجعل يتصبب عرقاً، ثم رفع رأسه وقال: (يا هذا! الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
يريد بذلك رحمه الله أن الاستواء غير مجهول، معروف استوى على كذا يعني: علا عليه، قال الله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) يعني: علوت عليه وركبت فيه.
وقال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) يعني: إذا علوتم عليه راكبين.
فاستوى على العرش يعني: علا عليه علواً يليق بجلاله وعظمته، هذا معنى قوله: الاستواء غير مجهول.
والكيف غير معقول، لم يقل رحمه الله: الكيف غير موجود، بل قال: الكيف غير معقول، يعني: هناك كيفية استوى الله عليها لكن لا ندري, عقولنا لا تدرك ذلك، وشرعنا لم يأتِ بها، الكتاب والسنة ليس فيهما كيفية استواء الله على العرش، وعقولنا لا تدرك هذا، فانتفى عنها الدليلان العقلي والسمعي، فوجب السكوت، فإذا سئلنا: كيف استوى؟ قلنا: الله أعلم الإيمان به واجب أي بالاستواء واجبٌ على ما أراده الله عز وجل والسؤال عنه بدعة هذا محل الشاهد من كلامنا، هذا السؤال عن الكيفية بدعة، لماذا؟ لأن الصحابة- وهم أحرص منا على معرفة الله، وأحرص منا على العلم، وإذا سألوا سألوا من هو أعلم منا بالإجابة- لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقولوا: يا رسول الله كيف استوى؟ مع أنهم يسألون عن أشياء أدق من هذا، لكنهم يعرفون رضي الله عنهم أن مثل هذه الأمور لا يمكن العلم بها، لذلك لم يسألوا، وإلا فهم يسألون عما هو أدق، كما سنبين إن شاء.
الله أيضاً السؤال عنه بدعة: من سمات أهل البدع؛ لأن أهل البدع هم الذين يحرجون أهل السنة في ذكر الكيفية، يقولون: كيف استوى؟ كيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ يحرجونهم ليقولوا: استوى على الكيفية الفلانية، أو ينكروا الاستواء، أو يقولوا: نزل على الكيفية الفلانية، أو ينكروا النزول، فهو من سمات أهل البدع، السؤال عن كيفية الصفات من سمات أهل البدع، ثم إن السؤال عن الكيفية- كيفية الصفات- من التنطع في دين الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون).
أو بما جاءت به النصوص من أمور الغيب، ولا تسأل عما وراء ما ذكر لك؛ لأنك لن تصل إلى شيء، وإذا سألت عما لم يذكر لك من أمور الغيب ربما تكون من الذين يسألون عن أشياء لا حاجة لهم بها، بل أنت منهم، وربما تقع في متاهات تعجز عن التخلص منها.
وقولنا: إن الصحابة رضي الله عنهم يسألون عما دون ذلك، أستدل له بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أن الدجال يخرج ويمكث في الأرض أربعين يوماً: اليوم الأول كسنة كاملة، يعني: اثني عشر شهراً، واليوم الثاني كشهر، واليوم الثالث كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا.
فالصحابة رضي الله عنهم لما قال: يوم كسنة، قالوا: يا رسول الله! هذا اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاةُ يوم واحد؟ قال: (لا، اقدروا له قدره).
فتجدهم أنهم سألوا عن هذا لأنهم مكلفون بالصلوات الخمس في أوقاتها المعلومة، وهذا اليوم سيكون طويلاً، سيكون اثني عشر شهراً، هل تكفي فيه خمس صلوات؟ لذلك سألوا، فإذا كانوا لم يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بصفات الله فإنهم خير سلفٍ لنا نقتدي بهم، ولا نسأل عن كيفية صفات الله، ولا نسأل أيضاً عما لم يبلغنا علمه من هذه الصفات ولا من غيرها من أمور الغيب، كل أمور الغيب الأدب فيها أن يقتصر الإنسان فيها على ما بلغه، وأن يسكت عما لم يبلغه لأنه لو كان في بيانه خيرٌ لبينه الله ورسوله.
وأما قول السائل: لا تخبروا العوام بها؛ لأنها من المتشابه.
فنقول له: يا أخي ماذا تريد بالمتشابه؟ إذا كانت صفات الله عز وجل وكانت نصوصه الواردة فيها من المتشابه فماذا يبقى بياناً؟ آيات الصفات من أبين الآيات، أحاديث الصفات من أبين الأحاديث، وليس فيها ولله الحمد شك، كلها معناها معلوم، كلها معناها مفهوم بمقتضى اللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن، وكيف ينزل الله علينا شيئاً يتعلق بأسمائه وصفاته ونحن نجهله ولا يمكننا الوصول إليه؟ هذا مستحيل فنقول: إن آيات الصفات وأحاديثها من المعلوم، وليست من المتشابه، فهل يشتبه على أحد قول الله تبارك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) فلا يدري ما معنى خلق؟ هل يشتبه على أحد قول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) أن معناها نفي المماثلة وإثبات السمع والبصر؟ آيات الصفات وأحاديثها ليست من المتشابه، نعم إن أراد القائل بقوله: من المتشابه، يعني: من الذي يشتبه علينا إدراك كيفيته وحقيقته فهذا صحيح، نحن لا نعلم كيفية ما وصف الله به نفسه وكنهه، لكن معناه واضح، ولولا أن معناه واضح ما استطعنا أن ندعو الله بأسمائه، وقد قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا).
فالمهم أن هذه الكلمة التي أطلقها بعض العلماء على آيات الصفات وأحاديثه وقال: إنها من المتشابه، نقول له: إن أردت أنها من المتشابه معنىً فلا، وإن أردت أنها من المتشابه حقيقةً وكنهاً، وأننا لا ندرك كيفيتها ولا حقيقة كنهها فهذا حق، وليس بغريبٍ أن نعلم معنى الشيء ولا ندرك حقيقته وكيفيته، نحن نعلم معنى الروح التي بين جنبينا، والتي إذا انسلت من الجسد مات الإنسان، نعم نعلم هذا، لكن هل ندرك حقيقتها وكيفيتها؟ لا أبداً، نحن نعلم ما ذكر الله عن الجنة بأن فيها من كل فاكهةٍ زوجين ونخلاً ورماناً وما أشبه ذلك، ولكن هل نحن ندرك حقيقة ذلك وكنهه؟ لا؛ لأن الله يقول: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
ويقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
والمهم التنبيه على هذه العبارة المتداولة في كلمة المتشابه بالنسبة لأسماء الله وصفاته، حيث يتوصل بها أهل التعطيل إلى أن نسلك مسلكاً سيئاً في ذلك، بحيث نفوض العلم بمعنى أسماء الله وصفاته، كما زعم بعض المتأخرين أن مذهب السلف هو التفويض، أي: تفويض القول بأسماء الله وصفاته إلى الله، وألا نتكلم بشيءٍ من معناها، وهذا القول بالتفويض على هذا الوجه قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد).
أما تفويض الحقيقة والكنه فهذا شيء لا بد منه، ولا يضرنا إذا كنا نعلم المعنى، ولكن لا نعلم الكنه والحقيقة التي عليها هذا المسمى والموصوف.
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع أبو محمد يقول: هل من أسماء الله (الحق) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم من أسماء الله تعالى الحق، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)، (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ).
ولكن نسمع كثيراً من الناس إذا أراد أن يستشهد بآية قال: قال الحق كذا وكذا، والأولى أن يعبر بما كان السلف يعبرون به فيقول: قال الله كذا، حتى كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حدث عن الله عز وجل بحديث قال: قال الله تعالى.
فالذي ينبغي لنا أن نتبع ما كان عليه سلفنا في مثل هذه الأمور، وإذا أردنا أن نستشهد بآية قلنا: قال الله تعالى كذا وكذا.
يقول السائل: هل الحنَّان, المنان,المحسن, من أسماء الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الحنان لم يثبت أنها من أسماء الله، وأما المنان فثابت أنها من أسماء الله، والمحسن أيضاً من أسماء الله تبارك وتعالى.
ولهذا ما زال الناس يسمون عبد المحسن، عبد المنان، والعلماء يعلمون بذلك ولا ينكرونها.
أحسن الله إليكم هل الحفي من أسماء الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هو في القرآن الكريم: (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً).
ولا أعلمها وردت مطلقة في أسماء الله عز وجل، بل هي مقيدة، وبدلاً من أن يدعو الإنسان بقوله: يا حفي احتفِ بي، يقول: يا رحيم ارحمني، وإذا كان عن ذنب يقول: يا غفور اغفر لي، وما أشبه ذلك.
تقول السائلة: إن أسماء الله وصفاته على وزن فعيل من صيغ المبالغة، فهل هذا صحيح؟ وهل يصح القول بأن أسماء الله وصفاته من صيغ المبالغة؟ نرجو النصح والتوجيه في هذا مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أسماء الله تعالى وصفاته التي جاءت في القرآن وغير القرآن منها ما هو صفةٌ مشبهة- ويعني العلماء بالصفة المشبهة: الصفة اللازمة للموصوف التي لا ينفك عنها- وذلك مثل: العزيز، الحكيم، السميع، البصير، وما أشبهها، هذه صفةٌ مشبهة، بمعنى: أنها صفةٌ لازمة لا تنفك عن الله عز وجل.
ومن أسماء الله ما يكون صيغة مبالغة، ومعنى صيغة مبالغة أنها دالةٌ على الكثرة، وليس المعنى أنه مبالغٌ فيها دون إرادة الحقيقة، مثل: الرزاق، فإن الرزاق من أسماء الله سبحانه وتعالى، وجاء بهذه الصيغة للدلالة على كثرة من يرزقه الله عز وجل، فإنه ما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها، ولكثرة رزقه الذي يعطيه سبحانه وتعالى لمن يشاء، كما قال الله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ).
ولعل الطالبة فهمت من قول المدرسة: صيغة مبالغة، أنها صيغةٌ مبالغٌ فيها ولا تعني الحقيقة، وليس هذا هو المراد، بل مراد العلماء من قولهم: صيغة مبالغة، أنها دالة على الكثرة، وبهذا التفصيل وبهذا الشرح لمعنى المبالغة يزول الإشكال.
فإذا قلنا مثلاً: إن الرزاق من أسماء الله وهو صيغة مبالغة، فليس معناه أن الله سبحانه وتعالى لا يرزق، بل معناه أنه كثير الرزق.
أبو منار يقول: فضيلة الشيخ ما المقصود من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (إنما بعثت رحمة للعالمين) ؟ وهل يجوز استناداً لهذا القول أن نقول بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رحيم أو كريم أو عليم أو حكيم، أو إلى ما هنالك من صفات الله عز جل؟ أفيدونا بما علمكم الله وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رؤوف رحيم فهذا قد جاء في القرآن الكريم، لكنه مقيد بالمؤمنين، فقال الله عز وجل: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
وأما كونه رحمة فقد قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
لكن ليس معنى الآية أنه هو الرحمة، بل معناه أن الله رحم به الخلق، يعني: ما أرسلناك إلا لنرحم الخلق بك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الدال على الله عز وجل، المبين شريعته، الداعي إليها، فكان بعثه وإرساله رحمة للعالمين في الدنيا والآخرة.
وأما قول السائل: وغير ذلك من أوصاف الله وأسماء الله، فلا نقول به؛ لأن من أسماء الله وأوصافه ما يختص به عز وجل: فالله هو الجبار، والمتكبر، والقدوس وما أشبه ذلك مما لا يصح أن يوصف به أحد سوى الله عز وجل.