البدعة
المستمع البرنامج ط س ع ويقول: ما هي البدعة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البدعة الشرعية- أعني: التي تكلم عنها الشرع- هي: أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل، هذه هي البدعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يخطب في الناس يوم الجمعة: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها)، فدل هذا على أن المحدثة كل ما خالف السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذاً البدعة هي: أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل.
مثاله في العقيدة: ما ذهب إليه أهل التعطيل الذين أنكروا كثيراً من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، مثاله قول الله تبارك وتعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) قالوا: نحن لا نتعبد لله بأن الله يجيء بنفسه، ولا نعتقد بذلك، بل عقيدتنا أن الذي يجيء أمره، فيفسرون قول الله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) بأن المراد جاء أمر ربك، ويعتقدون أن الجائي هو أمر الله لا الله، هذه بدعة؛ لأن الله تعالى لما خاطبنا بقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) وكان القرآن نزل بلسان عربي مبين فإن مقتضى هذه العبارة في اللسان العربي المبين أن يكون الجائي هو الله لا غيره، ويكون المشروع لنا أن نؤمن بأن الله يجيء هو بنفسه، فإذا اعتقدنا أن الذي يجيء أمره، وأن معنى (وَجَاءَ رَبُّكَ): وجاء أمر ربك، هذا بدعة بلا شك، وكل بدعة ضلالة.
كذلك قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) معناها: علا العرش كما يليق بعظمته وجلاله، وذلك أن هذا الفعل استوى إذا عدي بعلى صار معناه العلو على الشيء، كما قال الله تعالى لنوح: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي ركبت عليه.
وقال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنِ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) أي لتعلوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا علوتم عليه.
وقال الله تعالى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) يعني سفينة نوح، أي: استقرت عليه، على الجبل المعروف بالجودي.
هذا معنى هذه الكلمة في اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية بلسان عربي مبين: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
أي صيرناه باللغة العربية حتى تعقلوه، ولو تكلم الله به باللغة الفارسية وهو يخاطب العرب لكان هذا خلاف البيان، فقد قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
فنقول: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوى) أي: على العرش علا، لكنه ليس كعلونا على ظهور بهيمة الأنعام أو على الفلك، أو كعلو السفينة على الجودي، لا؛ لأنه استواء مضاف إلى الله عز وجل، فيكون استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يماثل استواء المخلوق على المخلوق، يعني الله قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
فيأتي الإنسان ويقول: أنا لا أعتقد أن الله استوى على العرش بمعنى علا عليه، ولكني أقول: استوى على العرش أي استولى عليه، فأنا أومن بأنه مستولٍ على العرش لا مستوٍ عليه.
فنقول: هذا بدعة؛ لأن الله تعالى لم يخاطبك لتؤمن بأنه مستولٍ على العرش، إنما خاطبك لتؤمن أنه مستوٍ عليه، فقد تعبدت لله بما لم يشرعه، واعتقدت في الله ما لم يرد بهذه الآية الكريمة.
هذان مثالان من البدعة، والأمثلة عن هذا كثيرة: كل من خالف ظاهر الكتاب والسنة فيما يتعلق بصفات الله أو فيما يتعلق بأمور الغيب عامة بدون دليل شرعي فإنه مبتدع.
وأما البدعة في الأقوال فحدث ولا حرج: كثير من الناس يبتدع أقوالاً لم تكن مشروعة، إما في القدر، أو في الجنس، أو في الوقت، أو في السبب.
وذلك لأن العمل لا يكون عبادة حتى يوافق الشرع في أمور ستة: في جنس العمل، وفي قدره، وفي كيفيته، وفي سببه، وفي زمانه، وفي مكانه.
حتى لو ذكرت الله عز وجل في غير موضع مشروع فيه الذكر لكنت مبتدعاً، لو كنت إذا أردت أن تأكل قلت: لا إله إلا الله، تتعبد لله بها كما يتعبد الآكل بقوله: باسم الله لقلنا لك: أنت مبتدع.
قلت: كيف أكون مبتدعاً وأنا أذكر الله؟ لا إله إلا الله كلمة الإخلاص.
نقول: نعم ليس هذا مكانها، فأنت لم توافق الشرع في مكان العبادة هذه فتكون مبتدعاً.
لو أن الإنسان ذبح أضحيته في يوم عيد الأضحى قبل الصلاة متعبداً لله بذلك، مع علمه بأن المشروع في الأضحية أن تكون بعد الصلاة لقلنا: هذا مبتدع؛ لأنه أتى بالعبادة في غير وقتها.
ولو وقف بعرفة في غير يوم عرفة متعبداً لله بهذا الوقوف لقلنا: هذا مبتدع؛ لأنه أتى بالوقوف في غير زمنه.
ولو حبس الإنسان نفسه على طاعة الله لكن في حجرة من بيته يريد بذلك الاعتكاف قلنا: هذا مبتدع؛ لأن الاعتكاف إنما يكون في المساجد؛ لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).
وكذلك الأفعال البدع فيها كثيرة حدث ولا حرج، لهذا نقول: القاعدة العامة في البدعة هي: أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل، فإذا قال قائل: هل كل البدع مذمومة؟ نقول: نعم كل البدع مذمومة؛ لقول أعلم الخلق وأصدق الخلق وأنصح الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل بدعة ضلالة)، كل بدعة هذه جملة من صيغ العموم التي هي من أقوى الصيغ، صادرة ممن هو أعلم الخلق بشرع الله وأصدق الخلق فيما يقول وأنصح الخلق لعباد الله وأفصح الخلق في نطقه قال: (كل بدعة ضلالة)، ولم يقسمها إلى بدعة حسنة ولا بدعة سيئة، كل بدعة ضلالة، والضلالة سوء بلا شك، وأعتقد أنه لو كتبت هذه الجملة في كتاب وكتب في كتاب آخر: البدعة نوعان أو ثلاثة أنواع، لكان الذي يحكي الأقوال سيقول: قال فلان: كل بدعة ضلالة، وقسمها فلان إلى أقسام فجعل القول الأول مقابلاً للقول الثاني، ولم يجعل الثاني تقسيماً للأول، بل جعله قسيماً له.
فإذا كان هذا يحصل في كلام العلماء بعضهم مع بعض أن من قال: كل بدعة ضلالة، فليس هو كقول من قال: إن البدعة تنقسم إلى كذا وكذا، بل هو قول مقابل له قسيم له، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال- وهو الحاكم على كل قول من البشر- قال: (كل بدعة ضلالة) بدون تفصيل ولا تقسيم.
ولهذا نقول فيمن قسم البدعة إلى قسمين: حسنة وسيئة، نقول: هذا التقسيم خطأ؛ لأنه مصادم للنص، وما صادم النص فهو فاسد مردود على صاحبه.
ولهذا قال العلماء: إن القياس إذا خالف النص فهو فاسد الاعتبار.
ثم نقول لهذا الذي قسم البدعة إلى قسمين أو أكثر: إما أن يكون ما ذكرته ليس ببدعة، فينتفي عنه وصف البدعة، ثم قد يكون حسناً وقد يكون سيئاً؛ وإما أن يكون بدعة ولكنه ليس بحسن، وظنك أنه حسن ظن خاطئ؛ لأنه مصادم للنص.
فإن قال قائل: أليس قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه حين وجد الناس في رمضان في القيام على إمام واحد خرج ذات ليلة فقال: (نعمت البدعة هذه) ؟ قلنا: بلى صح ذلك عن عمر، ولكن عمر رضي الله عنه سماها بدعة باعتبار ما سبقها من تفرق الناس، وإلا فهي سنة، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه جماعة في رمضان ثلاث ليال، ثم تركها وقال: خشيت أن تفرض عليكم.
فلما زال هذا المحظور- وهو: أن تفرض علينا- صارت إعادتها سنة، فهو في الحقيقة تجديد سنة ليس إحداث سنة، فهي بدعة إذاً باعتبار ما سبق من كون الناس يصلون أوزاعاً.
فإن قال قائل: لماذا غفل عنها أبو بكر وعمر في أول خلافته؟ قلنا: لا غرابة في ذلك، أبو بكر رضي الله عنه مدة خلافته قصيرة، هي سنتان وأربعة أشهر وأيام، وكان رضي الله عنه مشغولاً بشؤون المسلمين التي هي أكبر من هذا، أكبر من أن يجتمعوا في رمضان على إمام واحد؛ لأن أصل قيام رمضان سنة، ثم الاجتماع عليه سنة، فهو سنة في سنة، وأبو بكر مشغول بأمور المسلمين العامة داخل المدينة وخارج المدينة، فلا غرابة ألا تطرأ هذه على باله لا في خلافته ولا في خلافة عمر، وبهذا بطل تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
فإن قال قائل: كيف نجيب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ؟ فنقول: البدعة داخلة في قوله: ومن سن في الإسلام سنة سيئة، والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (كل بدعة ضلالة).
إذاً فمن ابتدع في الدين شيئاً فقد أساء، فيدخل في الجملة الثانية: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)،أما الجملة الأولى: (من سن في الإسلام سنة حسنة) فيراد بها أمران: الأمر الأول: أي من بادر إلى فعلها، فيكون السن هنا بمعنى الامتثال؛ لأن الإنسان إذا امتثل فتح الطريق للناس، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ذلك حين حث المسلمين على الصدقة، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت يده أن تعجز عنها، فألقاها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة).
وهذا واضح في أن المراد من ابتدأ العمل بأمر مشروع فإنه يعتبر سانّاً له، أي قد سن الطريق للناس أن يقتدوا به، وهذا معروف بالفطرة والعادة: أن الإنسان يتأسى بغيره، وإذا رأى فلاناً فعل فعل مثله، أي يحمل على أن المراد: من سن في الإسلام سنة حسنة أي: من سن شيئاً من الوسائل التي يكون فيها تحقيقٌ للمصالح الشرعية، فهذه سنة لا شك.
مثلاً سن تأليف الكتب، وتأليف الكتب غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، نفس القرآن ليس مكتوباً على هيئته اليوم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أخذ من صدور الرجال ومما كتب في عسب النخل واللخاف- وهي: الحجارة الخفيفة- وما أشبه ذلك، لكن جمع في مصحف في عهد عثمان في مصحف واحد، هذه سنة حسنة؛ لأنها وسيلة لاجتماع الناس على أمر مشروع.
بناء المدارس غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كان فيه الصفة لفقراء المهاجرين، لكن على الشكل المعهود؟ لا، هذه من السنة الحسنة؛ لأنها وسيلة من باب الوسائل إلى تحصيل أمر مشروع، فهذا هو الذي يحمل عليه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).
ولا يمكن أن يراد بها: من شرع شريعة لم يشرعها الله ورسوله؛ لأنه لو كان هذا هو المراد لكان يناقض قوله عليه الصلاة والسلام: (كل بدعة ضلالة)، وكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفسر بعضه بعضاً.
وإنما أطلت في جواب هذا السؤال لأنه مهم، ولأن كثيراً من الناس قد تشتبه عليه بعض النصوص وكيفية الجمع بينها، فكان لابد من الإيضاح.
ثم إني في ختام هذا الجواب أقول لإخواني- وأخص بذلك طلبة العلم-: إذا جاءتهم نصوص مشتبهة تحتمل معانيَ متعددة، سواء كانت من القرآن أو من السنة فإن الواجب حملها على المحكم الواضح الذي لا اشتباه فيه، فتحمل على الاحتمال الذي يوافق ذلك المحكم وتلغى الاحتمالات الأخرى، حتى ولو كان احتمال هذا النص المشتبه لهذه الاحتمالات على حد سواء، فإن النصوص المحكمة ترجح أحد الاحتمالات وهو ما وافق النصوص المحكمة.
وهذه الطريقة- أعني: رد المتشابه إلى المحكم- هي طريقة الراسخين في العلم المؤمنين بالله وكتبه، يقول الله عز وجل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) منه: أي بعضه، فمن هنا للتبعيض، آيات محكمات: أي لا اشتباه فيها، هن أم الكتاب: أي مرجع الكتاب الذي يجب أن يرد إليه ما تشابه (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) فيها احتمالات.
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي ميل عن الحق (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ويأتون بالمتشابه ليضربوا القرآن بعضه ببعض فيجعلوه متشابهاً.
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) يعني وأما (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وإيمانهم به يقتضي أن يردوا المتشابه إلى المحكم حتى يكون محكماً (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) يعني: فلا تناقض فيه (ومَا يذكرُ إلا أولوا الألباب), فهناك آيات مشتبهة تشتبه على القارىء، قد تشتبه على طالب العلم الذي لم يدرك، لكن الواجب رد هذه المتشابهات إلى المحكم لتكون محكمة.
ولا حاجة أن أذكر شيئاً من الأمثلة على ذلك، أخشى أن يطول بنا الوقت أكثر مما ينبغي أن يستوعبه السامع، وأسأل الله أن يميتنا على سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فضيلة الشيخ: متى ظهرت البدعة ومتى عرفت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البدع ظهرت في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم، لكنها تجدها بدعاً في مسائل معينة، ثم انتشرت حتى وصلت إلى العقيدة في الله عز وجل.
ظهر في عهد الصحابة رضي الله عنهم بدعة القدر، وهو: إنكار قدر الله عز وجل فيما يتعلق بأعمال المخلوق، وجاءت بدعة الإرجاء، ثم جاءت بدعة جهمية: إنكار الصفات أو بعضها.
ومن أراد أن يستزيد من ذلك فليرجع إلى مظانه من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية أو تلميذه ابن القيم.
ما هي البدعة؟ وهل لها أقسام؟ وكيف أعرف أن هذا العمل مُبتدَع؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله تعالى: البدعة في اللغة: كل شيء يأتي به الإنسان لم يسبقه إليه أحد.
هذه البدعة، هذا في اللغة، سواءٌ كان في العادات أو في المعاملات أو في العبادات.
ولكن البدعة الشرعية المذمومة هي البدعة في العبادات، بأن يتعبد الإنسان لله عز وجل بما لم يشرعه، سواءٌ كانت هذه العبادة تتعلق بالعقيدة أو تتعلق بقول اللسان أو تتعلق بأفعال الجوارح.
فالبدعة شرعاً هي التعبد لله بما لم يشرعه.
هذه البدعة شرعاً.
وبناءً على ذلك فنقول: إذا كان الشيء يفعل لا على سبيل التعبد، وإنما هو من العادات، ولم يرد نهيٌ عنه فالأصل فيه الإباحة، وأما ما قصد الإنسان به التعبد والتقرب إلى الله فإن هذا لا يجوز إلا إذا ثبت أنه مشروع.
هذه هي القاعدة في البدعة.
وأما تقسيم بعض العلماء رحمهم الله البدعة إلى أقسام فإن هذا التقسيم لا يرد على البدعة الشرعية؛ لأن البدعة الشرعية ليس فيها تقسيم إطلاقاً، بل هي قسمٌ واحد حدده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (كل بدعةٍ ضلالة).
وجميع من يعرف اللغة العربية وأساليبها يعلم أن هذه الجملة جملةٌ عامة شاملة لا يستثنى منها شيء، كل بدعةٍ ضلالة، والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه من قواعد الشريعة.
ولكن إذا ظن ظانٌ أن هذه بدعة وأنها حسنة فهو مخطئٌ في أحد الوجهين: إما أنها ليست ببدعة وهو يظن أنها بدعة، كما لو قال: تصنيف السنة وتبويبها هذا بدعة لكنه بدعةٌ حسنة، أو قال: بناء المدارس بدعة لكنه بدعةٌ حسنة أو ما أشبه ذلك، نقول: أنت أخطأت في تسمية ذلك بدعة؛ لأن فاعل ذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بنفس الفعل، لكن يتقرب إلى الله بكونه وسيلةً إلى تحقيق أمرٍ مشروع.
فتصنيف الكتب مثلاً وسيلة إلى تقريب السنة وتقريب العلم، فالمقصود أولاً وآخراً هو السنة وتقريبها للناس، وهذا التصنيف وسيلة إلى قربها إلى الناس فلا يكون بدعةً شرعاً؛ لأنك لو سألت المصنف قلت: تصنف هذا الكتاب على أبواب وفصول تتعبد إلى الله بهذا التصنيف، بحيث ترى أن من خالفه خالف الشريعة؟ أو تتقرب إلى الله تعالى بكونه وسيلةً إلى مقصودٍ شرعي، وهو: تقريب السنة للأمة؟ سيقول: إني أقصد الثاني لا أقصد الأول.
وبناءً على هذا نقول: إن تصنيف الكتب ليس ببدعةٍ شرعية، كذلك أيضاً بناء المدارس للطلاب هذا أيضاً ليس موجوداً في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه وسيلةٌ إلى أمرٍ مقصودٍ للشرع، وهو: القيام بمعونة للطالب ليتفرغ للعلم، فهو ليس في ذاته عبادة ولكنه وسيلة.
ولهذا تجد الناس يختلفون في بناء المدارس: بعضهم يبنيها على هذه الكيفية، وبعضهم يبنيها على هذه الكيفية، ولا يرى أحد الطرفين أن الآخر مبتدعٌ لكونه أتى بها على وجه مخالف للمدرسة الأخرى؛ لأن الكل يعتقد أن هذه وسيلة ليست مقصودةً لذاتها، إذاً هذا ليس ببدعة لكنه وسيلةٌ إلى عملٍ مشروع.
ولو قال قائل: أنا أريد أن أحدث في الليلة التي يزعمون أنها الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدث صلوات على الرسول عليه الصلاة والسلام وثناءً عليه وأحتفل بهذه الليلة؛ لأن الثناء على الرسول عليه الصلاة والسلام والصلاة عليه عبادة لا شك، فأفعل هذا إحياءً لذكراه، وهذا حسن إحياء ذكرى الرسول في القلوب حسن، فتكون هذه بدعة حسنة.
فنقول: هذه بدعة؛ لأنها نفسها قربة، فالصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام قربة، والثناء عليه قربة، وإحياء ذكراه في القلوب قربة؛ لكن تخصيصها في هذا الوقت المعين بدعة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعله ولم يسنه لأمته، لا بقوله ولا بإقراره ولا بفعله، وكذلك الخلفاء الراشدون، ولم تحدث بدعة الاحتفال بالمولد إلا في القرن الرابع بعد مضي ثلاثمائة سنة من الهجرة، وعلى هذا فإذا قال لنا هذا الرجل: هذه بدعة حسنة.
قلنا: صدقت في قولك: إنها بدعة، ولكنها ليست بحسنة؛ لأنها عبادةٌ على غير ما شرع الله ورسوله.
وبهذا علمنا أن من قال: إن من البدع ما هو حسن فإنه مخطئٌ في أحد الوجهين: إما أنه ليس ببدعة وهو حسن كما مثلنا في تصنيف الكتب وبناء المدارس وما أشبه ذلك، هو حسن لكنه ليس ببدعة؛ لأن الإنسان لا يتعبد لله تعالى بهذا الشيء.
وإما أنه بدعة لكنه ليس بحسن، كالاحتفال بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه لا شك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكره بالثناء الحسن بدون غلوٍ لا شك أنه قربى إلى الله عز وجل، سواءٌ فعل في تلك الليلة أم في غيرها، فتخصيصه في تلك الليلة يكون بدعة، وهو غير حسن؛ لأنه لم يكن مشروعاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد الخلفاء الراشدين ولا الصحابة ولا التابعين، مع أن الشريعة انقطعت بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، أي انقطع التغيير والتجديد فيها والحذف بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا ما كان داخلاً تحت القواعد الشرعية فهذا يكون قد أتت به الشريعة من قبل وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وعلى هذا فلا تقسيم للبدعة، كل بدعةٍ في الدين فإنها ضلالة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن المعلوم لنا جميعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بشريعة الله، وأنه صلى الله عليه وسلم أنصح الخلق لعباد الله، وأنه صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق في بيانه وبلاغته عليه الصلاة والسلام، إذا كان كلامه صادراً عن علمٍ تام وعن نصحٍ تام وعن بلاغةٍ تامة فكيف يمكن أن نقول: إن من البدع ما هو حسن، وهو قد قال: (كل بدعةٍ ضلالة) ؟ وليعلم أن كلام الله وكلام رسوله مشتملٌ على الأوصاف التي توجب القبول بدون تردد، أولها: العلم، وثانيها: الصدق، وثالثها: الإرادة، ورابعها: البلاغة.
هذه مقومات الأخبار وموجبات صدقها فكلام الله وكلام رسوله لا شك أنه عن علم، وكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا شك أنه عن إرادة خير، كما قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)، (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا).
وكلام الله وكلام رسوله في غاية الصدق: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً).
وكلام الله ورسوله أبلغ الكلام وأفصح الكلام، فأفصح الكلام وأبلغه كلام الله، وأفصح كلام الخلق وأبلغه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السائل من جمهورية مصر العربية خالد خ يقول في هذا السؤال: ما هي أقوال الفقهاء في البدعة؟ وهل هناك بدعة حسنة وأخرى سيئة؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله تعالى: البدعة هي: أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل.
فالبدعة في العقيدة: أن يخالف ما كان عليه السلف الصالح، سواء كان ذلك في ذات الله عز وجل أو في صفاته وأفعاله، فمن قال: إن الله تعالى ليس له يد حقيقة، ولكن يده هي قوته أو قدرته أو نعمته كان مبتدعاً، أي: قال قولاً بدعياً، وذلك لأن السلف الصالح لم يفسروا اليد التي أضافها الله لنفسه بهذا أبداً، لم يرد عنهم حرف صحيح ولا حتى ضعيف أنهم فسروا اليد بغير ظاهرها.
وعلى هذا فيكون السلف مجمعين على أن المراد باليد هي اليد الحقيقية، وذلك أنهم يتلون القرآن ويقرؤون ما جاءت به السنة في هذا، ولم يرد عنهم حرف واحد أنهم صرفوا النص عن ظاهره، وهذا إجماع منهم على أن المراد بظاهره حقيقة ما دل عليه.
وكذلك قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فإن معناه إذا تعدت بعلى: العلو على الشيء علواً خاصاً، فيكون استواء الله على عرشه علوه عز وجل عليه على وجه خاص يليق بجلاله وعظمته لا نعلم كيفيته، فمن قال: إن استوى بمعنى استولى وملك وقهر فقد ابتدع؛ لأنه أتى بقول لم يكن عليه السلف الصالح، ونحن نعلم أن السلف الصالح مجمعون على أن استوى على العرش أي علا عليه العلو الخاص اللائق بجلال الله عز وجل بدون تكييف ولا تمثيل؛ لأنه لم يرد عنهم حرف واحد يخرج هذا اللفظ عن ظاهره، وهذا اللفظ بظاهره معناه ما ذكرنا؛ لأن هذا هو معناه في اللغة العربية التي نزل القرآن بها، كما قال الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ.
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بلسانٍ عربي مبين).
فاعتقاد ما يخالف عقيدة السلف بدعة.
كذلك من الأقوال ما ابتدع، فهناك أذكار رتبها من رتبها من الناس ليست على حسب الترتيب الشرعي الذي جاء عن محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتكون بدعة، سواء كانت بدعة في صيغتها أو في هيئتها أو في هيئة الذاكر عند ذكره أو غير ذلك، هناك أيضاً أفعال ابتدعها من؟ ابتدعها الناس، أحدثوا شيئاً لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه من الأفعال فهذه بدعة.
إذاً فضابط البدعة بالخط العريض هو: أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه الله، إما بعقيدته أو قوله أو فعله، هذه هي البدعة.
والبدعة لا يمكن تقسيمها إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة أبداً، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بدعة ضلالة)، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق، وأعلم بما يريد في كلامه، ولا يمكن أن يقول لأمته: (كل بدعة ضلالة) وهو يريد أن بعض البدع حسن وبعضها ضلالة، أبداً؛ لأن من قال: كل بدعة ضلالة وهو يريد أن البدع منها ما هو حسن ومنها ما هو ضلالة كان ملبساً على الناس غير مبين لهم، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ).
وقال تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).
فلا بلاغ أبلغ من بلاغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يقسم البدعة إلى قسمين ولا إلى ثلاثة ولا إلى أربعة ولا إلى خمسة، بل جعلها قسماً واحداً محاطاً بالكلية العامة: (كل بدعة ضلالة).
وما ظن بعض الناس أنه بدعة وهو حسن فإنه ليس ببدعة قطعاً، وما ظنوا أنه حسن وهو بدعة فليس بحسن، فلابد أن تنتفي إما البدعة وإما الْحُسْن، أَمَّا أن يجتمع بدعة وحسن فهذا لا يمكن مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة).
فإن قال قائل: أليس عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثنى على البدعة في قوله- حين أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يصلىا للناس بإحدى عشرة ركعة، فخرج ذات يوم وهم، أي: الناس مجتمعون على إمامهم فقال-: (نعمت البدعة هذه) ؟ قلنا: بلى، لكن هل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فعله هذا خالف سنة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا لم يخالف، بل أحياها بعد أن كانت متروكة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام بأصحابه في رمضان ثلاث ليال أو أربعاً، ثم تخلف وعلل تخلفه بأنه خشي بأن تفرض علينا، ومعلوم أن هذه الخشية قد زالت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا وحي بعد موته عليه الصلاة والسلام، لكن بقي الناس في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه يصلون أوزاعاً: الرجلان جميعاً، والثلاثة جميعاً، والواحد وحده؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه كان مشتغلاً بحروب الردة وغيرها، وكانت مدة خلافته قصيرة سنتين وأربعة أشهر أو نحو ذلك، لكن عمر رضي الله عنه طالت به المدة وتفرغ لصغار الأمور وكبارها رضي الله عنه، وأتى بكل ما يحمد عليه جزاه الله عن أمة محمد خيراً، فكان من جملة ما أتى به أنه أعاد تلك السُّنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم شرعها لأمته، ولكنه تخلف خوفاً من أن تفرض، فهي بدعة نسبية، أي: بدعة بالنسبة لتركها في المدة ما بين تخلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإعادتها من عمر رضي الله عنه.
لكن هنا مسألة قد يظنها بعض الناس بدعة وليست ببدعة، وهي: الوسائل التي يتوصل بها إلى مقصود شرعي، فإن هذه قد تكون حادثة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام لكنها لا تعد بدعة؛ لأن المقصود والغاية ما كان مشروعاً، فما كان وسيلة للمشروع فهو منه، والمشروع قد أراد الله ورسوله مِنَّا أن نفعله بأي وسيلة كانت إذا لم تكن الوسيلة محرمة لذاتها.
فمثلاً تصنيف الكتب وترتيب الأبواب والفصول، والكلام على تعريف الرجال، وكتابة الفقه وتبويب المسائل، وما حدث في زمننا أخيراً من مكبرات الصوت وآلات الكهرباء وغيرها، هذه لم تكن معروفة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنها وسيلة لأمر مقصود للشارع أمر به.
فمثلاً استماع الخطبة يوم الجمعة أمر مأمور به، حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ومن قال له: أنصت فقد لغا).
فهل نقول: إن اتخاذ مكبر الصوت ليسمع عدد أكبر من البدعة المحرمة أو المكروهة؟ لا نقول هذا، بل ولا يصح أن نسميها بدعة أصلاً؛ لأنه وسيلة لفعل سنة، ومن القواعد المقررة عند العلماء أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وخلاصة الجواب أن نقول: البدعة أن يتعبد الإنسان لله بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل، وإنَّ (كل بدعة ضلالة) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّ البدعة لا تنقسم إلى حسن وسيئ، وإن الوسائل لأمور مشروعة ليست من البدع، وإنما هي وسائل يتوصل بها إلى أمر مشروع.
يقول: هل هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أعوذ بالله! أبداً ما فيه بدعة حسنة، وقد قال أعلم الخلق بالشريعة وأفصح الخلق بالنطق وأنصح الخلق للخلق قال: (كل بدعة ضلالة).
و (كل) من ألفاظ صيغ العموم، بل هي أقوى صيغ العموم قال: (كل بدعة ضلالة) ولم يستثن شيئاً.
وما فعله الإنسان وظنه بدعة حسنة: فإما ألا يكون بدعة لكن هو سماه بدعة، وإما ألا يكون حسنة وهو ظنها حسنة.
أما أن يتفق أنها بدعة وحسنة فهذا مستحيل، ولذلك ننكر على أولئك القوم الذين رتبوا أذكاراً معينة يقولونها في الصباح أو المساء فرادى أو جماعة، ننكر عليهم حيث رتبوا أشياء لم ترد بها السنة، مع أنهم يستحسنونها ويرون أنها فاضلة.
يا شيخ هل هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال هكذا نقول: لا، ما فيه بدعة حسنة ولا سيئة، كيف يمكن أن نقول هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل بدعةٍ ضلالة) ؟ ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالبدع، وأنه أنصح الخلق للخلق، وأنه أفصح الخلق فيما يقول، فيكف يقول: (كل بدعةٍ ضلالة) بهذا التعبير العام الشامل ثم نقول: من البدع ما هو حسن ومن البدع ما هو قبيح؟ ولكننا نقول: كل بدعة إذا ظنها الإنسان حسنة فإما أن لا تكون بدعة وهو يظن أنها بدعة، وإما أن لا تكون حسنة وهو يظن أنها حسنة، فيكون خطأ إما في الأصل وإما في الحكم.
يعني: إما أن تكون غير بدعة وهو يظن أنها بدعة وقال: إنها حسنة، وإما أن تكون بدعة وظنها هو حسنة وليست بحسنة.
فأصحاب الطرق الذين ابتدعوا في الأذكار ما لم يشرعه الله ورسوله، هؤلاء يظنون أنها حسنة ويقولون: إنها بدعة حسنة، فنقول له: لا والله ليست بدعة حسنة، بل ما دمتم اعترفتم بأنها بدعة يجب أن تعترفوا بأنها ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: ألم يصح عن عمر رضي الله عنه أنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يجمعا الناس في رمضان على إمامٍ واحد، وأمر أبياً وتميماً الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة؟ فالجواب: بلى أمرهم بذلك، وخرج ذات ليلة والناس يصلون على إمامٍ واحدٍ فقال: (نعمت البدعة هذه) فأثنى على هذه البدعة.
فالجواب: أن هذه البدعة ليست بدعةً في الواقع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثبت عنه أنه صلى بالناس ثلاث ليالٍ في رمضان، ثم تخلف وقال: خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها.
إذاً فصلاة قيام رمضان جماعة سنة، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تركها خوفاً من أن تفرض على الأمة فتعجز عنها، وبعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زال هذا الخوف ولا يمكن بعده تشريع، لكن بقي الناس في عهد أبي بكر رضي الله عنه يصلون فرادى ومثنى وثلاث ورباع، ثم إن عمر رضي الله عنه رأى أن يجمعهم على إمامٍ واحد وقال: (نعمت البدعة) يعني: باعتبار ما سبقها، حيث إن الناس تركوا الجماعة في قيام رمضان ثم استؤنفت الجماعة، فهي بدعة بالنسبة لما سبقها من تركها، وليست بدعةً مستقلة لم تكن مشروعة من قبل.
هذا من وجه، من وجهٍ آخر أنه- وإن سماها بدعة رضي الله عنه- فهي من سنته، وسنة الخلفاء الراشدين متبعة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
لكن الوجه الأول هو الجواب الذي لا محيد عنه، وهو: أن عمر سماها بدعة باعتبار ترك الناس لها ثم العودة إليها.
يقول: هل هناك تسمية تسمى بدعة حسنة وبدعة سيئة أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمكن أن يقال عن البدعة في دين الله: إنها بدعةٌ حسنة أبداً، مع قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل بدعةٍ ضلالة).
فإن هذه الجملة- أعني: (كل بدعةٍ ضلالة) - صدرت من أفصح الخلق محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنصح الخلق وأعلم الخلق بشرع الله وأعلم الخلق بمدلول خطابه، وقد قال هذه الجملة العامة: (كل بدعةٍ ضلالة).
فكيف يأتي إنسانٌ بعد ذلك فيقول: البدعة منها ما هو بدعةٌ سيئة ومنها ما هو بدعةٌ حسنة؟ وهل هذا إلا خروجٌ بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ظاهره؟ فالبدعة كلها بدعةٌ سيئة، والبدعة كلها ضلالة.
لكن قد يستحسن الإنسان شيئاً يظنه بدعة وما هو ببدعة، وقد يستحسن شيئاً وهو بدعة يظنه حسناً وما هو بحسن، أما أن يجتمع كونه بدعة وكونه حسناً فهذا لا يمكن أبداً.
فمثلاً قد يقول القائل: بناء المدارس بدعة؛ لأنها لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه بدعةٌ حسنة.
فنقول: لا شك أن بناء المدارس حسن، لكنه ليس البدعة التي أرادها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ إن بناء المدارس وسيلة لتنظيم الدراسة وتهيئة الدروس للدارسين، وليس مقصوداً في ذاته، بمعنى: أننا لسنا نتعبد لله تعالى ببناء المدارس على أن البناء نفسه عبادة، ولكن نتعبد لله تعالى ببناء المدارس على أنها وسيلةٌ لحفظ العلم وتنظيم العلم، ووسيلة المقصود مقصودة، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد.
وربما يحتج محتج لقوله: إن من البدعة ما هو حسن، بما صح عن أمير المؤمنين رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جمع الناس في قيام رمضان على إمامٍ واحد، وكانوا قبل ذلك يصلون أفراداً أو على اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أوزاعاً، فجمعهم عمر رضي الله عنه على إمامٍ واحد، فخرج ذات ليلةٍ وهم يصلون فقال: (نعمت البدعة هذه).
فإن هذه البدعة التي سماها عمر بدعة ليست بدعة جديدة، ولكنها بدعةٌ نسبية، فإنها كانت سنة فتركت ثم استجدت في عهد عمر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بأصحابه في رمضان جماعة ثلاث ليال، ثم ترك ذلك وقال: (خشيت أن تفرض عليكم).
فترك الناس الجماعة على إمام واحد، وصاروا يصلون أفراداً وأوزاعاً إلى عهد عمر رضي الله عنه، وعلى هذا فيكون عمر قد أعاد ما كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجدده، ولم ينشيء الجماعة لقيام رمضان إنشاءً جديداً.
وعلى هذا فتكون هذه البدعة بدعةً بالنسبة لما سبقها من تركها، لا بالنسبة لإنشاء مشروعيتها؛ لأن عمر رضي الله عنه أفقه وأورع وأبعد عن أن يشرع في دين الله ما لم يشرعه الله ورسوله.
وخلاصة القول: أنه لا يمكن أن تكون البدعة الشرعية تنقسم إلى قسمين حسنة وسيئة مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (كل بدعةٍ ضلالة)، وأن ما ظنه بعض الناس بدعةً وهو حسن فإن ظنه إياه بدعة خطأ، وما ظنه الإنسان حسناً وهو بدعة حقيقةً فإن ظنه أنه حسن خطأ.
المستمع من إثيوبيا يقول: تقسيم العلماء الكبار للبدعة إلى خمسة أقسام والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). ما رأيكم في هذا يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا قول لأحد بعد قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بدين الله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق فيما يقول.
وإذا ثبتت هذه الأمور الثلاثة التي مقتضاها أن يكون كلامه هو الحق الذي لا يمكن أن يعارضه شيء من كلام الناس فإننا نقول: كل هذه التقاسيم التي قسمها بعض أهل العلم مخالفة للنص يجب أن تكون مطرحة، وأن يؤخذ بما دل عليه النص، وكل من قال عن البدعة: إنها حسنة فإنها إما ألا تكون بدعة لكنه لم يعلم أنها ليست بدعة، وإما أن لا تكون حسنة لكنه ظنها حسنة، أما أن تكون بدعة حقيقة وحسنة فإن هذا لا يمكن أبداً؛ لأن هذا يقتضي تكذيب خبر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (كل بدعة ضلالة)، ومن المعلوم أن الضلالة ليس فيها حسن أبداً بل كلها سوء وكلها جهل، فمن ظن أن بدعة من البدع حسنة فإنه لا يخلو من إحدى الحالين اللتين ذكرناهما آنفاً، وهما: إما ألا تكون بدعة وإما ألا تكون حسنة، وإلا فكل بدعة سيئة وضلالة وليست بحسنة.
فإن قلت: ما الجواب عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه- حين جمع الناس في قيام رمضان على أبي بن كعب وعلى تميم الداري، وأمرهما أن يصلىا بالناس إحدى عشرة ركعة، ثم خرج والناس يصلون فقال-: (نعمت البدعة هذه)، فسماها عمر بدعة وأثنى عليها بقوله: نعمت البدعة؟ فالجواب: أن عمر لم يسمها بدعة لأنها بدعة محدثة في دين الله، ولكنها مجددة، فسماها بدعة باعتبار تجديدها فقط، وإلا فإنها ثابتة بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس ثلاث ليالٍ في رمضان، ثم تأخر عليه الصلاة والسلام في الليلة الرابعة وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم)، ومقتضى هذا أنها سنة، لكن تأخر النبي صلى الله عليه وسلم عن ملازمتها لئلا تفرض على الناس فيلتزموا بها.
وبهذا يتبين أن قيام الناس في رمضان جماعة في المساجد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومن سنته، وليس من بدع عمر بن الخطاب كما يظنه من لا يفهم الخطاب.
هذه رسالة من المرسل ك ع ب من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية محافظة حضرموت يقول: ما هي البدعة وما هي أقسامها؟ وهل تقسيمها إلى خمسة أقسام كما قسمها الشيخ العز بن عبد السلام صحيح؟ وماذا يقصده ابن عبد السلام بتقسيمه للبدعة؟ أفيدونا بذلك جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله تعالى: البدعة في اللغة العربية فعلة من البدع، وهو اختراع الشيء على غير مثال سَبَقَ، ومنه قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي مبدعهما؛ لأنه سبحانه وتعالى خلقهما على غير مثال سَبَقَ.
هذا معنى البدعة في اللغة العربية.
أما البدعة في الشرع فإنها: كل عقيدة أو قول أو عمل يتعبد به الإنسان لله عز وجل وليس مما جاء في شريعة الله سبحانه وتعالى.
أقول: البدعة الشرعية ليس لها إلا قسم واحد، بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
فكل بدعة في الشرع فإنها ضلالة، لا تنقسم إلى أكثر من ذلك، وهذه البدعة التي هي ضلالة سواء كانت في العقيدة أم في القول أم في العمل هي مردودة على صاحبها غير مقبولة منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من حديث عائشة: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
إذاً فالبدعة الشرعية لا تنقسم لا إلى خمسة أقسام ولا إلى أكثر ولا إلى أقل، إلا أنها قسم واحد بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلم الخلق بما يقول، وأنصح الخلق فيما يوجه إليه، وأفصح الخلق فيما ينطق به، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم غني عن التعقيد، وليس فيه شيء من التعقيد، وهو بيِّن واضح.
وتقسيم البدعة عند بعض أهل العلم كالعز بن عبد السلام وغيره إنما قسموها بحسب البدعة اللغوية التي يمكن أن نسمي الشيء فيها بدعاً، وهو في الحقيقة ليس من الشرع؛ لدخوله في عمومات أخرى، وحينئذٍ فيكون بدعة من حيث اللغة وليس بدعة من حيث الشرع.
وإني أقول للأخ السائل ولغيره: إن تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام أو أكثر أو أقل فهم منه بعض الناس فهماً سيئاً، حيث أدخلوا في دين الله ما ليس منه، بحجة أن هذا من البدعة الحسنة، وحرفوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: إن معنى قوله: (كل بدعة ضلالة): أي كل بدعة سيئة فهي ضلالة، وهذا لا شك أنه تعقيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستلزم نقصان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيان؛ لأننا لو قلنا: إن الحديث على تقدير: كل بدعة سيئة ضلالة، لم يكن للحديث فائدة إطلاقاً؛ لأن السيئة سيئة وضلالة سواء كانت بدعة أو غير بدعة، كالزنى مثلاً معروف في الشرع أنه محرم، وتحريمه ليس ببدعة، ومع ذلك نقول: إنه من الضلال وإنه من العدوان.
فالذين يقدرون في الحديث: كل بدعة سيئة ضلالة، هؤلاء لا شك أنهم اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنقصوا بيانه عليه الصلاة والسلام، ولا ريب أن الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم الناس بياناً وأفصحهم مقالاً وأنصحهم قصداً وإرادة، وليس في كلامه عي، وليس في كلامه خفاء، أقول: إن هذا التقسيم الذي ذهب إليه العز بن عبد السلام وبعض أهل العلم أوجب إلى أن يفهم فهماً سيئاً من بعض الناس الذين هم طفيليون على العلم، ومن أجل ذلك حرفوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإني أقول وأكرر: إن كل بدعة في دين الله فإنها ضلالة، ولا تنقسم البدعة الدينية إلى أقسام، بل كلها شر وضلالة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث فيما رواه النسائي: (وكل ضلالة في النار).
فعلى المرء أن يكون متأدباً مع الله ورسوله، لا يقدم بين يدي الله ورسوله، ولا يدخل في دين الله ما ليس منه، ولا يشرع لنفسه مالا يرضاه؛ لأن الله يقول: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً).
فكل ما قدر أن يتعبد به المرء لربه وليس مما شرع الله فإنه ليس من دين الله، وإنما أطلت على هذا الجواب لأنه مهم، ولأن كثيراً من الناس الذين يريدون الخير انغمسوا في هذا الشر- أعني: شر البدع- ولم يستطيعوا أن يتخلصوا منه، ولكنهم لو رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن هذا- أعني: سلوك البدع في دين الله- يتضمن محظوراً عظيماً في دين الله، وهو: أن يكون الدين ناقصاً؛ لأن هذه البدع معناها أنها تكميل لدين الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ولا شك أنها نقص في دين الإنسان، وأنها لا تزيده من الله تعالى إلا بعداً.
والله الموفق.
ما هي البدع التي تخرج عن ملة الإسلام؟ وما هي البدع التي دون ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الضابط في هذا: أن البدعة إذا كانت تناقض الإسلام، أو تستلزم القدح في الإسلام فإنها بدعة مكفرة، وأما إذا كانت دون ذلك فهي بدعة مفسقة.
فمن البدع التي لا تكفر ما استحدثه بعض الناس من صيغ أذكار معينة أو أوقات عينوها للذكر لم ترد السنة بتعيينها، وهي في الأصل مشروعة، ولكن قيدوها بزمن لم تتقيد به في القرآن والسنة.
وأما البدع المكفرة التي تسلتزم نقص الخالق أو نقص الرسول أو نقص نقلة الشريعة كالصحابة رضي الله عنهم فإن هذه بدع مكفرة.
والمهم: أن ما يناقض الإسلام من البدع فهو بدعة مكفرة، وما لا يناقضه فهو بدعة دون التكفير.
هذه رسالة من السائل عبد الله عبد الرحمن محمد من محافظة عدن يقول: كيف تكون معاملة من يبتعد عن السنة ويبتدع في الدين ما ليس منه، ادعاء خشية الفتنة من العامة، وأن ذلك استدراج لتأليف قلوبهم كما يدعي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معاملة هذا المبتدع الذي يبتدع في الدين ما ليس منه ليرضي عباد الله: أن ينصحه عن هذا العمل؛ لأنه عمل محرم، والله سبحانه وتعالى يقول: (فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي).
ولا يمكن أن يداهن عباد الله في أمر لم يشرعه الله، فالواجب عليه التوبة إلى الله من هذا الأمر، وأن يسير على دين الله سبحانه وتعالى، وعلى الهدي الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، سواء رضي الناس بذلك أم لم يرضوا.
لكن الأمور المجهولة لدى الناس من السنة ينبغي للإنسان أن يمهد لها تمهيداً يتألف به الناس قبل أن يظهرها لهم ويفعلها ولا يدعها، ولكنه إذا خاف من نفور الناس فإنه يمهد لذلك ويدعوهم بالحكمة حتى يطمئنوا بها وتنشرح بها صدورهم.
وأما ترك السنة مراعاة لهم فهذا لا ينبغي، أو ابتداع شيء في دين الله مراعاة لهم فهذا أمر لا يجوز.
هل يجازى صاحب البدعة الجاهل على حسن نيته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجازى على حسن نيته، ولكن إن تبينت له السنة وجب عليه اتباعها.
والدليل على أنه يجازى على حسن نيته قصة الرجلين اللذين بعثهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحضرت الصلاة فلم يجدا الماء، فتيمما وصلىا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأحدهما توضأ وأعاد الصلاة والثاني لم يتوضأ ولم يعد الصلاة.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبراه قال للذي لم يعد: أصبت السنة، وقال للآخر: لك الأجر مرتين.
فحكم للآخر بالأجر على فعل الأول والثاني مع أنه خلاف السنة، والله تبارك وتعالى يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) يعني العدل، فيعطى الإنسان على حسب نيته وعمله، فإذا كان جاهلاً وفعل شيئاً يعتقده عبادة وليس بعبادة أثيب على نيته، لكن إذا بانت له السنة يجب عليه اتباعها.
عبد الصمد عبد الرحيم يقول: هل تطبيق البدعة يعاقب أم يثاب عليها مطبقها؟ وخاصة الصلاة والسلام على النبي بعد الأذان؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البدعة قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
وإذا كان كذلك فإن البدعة سواء كانت ابتدائية أم استمرارية يأثم من تلبس بها؛ لأنه كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (في النار)، أعني: أن الضلالة هذه تكون سبباً للتعذيب في النار، وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام حذر أمته من البدع فمعنى ذلك أنها مفسدة محضة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عمم ولم يخص، قال: (كل بدعة ضلالة).
ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معناها أو مقتضاها أن الشريعة لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم، وعليه فنقول: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والواجب الحذر من البدع كلها، وأن لا يتعبد الإنسان إلا بما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون إمامه حقيقة، أي: ليكون الرسول صلى الله عليه وسلم إمامه حقيقة؛ لأن من سلك سبيل بدعة فقد جعل المبتدع إماماً له في هذه البدعة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من الأردن إربد هذا السائل يقول: فضيلة الشيخ حفظكم الله أطلب منكم أيها الشيخ أن تضربوا لنا أمثلة من واقع الحياة المعيشة على البدع والتي قد لا نتوقع أن تكون بدعة، مع التوضيح ما هي البدعة؟ وما أضرارها على الأمة الإسلامية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن هذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه تفصيلاً؛ لأن الإنسان ليس محيطاً بكل شيء، لكن سأعطي السائل قاعدة: كل من تعبد لله بشيء عقيدة بالقلب أو نطقاً باللسان أو عملاً بالجوارح فإننا نقول له: إنك مبتدع حتى تأتي لنا بدليل على أن هذا مشروع.
هذه القاعدة خذها معك أيها السائل: كل إنسان يتعبد لله بشيء عقيدة بقلبه أو نطقاً بلسانه أو عملاً بجوارحه ويقول: هذه شريعة، نقول: أنت مبتدع حتى تأتينا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو أقوال الصحابة أو إجماع الأمة على أن هذا مشروع؛ لأن الأصل في الدين هو الشرع، والأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على أنها مشروعة.
ولهذا أعطانا إمامنا وأسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة في هذا، قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
وأعطانا قاعدة أخرى فقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: مردود على صاحبه لأنه بدعة.
فإذا قال لك قائل: من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة ألف صلاة كتب له كذا وكذا.
قلنا: هات الدليل وإلا فأنت مبتدع.
من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة كتب له كذا وكذا.
نقول: هات الدليل وإلا فأنت مبتدع.
فإذا قال: الصلاة على الرسول مشروعة كل وقت.
قلنا: صدقت، لكن لماذا تقيدها بألف، أين الدليل لك؟ وإذا قال: قل هو الله أحد ثلث القرآن قراءتها مشروعة.
قلنا: صدقت، لكن من حددها بألف؟ وهلم جرّاً.
هذه القاعدة والحمد لله مريحة وواضحة بينة.
وما نجده في بعض الكتب التي تنشر أو في الملفات التي تنشر أو ما ينشر في بعض الأحيان في أوراق من ذكر أشياء لا حقيقة لها، مثل: من ترك الصلاة عوقب بخمس عشرة خصلة، فهذا كذب موضوع على الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم بقصة الفتاة التي كانت مريضة وترددت على كل المستشفيات، ورأت في المنام زينب وحصل ما حصل منها، هذه أيضاً كذب.
أشياء كثيرة يروجها الجهال أو الضُّلال الذين يريدون أن يضلوا الناس، ولذلك أحذر إخواني أن يتلقوا كل منشور وكل مكتوب بالقبول، حتى يعرضوه على أهل العلم؛ لأن الدعاة إلى الضلال كثيرون الآن، إما لقصد الإفساد والإضلال وإما لحسن نية، فليحذر الإنسان من مثل هذا حتى يعرضه على أهل العلم.
والخلاصة: أن القاعدة في البدعة أنها: كل ما يتعبد به الإنسان وليس بمشروع من عقيدة أو قول أو عمل، ولهذا باستطاعتك أن تقول لشخص يصلى ركعتين: تعال، من قال لك: إن هذا مشروع؟ هات الدليل.
فإذا أتى بالدليل فعلى العين والرأس، وإذا لم يأت بالدليل قلنا: هذا مردود عليك.
لو قال مثلاً: كلما برق البرق صلىت ركعتين.
من قال لك هذا؟ قال: الركعتان سنة في كل وقت.
قلنا: نعم الركعتان سنة في كل وقت إلا في أوقات النهي، لكن من قال لك: عند البرق يسن أن يصلى ركعتين؟ أو: عند نزول المطر يسن أن يصلى ركعتين مثلاً؟ ولهذا يدعي بعض الناس- الذين فتنوا بالاحتفال بما يزعمون أنه اليوم الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يدعون- أنهم لم يفعلوا شيئاً، إنما اجتمعوا يذكرون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك السيرة العطرة المحببة للنفوس التي تزيد الإنسان إيماناً ومحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، ويقولون: هذا شيء مشروع.
نقول: نعم، كل شيء يحبب الرسول إلى الناس أمر مشروع، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فريضة، ويجب أن تقدم محبته على محبة النفس وعلى الولد والوالد، لكن من قال: إنه يشرع في هذه الليلة- التي لم يثبت أنها ليلة الميلاد- من قال: إنه يشرع فيها الاجتماع والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر سيرته؟ والأمر لم يقتصر على هذا: صاروا يأتون بالقصائد والمدائح النبوية التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحذر منها، وفيها من الغلو ما ينافي العبودية، كان بعضهم يردد قول البوصيري يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: يا أكرم الخلق- وصدق أنه أكرم الخلق- لكن يقول: ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم.
إذا حدث الحادث العام المدلهم الذي يشمل الناس كلهم ما لي من ألوذ به إلا أنت يا رسول الله.
أعوذ بالله! نسي الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره الله أن يقول: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً).
بل: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ).
يعني: بل أمره أن يقول: إني لن يجيرني من الله أحد لو أراد بي شيئاً، فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو الملاذ عند حلول الحادث العمم؟ ويقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
من جوده الدنيا وضرتها وليست كل جوده، من جوده، سبحان الله! ومن علومك علم اللوح والقلم، وليست كل علومك، عندك ما هو أبلغ من ذلك.
هل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضى أن يوصف بهذا؟ لا والذي فطر الخلق ما يرضى بهذا، بل لما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا.
قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان).
فالمهم أن العبادات المطلقة إذا قيدت بشيء معين زماناً أو مكاناً أو عدداً أو هيئة صارت بدعة من هذا الوجه، فيجب اجتنابها وإن كانت في أصلها مشروعة.
فانتبه أيها الأخ السائل، ولينتبه كل من يسمع كلامنا هذا لهذه النقطة التي يموه بها أهل البدع والحوادث، فيقولون: هذا شيء مشروع، هذا شيء لا نهي فيه، فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بدعة ضلالة).
المستمع محمد محمد حسن سوداني مقيم بالباحة يقول: لقد سمعت كثيراً أن الذكر الجماعي بدعة ولا يجوز، ولكن حسب علمي المتواضع اطلعت على بعض الأحاديث التي تفيد أنه لا حرج في ذلك، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم بما معناه: أنه ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.
وأعتقد أن السيوطي أشار لهذا الحديث في كتابه الحاوي للفتاوي، وبناء عليه قال بجواز الذكر الجماعي.
ثم الحديث الآخر والذي معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على جماعة من أصحابه فقال لهم: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله.
فلم ينكر عليهم ذلك.
وواضح بأن الذكر هنا مطلق، علماً بأن كل ذلك يتعارض ويتناقض مع ما جاء في آخر سورة الأعراف من قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ).
نرجو أن توضحوا لنا الصواب في هذا الموضوع وفقكم الله.
فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب في هذا الموضوع أن الحديث الذي أشار إليه السائل بل الحديثين في الذين يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وكذلك في القوم الذين يذكرون الله: أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد المتعارف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن من المتعارف بينهم أنهم يذكرون الله تعالى بلفظ جماعي، أو يقرؤون القرآن بلفظ جماعي.
وفي قوله: ويتدارسونه بينهم يدل على أن هذه المدارسة تكون بالتناوب: إما أن يقرأ واحد فإذا أتم قراءته قرأ الثاني ما قرأ الأول وهكذا، وإما أن يكون كل واحد منهم يقرأ جزءاً ثم يقرأ الآخر مما وقف عليه، الأول هذا هو ظاهر الحديث.
وأما الحديث الآخر الذي فيه أنهم يذكرون الله تعالى فإنا نقول: هذا مطلق، فيحمل على ما كان متعارفاً عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن متعارفاً بينهم أن يجتمعوا وأن يذكروا بذكر واحد جماعة.
ويدلك على هذا أن الصحابة رضوان الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج كان منهم المكبر ومنهم المهلل ومنهم الملبي، فكل إنسان يذكر الله تعالى بنفسه.
وأما قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) فهذا مراد به الذكر الخاص للمرء، وهو أيضاً مخصوص بما دلت عليه السنة من الجهر به، فإنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يشرع الجهر بالذكر بعد الصلاة المكتوبة؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قول بعض أهل العلم: إن الإسرار به أفضل، وإجابتهم عن حديث ابن عباس بأن ذلك للتعليم فإن فيه نظراً، وذلك لأن التعليم يحصل بدون هذا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد علم فقراء المهاجرين ماذا يقولونه دبر الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين).
ثم إن التعليم يحصل بالمرة الواحدة، لا بأن يحافظ عليه النبي عليه الصلاة والسلام في كل صلاة، أو يحافظون عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في كل صلاة.
ثم نقول: سلمنا أنه للتعليم، فهو في التعليم في أصل الذكر وفي صفته، بمعنى: أن الرسول يعلمهم ما هو الذكر الذي يقال في أدبار الصلوات، وما كيفية تلاوة هذا الذكر والإتيان به أنه يكون جهراً، وهذا هو القول الذي يؤيده حديث ابن عباس المذكور، وهو في صحيح البخاري.
سائلة تقول: قرأت في كتاب المأثورات شيئاً لم أجده في بقية كتب الأدعية، وما قرأته يعرف بورد الرابطة، وهو: أن يتلو الإنسان قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) إلى قوله: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
ثم يتلو بعد ذلك الدعاء: (اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي).
ثم يستحضر صورة من يعرف من إخوان في ذهنه، ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرف منهم، ثم يدعو لهم مثل هذا الدعاء: اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فألف اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير.
كما ذكر ورداً آخر يسمى بورد الدعاء يقول فيه: أستغفر الله مئة مرة، ثم الدعاء للدعوة والإخوان والنفس بعد ذلك بما تيسر من الدعاء بعد صلاة الفجر والمغرب والعشاء وقبل النوم، وألا يقطع الورد لأمر دنيوي إلا لضرورة.
وقد قرأت كثيراً في كتب الأحاديث ورياض الصالحين ولم أجد ما يدل على صحة هذا المذكور.
فأرجو أن تنبهونا على مدى صحته وعن حكم الالتزام به والمداومة عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر كما ذكرت السائلة في أن هذه الأدعية أدعية لا أصل لها في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست بصحيحة، ولا يجوز لأحد أن يلتزم بها، بل ولا أن يفعلها تعبداً لله؛ لأنها بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة).
والذي ظهر لي من حال هذه المرأة السائلة أنها تطالع كثيراً من الكتب، ولا سيما كتب الأذكار والأوراد.
الذي أنصحها به أن تتحرز كثيراً؛ لأنه كتب في الأذكار البدعية والأدعية البدعية شيء كثير، ومن المؤسف أنها تروج كثيراً في المسلمين، ورواجها قد يكون أكثر من رواج الأدعية والأذكار الصحيحة.
فأنصحها وأنصح جميع إخواني المسلمين من بالتثبت في هذه الأمور، حتى لا يعبدوا الله تعالى على جهل وضلال وبدع، وفي الكتب الصحيحة التي ألفها من يوثق بعلمهم وأمانتهم ودينهم، في الكتب الصحيحة ما يغني عن ذلك، فالرجوع إليها هو الواجب، وطرح مثل هذه الكتب التي أشارت إليها السائلة وغيرها مما يشتمل على أذكار وأدعية بدعية، طرحها والتحذير منها هو الواجب على المسلمين، حتى لا تفشو فيهم البدع وتكثر فيهم الضلالات.
واللهَ أسألُ أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، إنه جواد كريم.
أحسن الله إليكم هذا السائل من السودان يقول: عندنا جماعة وفي الجامع الذي نصلى فيه عندما يصلون يأمرهم إمام المسجد بأن يقولوا جميعاً: يا لطيف مائة وتسعاً وعشرين مرة ويرددون ذلك، فهل يجب علينا أن نردد ذلك؟ أم نترك هذا الإمام وهذا المسجد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً أنا أوجه نصيحتي إلى هذا الإمام أن يتقي الله عز وجل في نفسه وفي إخوانه المسلمين، فمن أين أتى بهذه البدعة؟ هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعلها؟ أم كان أبو بكر أم عمر أم عثمان أم علي أم ابن مسعود أم غيرهم هل كانوا يأمرون الناس أن يقولوا هذا؟ فليتق الله تعالى في نفسه، وليعلم أنه مؤاخذ على ذلك ومعاقب عليه، وأنه بذلك ضال، وأمره الناس بذلك يكون به مضلاًّ، فهو ضال مضل، وعليه أن يتوب إلى الله قبل أن يفجأه الموت.
أما أهل المسجد فإنهم ينصحونه، فإن اهتدى فهذا المطلوب، وإلا فليزيلوه بكل ما يستطيعون، ومعنى قولي: بكل ما يستطيعون أن يذهبوا إلى الجهات المسؤولة التي بيدها عزل الأئمة ونصبهم، ويطلبوا منها أن يعزلوه عن هذا المنصب العظيم منصب الإمامة، فإن لم يتمكنوا من ذلك فلا يصلون معه؛ لأن هذا مبتدع مصر على بدعته.
السائلة ع. ع. ف. من السودان تقول: ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وجد حلقة علم وحلقة ذكر فجلس في حلقة العلم.
فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف كان يذكر أولئك الذين كانوا في حلقة الذكر؟ أو ماذا يقولون؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم، ولكنه فضل حلقة العلم، وهل يعتبر هذا دليلاً على أن حلق الذكر الجماعي بدعة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن كان صحيحاً لم ينههم عن ذلك وإنما اجتنبهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا أعلم صحته، ولا أظنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال؛ لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه.
وأما الذكر فإن الاجتماع أيضاً على الذكر لا بأس به، ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية: يجتمعون جميعاً ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك، إنما لو يجتمعون على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا، مثل أن يقرأ أحد والآخرون ينصتون له، ثم يديرون القراءة بينهم، فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.
ما حكم الغلو في محبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الغلو في محبة الرسول صلى الله عليه وسلم- بمعنى: أن يتجاوز الإنسان الحدود ويقول: إن ذلك من محبة الرسول- محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الغلو فيه.
ثم إن الذي يغلو في الرسول عليه الصلاة والسلام ويرفعه فوق منزلته التي أنزله الله عز وجل مدعياً أنه يحبه قد كذب نفسه؛ لأن المحب يأخذ بنصائح حبيبه ويتبع حبيبه ولا يخالف حبيبه، والغالي في الرسول عليه الصلاة والسلام مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يدعي حب الرسول؟ وهو يعصي الرسول ولهذا نقول: من كان للرسول أشد اتباعاً فهو أصدق محبة، ومن خالف الرسول عليه الصلاة والسلام فقد نقص من محبته الرسول بقدر ما خالف فيه الرسول.
ولا تغتر بهؤلاء الغلاة الذين يغلون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وينتحلون أحاديث لا زمام لها، بل هي مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنها موضوعة مكذوبة، لا تغتر بهؤلاء، وقل لهم كما قال الله عز وجل: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وأما إنشاد القصائد الحزينة وهز الرؤوس عندها، والتصفيق والخفة بزعم أن هذا من تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام فكل هذا مخالف للرسول عليه الصلاة والسلام، مخالف لهديه.
فإن كنت صادقاً في محبته صلوات الله وسلامه عليه فعليك باتباعه، لا تتقاصر عنه ولا تتجاوزه، فكل خير في الاتباع، وكل شر في الابتداع.
وإذا أردت أن تزن عملك بميزان قسط فانظر إلى الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أقرب إلى الحق من غيرهم، وأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرهم، حيث عايشوه وناصروه وشرفهم الله تعالى بصحبته، هل عملوا هذا العمل؟ إذا كانوا عملوه فهم على حق، وإذا لم يعملوه فهو باطل؛ لأنه لا يمكن لخلف الأمة أن يكونوا خيراً من سلف الأمة، وكيف يمكن ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ؟ وإياك وما أحدث في دين الله من البدع التي مضمونها الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استحضر قول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).
فرضا الله عن الأتباع لا يكون إلا إذا اتبعوا بإحسان والاتباع بإحسان، هو ألا يقصر الإنسان عن هديهم ولا يتجاوز هديهم.
المستمع ع. م. جمهورية مصر العربية يقول: فضيلة الشيخ هل ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بشكلٍ جماعي في أيامٍ محددة جائز؟ أرجو منكم التوجيه مأجورين.
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على ما سنذكره الآن إن شاء الله تعالى في هذا الموضوع، فنقول: إن العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه مبنيةٌ على أصلىن: الأصل الأول: الإخلاص لله عز وجل، بأن يقصد الإنسان بتعبده لله التقرب إلى الله تعالى والوصول إلى باب كرامته، لا يقصد بذلك مالاً ولا جاهاً ولا رئاسةً ولا غير ذلك من أمور الدنيا، بل لا يقصد إلا التقرب إلى الله والوصول إلى دار كرامته، ودليل هذا من الكتاب والسنة قال الله تبارك وتعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ).
وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ).
وقال الله تبارك وتعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً).
والآيات في هذا كثيرة.
وأما السنة ففيها أحاديث، منها: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
فإن فقد الإخلاص من العبادة بأن شاركها الرياء، وهو: أن يعمل العمل الصالح لله لكن يظهره للناس ليمدحوه على ذلك، فإن العبادة تكون باطلةً مردودة؛ لأن الإنسان أشرك فيها مع الله عز وجل حيث راءى الناس بها، ومع كونها باطلة مردودة فهو آثم بذلك مشركٌ بالله، إلا أن هذا الشرك شركٌ أصغر ليس مخرجاً من الملة، والشرك وإن كان أصغر فإن الله تعالى لا يغفره؛ لعموم قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
وقال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر داخلٌ تحت المشيئة، لكن الذي يظهر القول الأول، وأنه لا يغفر لكن صاحبه لا يخلد في النار؛ لأنه شركٌ أصغر.
إذاً لا بد في كل عبادة من الإخلاص لله تعالى فيها، فمن أشرك مع الله فيها غيره فإنه يأثم بذلك وتبطل عبادته.
الأصل الثاني الذي تنبني عليه العبادات: اتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويدل لهذا الأصل قوله تبارك وتعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).
وقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).
وقول الله تبارك وتعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
ولا يمكن أن تتم المتابعة والموافقة للرسول عليه الصلاة والسلام إلا إذا وافقت العبادة أو وافق العمل الشرع في أمورٍ ستة: الأول: السبب، يعني: أن يكون سبب هذه العبادة ثابتاً بالشرع.
والثاني: الجنس، بأن يكون جنس هذه العبادة ثابتاً بالشرع.
والثالث: القدر، بأن يأتي الإنسان بالعبادة على القدر الذي جاءت به الشريعة.
والرابع: الكيفية، بأن يأتي الإنسان بالعبادة على الوجه الذي جاءت به الشريعة.
والخامس: الزمان، بأن يأتي الإنسان بالعبادة في الزمن الذي حدده الشرع لها.
والسادس: المكان، بأن يأتي الإنسان بالعبادة في المكان الذي حدده الشارع لها.
فإذا اختل واحدٌ من هذه الأمور الستة لم تتحقق المتابعة، وصار هذا من البدع.
فأما الأول وهو السبب: فإنه لا بد أن يكون السبب الذي بنينا عليه هذه العبادة ثابتاً بالشرع، فإن لم يكن ثابتاً بالشرع فإن ما بني على ما ليس بثابتٍ شرعاً فإنه ليس بمشروع، ومن ذلك ما يحدثه الناس في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، حيث يحدثون احتفالاً زعماً منهم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عرج به في هذه الليلة ليلة سبعٍ وعشرين، وهذا لا أصل له في التاريخ، وأيضاً لا أصل له في الشرع، فإن الذي يظهر من التاريخ أن الإسراء والمعراج كان في ربيعٍ الأول، وأما من الشرع فلا أصل له أيضاً، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاءه الراشدين والصحابة أجمعين لم يرد عنهم أنهم كانوا يحتفلون في الليلة التي عرج فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلومٌ أن الشرع لا يأتي إلا من طريقهم.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
فمن أحدث احتفالاً ليلة السابع والعشرين من شهر رجب لهذه المناسبة فإنه بناها على سببٍ لم يثبت شرعاً، بل ولم يثبت تاريخياً كما ذكرنا.
الأمر الثاني: أن تكون العبادة موافقة للشرع في الجنس، فإن أتى بعبادة من غير الجنس الذي وردت به الشريعة فإن عبادته مردودة عليه ولا تقبل منه، مثال ذلك: أن يضحي الإنسان بالخيل، بأن يذبح فرساً يوم عيد الأضحى يتقرب به إلى الله عز وجل، كما يتقرب بذبح البقرة، فإن هذه العبادة لا تقبل منه ولا تكون أضحية؛ لأنها من غير الجنس الذي وردت به الشريعة، فإن الأضاحي إنما تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم.
الثالث: أن تكون العبادة موافقة للشرع في قدرها، فإن لم تكن موافقة للشرع في قدرها بأن نقصت أو زادت فإنها لا تقبل، وبهذا لو صلى الإنسان صلاة الظهر خمس ركعات لم تقبل منه؛ لأنه زاد على القدر الذي جاءت به الشريعة، ولو أنه صلاها ثلاث ركعات لم تقبل منه أيضاً؛ لأنه نقص عن القدر الذي جاءت به الشريعة.
الرابع: أن تكون موافقة للشرع في كيفيتها، بأن يأتي بها على الكيفية التي أتت بها الشريعة، فلو صلى الإنسان أربع ركعات لكنه كان يأتي بالسجود قبل الركوع فإن الصلاة لا تقبل منه؛ لأنه أتى بها على كيفيةٍ لم ترد بها الشريعة، فكانت مردودة عليه لعدم تحقق الاتباع في حقه.
الخامس: أن تكون موافقةً للشرع في زمانها، فإن لم تكن موافقة الشرع في زمانها فإنها لا تقبل، فلو صام في شهر رجب بدلاً عن رمضان فإن ذلك لا يقبل منه ولا يجزئه عن رمضان، وذلك لأن رمضان خص الصيام فيه دون غيره من الشهور، فمن أتى به في زمن آخر لم يكن أتى بهذه العبادة في الوقت الذي حدده الشرع.
وكذلك لو صلى الظهر قبل زوال الشمس فإنها لا تقبل منه؛ لأنه أتى بها في غير الزمن الذي حدده الشارع لها.
السادس: أن تكون موافقة للشرع في مكانها، فلو أن الإنسان اعتكف في بيته في العشر الأواخر من رمضان بدلاً من أن يعتكف في المساجد فإن هذا الاعتكاف لا يصح منه؛ لأنه في غير المكان الذي حدده الشارع للاعتكاف.
وليعلم أن مخالفة الشريعة في هذه الأمور الستة أو في واحدٍ منها يترتب عليه أمران: الأمر الأول: الإثم إذا كان عامداً، والأمر الثاني: البطلان.
فإن كان جاهلاً فإنه يسقط عنه الإثم، ولكن العبادة تبقى باطلة، فإن كانت مما يقضى إذا بطل وجب عليه قضاؤها، وإن كانت مما لا يقضى سقطت عنه.
بناءً على ذلك نقول في إجابة هذا السؤال: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غير الأوقات التي ورد فيها ذكره ليس بمشروع، فلو أن الإنسان أراد أن يأتي بقول: أشهد أن محمداً رسول الله التي تقال في الأذان وفي غير الأذان أيضاً، أتى بها في الضحى بناءً على أنه يريد بها الأذان فإنه لا يقبل منه ذلك؛ لأن الأذان له وقتٌ معين، وهو: ما إذا دخل وقت الصلاة وأراد أن يصلى.
أما إن ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه من أجلِّ العبادات، والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أفضل الأعمال، ومن صلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، فالإكثار من الصلاة عليه بلا عدد وبدون زمنٍ معين وبدون مكانٍ معين هذا خيرٌ من أن يجعل الإنسان لهذه الصلاة وقتاً معيناً وعدداً معيناً وصفةً معينة؛ لأن كل شيء يسنه الإنسان لنفسه ولو كان أصله مشروعاً يكون من البدع ويكون من البدع، في كيفيته أو زمانه أو مكانه حسب ما فصلنا آنفاً.
والإنسان إذا استغنى بالسنة عن غيرها كفت وحصل بها الخير الكثير، وإن كان الإنسان قد يتقال السنة بعض الأحيان ويقول: أنا أريد أن أعمل أكثر من ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنكر على الذين تقالوا سنته وهديه وأرادوا أن يزيدوا على ذلك، حيث اجتمع نفرٌ فقال بعضهم لبعض- حين سألوا عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم في السر، أي: فيما ما لا يبدو للناس، فكأنهم تقالوا هذا العمل وقالوا-: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعني: ونحن لم يحصل لنا ذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنكر عليهم وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني).
فاتباع السنة خير حتى وإن كان الإنسان يظن أنه عملٌ قليل، فإن ما وافق السنة وإن كان أقل فهو خيرٌ مما لم يوافق السنة وإن كان أكثر.
ولهذا لو أن الإنسان أراد أن يطيل ركعتي الفجر- أي: سنة الفجر، أراد أن يطيلها- وقال: أنا أحب أن أزداد من قراءة القرآن، أحب أن أزداد من التسبيح، أحب أن أزداد من الدعاء، فأحب أن أطيل ركعتي الفجر.
فإننا نقول له: هذا ليس بصحيح، ومنهجك هذا غير صحيح؛ لأن السنة في سنة الفجر التخفيف، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يخففها، حتى تقول عائشة: حتى إني أقول: أَقَرَأَ بأم القرآن؟ فلو كان عندنا رجلان أحدهما صلى سنة الفجر على وجهٍ خفيف لكنه محافظ على الطمأنينة، والثاني صلاها على وجهٍ أطول قلنا: إن الأول أفضل من الثاني من أجل موافقة السنة.
ثم إنه يبين ذلك أيضاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل رجلين في حاجة فلم يجدا الماء، فتيمما فصلىا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأحدهما توضأ وأعاد الصلاة، والآخر لم يعد الصلاة.
فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للذي لم يعد الصلاة قال له: أصبت السنة، وقال للآخر: لك الأجر مرتين.
فصوب الأول ولم يصوب الثاني ولكنه جعل له الأجر مرتين؛ لأنه فعل ما يعتقده عبادة متأولاً، ظاناً أن هذا هو الذي يجب عليه، فأثيب على هذا الاجتهاد وإن كانت السنة في خلافه.
كذلك أيضاً اجتماع الناس على الذكر جماعياً بأن يقولوا بصوتٍ واحد: الله أكبر، أو: الحمد لله، أو: لا إله إلا الله، أو: اللهم صلِّ على محمد أو ما أشبه ذلك، هذا لا نعلم له أصلاً في سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل كان الصحابة يذكرون الله تعالى ويثنون عليه كلٌ على نفسه، وهاهم في حجة الوداع مع النبي عليه الصلاة والسلام منهم المهل ومنهم المكبر، ولا أحدٌ يتبع أحداً في ذلك ولم يجتمعوا على التلبية، وإنما كان كل إنسانٍ يلبي لنفسه، فهذا هو المشروع.
أما ما وردت به السنة من الاجتماع على الدعاء أو على الذكر فهذا يتبع فيه السنة، فالاجتماع على دعاء القنوت في الوتر في صلاة التراويح وما أشبه ذلك فهذا يتبع فيه السنة.
هذه الرسالة وردتنا من إسحاق محمد نور حامد الحاج من جمهورية السودان يقول فيها: يستدل بعض الناس بالحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) إلى آخره، وكذلك بأن حسان بن ثابت كان يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فيستدلون بهذا على جواز المدح.
نرجو أن تفتونا في ذلك وفقكم الله.
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بما مدحه الله به من الصفات الكاملة والآداب العالية والأخلاق المثلى هذا أمر مشروع، وأما مدحه صلى الله عليه وسلم بما يصل إلى الغلو فإنه أمر محرم، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلو، فلا يجوز للمرء أن يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر يصل إلى الغلو، بحيث يجعله شريكاً مع الله تبارك وتعالى في الخلق والتدبير والقدرة وما أشبه ذلك، وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشيءت.
فقال صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده).
ولكن هذا المدح الذي ذكرنا أنه جائز لا يمكن أن يجعل حدثاً في دين الله، بحيث يكون مقيداً بوقت أو مكان، يتكرر كلما ما تكرر ذلك الوقت وكلما جاء الإنسان إلى ذلك المكان، وذلك أن تقييد العبادات المطلقة بزمن أو مكان معين هو من البدع؛ لأن العبادات يجب أن تكون مفعولة على حسب ما جاءت عليه من هيئة وزمن ومكان، فالعبادات المطلقة لا يجوز للمرء أن يحددها بزمن أو مكان أو حال مادامت جاءت مطلقة؛ لأن هذا هو كمال التعبد.
وأما استدلال بعض المبتدعين في هذه الأمور بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قيد ذلك بقوله: (من سن في الإسلام)، وما كان من البدع فليس من الإسلام في شيء؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة).
وهذا عام لكل ما ابتدع في دين الله فإنه ضلال، وما كان ضلالاً فلا يمكن أن يكون ديناً وإسلاماً.
فإذا قال قائل: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) أي كل بدعة سيئة ضلالة؟ قلنا: هذا مردود؛ لأن السيئة سيئة سواء كانت بدعة أو غير بدعة، فالزنى مثلاً ضلالة وهو ليس ببدعة؛ لورود الشريعة به وبيان حكمه.
ولو قلنا: إن معنى الحديث: كل بدعة سيئة لم يكن لوصف البدعة فائدة إطلاقاً؛ أو لم يكن لذكر البدعة فائدة إطلاقاً، لأن السيئة سيئة سواء ابتدع أم لم يبتدع، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (كل بدعة ضلالة)، فكل من ابتدع في دين الله ما ليس منه فإنه ضال بهذه البدعة.
هذا حاصل الجواب.
ما حكم مدح الرسول صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده؟ وهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يمدحونه؟ وهل نؤجر في مدحه أو نؤثم في تركه؟ نرجو منكم التوجيه جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصفه بصفاته الحميدة والأخلاق الفاضلة أمر مطلوب مشروع، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله عز وجل، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ولكن اتخاذ ذلك في ليلة معينة أو يوم معين بلا دليل من الشرع يعتبر بدعة؛ لأن الثناء على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبادة إذا لم يصل إلى حد الغلو، والعبادة لابد أن يكون فيها إذن من الشرع، وما علمنا أن الشرع خص يوماً أو ليلة معينة ليمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا يوم الجمعة، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا فيه من الصلاة علي، فإن صلاتكم معروضة).والاحتفال بليلة مولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصح لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية الشرعية: أما من الناحية التاريخية فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولد في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول أو في ليلته، وقد حقق بعض الفلكيين العصريين أنه ولد في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول.
وأما من الناحية الشرعية فلو كان في الاحتفال بمولده أجر وثواب لكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول من يفعل ذلك؛ لأنه لن يفوت فرصة فيها أجر وثواب إلا قام بها صلوات الله وسلامه عليه، أو لأرشد أمته إلى ذلك بقوله، وعلى فرض أن الأمر لم يكن في عهده فلم يكن في عهد الخلفاء الراشدين- أعني: الاحتفال بمولده- ولا فيمن بعدهم.
وأول ما حدث في القرن الرابع الهجري، أحدثه بعض ولاة إربل فتبعه الناس على ذلك، لكن لم يتبعه أحد ممن ينتمي إلى السلف الصالح فيما نعلم، وحينئذ نقول: إما أن يكون هذا الاحتفال قربة يتقرب بها إلى الله، أو بدعة لا تزيد العبد إلا ضلالة.
فإن قلنا بالأول- بأنه قربة يتقرب بها إلى الله- فأين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها؟ وأين الخلفاء الراشدون؟ وأين الصحابة؟ فإما أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم جهلها ولم يعلم شرع الله فيها، وإما أن يقال: إنه علمها ولكنه كتمها.
وكلا الأمرين خطر عظيم، سواء قلنا: إنه جهلها ولم يعلم، أو قلنا: إنه علمها ولكن كتم.
وكيف تكون من شريعة الله وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) ؟ أين الكمال إذا كانت مشروعة ولم تذكر في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وإذا قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم علمها ولكن كتمها عن الناس، فما أعظمها من فادحة؛ لأنه يكون الرسول عليه الصلاة والسلام توفي ولم يبلغ شيئاً مما أنزل الله عليه من الحق.
ولهذا لو تأمل الإنسان هذه البدعة وغيرها من البدع لوجد أن البدعة أمرها عظيم وخطرها جسيم، وأنه لولا حسن النية من بعض محدثيها لكان شأنهم شأناً خطيراً جداً.
لذلك ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يَدَعوا هذه البدعة، وأن يكتفوا بما شرع الله تعالى من تعظيم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وما ادعاه محدثوها من أنها إحياء لذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنقول: إنه إحياء حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: (إياكم ومحدثات الأمور).
ثم نقول أيضاً: في الشريعة الإسلامية غنى عن هذا الإحياء، فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُذكر في الأذان، ويذكر في الصلاة، ففي الأذان: أشهد أن محمداً رسول الله، وفي الصلاة في التشهد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، بل نقول: إن من كان حيّاً فإن لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكرى في كل عبادة يقوم بها؛ لأن من شرط العبادة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل عابد فلابد أن يخلص لله ولابد أن يستشعر حين فعل العبادة أنه متبع لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه ذكرى، وفي هذه الذكريات العظيمة في هذه العبادات العظيمة غنى عن هذه الذكرى التي أحدثها من أحدثها.
ثم إنه يقع في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة ما يخل بالعقيدة، ففي بعض الاحتفالات بهذا المولد تلقى القصائد التي فيها الغلو برسول الله صلى الله وسلم، الغلو الذي يوصله إلى درجة الربوبية أو أعظم، تلقى في هذه الاحتفالات القصائد مثل البردة للبوصيري التي فيها يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به إن لم تكن آخذاً يوم الميعاد يدي فإن من جودك الدنيا وضرتها
سواك عند حلول الحادث العمم عفواً وإلا فقل يا زلة القدم ومن علومك علم اللوح والقلم
هذه أبيات في البردة قد تكون على هذا الترتيب أو في بعضها تقديم وتأخير، لكن الكلام على المضمون لا على الشكل، كالذي يقول للرسول عليه الصلاة والسلام مخاطباً له: إن من جودك الدنيا وضرتها، وضرة الدنيا هي الآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم، قد ألحقه- أي: ألحق النبي صلى الله عليه وسلم- بمقام الربوبية ولم يبق لله شيئاً، إذا كان من جود الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدنيا وضرتها فما الذي بقي لله؟ ثم نقول: هذا من أكبر الكذب أن تكون من جوده الدنيا وضرتها، لماذا؟ لأن الرسول خُلق في آخر الدنيا كيف تكون الدنيا من جوده؟ ثم إننا نسمع أنه يحصل في هذا الاحتفال من الاختلاط بين الرجال والنساء وبين الكبار والمراهقين والمردان، ويحصل في هذا شر كبير.
ثم إنه يظهر في هذا الاحتفال من شعائر الأعياد كالفرح والسرور وتقديم الحلوى وما أشبه ذلك ما يجعله ابتداعاً في دين الله؛ لأن الأعياد الشرعية هي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع الجمعة.
ثم إنه يحصل في هذا الاحتفال بذل أموال كثيرة في غير فائدة بل في مضرة، وكل هذا يوجب للإنسان الناصح لنفسه أن يبتعد عنه.
فهذه نصيحة من أخ مخلص لإخوانه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لها آذاناً صاغية وقلوباً واعية.
السؤال: ما هو رأي الدين في هذه الأشياء والدليل من الكتاب والسنة؟ -القصائد التي تمدح الرسول صلى الله عليه وسلم وتمجده، وإلقائها في المناسبات الدينية وذلك بإحياء الليالي بها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا التعبير- وهو: ما رأي الدين؟ أو: ما هو رأي الإسلام؟ أو ما أشبه ذلك- لا أحب أن يعرض في سؤال، أولا: ً كلمة رأي الدين، الدين في الحقيقة ليس رأياً، والدين ليس فكراً، إنما الدين عقيدة وشريعة من الله عز وجل لا مجال للرأي فيه ولا مجال للفكر فيه، ولهذا نحن ننتقد هؤلاء الذين يقولون: هذا فكر إسلامي وما أشبه ذلك، الإسلام ليس فكراً وليس رأياً من الأفكار والآراء، إنما هو شريعة من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى.
نعم لنا أن نقول: إن المفكر مسلم وما أشبه ذلك؛ لأن الرجل له فكر ويفكر كما أمر الله تعالى بالتفكير في خلق السماوات والأرض، لكن كوننا نعبر عن الدين بأنه فكر أو بأنه رأي وما أشبه ذلك هذا خطأ.
هذا من جهة، من جهة أخرى لا أحب أن يوجه لشخص قابل للخطأ والصواب يوجه إليه سؤال عما هو حكم الإسلام ويقال: ما حكم الإسلام في كذا؟ وهو موجه إلى فرد يخطىء ويصيب؛ لأن الفرد إذا أجاب وكان خطأًلم يكن ذلك حكم الإسلام.
فالذي ينبغي أن يقال مثلاً: ما هو الحكم؟ أو ما رأيك في كذا؟ وما أشبه ذلك، ثم يجيب على حسب ما يراه، معتمداً في ذلك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
بالنسبة للقصائد التي يمدح فيها الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم- بأبي هو وأمي- مستحق لكل مدحٍ وتعظيمٍ يليق به على أنه نبي مرسل من الله سبحانه وتعالى، وهو خاتم النبيين وآخر المرسلين وسيد الخلق أجمعين، فهو مستحق لكل ما يقال من وصف يليق به صلى الله عليه وسلم، سواء قيل ذلك نظماً أم نثراً.
ولكن القصائد التي تخرجه عما ينبغي أن يكون له من الغلو المفرط الزائد الذي نعلم أنه هو عليه الصلاة والسلام يكرهه ولا يرضاه، كما نهى عن ذلك، فإننا نرى أنه لا يجوز لإنسان أن يتلوها أو يعتقد ما فيها من هذا الغلو.
ومن ذلك على ضرب المثل ما جاء في قصيدة البوصيري البردة التي يقول فيها يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
لا شك أن هذا شرك بل هو من أعظم الشرك، حيث إنه جعل ما يختص بالرب جعله للنبي صلى الله عليه وسلم وسلب حق الله فيه، فإذا كان من جود الرسول عليه الصلاة والسلام الدنيا وضرتها وهي الآخرة فما بقي لله تعالى من شيء، وإذا كان من علومه- أي: بعض العلوم التي يعلمها- علم اللوح والقلم فما بقي لله تعالى علم ومثل هذه المقالات التي تبلغ إلى هذا الحد أو إلى ما دونه مما لا يليق للمسلم أن يقوله في نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يجوز لأحد أن يتكلم به لا نظماً ولا نثراً، أما القصائد التي تبين صفاته الحميدة وشريعته الكاملة وما أشبه ذلك فإنها لا بأس بها، بل إننا نقول: إن تلاوتها تكون من العبادة؛ لما في ذلك من كونها تغذي محبة النبي صلى الله عليه وسلم في القلب وتعظيمه وتعزيره كما أمر الله به: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) إنْ جعلنا اللام للأمر وإلا فللتعليل، ومعنى ذلك: أن هذا أمر مقصود للشرع، ومعنى تعزروه: أي تعظموه لكن بما يليق به وأيضاً بشرط أن لا تجعل هذه القصائد في مناسبة خاصة تعود كل سنة، كما يفعله من يفعله في ليلة عيد المولد التي ابتدعوها في شريعة الله وفي دينه، وهي بدعة لا أصل لها في الشرع- أعني: ليلة عيد المولد واتخاذها عيداً يتكرر كل عام، يذكر فيه مدائح النبي صلى الله عليه وسلم، ويبتدع فيه صفات وصيغ من الصلوات عليه ما جاءت في هديه ولا شريعته ولا هدي أصحابه- ولهذا كانت هذه البدعة أعني: بدعة عيد الميلاد من المنكرات التي يجب على المسلمين أن يحذروا منها وأن يبتعدوا عنها، ولو كان فيها خيرٌ لسبق إليها من هو أحب ومن هو أولى منا كالصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، فإنهم لم يفعلوا هذه الليلة أي ليلة عيد المولد، لم يفعلوها ولم يشيروا إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولاشك أن الذين يشرعونها والذين ابتدعوها هم في الحقيقة متنقصون لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنهم يريدون بها التقرب إلى الله عز وجل، والتقرب إلى الله عز وجل عبادة, والدين كمل من جميع الوجوه في عباداته القولية والفعلية كما قال الله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً).
فأي رجل يبتدع من العبادات ما لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، سواء كان ذلك في العقيدة أو في القول أم في العمل لاشك أنه حقيقة أمره ولسان حاله يقول: إن الدين لم يكمل، وأنا كملته بما أحدثته من هذه العبادة التي أتقرب بها إلى الله عز وجل.
لهذا يجب على كل من ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله من ذكر قولي أو فعلي أو مدح للرسول عليه الصلاة والسلام أو غيره، يجب عليه أن ينظر في الأمر مرة ثانية، وأن يعرف أنه بابتداعه هذا طعن في دين الله يراه ناقصاً ويحتاج إلى تكميل بما أحدثه فيه، وأسال الله أن يجعلنا وإخواننا المسلمين لله مخلصين ولنبيه صلى الله عليه وسلم متبعين.
هل يجوز مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصائد؟ وبتخصيص ليلة الجمعة وليلة الاثنين؟ وإن كان هذا يباح فما هو الثواب؟ وإن كان لا يجوز ما هو المدح الذي يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أو لا يجوز إطلاقاً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه من الخصال الحميدة والمناقب العظيمة والأخلاق الكاملة هذا أمر مشروع ومحمود؛ لما فيه من الدعوة إلى دين الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام ومحبته، وكل هذا من الأمور المقصودة شرعاً.
وأما مدحه بالغلو الذي كان ينهى عنه صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز بكل حال، كما لو مدحه بقول القائل:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فإن مثل هذا الغلو لا يجوز وهو محرم.
وعلى الوجه الجائز لا يتخذ ذلك في ليلة معينة أو في يوم معين، بحيث كلما أتت هذه الليلة وهذا اليوم قيلت هذه القصائد والمدائح، فإن تخصيص الشيء بزمن لم يخصصه به الشرع أو بمكان لم يخصصه به الشرع هذا من البدع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما حكم من جعل المديح بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالحين تجارة له يكتسب منها معيشته؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حكم هذا محرم.
ويجب أن يعلم بأن المديح للنبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مدحاً فيما يستحقه صلى الله عليه وسلم بدون أن يصل إلى درجة الغلو، فهذا لا بأس به، أي: لا بأس أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو أهله من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه صلى الله عليه وسلم.
والقسم الثاني من مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).
فمن مدح النبي صلى الله عليه وسلم بأنه غياث المستغيثين ومجيب دعوة المضطرين وأنه مالك الدنيا والآخرة وأنه يعلم الغيب، أو بمثل ما قال البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم، بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة.
فلا يجوز أن يمدح الرسول عليه الصلاة والسلام بما يصل إلى درجة الغلو؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضاً: إن هذا حرام ولا يجوز؛ لأن مدح الرسول عليه الصلاة والسلام بما يستحق وبما هو أهل له صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة والهدي المستقيم، مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله، وما كان عبادة فإنه لا يجوز أن يتخذ وسيلة إلى الدنيا؛ لقول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
بارك الله فيكم هذه الرسالة وصلت من أخيكم في الله ص. من جمهورية مصر العربية محافظة شمال سيناء يقول: أرجو من فضيلة الشيخ أن يجيب على هذا السؤال: يوجد في بلدي أناس يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، ولكن في كل ليلة اثنين وليلة جمعة بعد صلاة العشاء يعملون دائرة وهم وقوف، وهي ما تسمى بالحضرة، ويعملون فيها أربعة أشواط، وبين كل شوطين يقوم رجل منهم يمدح الرسول.
والشوط الأول يقولون فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
الشوط الثاني يقولون فيه: الله دائم باقي حي.
الثالث يقولون فيه: صل وسلم يا الله على النبي ومن والاه.
والرابع يقولون فيه: يا لطيف الطف بنا.
فما حكم الإسلام في ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء مبتدعون ضالون فيما يحدثونه كل ليلة اثنين وجمعة؛ لأن هذا العمل الذي يقومون به عمل منكر لم يكن عليه الصحابة رضي الله عنهم ولا التابعون لهم بإحسان، فإذا كانوا يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إليهم ويحضرهم كان هذا أشد ضلالاً، وإن اعتقدوا في طوافهم هذا أنهم يطوفون على كعبة فهذا أشد وأنكر؛ لأنه لا طواف إلا على بيت الله الحرام في مكة.
والواجب عليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى من هذا العمل، وأن يأخذوا بما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).
فقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من محدثات الأمور، أي: ما يحدثه الإنسان يتعبد به لله، ومحدثات الأمور هي: كل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل لم يكن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك في العقيدة أو في القول أو في العمل.
وقولي: كل عبادة هذا باعتبار المبتدع حيث يظنها عبادة، وإلا فإنها ليست بعبادة؛ لأن البدعة ضلالة ليست عبادة.
مستمع للبرنامج محروس إبراهيم من جمهورية مصر العربية محافظة البحيرة يقول: ما حكم الشرع في نظركم يا شيخ محمد في أناس يمدحون الرسول أقصد الشيوخ الذين يمدحون الرسول وهم يستعملون المزمار والعود والطبلة؟ وأيضاً ماحكم المقرئين الذين يشترطون على عائلة المتوفى من أجرهم؟ وهل هناك فصال في كتاب الله؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن هذا السؤال تضمن مسألتين: المسألة الأولى: أولئك الشيوخ الذين يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم مدحاً مقروناً بآلات اللهو، فنقول في الجواب على هذا: أولاً هذه المدائح هل هي مدائح حق لا تخرج إلى الغلو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو هي مدائح تتضمن الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينزل فوق منزلته التي أنزلها الله إياه، كالمدائح التي تجعل للنبي صلى الله عليه وسلم حظاً من التصرف في الكون، بل ربما تجعل الكون كله عائداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقول بعضهم: فإن من جودك الدنيا- يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم-:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فإن هذه المدائح وأمثالها كفر بالله عز وجل، سواء اقترنت بآلة لهو أم لم تقترن، ولا يحل لمؤمن أن يقولها في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتطهير الناس من مثل هذه الأمور التي تؤدي إلى شرك المخلوق بالخالق فيما يستحقه سبحانه وتعالى.
ثانياً إذا كانت هذه المدائح مدائح حق لا غلو فيها ولكنهم جعلوها مصحوبة بهذه المزامير وآلات اللهو فإن هذا محرم؛ لأنها اقترنت بما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، إذ إن المعازف وآلات اللهو كلها حرام، إلا ما استثني منها من الدفوف في الأوقات التي أبيحت فيها، ويدل لتحريمها ما رواه البخاري من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف).
والمعازف هي آلات اللهو كما ذكر ذلك أهل العلم، وفي قرنها بالزنى وشرب الخمر دليل على قبحها وتأكد تحريمها، فهؤلاء الذين يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدائح المقرونة بآلات اللهو كأنما يسخرون به صلى الله عليه وسلم، حيث مدحوه وعظموه بما حرمه على أمته ومنعهم منه.
أما المسألة الثانية مما تضمنه هذا السؤال فهو قراءة القراء القرآن للأموات بعد موتهم، وأخذهم الأجرة على ذلك، فإن هذا أيضاً من الابتداع في دين الله عز وجل، وقراءة القارىء الذي لا يقرأ إلا بأجرة ليس فيها ثواب؛ لأن قراءة القرآن عمل صالح، وإذا أريد بالعمل الصالح الدنيا حبط وبطل أجره كما قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وإذا بطل أجره- أي: أجر هذا القارىء بالأجرة- لم يحصل للميت انتفاع من قراءته، وحينئذٍ يكون هؤلاء الذين استأجروا القارىء ليقرأ القرآن لميتهم قد خسروا في الدنيا والآخرة: أما خسارتهم في الدنيا فهي بذل المال في أمر لا ينفع الميت، وأما خسارتهم في الآخرة فلأنهم استأجروا هذا الرجل أن يقرأ كتاب الله بعوض من الدنيا فأعانوه على الإثم، ومن يعين على الإثم آثم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
وإن نصيحتي لهذين الصنفين من الناس- الصنف الأول: أولئك المداحون الذين يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نهاهم عنه من الغلو فيه، أو الذين يمدحونه مدحاً مقتصدين فيه ولكنهم يقرنونه بما نهى الله عنه.
وكذلك الصنف الثاني: الذين يقرؤون القرآن في المآتم للأموات بالأجرة- أنصحهم جميعاً أن يتقوا الله عز وجل، وأن يكونوا في عباداتهم القولية والفعلية والاعتقادية متمشين على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي التمسك بها خير وفلاح في الدنيا والآخرة، وهذا الأمر وإن كان قد يشق عليهم، بل وإن كان الشيطان قد يريهم أن ذلك شاق عليهم، وأنهم يطلبون به بما يطلبونه من المال والجاه فليصبروا على ذلك وليحتسبوا ثواب الله عز وجل الذي لا حصر له ولا نهاية (إِنَما يُوفى الصَّابرون أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابْ).
وليصبروا على ترك هذه الأمور المحرمة حتى يكونوا أئمة يهدون بأمر الله وكانوا بآيات الله يوقنون.
بارك الله فيكم رسالة وصلت من مستمع إلى البرنامج يقول: يقام في بلدنا كل يوم خميس حلقات دينية في بيوت المشايخ: يقوم صاحب الزاوية أو الشيخ الذي تقام في داره الحلقة بتعليم الناس الذين يأتون لحضور هذه الحلقة، ويقومون بمدح الرسول والصحابة والشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي وغيرهم، كما يضربون على الدفوف، ويتحركون حركات هادئة تشبه الركوع ولكنها كثيرة وسريعة.
ماذا تقولون في مثل هؤلاء بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في مثل هؤلاء: إن عملهم هذا بدعة، وربما يكون فيه مدائح تصل إلى الكفر، فإن أصحاب المدائح النبوية أحياناً يصلون بمدائحهم إلى درجةٍ يجعلون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة الله سبحانه وتعالى، بل ربما يرتقون فوق ذلك.
منهم من يردد قول القائل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل، فهو الذي يدعى عند حلول الحادث العمم، ويلاذ به عز وجل، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي يجيب دعوة المضطرين.
أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لا يملك مثل ذلك، بل هو عليه الصلاة والسلام يسأل ربه ويستغيثه ويستعينه، وهو أعبد الناس لربه في هذا المقام.
ولهذا لما دخل الرجل إليه والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس شكا إليه قلة المطر، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء يدعو الله يقول: (اللهم أغثنا).
فهو عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملك ذلك لغيره؟ إنما هو عليه الصلاة والسلام هادٍ يهدي إلى صراط الله عز وجل، مثل هذه الأبيات التي أنشدتها لا شك أنها لم تجعل لله تعالى شيئاً؛ لأنه إذا كان من جود النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا وضرتها وهي الآخرة فإنه لم يبقَ لله شيء، فأقول: هذا العمل الذي يعمله هؤلاء القوم عند هذا الشيخ عملٌ بدعيٌ، وقد يتضمن أشياء منكرةً نكارةً عظيمة، وقد يشتمل على أشياء تكون كفراً وشركاً أكبر.
ولو أن هذا الشيخ جمعهم على العلم، على تعلم كتاب الله وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان هذا خيراً وأفضل وأكمل، حتى ينتفع وينفع.
كذلك ذكر السائل أنهم كانوا يركعون ويسجدون بصفةٍ ويضربون الدفوف بصفةٍ خفيفة سريعة، وهذا أيضاً منكر، لا يجوز لأحدٍ أن يتعبد به لله عز وجل، فإن العبادة مبناها على التوقيف وليست على الذوق ولا على الهوى، ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه ولا عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمتها أن يتعبدوا لله تعالى بمثل هذه العبادة، بل هذا منكرٌ بنفسه فضلاً عن أن يكون عبادة.
هناك بعض من الناس يذكرون الله في حلقات يصاحبها النقر على الطبلة، مع القيام بحركات تشبه الرقص. هل هذا جائز شرعاً في نظركم يا فضيلة الشيخ؟ وما هي آداب الذكر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن أقدم مقدمة تلقي الضوء على جواب هذا السؤال، وذلك أن الله عز وجل خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، كما قال عز وجل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).
والعبادة التي خلقنا الله من أجلها لا تصح إلا بشرطين أساسين: أحدهما: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أما الإخلاص لله فمعناه: أن يكون العابد قاصداً بعبادته وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد بذلك عرضاً من الدنيا لا مالاً ولا جاهاً ولا تقرباً إلى أحد من المخلوقين، وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، كما قال الله تعالى عن محمد رسول الله وأصحابه قال عز وجل: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً).
وقال عز وجل: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).
وأما الأصل الثاني فهو المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل هذين الأمرين قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
ولا تتحقق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان العمل موافقاً للشرع في أمور ستة السبب والجنس والقدر والكيفية والزمان والمكان، فإذا لم يكن العمل موافقاً للشرع في هذه الأمور الستة فإن المتابعة فيه تتخلف.
أما السبب: فلا بد أن يكون لهذا العمل سبب شرعي اقتضى أن يفعل، فلو تعبد الإنسان لله تعالى عبادة قرنها بسبب لم يرد به الشرع لم تقبل منه؛ لأنها غير موافقة للشرع، فلا تتحقق فيها المتابعة، ومثال ذلك أن يتعبد الإنسان لله عز وجل بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم كلما دخل بيته، فإننا نقول: إن هذا بدعة؛ لأنه لم يوافق الشرع في سببه، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أسباب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم دخول البيت.
ولو أن الإنسان ضحى بفرس لم تقبل أضحيته؛ لأنها لم توافق الشرع في جنسها، إذ إن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
ولو أن الإنسان صلى الرباعية خمساً أو الثلاثية أربعاً أو الثنائية ثلاثاً لم يقبل منه؛ لأن ذلك غير موافق للشرع في عدد العبادة.
ولو أن الإنسان صلى فقدم السجود على الركوع لم تصح صلاته؛ لأنها غير موافقة للشرع في صفتها وهيئتها.
ولو أن الإنسان ضحى قبل صلاة العيد عيد الأضحى لم تقبل أضحيته؛ لأنها غير موافقة للشرع في وقتها.
ولو أن الإنسان اعتكف في بيته اعتكافاً يقصد به التقرب إلى الله عز وجل كما يعتكف الناس في المساجد لم يقبل اعتكافه؛ لأنه غير موافق للشرع في مكان العبادة.
فإذا علمت هذه المقدمة النافعة، وهي: أن العبادة لا تصح إلا أن تبنى على هذين الأساسين العظيمين، وهما: الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ تبين لك حكم هؤلاء الذين ذكرهم السائل، الذين يجتمعون على ذكر الله عز وجل ويجعلون عندهم طبولاً ينقرونها عند كل جملة يذكرون الله بها، ويعملون أعمالاً تشبه الرقص، فهؤلاء مردود عليهم ذكرهم، ويكون ذكرهم الذي تعبدوا به لله على هذا الوجه بدعة، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع، وأخبر أن كل بدعة ضلالة بدون استثناء، وأتى بـ (كل) الدالة على العموم، ومن المعلوم لنا جميعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بشريعة الله، وأنه أنصح الخلق لعباد الله، وأنه أفصح الخلق في تعبيره وبلاغه، فإذا قال: (كل بدعة ضلالة) فإنه لا يمكن أن نقسم بعد ذلك البدع إلى أقسام، بل نقول: إن البدع كلها ضلالة مهما كانت.
ومن ظن أن شيئاً من البدع يكون حسناً فإنه قد توهم من أحد وجهين: إما أن يكون هذا الشيء ليس ببدعة شرعاً، ولكن ظنه بدعة فسماه بدعة.
وإما أن يكون الشيء بدعة لكنه ليس بحسن، بل توهم مبتدعه أنه أحسن في ذلك وهو لم يحسن.
وأما أن تتحقق البدعة فإنه لا يمكن أن تتحقق أنها حسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بدعة ضلالة).
فهؤلاء المبتدعة الذين أحدثوا في ذكر الله عز وجل ما ليس منه عملهم مردود عليهم، ولا يزيدهم من الله إلا بعداً، وهو خلاف طريق الذين أنعم الله عليهم والذين يقولون في كل صلواتهم: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).
فإن كل مبتدع فهو ضال فيما ابتدع في دين الله، وعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله عز وجل من هذا الذكر، بل أن يتوبوا إلى الله عز وجل من هذه الكيفية التي أحدثوها في ذكر الله، هذا إذا كان الذكر الذي يذكرون الله به موافقاً للشرع في صيغته، أما إذا كان مخالفاً للشرع في صيغته فإنه يكون قبحاً على قبح، كما لو جعلوا أذكارهم هو هو هو وما أشبه ذلك مما يتخذه الصوفية ونحوهم ذكراً لله عز وجل، والرب سبحانه وتعالى قد بين لنا الطريق وأوضحه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إما في كتاب الله وإما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).
وقال سبحانه وتعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وقال سبحانه وتعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
فإذا كان الله تعالى قد بين لنا البيان التام فإن كل عمل يقربنا إليه ويرضيه عنا فإنه قد بينه ووضحه، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والدين كامل من جميع الوجوه، واتل قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً).
وحقيقة حال المبتدع أنه يعترض على شريعة الله كأنما يقول: هذه من الشريعة ولكن لم تكن واردة، فالشرع إذاً ناقص؛ لأنه لابد أن يكون الأمر هكذا: إما أن يكون الشرع ناقصاً وهذه البدعة أكملته، وإما أن يكون الشرع تاماً فهذه البدعة زيادة ما أنزل الله بها من سلطان.
ولا يحل لنا أن نتقرب إلى الله إلا بما شرع على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فنصيحتي لهؤلاء القوم، نصيحتي لهم أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله عز وجل في عباد الله الذين يتبعونهم ويقتدون بهم، وليرجعوا إلى ما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، فإنه الخير والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
أثابكم الله يا شيخ محمد رسالة وصلت من أحد الإخوة المستمعين عطية من المدينة المنورة يقول: لقد سمعت حلقة من برنامج نور على الدرب يوم الخميس الموافق 14 / 6 / 1407 هـ وسمعت إجابة السؤال الأول من البرنامج والذي قال فيه فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين بأن كل بدعة ضلالة وذكر الحديث، وقال: ليس هناك بدعة غير ضلالة وليس هناك بدعة حسنة، بل كل بدعة ضلالة.
سؤالي: هل السَبْحَةْ تعتبر بدعة؟ وهل هي بدعة حسنة أم بدعة ضلالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: السَبْحَةْ ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله أو التهليل أو التحميد أو التكبير، فهي وسيلة وليست مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله، أي: بأصابعه؛ لأنهنّ مستنطقات كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيراً من أولئك الذين يستعملون المسبحة فنجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك؛ لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه أو تهليله وتحميده وتكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب يلتفت يميناًَ وشمالاً، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحفظ لقلبه غالباً.
الشيء الثالث: أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيراً من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات، وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا لكنه يخشى منه.
فهذه ثلاثة أمور كلها تقضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمِسْبحة، وأن يسبح الله سبحانه وتعالى بأنامله.
ثم إن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيمينه)، واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلاًَ على الأيسر، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك).
وقال: (لا يأكلنّ أحدكم بشماله ولا يشربنّ بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله).
فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعاً للسنة وأخذاً باليمين، فقد (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله).
وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدعة في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع.
المستمع عبد الرحمن إبراهيم أحمد من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يقول: في يوم الجمعة عندنا يقوم بعض الناس بالتسبيح ويقولون: الصلاة وألف سلام يا سيدي يا رسول الله، ويستدلون لهذا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً..) الخ الآية.
فكيف نرد على مثل هؤلاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لهؤلاء: ما ذكرتم من الآية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ما ذكرتموه من الآية دليل عليكم وليس دليلاً؛ لكم لأن الله عز وجل أمر بالصلاة والسلام على نبيه كل وقت، ولم يخص ذلك بيوم الجمعة، وأنتم جعلتم هذا في يوم الجمعة فقط.
ثم إن الله عز وجل لم يأمر بأن نصلى ونسلم عليه مجتمعين، وأنتم جعلتم الصلاة والسلام عليه مجتمعين، فخالفتم الآية حيث خصصتموها بيوم معين وبصفة معينة، والواجب علينا أن نطلق ما أطلقه الله وأن نقيد ما قيده الله، وأن لا نتجاوز ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.
ونصيحتي لهؤلاء الإخوة أن يتقيدوا بما جاء به الشرع من العبادات كمية وكيفية ونوعاً ووقتاً ومكاناً؛ لأن من شرط صحة العبادة وقبولها أن تضمن أمرين: الأمر الأول: الإخلاص لله عز وجل، والأمر الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
دليل الأمر الأول قوله تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى).
ودليل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد)، أو: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
ولا تتحقق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن تكون العبادة موافقة للشرع في أمور ستة: في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها، فإذا خالفت الشرع في هذه الأمور الستة لم تتحقق فيها المتابعة وكانت باطلة.
أحد الإخوة المستمعين سليمان من قرية المقروبة بجمهورية مصر العربية يقول: في قريتنا البعض من الناس يذكرون الله بصوت مرتفع وهم وقوف، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويفعلون ذلك في ليلة الاثنين والجمعة.
نصحتهم بذلك وقلت لهم بأن ذلك بدعة في الدين، سخروا مني وقالوا لي: إننا على صواب وأنت الذي على خطأ.
وإني رفضت هذا الكلام ولا أبالي، الرجاء من فضيلتكم النصح لمثل هؤلاء؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن نصيحتنا لمثل هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وأن يعرفوا قدر أنفسهم، وأن يعلموا أنه لا يحل لهم أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله، وأنه ليس لهم الحق أن يشرعوا في دين الله ما ليس منه، فالدين دين الله عز وجل، وهو الذي يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته مما فيه مصلحتهم في الحاضر والمستقبل، وهم يعلمون- شاؤوا أم أبوا- أن الدين دين الله وأن الشرع شرعه، ولكني أريد منهم أن يطبقوا هذا العلم، بحيث لا يتجاوزون شرع الله فيتعبدون له بما لم يشرعه.
وليعلم هؤلاء أن كل عمل قولي أو فعلي أو عقدي يقومون به تقرباً إلى الله عز وجل فإنه لا يزيدهم من الله إلا بعداً إذا لم يكن مشروعاً بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
فأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث الذي يعلنه في خطبة الجمعة، أخبرنا بأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فما خالف هديه فهو شر، وأخبرنا أيضاً أن كل بدعة في دين الله، ضلالة وأن كل ضلالة في النار.
فليعلم هؤلاء أن هذا العمل عناء وعقاب، عناء في الدنيا ومشقة وتعب ونصب، وعقاب يوم القيامة.
ولا أخص هؤلاء بما ابتدعوه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الكيفية التي ذكرها السائل، ولكني أتكلم على بدعتهم هذه وعلى جميع ما ابتدع في دين الله تعالى من عقيدة أو قول أو عمل، فعلى المرء أن يكون عبداً لله عز وجل بمعنى هذه العبودية، فلا يتقدم بين يديه ولا يدخل في دينه ما لم يشرعه.
ما حكم سماع الموالدي الذي يمدح الرسول في الليالي ومعه طائفةٌ من الإخوان يرددون المدح والتهليل بمكبر الصوت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه من البدع، فإنه لم يكن معروفاً عند الصحابة: أن يقوموا بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم في الأسواق جهراً أو في المساجد جهراً أو يعلنون ذلك على الملأ، وإنما كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة الواردة عنه، ويصفونه صلى الله عليه وسلم بما يستحقه من صفات بدون مغالاة؛ لأنهم يعلمون رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلو فيه، فهذه الصفة بمجردها بدعةٌ منهي عنها.
ثم إن كان في تلك المدائح أوصاف لا تصح إلا لله تبارك وتعالى فإنها لا تجوز، وتكون أيضاً مذمومةً من ناحية أخرى وهي: الشرك، مثل قول القائل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العممِ
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدمِ
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ
فإن هذا لا يرضاه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرضاه غيره من المؤمنين؛ لأن هذه الأوصاف لا تليق إلا لله عز وجل، بل إن قوله إن من جودك الدنيا وضرتها جعل هذا أعظم من الله عز وجل، ومن علومك علم اللوح والقلم هذا والعياذ بالله منكرٌ عظيم وشرك بالله تبارك وتعالى.
فالمهم أن هذه المدائح بمجرد صفتها التي ذكرها السائل هي بدعة، ثم إن كانت مشتملة على ما لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم- بمعنى: على ما لا يرضاه النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو- فإنها تزداد قبحاً على قبحها.
يافضيلة الشيخ: هذا بالنسبة لمن يقوم بها ويتحلق عليها، لكن حكم من يسمعها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الاستماع إليها فهذا لا يجوز؛ لأن الاستماع إلى المنكر منكر.
وأما سماعها والإنسان عابرٌ مار، أو سماعها والإنسان في بيته بدون قصد الاستماع فهذا لا يضر، ولكنه يجب عليه أن ينصحهم وينهاهم عن ذلك إن انتهوا، وإلا فلا شيء عليه منهم.
وصلتنا رسالة من المستمع م. ع. ص. من جمهورية مصر العربية يقول: ما حكم الشرع في نظركم في أعياد الميلاد والاحتفال بذكرى المولد للرسول صلى الله عليه وسلم؟ لأنها تنتشر عندنا بكثرة، أفيدونا بارك الله فيكم
فأجاب رحمه الله تعالى: نظرنا في هذه المسألة أن نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول إلى الخلق أجمعين، وإنه يجب على جميع الخلق أن يؤمنوا به ويتبعوه، وإنه يجب علينا مع ذلك أن نحبه أعظم من محبتنا لأنفسنا ووالدينا وأولادنا؛ لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونرى أن من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة محبته أن لا نتقدم بين يديه بأمر لم يشرعه لنا؛ لأن ذلك من التقدم عليه وقد قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ?.
وإقامة عيد لميلاد النبي صلى الله عليه وسلم لا تخلو من أحوال ثلاث: إما أن يفعلها الإنسان حباً وتعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يفعلها لهواً ولعباً، وإما أن يفعلها مشابهةً للنصارى الذين يحتفلون بميلاد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.
فعلى الأول: إذا كان يفعلها حباً وتعظيماً للرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها في هذه الحال تكون ديناً وعبادة؛ لأن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه من الدين، قال الله تعالى: ?إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً? لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا?.
وإذا كان ذلك من الدين فإنه لا يمكن لنا ولا يسوغ لنا أن نشرع في دين النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منه، إذ إن ذلك- أي: شرعنا في دين النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منه- يستلزم أحد أمرين باطلين: فإما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم بأن هذا من شريعته، وحينئذٍ يكون جاهلاً بالشرع الذي كلف بتبليغه، ويكون من بعده ممن أقاموا هذه الاحتفالات أعلم بدين الله من رسوله، وهذا أمر لا يمكن أن يتفوه به عاقل فضلاً عن مؤمن.
وإما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم، وأن هذا أمر مشروع، ولكنه كتم ذلك عن أمته، وهذا أقبح من الأول، إذ إنه يستلزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتم بعض ما أنزل الله عليه وأخفاه على الأمة، وهذا من الخيانة العظيمة، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئاً مما أنزل الله عليه.
قالت عائشة رضي الله عنها: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً مما أنزل الله عليه لكتم قول الله تعالى (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).
وبهذا بطلت إقامة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل محبته وتعظيمه.
وأما الأمر الثاني، وهو: أن تكون إقامة هذه الاحتفالات على سبيل اللهو واللعب، فمن المعلوم أنه من أقبح الأشياء أن يفعل فعل يظهر منه إرادة تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو للعب واللهو، فإن هذا نوع من السخرية والاستهزاء، وإذا كان لهواً ولعباً فكيف يتخذ ديناً يعظم به النبي صلى الله عليه وسلم؟
وأما الأمر الثالث، وهو: أن يتخذ ذلك مضاهاة للنصارى في احتفالاتهم بميلاد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فإن تشبهنا بالنصارى في أمر كهذا يكون حراماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تشبه بقوم فهو منهم).
ثم نقول: إن هذا الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله الصحابة رضي الله عنهم، ولا التابعون لهم بإحسان، ولا تابعو التابعين، وإنما حدث في القرن الرابع الهجري، فأين سلف الأمة عن هذا الأمر الذي يراه فاعلوه من دين الله؟ هل هم أقل محبة وتعظيماً منا لرسول الله؟ أم هل هم أجهل منا بما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم من التعظيم والحقوق؟ أم ماذا؟ إن أي إنسان يقيم هذا الاحتفال يزعم أنه معظم للنبي صلى الله عليه وسلم فقد ادعى لنفسه أنه أشد تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوى محبة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ولا ريب أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه إنما يكون باتباع سنته صلى الله عليه وسلم؛ لأن اتباع سنته أقوى علامة تدل على أن الإنسان يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه، أما التقدم بين يديه وإحداث شيء في دينه لم يشرعه فإن هذا لا يدل على كمال محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.
قد يقول قائل: نحن لا نقيمه إلا من باب الذكرى فقط.
فنقول: يا سبحان الله! تكون لكم الذكرى في شيء لم يشرعه النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يفعله الصحابة رضي الله عنهم؟ مع أن لديكم من الذكرى ما هو قائم ثابت بإجماع المسلمين، وأعظم من هذا وأدوم: فكل المسلمين يقولون في أذان الصلوات الخمس: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وكل المسلمين يقولون في صلاتهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وكل المسلمين يقولون عند الفراغ من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
بل إن ذكرى النبي صلى الله عليه وسلم تكون في كل عبادة يفعلها المرء؛ لأن العبادة من شرطها الإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الإنسان مستحضراً ذلك عند فعل العبادة فلا بد أن يستحضر أن النبي صلى الله عليه وسلم إمامه في هذا الفعل، وهذا تذكر.
وعلى كل حال فإن فيما شرعه الله ورسوله من علامات المحبة والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كفاية عما أحدثه الناس في دينه مما لم يشرعه الله ولا رسوله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير.
على أن هذه الاحتفالات فيما نسمع يكون فيها من الغلو والإطراء ما قد يخرج الإنسان من الدين، ويكون فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء ما تخشى منه الفتنة والفساد، والله أسأل أن يهيئ للأمة الإسلامية من أمرها رشداً، وأن يوفقها لما فيه صلاح دينها ودنياها وعزتها وكرامتها، إنه جواد كريم.
هذه رسالة وصلت من مكة المكرمة يقول فيها السائل: كثير من الناس يقول بأن المولد ليس ببدعة؛ لأن فيه ذكراً للرسول صلى الله عليه وسلم وتمجيداً لذكره، وليس فيها لهو من غناء وغيره، بل هو ذكر فقط في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ما الحكم إذا كان المولد بهذه الصورة؟ أريد جواباً شافياً وواضحاً لهذا الموضوع؛ لأن الكثير من الناس يرون أنه ليس فيه شيء من البدع لأنه ذكر فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، ولا شك أن له حقوقاً علينا أكثر من حقوق أمهاتنا وآبائنا، ولا شك أنه يجب علينا أن نقدم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ولا شك أن له من المناقب والفضائل ما لم يكن لغيره، وهذا أمر مسلم.
وإذا كان هذا يسأل عن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإننا نبحث في هذه المسألة من ناحيتين: أولاً: من الناحية التاريخية، فإنه لم يثبت أن ولادته كانت في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، ولا كانت يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بل حقق بعض المعاصرين من الفلكيين أن ولادته كانت في اليوم التاسع من ربيع الأول، وعلى هذا فلا صحة لكون المولد يوم الثاني عشر أو ليلة الثاني عشر من الناحية التاريخية.
أما من الناحية التعبدية فإننا نقول: الاحتفال بالمولد ماذا يريد به المحتفلون؟ أيريدون إظهار محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إن كانوا يريدون هذا فإظهار محبته بإظهار شريعته عليه الصلاة والسلام والالتزام بها، والذود عنها وحمايتها من كل بدعة.
أم يريدون ذكرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصلة فيما هو مشروع كل يوم: فالمؤذنون يعلنون على المنائر أشهد أن محمداً رسول الله، والمصلون في كل صلاة يقول المصلى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ويقول: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد بل كل عبادة فهي ذكرى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لأن العبادة مبنية على أمرين: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تكون الذكرى في القلب.
أم يريد هؤلاء أن يكثروا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإظهار مناقبه؟ فنقول: نعم هذه الإرادة ونحن معهم نحث على كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحث على إظهار مناقبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمته؛ لأن ذلك يؤدي إلى كمال محبته وتعظيمه واتباع شريعته.
ولكن هل ورد هذا مقيداً بذلك اليوم الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أم إنه عام في كل وقت وحين؟ فالجواب بالثاني.
ثم نقول: اقرأ قول الله عز وجل: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فهل نحن متبعون للمهاجرين والأنصار في إقامة هذا المولد، بل في إقامة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فالجواب: لا؛ لأن الخلفاء الراشدين والصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين من بعدهم لم يقيموا هذا الاحتفال ولم يندبوا إليه أبداً، أفنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم؟ أم هم غافلون مفرطون في إقامة هذا الحق للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أم هم جاهلون به لا يدرون عنه؟ كل هذا لم يكن؛ لأن وجود السبب مع عدم المانع لابد أن يحصل مقتضاه، والصحابة لا مانع لهم من أن يقيموا هذا الاحتفال، لكنهم يعلمون أنه بدعة، وأن صدق محبة الرسول عليه الصلاة والسلام في كمال اتباعه، لا أن يبتدع الإنسان في دينه ما ليس منه، فإذا كان الإنسان صادقاً في محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي اعتقاده أنه سيد البشر فليكن ملتزماً بشريعته: ما وجد في شريعته قام به، وما لم يوجد أعرض عنه، هذا خالص المحبة وهذا كامل المحبة.
ثم إن هذه الموالد يحصل فيها من الاختلاط والكلمات الزائدة في الغلو برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أنهم يترنمون بالبردة المضافة إلى البوصيري وفيها يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
كيف يقول: ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العظيم؟ هل هذا صحيح؟ هذا يعني أن هذا الذي أصيب بالحادث لا يرجع إلى الله عز وجل ولا يلوذ بالله عز وجل، وهذا شرك، ثم يقول:
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
فهل الرسول عليه الصلاة والسلام ينقذ الناس يوم المعاد؟ إن دعاء الرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك اليوم: اللهم سلم اللهم سلم عند عبور الصراط.
ويقول أيضاً في هذه القصيدة وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) الدنيا وضرتها هي الآخرة من جود الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس كل جوده، بل هي من جوده، وجوده أجود من هذا، فإذا جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام ماذا بقي لله تعالى في الدنيا والآخرة؟ لن يبقى شيء، كل هاتين الدارين من جود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ويقول أيضاً: (ومن علومك علم اللوح والقلم) - سبحان الله! - من علومه- وليست كل علومه- أن يعلم ما في اللوح المحفوظ، مع أن الله تعالى أمر نبيه أمراً خاصّاً أن يقول: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).
فإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم ما غاب عنه في الدنيا فكيف يقال: إنه يعلم علم اللوح والقلم؟ بل إن علم اللوح والقلم من علومه، وهذا غلو لا يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام، بل ينكره وينهى عنه.
ثم إنه يحصل بهذا الاحتفال بالمولد أشياء تشبه حال المجانين: سمعنا أنهم بينما هم جلوس إذا بهم يفزون ويقومون قيام رجل واحد، ويدَّعون أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر في هذا المجلس وأنهم قاموا احتراماً له، وهذا لا يقع من عاقل فضلاً عن مؤمن، أشبه ما به جنون! فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قبره لا يخرج إلى يوم البعث، كما قال الله عز وجل: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
والخلاصة أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصح من الناحية التاريخية ولا يحل من الناحية الشرعية، وأنه بدعة، وقد قال أصدق الخلق وأعلم الخلق بشريعة الله: (كل بدعة ضلالة).
وإني أدعو إخواني المسلمين إلى تركه والإقبال على الله عز وجل، وتعظيم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشريعته، وألا يحدث الإنسان في دين الله ما ليس من شريعة الله.
وأنصحهم أن يحفظوا أوقاتهم وعقولهم وأفكارهم وأجسامهم وأموالهم من إضاعتها في هذا الاحتفال البدعي، وأسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية والتوفيق وإصلاح الحال، إنه على كل شيء قدير.
فضيلة الشيخ: متى ظهرت بدعة المولد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في القرن الرابع، يعني: مضت الثلاثة القرون المفضلة ولم يقمها أحد، في القرن الرابع وجدت، وفي القرن السابع كثرت وانتشرت وتوغلت.
وقد أُلف في ذلك والحمد لله مؤلفات تبين أول هذه البدعة وأساسها ومكانتها من الشرع، وأنها لا أصل لها في شريعة الله.
فضيلة الشيخ: يزعم أناس بأنهم يحبون الرسول فأتوا بالمولد فاحتفلوا بالمولد وأتوا بالمدائح، فما حكم الاحتفال بالمولد حيث يزعمون بأنه حب للرسول؟
فأجاب رحمه الله تعالى: على القاعدة التي ذكرت لك: من أحب الرسول فليتبع سنته، من أحب الرسول فلا يبتدع في دينه ما ليس منه، ولنا ولغيرنا كتابات في هذا الموضوع وبيانات، والذي نسأل الله تعالى إياه أن يهدي إخواننا للصراط المستقيم.
ويا سبحان الله! أين أبو بكر؟ أين عمر؟ أين عثمان؟ أين علي؟ أين الصحابة؟ أين الأئمة عن هذا؟ أجهلوه أم فرطوا فيه؟ لا يخلو الأمر من أحد أمرين: إما أنهم جاهلون بحق الرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يقيموا الاحتفال لمولده، أو أنهم مفرطون تذهب القرون الثلاثة كلها لا تعلم بهذه البدعة، ونقول: إنها مشروعة، إنها محبوبة إلى الله ورسوله، إنها نافعة لمن قام بها؟ هذا لا يمكن.
ثم إنه يحدث في هذه الموالد من المنكرات العظيمة والغلو بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيء كثير، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الاتباع، نسأل الله تعالى إيماناً لا كفر معه، ويقيناً لا شك معه، وإخلاصاً لا شرك معه، واتباعاً لا ابتداع معه.
هذا السائل طاهري محمد من الجزائر يقول: فضيلة الشيخ هل احتفل الرسول صلى الله عليه وسلم بميلاده كما يفعل البعض أم لا؟ أرجو منكم التوجيه والنصح في هذا الموضوع مأجورين
فأجاب رحمه الله تعالى: لم يحتفل النبي صلى الله عليه وسلم بذكرى ميلاده، ولم يحتفل بذلك أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا غيرهم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولم يحتفل بذلك التابعون لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، ولا تابعو التابعين ولا أئمة المسلمين، وإنما ابتدع هذا الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم في أثناء المائة الرابعة، أي: بعد ثلاثمائة سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولا شك أن الحامل لهذا الاحتفال ممن أسسه، لا شك أنه إن شاء الله تعالى حب الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن حب الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما يتبين حقيقةً باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام فمن كان للرسول أحب كان له أتبع بلا شك، ومن كان للرسول أتبع كان ذلك أدل على محبته لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا يقول المبتدعون لأهل السنة المتمسكين بها يقولون: إن هؤلاء لا يحبون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونقول: سبحان الله! أيهما أقرب إلى حب الرسول عليه الصلاة والسلام: من شرع في دينه ما ليس منه، أو من تمسك بهديه وسنته؟ الجواب لا شك أنه الثاني: أن من تمسك بهديه وسنته فهو أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن ابتدع في شريعته ما لم يشرعه عليه الصلاة والسلام، بل إن البدعة الشرعية في دين الله مضمونها القدح برسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن المبتدع يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهل بمشروعية هذه البدعة، أو: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم بمشروعيتها لكن كتمها عن أمته.
وكلا الأمرين قدحٌ واضح في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو تأمل المبتدع ما تتضمنه بدعته من اللوازم الفاسدة لاستغفر الله منها، ولعاد إلى السنة فوراً بدون أي واعظ.
وخلاصة القول في الجواب على هذا السؤال: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بذكرى ميلاده أبداً، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا الصحابة ولا التابعون، ولا تابعو التابعين، ولا أئمة المسلمين، وإنما حدث ذلك من بعض الولاة واستمر الناس عليه إلى يومنا هذا، ولكني واثقٌ بإذن الله عز وجل أن هذه الصحوة المباركة التي في شباب الأمة الإسلامية سوف تقضي على هذه البدعة، وسوف تزول شيئاً فشيئاً كما تبين ذلك في بعض البلاد الإسلامية، ممن تذكروا حين ذكروا واتعظوا حين وعظوا ولم يعودوا إلى هذه البدعة.
قد يقول المبتدع: أنا لم أحدث شيئاً: أنا أصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وأذكره بالخير، وأثني عليه، وأحيي ذكراه في القلوب.
نقول: هذا حسن: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم محمودة، والثناء عليه بما هو يستحق محمود، وكذلك إحياء ذكراه محمود، ولكن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم شرع لأمته ما تحصل به الذكرى والمحبة على غير هذا الوجه: نحن نذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في كل عبادة، هذا هو الذي ينبغي لنا أن نفعله، أي: أن نذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في كل عبادة، وذلك لأن كل عبادة مبنية على أمرين: على الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وحينما تشعر بأنك في عبادتك متبعٌ لرسول الله سيكون هذا ذكرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك أيضاً نحن نذكر النبي عليه الصلاة والسلام ونرفع شأنه وذكراه في أعلى الأمكنة في كل يومٍ وليلة خمس مرات، في الأذان، نقول في كل أذان: أشهد أن محمداً رسول الله، وهذا إحياءٌ لذكراه وإعلاءٌ لشأنه من على المنارات بالأصوات المرتفعة، ونقول أيضاً مرةً ثانية عند القيام للصلاة في الإقامة أشهد أن محمداً رسول الله، أي ذكرى أعظم من هذه الذكرى؟ كذلك إذا فرغنا من الوضوء نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كذلك في الصلاة في التشهد نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
في كل أحوالنا، في كل عباداتنا نحن نذكر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن العبادة إخلاصٌ واتباع، إخلاصٌ لرب العالمين واتباعٌ لرسول رب العالمين، فهي إحياء الذكرى، فلا حاجة أن نبتدع في شريعة الله ما ليس منها من أجل إحياء الذكرى.
ثم إنه- كما قال بعض أهل العلم- إحياء ذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الليلة يوجب أن ينسى ذكر الرسول في غير هذه الليلة، وأن يترقب هؤلاء مجيء هذه الليلة ليحيوا ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.
لهذا نوجه إخواننا المسلمين من على هذا المنبر- ألا وهو: منبر نورٌ على الدرب من إذاعة المملكة العربية السعودية، نوجه جميع إخواننا المسلمين- إلى أن يتدبروا الأمر وينظروا فيه، ويحرصوا على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع الخلفاء الراشدين حيث أمرنا باتباعهم، قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) وانتبه لهذا القيد "اتبعوهم بإحسان" والإحسان اتباع آثارهم حقيقةً فعلاً وتركاً، (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).
فليتدبر إخواننا المسلين في بقاع الأرض، ليتدبروا هذه المسألة، وليقولوا في أنفسهم: أنحن خيرٌ أم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
أنحن أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه؟ أنحن أشد حرصاً على الطاعات من أصحابه؟ كل هذا الجواب فيه لا وإذا كان الجواب فيه: لا، فليكن أيضاً الجواب في الاحتفال بذكرى مولده: لا، وليعلموا أنهم إذا تركوا ذلك لله عز وجل وتحقيقاً لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فسيجعل الله في قلوبهم من الإيمان بالله ورسوله ومحبة الله ورسوله ما لم يكن فيها عند وجود هذه الاحتفالات التي يدَّعون أنها ذكرى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
579-بعث بهذه الرسالة إبراهيم محمد عبد الله قدس بالسودان مدينة السوكي يقول: الاحتفال في ليلة الإسراء والمعراج، وهنا في السودان نحتفل أو يحتفلون في ليلة الإسراء والمعراج في كل عام.
هل هذا الاحتفال له أصل من كتاب الله ومن سنة رسوله الطاهرة، أو في عهد خلفائه الراشدين، أو في زمن التابعين؟ أفيدوني وأنا في حيرة وشكراً لكم جزيلاً
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس لهذا الاحتفال أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين رضوان الله عليهم، وإنما الأصل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يردُّ هذه البدعة؛ لأن الله تبارك وتعالى أنكر على الذين يتخذون من يشرعون لهم ديناً سوى دين الله عز وجل وجعل ذلك من الشرك، كما قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ).
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
والاحتفال بليلة المعراج ليس عليه أمر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم محذراً أمته، يقوله في كل خطبة جمعة على المنبر: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة).
وكلمة: (كل بدعة) هذه جملة عامة ظاهرة العموم؛ لأنها مصدَّرة بـ (كل) التي هي من صيغ العموم، التي هي من أقوى الصيغ: (كل بدعة)، ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من البدع، بل قال: (كل بدعة ضلالة).والاحتفال بليلة المعراج من البدع التي لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، وعلى هذا فالواجب على المسلمين أن يبتعدوا عنها، وأن يعتنوا باللب دون القشور، إذا كانوا حقيقة معظمين لرسول صلى الله عليه وسلم فإن تعظيمه بالتزام شرعه وبالأدب معه، حيث لا يتقربون إلى الله تبارك وتعالى من طريق غير طريقه صلى الله عليه وسلم، فإن من كمال الأدب وكمال الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتزم المؤمن شريعته، وأن لا يتقرب إلى الله بشيء لم يثبت في شريعته صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا فنقول: إن الاحتفال بدعة يجب التحذير منها والابتعاد عنها، ثم إننا نقول أيضاً: إن ليلة المعراج لم يثبت من حيث التاريخ في أي ليلة هي، بل إن أقرب الأقوال في ذلك- على ما في هذا من النظر- أنها في ربيع الأول، وليست في رجب كما هو مشهور عند الناس اليوم، فإذاً لم تصح ليلة المعراج التي يزعمها الناس أنها ليلة المعراج وهي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، لم تصح تاريخياً كما أنها لم تصح شرعاً، والمؤمن ينبغي أن يبني أموره على الحقائق دون الأوهام.
فضيلة الشيخ: طيب ربما يقال: ما الذي ينبغي للمسلم أن يفعله إذا وافق هذه الليلة مثلاً في أول الربيع أو في رجب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ينبغي أن يفعل شيئاً؛ لأن من هم أحرص منا على الخير وأشد منا تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يفعلون شيئاً عند مرورها، ولهذا لو كانت هذه الليلة مشهورة عندهم ومعلومة لكانت مما ينقل نقلاً متواتراً لا يمتري فيه أحد، ولكانت لا يحصل فيها هذا الخلاف التاريخي الذي اختلف فيه الناس واضطربوا فيه، ومن المعلوم أن المحققين قالوا: إنه لا أصل لهذه الليلة التي يزعم أنها ليلة المعراج وهي ليلة السابع والعشرين، ليس لها أصل شرعي ولا تاريخي.
فضيلة الشيخ: إذاً الاختلاف في وقتها دليل على عدم الاحتفاء بها؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم.
المرسلة ل. م. ن. تقول في رسالتها: نحن كل سنة يقام عيد خاص يسمى عيد الأم، وهو في واحد وعشرين آذار يحتفل فيه جميع الناس، فهل هذا حرام أو حلال؟ وعلينا الاحتفال به أم لا وتقديم الهدايا؟ أفيدونا بذلك مشكورين
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على ذلك أن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة ما كانت معروفة في عهد السلف الصالح، وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضاً، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله سبحانه وتعالى.
والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام، وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع، وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها، وباطلة في شريعة الله سبحانه وتعالى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: مردود عليه غير مقبول عند الله، وفي لفظ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز العيد الذي ذكرته السائلة والذي سمته عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد كإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به، وأن يقتصر على ما حده الله ورسوله في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه.
والذي ينبغي للمسلم أيضاً أن لا يكون إمعة يتبع كل ناعق، بل ينبغي أن تكون شخصيته بمقتضى شريعة الله سبحانه وتعالى، حتى يكون متبوعاً لا تابعاً، وحتى يكون أسوة لا متأسياً؛ لأن شريعة الله والحمد لله كاملة من جميع الوجوه، كما قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً).
والأم أحق من أن يحتفل بها يوماً واحداً في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها وأن يعتنوا بها وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله عز وجل في كل زمان وفي كل مكان.
بارك الله فيكم المستمع من جمهورية مصر العربية له هذا السؤال يقول: ما حكم تبادل الهدايا بين الأقارب والأصدقاء في مناسبات أعياد الميلاد وعيد الزواج؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الشطر الأول من السؤال فلا أدري هل يريد بذلك- في الأعياد- أعياد الميلاد النصرانية، أو أنه يريد بأعياد الميلاد أعياد الميلاد النبوية التي يفعلها من يفعلها في مناسبة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان يريد الأول: فالتهادي في هذه الأعياد والاحتفال بها واعتقاد أنها أيام فرح وسرور مشاركة للمشركين في أعيادهم، وهو محرمٌ بالاتفاق، كما نقله ابن القيم وغيره، ولا يجوز بذل الهدايا لا للمسلمين ولا للنصارى في أعياد ميلادهم؛ لأن بذل ذلك رضاً بما هم عليه من الملة الشركية الكفرية، والإنسان فيها على خطرٍ عظيم.
وأما إذا كان المراد بالأعياد أعياد الميلاد أعياد ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام التي ابتدعها من ابتدعها: فالتهادي فيها حكمه حكم اتخاذها عيداً، واتخاذ أيام ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام عيداً الصحيح من الأقوال أنه غير مشروع؛ لأنه لم يحدث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا عهد الخلفاء الراشدين، ولا عهد الصحابة بعدهم، ولا عهد التابعين ولا عهد تابعي التابعين، وأول ما حدث عام ثلاثمائةٍ وواحد وستين من الهجرة، فصار الناس فيه ثلاثة أقسام: قسمٌ مؤيد، وقسمٌ مفند، وقسمٌ مفصل.
أما المؤيد فيقول: إن هذا من باب إظهار فرحنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمنا له، حتى لا يقول النصارى: إن المسلمين لا يحتفلون بنبيهم ولا يهتمون به، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم"، فيكون استحسان ذلك من باب دفع اللوم عن الأمة الإسلامية.
ومنهم من علل بأن هذا الاحتفال ليس إلا صلاةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثناءً عليه، وإحياءً لذكره، وهذا أمرٌ مطلوب على وجه العموم، وما كان مطلوباً على وجه العموم فلا مانع من أن نقوم به عند مناسبته.
وأما المفندون له فقالوا: إنه ما من شك في أن محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة، وأنه يجب علينا أن نقدم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وأنه يجب علينا أن نعظمه ما يستحق من التعظيم، ولكن المحبة تستلزم أن لا نتجاوز طريق المحبوب، والتعظيم يستلزم أن لا نتقدم بين يديه، وأن لا نسيء الأدب معه، بل نلتزم بما شرع لنا من الشرائع، ولا نحدث في دينه ما ليس منه.
ولا ريب أن الاحتفاء أو الاحتفال بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام لا ريب أن فاعله إنما يقصد من ذلك التقرب إلى الله عز وجل، والتقرب إلى الله تعالى عبادة، والعبادة لا بد فيها من أن تثبت بدليلٍ شرعي؛ لأن الأصل في العبادات المنع إلا ما قام الدليل عليه، وادعاء أن هذا من باب إحياء ذكره وتعظيمه ودفع اللوم عن المسلمين منقوض ومدفوعٌ: بأن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلب كل مؤمن في كل عبادةٍ يفعلها، فإن العبادة لا بد فيها من الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فإن كل عابدٍ يريد أن يحقق العبادة فسيكون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلبه عند فعل كل عبادة، من أجل أنه يشعر بأنه متبعٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.
وأيضاً فإن ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يشرعه ليست بحميدة، وفي ذكراه بما شرعه ما يغني عن ذلك وأكثر، فالمسلمون يعلنون في كل يومٍ خمس مرات ذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم على الأماكن العالية، وفي كل صلاة وعند كل صلاة، فلم يغب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولله الحمد عن المسلمين في كل وقت لا في الليل ولا في النهار، وهم في غنىً عن هذا الأمر الذي أحدث ولم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم.
وأما المفصلون فقالوا: إن اقتصر الاحتفال بالمولد على مجرد قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر شمائله وصفاته والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فهذا لا بأس به؛ لأنه عبادةٌ شرع جنسها، ولا مانع من أن تخصص بوقتٍ مناسب.
أما إذا كان في هذا الاحتفال ما يناقض ذلك من الغلو برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنشاد القصائد التي قد تخرج الإنسان من الملة بالشرك الأكبر، أو بالخرافات التي يقوم بها من يحتفلون بهذا المولد من الصفق والصراخ والزعيق، واعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حضر ثم يقومون له- زعموا- تبجيلاً وتعظيماً وما أشبه ذلك، فهذا حرام.
ولكن على القول الراجح تفنيد هذا الاحتفال مطلقاً، سواءٌ اشتمل على ما فيه الغلو والخرافات أم لم يشتمل، وكفى بما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم، كفى به غنية عما سواه.
ونحن نقول: إذا دار الأمر بين أن يكون فعلك هذا قربة أو بدعة فالسلامة أسلم، وما دام الله عز وجل لم يكلفك به ولم يأمرك به فاحمد الله على العافية، وجانب ما قد يكون ضرراً عليك، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.
السائل أبو معاذ من الرياض يقول: يحتفل الزوجان فيما بينهما بيوم زواجهما، ويجعلان لذلك اليوم خاصية عن الأيام الأخرى وذلك للذكرى، فيتبادلان الهدايا بينهما. فما الحكم في ذلك؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن ذلك لا يجوز؛ لأنهم يتخذون هذا عيداً: كلما جاء ذلك اليوم اتخذوه عيداً يتبادلون فيه الهدايا والفرح وما أشبه ذلك، لكن لو فعلوا هذا عند الزواج ليلة الزفاف أو في أيام الزواج فلا بأس، أما أن يجعلوه كلما مر هذا اليوم من كل سنة فعلوا هذا الاحتفال فلا يجوز؛ لأن الأعياد الشرعية ثلاثة: عيد الفطر، وعيد النحر، وعيد الأسبوع.