كِتَابُ الْأَيْمَانِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن حبان
- الكتاب
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
- المؤلف
- محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ)ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (المتوفى: 739 هـ)حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 18 (17 جزء ومجلد فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي، ويمكن الانتقال للجزء والصفحة ورقم الحديث]
ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْمَرْءِ الْمُضِيَّ فِي يَمِينِهِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ
4352 - أَخْبَرَنَا الْقَطَّانُ بِالرَّقَّةِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ السَّيَّارِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَلَفَ على يمين، فرأى غيرها خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عن يمينه" 1.
ذِكْرُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ عِنْدَمَا سَبَقَ مِنْهُ مِنْ يَمِينٍ إِمْضَاءُ مَا رَأَى خَيْرًا لَهُ دُونَ التَّعَرُّجِ عَلَى يَمِينِهِ الَّتِي مَضَتْ
4353 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الطُّفَاوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لَمْ يَحْنَثْ، حَتَّى نَزَلَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي" 1.
ذِكْرُ وَصْفِ بَعْضِ الْأَيْمَانِ الَّتِي كَانَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْضِي ضِدَّهَا1 إِذَا سَبَقَتْ مِنْهُ
4354 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ، عَنْ زَهْدَمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: كُنَّا مُشَاةً، فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمُ الْيَوْمَ -أَوْ قَالَ:- وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ" قَالَ: فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ -أَوْ2 قَالَ: حِينَ رَجَعْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ- أَتَاهُ قَطِيعٌ مِنْ إِبِلٍ، فَإِذَا قَدْ بَعَثَ إِلَيْنَا بِثَلَاثٍ بُقْعِ الذُّرَى، قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَنَرْكَبُ وَقَدْ حَلَفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فَأَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ قَدْ حَلَفْتَ، قَالَ: "إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ، إِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللَّهُ، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ يَمِينٍ أَحْلِفُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إلا أتيتها -أو أتيته-" 3.1
ذِكْرُ نَفْيِ جَوَازِ مُضِيِّ الْمَرْءِ فِي أَيمَانِهِ وَنُذُوُرِهِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَوْ يَشُوبُهَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا
4355 - أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زريع، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: لَئِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ لَمْ أُكَلِّمْكَ أَبَدًا، وَكُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ لَغَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكِ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكُ"1.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ أَنْ يُكْثِرَ الْمَرْءُ مِنَ الْحَلِفِ فِي أَسْبَابِهِ
4356 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الشَّعْثَاءِ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ1 الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَشَّارِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بن عبد الله بن عمر
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْحَلِفُ حَنِثٌ أَوْ نَدَمٌ"2.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ: لَيْسَ لِبَشَّارٍ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَخُو مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ3، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ: علي بن = وفروعه: الحسن، لكن في "ثقات المؤلف" 8/469: علي بن الحسين سليمان، وقد قيل: ابن الحسن بن سليمان.
الحسين بن سليمان، واسطي ثقة1.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ بِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ يَكُونَ فِي يَمِينِهِ غَيْرَ بَارٍّ
4357 - أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" 1.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ بِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا
4358 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ عَنِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عمر، فحلف
رَجُلٌ بِالْكَعْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيْحَكَ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فقد أشرك"2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وليس الشركَ الاعتقادي.
وقال المناوي في "فيض القدير" 6/120: أي: فعَلَ فِعْل أهل الشرك، أو تشبّه بهم إذا كانت أيمانهم بآبائهم وما يعبدون من دون الله، أو فقد أشرك في تعظيم من لم يكن له أن يعظمه، لأن الأيمان لا يصلح إلا بالله، فالحالف بغيره معظم غيره مما ليس له، فهو يشرك غير الله في تعظيمه، ورجحه ابن جرير.
وانظر "الفتح" 11/540.
ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمَرْءَ مَنْهِيٌّ عَنْ أَنْ يَحْلِفَ بِشَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى
4359 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ ليسكت" 1.
ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُجَانَبَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا
4360 - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ، وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت" 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = باب جامع الأيمان.
ومن طريق مالك أخرجه الدارمي 2/185، والبخاري 6646 في الأيمان والنذور: باب لا تحلفوا بآبائكم، والبيهقي 10/28، والبغوي 2431.
وأخرجه الطيالسي ص5، وأحمد 2/11 و17 و142، والحميدي 686، والبخاري 2679 في الشهادات: باب كيفية يُستَحلف؟ و6108 في الأدب: باب من لم ير إكفار مَن قال ذلك متأولاً أو جاهلاً، ومسلم 1646 3 و4 في الأيمان: باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، والترمذي 1534 في النذور والأيمان: باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، والنسائي في النعوت كما في "التحفة" 6/181، والبيهقي 10/28 من طرق عن نافع، وبهذا الإسناد.
وأخرجه أبو داود 3249 في الأيمان والنذور: باب في كراهية الحلف بالآباء، والبيهقي 10/29 من طريق أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه وهو في ركب ... فذكره، هكذا جعله زهير عن عبيد الله من مسند عمر، ورواه غير زهير عن عبيد الله فجعله من مسند ابن عمر، وكذلك رواه ستة آخرون عن نافع فجعلوه من مسند ابن عمر.
وأخرجه عبد الرزاق 15923 عن عبد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، عن أبيه، فكره، وعبد الله بن عمر الراوي عن نافع ضعيف، وقد خالفه الثقات من أصحاب نافع فجعلوه عن ابن عمر.
وأخرجه عبد الرزاق أيضاً 15924 عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم ابن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، هكذا هو في رواية إسحاق الدبري عن عبد الرزاق من مسند عمر، وأخرجه مسلم 1646 4 عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وابن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق، به.
فجعلاه عن ابن عمر كما تبين رواية مسلم.
وأخرجه أحمد 2/7 عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر ... فذكره، وزاد في آخره: وقال عمر: فما حلفتُ بها بعدُ ذاكراً ولا آثراً.
وأخرجه أحمد 2/8، والحميدي 624، ومسلم 1646،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =والترمذي 1533، والنسائي 7/4 في الأيمان والنذور: باب الحلف بالآباء، وابن الجارود 622، والبيهقي 10/28 من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، به.
لكن ليس فيه فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت.
وعلّقه البخاري بعد الحديث 6647: وقال ابن عيينة ومعمر عن الزهري، به.
قال الحميدي بإثره: قال سفيان: سمعت محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة –وكان بصيراً بالعربي- يقول: ولا آثراً آثُرُه عن غيري: أُخبِر عنه أنه حلف بها.
وقال أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/59: "ولا آثراً" يريد به: ولا مخبراً عن غيري أنه حلف به، يقول: لا أقول: إن فلاناً قال: وأبي لا أفعل كذا وكذا، ومن هذا قيل: حديث مأثور، أي: يخبر به الناس بعضهم بعضاً، يقال منه: أثرت –مقصوراً- الحديث آثُرُه أثراً، فهو مأثور وأنا آثِر –على مثال فاعل- قال الأعشى:
إنّ الذي فيه تَماريتُما ... بيّن للسامع والآثِرِ
وقوله: ذاكراً، قال البغوي في "شرح السنة" 10/4: لم يُرِد به الذكرَ الذي هو ضدّ النسيان، بل أراد به محدِّثاً عن نفسي، متكلّماً به.
وأخرجه عبد الرزاق 15922، وأحمد 1/18 و36، والبخاري 6647 في الأيمان والنذور: باب لا تحلفوا بآبائكم، ومسلم 1646 1 و2، وأبو داود 3250، والنسائي 7/5، وابن ماجة 2094 في الكفارات: باب النهي أن يحلف بغير الله، والبيهقي 10/28 من طرق عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر.
وأخرجه عبد الرزاق 15925، وأحمد 1/19 و32 و36 من طريقين عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر قال: كنت في ركب أسير في غزاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فحلفت، فقلت: لا وأبي، فنَهَرني رجلٌ من خلفي، وقال: "لا تحلفوا بآبائكم".
قال: فالتقتُّ فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث أنه من حلف بغير الله وذاته وصفاته لم تنعقد يمينه، سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد، أو يستحق التحقير والإذلال كالشياطين والأصنام وسائر مَن عُبد من دون الله.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =قال الإمام الطبري: إن اليمين لا تنعقد إلا بالله، وأن مَن حلَف بالكعبة أو آدم أو جبريل أو نحو ذلك، لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار لإقدامه على ما ينهة عنه ولا كفارة في ذلك.
وقال ابن هبيرة في كتاب "الإجماع": أجمعوا على أن اليمين منعقدة بالله وبجميع أسمائه الحسنى وبجميع صفات ذاته كعزته وجلاله وعلمه وقوته وقدرته، واستثنى أبو حنيفة علمَ الله فلم يره يميناً، وكذا حق الله، واتفقوا على أنه لا يحلف بمعظّم غير الله كالنبي، وانفرد أحمد في رواية، فقال: تنعقد، وانظر فتاوى "شيخ الإسلام" 1/335.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ بِأَبِيهِ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا
4361 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَلْيَحْلِفْ حَالَفٌ بِاللَّهِ أَوْ لِيَسْكُتْ" 1.
ذِكْرُ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا زُجِرَ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ
4362 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمَقَابِرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل بن جعفر، قالك وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ
أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ" وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تحلف بآبائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" 2.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ حَلِفِ الْمَرْءِ بِالْأَمَانَةِ إِذَا أَرَادَ الْقَسَمَ
4363 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الطَّائِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ خَبَّبَ1 زوجة امرىء أَوْ مَمْلُوكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فليس منا" 2.
ابْنُ بُرَيْدَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ حصيب3.
= ووافقه الذهبي.
وأخرج القسم الأخير منه أبو داود 3253 في الأيمان والنذور: باب في كرهية الحلف بالأمانة، عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن الوليد بن ثعلبة، به.
وللقسم الأول شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد 2/397، وأبي داود 2175 و5170، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" 10/147. وإسناده صحيح.
قال الخطابي في "معالم السنن" 4/152: قوله: خبّب يريد أفسد وخدع، وأصله من الخب، وهو الخداع، ورجل خب، ويقال: فلان خبّ ضبّ: إذا كان فاسداً مفسداً.
وقال أيضاً 4/46 تعليقاً على قوله: مَن حلف بالأمانة ليس منا: هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما في ذالك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصاته.
ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ مَعَ التَّفْلِ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا لِمَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى
4364 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن أبي إسحاق، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ أَصْحَابِي: قُلْتَ هُجْرًا، فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ قَرِيبًا، وَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، ثَلَاثًا، ثُمَّ اتْفُلْ عَنْ يَسَارِكِ ثَلَاثًا،
وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَا تَعُدْ" 1.
ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا مِنَ الشَّيْطَانِ لِمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى
4365 - أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالَقَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: لَقَدْ قُلْتَ هُجْرًا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ حَدِيثًا، وَإِنِّي حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، ثَلَاثًا، وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكَ ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَا تعد" 1.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنْ أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ بِسَائِرِ الْمِلَلِ سِوَى الْإِسْلَامِ
4366 - أَخْبَرَنَا شَبَابُ بْنُ صَالِحٍ بِوَاسِطَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا2 قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ فِي نار جهنم" 3.
ذِكْرُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا بِالْمِلَلِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ
4367 - أَخْبَرَنَا ابْنُ سَلْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عذب به يوم القيامة" 1.
ذِكْرُ إِيجَابِ دُخُولِ النَّارِ لِلْحَالِفِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذِبًا
4368 - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هشام بن هشام بْنِ1 عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ2 بْنِ نِسْطَاسٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثمة، تبوأ مقعده من النار" 3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هاشم بن هاشم، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وزاد فيه هؤلاء ولو على سواك أخضر.
وأخرجه أحمد 3/375 عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عكرمة، حدثني رجل من جهينة -ونحن مع أبي سلمة بن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرئ من الناس حلف عند منبري هذا على يمين كاذبة يستحق بها حق مسلم أدخله الله عز وجل النار، وإن على سواك أخضر".
محمد بن عكرمة لم يرو عنه سوى إبراهيم بن سعد ولم يوثقه غير ابن حبان، والرجل من جُهينة مجهول.
وله شاهد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح عند أحمد 2/329 و518، وابن ماجة 2326، والحاكم 4/297 من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن الحسن بن يزيد بن فروخ الضمري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة، ولو على سواك رطب، إلا وجبت له النار".
وصحح الحاكم إسناده على شرط الشيخين ووافقه الذهبي! مع أن الحسن بن يزيد لم يخرجا له ولا أحدهما، وهو ثقة.
ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمُحَالَفَةِ1 الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ
4369 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِلْفِ فَقَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ" 2.1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وأخرجه الطيالسي 1084، والحميدي 1206، والطحاوي في"مشكل الآثار" 2/239، والطبراني 18/864، والطبري في جامع البيان 9291 من طريق جرير بن عبد الحميد، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد 5/61، والطبري 9292، والطبراني 18/864 من طريق هشيم، عن مغيرة بن مقسم، به.
وأخرجه أحمد 5/61، والطبراني 18/865، من طريق عباد بن عباد المهلبي، عن شعبة، عن مغيرة، عن أبيه سقطت من المطبوع من الطبراني به.
وزادوا فيه على المؤلف ما كان من حلف الجاهلية فتمسكوا به، وانظر ما بعده.
قال الخطابي: قوله "لا حلف في الإسلام" يريد على ما كانوا في الجاهلية، كانوا يتواضعون فيما بينهم بآرائهم، قال البغوي: كان ذلك في الجاهلية بمعنى الأخوة، يبنون عليها أشياء جاء الشرع بإبطالها، والأخوة في الإسلام ثابتة على حكم الشرع، وقد روي عن أنس، قال: حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري.
قال سفيان بن عيينة: معنى حالفه: آخى، وإلا فلا حلف في الإسلام كما جاء في الحديث.
قال البغوي: يعني ما كان من حكم الجاهلية.
قلت: حديث أنس: خرجه البخاري 2294 في الكفالة: باب قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من طريق عاصم الأحول، قال: قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا حلف في الإسلام" فقال: قد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري.
وأخرجه مسلم 2529، وأبو داود 2926، وزاد الأخير مرتين أو ثلاثاً.
قال الطبري: ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم وسيرد عند المصنف قريباً في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، وكانوا يتوارثون به، ثم نسخ من ذلك الميراث، وبقي ما لم يعطله القرآن، وهو التعاون على الحق والنصر، والأخذ على يد الظالم، أخرج البخاري في صحيحه 2292 و4580 و6747 من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان المهاجرون لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وَرِث المهاجرُ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلا النصر والرفادة والنصيحة.
وقد ذهب الميراثُ، ويُوصى له.
وقال الإمام النووي: المنفي حِلف التوارث، وما يمنع منه الشرع، وأما التحالف على طاعة الله، ونصر المظلوم، والمؤاخاة في الله تعالى، فهو أمر مرغب فيه.
وقال الحافظ في "الفتح"10/518 تعليقاً على حديث أنس: تضمن جواب أنس إنكار صدر الحديث، لأن فيه نفي الحلف، وفيما قاله هو إثباته، ويمكن الجمعُ بأن المنفي ما كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولوكان ظاماً، ومن أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها، ومن التوارث ونحو ذلك، والمثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم، والقيام في أمر الدين ونحو ذلك من المستحبات الشرعية كالمصادقة والمواددة وحفظ العهد.
وفي "النهاية" 1/424 لابن الأثير: أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتَّساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام" وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "وأيّما حلف كان في لجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" يريد من المعاقدة على الخير نُصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام، وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح.
ذِكْرُ خَبَرٍ ثَانٍ يُصَرِّحُ بِصِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ
4370 - أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً أَوْ حِدَّةً" 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وأخرجه أحمد 1/317 و329، والدارمي 2/23، والطبري 9289، والطبراني 11740 من طرق عن شريك، بهذا الإسناد، ولم يقل أحمد في روايته في أوله: لا حلف في الإسلام.
وأخرجه الطبري 9290 عن أبي كريب، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرّني أن لي حمر النعم وإني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة" وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا زَجَرَهُمْ عَنْ إِنْشَاءِ الْحِلْفِ فِي الْإِسْلَامِ لَا فَسْخَ1 مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
4371 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شدة" 2.1
ذِكْرُ خَبَرٍ أَوْهَمَ عَالِمًا مِنَ النَّاسِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ أَبِيهِ
4372 - أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ3 جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شِدَّةً" 4. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْرٍ، وَسَمِعَهُ مِنْ نَافِعِ بْنِ جبير عن أبيه، فالإسنادان محفوظان.
ذِكْرُ خَبَرٍ فِيهِ شُهُودِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ
4373 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَإِنِّي أَنْكُثُهُ"1.
ذِكْرُ خَبَرٍ ثَانٍ يُصَرِّحُ بِصِحَّةِ مَا أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ
4374 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا شَهِدْتُ مِنْ حِلْفِ قُرَيْشٍ إِلَّا حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حمر النعم
وَإِنِّي كُنْتُ نَقَضَتْهُ" قَالَ: وَالْمُطَيِّبُونَ: هَاشِمٌ وَأُمَيَّةُ وَزَهْرَةُ وَمَخْزُومٌ1.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَضْمَرَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مَنْ يُرِيدُ بِهِ: شَهِدْتُ مِنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْهَدْ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ لِأَنَّ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ كَانَ قَبْلَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَهُمْ مِنَ الْمُطَيَّبِينَ2.
قَدْ ذَكَرْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ بتفصيل في كتاب التوريث والحجب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحديث الذي أخرجه عنه: وزعم بعضُ أهل السير أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلفَ المطيبين: قلت: هذا لا شكَّ فيه، وذلك أن قريشاً تحافلفوا بعد موت قصي، وتنازعوا في الذي كان جعله قُصي لابنه عبد الدار من السقاية والرفادة واللواء والندوة والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف، وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش، وتحالفوا على النصرة لحزبهم، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنةً فيها طيب، فوضعوا فيها أيديهم وتحالفوا، فلما مسحوا أيديَهم بأركان البيت، فسموا المطيبين، وكان هذا قديماً، ولكن المرادَ بهذا الحلف الفضول، وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله، عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حلفاً لو دُعيتُ له في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وألاّ يغزوَ ظالمٌ مظلوماً"، قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر.