يونس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل رب أدخلني مدْخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أدخلني الْمَدِينَة مدْخل صدق، وَأخرج من مَكَّة مخرج صدق، وَذكر الصدْق لمدح الْإِخْرَاج، كَقَوْلِه: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق﴾ فالصدق لمدح الْقدَم، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فِي مقْعد صدق﴾ لمدح المقعد.
وَإِنَّمَا مدح لما يؤول إِلَيْهِ الْخُرُوج وَالدُّخُول من النَّصْر والعز ودولة الدّين.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أخرجني من مَكَّة، وأدخلني مَكَّة، قَالَه الضَّحَّاك.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أدخلني فِي الدّين، وأخرجني من الدُّنْيَا، وَالْقَوْل الرَّابِع: أدخلني فِي الرسَالَة، وأخرجني من الدُّنْيَا، وَقد قُمْت بِمَا وَجب على من حَقّهَا.
وَالْقَوْل الْخَامِس: أخرجني يَعْنِي من المناهي وأدخلني يَعْنِي فِي الْأَوَامِر.
وَالْمَشْهُور هُوَ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ.
والمخرج بِمَعْنى الْإِخْرَاج، والمدخل بِمَعْنى الإدخال.
﴿وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا (81) ﴾ وَقَوله: ﴿وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا﴾ قَالَ مُجَاهِد: حجَّة بَيِّنَة، وَقَالَ غَيره: ملكا عَزِيزًا، وَالْملك الْعَزِيز: هُوَ الْمُؤَيد بِالْقُدْرَةِ وَالْحجّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل﴾ قَالَ قَتَادَة: الْحق: الْقُرْآن، وَالْبَاطِل: الشَّيْطَان.
وَقيل: الْحق: عبَادَة الله، وَالْبَاطِل: عبَادَة الْأَصْنَام.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود: " أَن النَّبِي دخل مَكَّة، وحول الْكَعْبَة ثلثمِائة وَسِتُّونَ صنما، فَجعل يطعنها وَيَقُول: جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا " ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح، قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل الزَّاهِد أَبُو المظفر مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ: أخبرنَا بِهِ الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني قَالَ: أَنا جدي أبي الْهَيْثَم قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن يُوسُف الْفربرِي قَالَ: أخبرنَا البُخَارِيّ قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن [الْمَدِينِيّ] قَالَ: أَنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن أبي معمر، عَن عبد الله بن مَسْعُود الْخَبَر ".
وَفِي بعض التفاسير: أَن النَّبِي كَانَ يُشِير بِيَدِهِ إِلَى الصَّنَم فيستلقي الصَّنَم من غير أَن يمسهُ.
وَقَوله: ﴿إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ أَي: ذَاهِبًا.
يُقَال: زهقت نَفسه إِذا خرجت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة﴾ الْآيَة قيل: إِن " من " هَا هُنَا للتجنيس لَا للتَّبْعِيض.
وَمَعْنَاهُ: وننزل الْقُرْآن الَّذِي مِنْهُ الشِّفَاء، وَقيل: وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة أَي: مَا كُله شِفَاء فَيكون المُرَاد من الْبَعْض هُوَ الْكل، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(أَو يعتلق بعض النُّفُوس حمامها ... )
﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا (82) وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونأى بجانبه وَإِذا مَسّه الشَّرّ كَانَ يئوسا (83) ﴾
أَي: كل النُّفُوس، الْحمام: هُوَ الْمَوْت.
وَأما المُرَاد من الشِّفَاء هُوَ الشِّفَاء من الْجَهْل بِالْعلمِ، وَمن الضَّلَالَة بِالْهدى، وَمن الشَّك بِالْيَقِينِ، وَقيل: المُرَاد من الشِّفَاء هُوَ الشِّفَاء من الْمَرَض بالتبرك بِهِ، وَقيل: إِن معنى الشِّفَاء هُوَ ظُهُور دَلِيل الرسَالَة مِنْهُ بالإعجاز وَعَجِيب النّظم والتأليف.
وَقَوله: ﴿وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ أَي: هُوَ بركَة وَبَيَان وَهدى للْمُؤْمِنين.
وَقَوله: ﴿وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا﴾ معنى زِيَادَة الخسار فِي الْقُرْآن للظالمين: مَا كَانَ يَتَجَدَّد مِنْهُم بالتكذيب عِنْد نُزُوله آيَة آيَة، فَذَلِك زِيَادَة الخسار وَالْكفْر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان﴾ أَي: بِالصِّحَّةِ، وسعة الرزق، وَطيب الْحَيَاة، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿أعرض﴾ أَي: تولى.
وَقَوله: ﴿ونأى بجانبه﴾ أَي: تبَاعد بجانبه.
وَقُرِئَ " وناء بجانبه " وَهَذَا يقرب مَعْنَاهُ من الأول.
وَمعنى الْآيَة: هُوَ ظُهُور التضرع وَالْإِخْلَاص فِي الدُّعَاء والالتجاء إِلَى الله عِنْد المحنة والشدة، وَترك ذَلِك عِنْد النِّعْمَة وَالصِّحَّة.
وَمعنى التباعد: هُوَ ترك التَّقَرُّب إِلَى الله، وَمَا كَانَ يظهره من ذَلِك عِنْد الضّر والشدة.
وَقَوله: ﴿وَإِذا مَسّه الشَّرّ كَانَ يؤسا﴾ أَي: آيسا.
وَمَعْنَاهُ أَنه يتَضَرَّع وَيَدْعُو عِنْد الضّر والشدة، فَإِذا خرت الْإِجَابَة يئس، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن ييئس من إِجَابَة الله، وَإِن تَأَخَّرت الْإِجَابَة مُدَّة طَوِيلَة.
وَعَن بعض التَّابِعين أَنه قَالَ: إِنِّي أَدْعُو الله بدعوة مُنْذُ عشْرين سنة وَلم يجبني إِلَيْهَا وَمَا آيست مِنْهَا.
قيل: وَمَا تِلْكَ الدعْوَة؟ قَالَ: ترك مَا لَا يعنيني.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل كل يعْمل على شاكلته﴾ أَي: على جديلته وطبيعته، وَمَعْنَاهُ: مَا يشاكل خلقه.
وصحف بَعضهم كل يعْمل على جديلته - وَهُوَ تَصْحِيف قريب من الْمَعْنى - والتصحيف فِي التَّفْسِير.
﴿قل كل يعْمل على شاكلته فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا (84) ويسألونك عَن﴾ وَقَوله: ﴿فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا﴾ أَي: أوضح طَرِيقا، وَأبين مسلكا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ الْآيَة.
روى عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: " كنت مَعَ رَسُول الله فِي حرث، وَهُوَ متوكئ على عسيب فَجَاءَهُ قوم من الْيَهُود، وسألوه عَن الرّوح فَوقف رَسُول الله ينظر إِلَى السَّمَاء فَعرفت أَنه يُوحى إِلَيْهِ، وتنحيت عَنهُ، ثمَّ قَالَ: ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَهَذَا خبر صَحِيح ".
وَعَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عَطاء " أَن قُريْشًا اجْتمعت وَقَالُوا: إِن مُحَمَّدًا نَشأ فِينَا بالأمانة والصدق، وَمَا أتهمناه بكذب، وَقد ادّعى مَا ادّعى، فَابْعَثُوا بِنَفر إِلَى الْيَهُود، واسألوهم عَنهُ، فبعثوا بِقوم إِلَى الْمَدِينَة؛ لِيَسْأَلُوا يهود الْمَدِينَة عَنهُ، فَذَهَبُوا وسألوهم، فَقَالُوا: سلوه عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِن أجَاب عَن اثْنَيْنِ، وَلم يجب عَن الثَّالِث، فَهُوَ نَبِي، وَإِن أجَاب عَن الثَّلَاث، أَو لم يجب عَن شَيْء من الثَّلَاثَة فَلَيْسَ بِنَبِي، سلوه عَن ذِي القرنين، وَعَن فتية فقدوا فِي الزَّمن الأول، وَعَن الرّوح، - وَأَرَادُوا بِالَّذِي لَا يُجيب عَنهُ الرّوح - فَرَجَعُوا وسألوا النَّبِي عَن ذَلِك، وَقد اجْتمعت قُرَيْش فَقَالَ: سأجيبكم غَدا.
وَلم يقل: إِن شَاءَ الله، فتلبث الْوَحْي أَرْبَعِينَ يَوْمًا لما أَرَادَ الله تَعَالَى، ثمَّ إِنَّه نزل بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَنزل الْوَحْي بِقصَّة (أَصْحَاب) الْكَهْف وقصة ذِي القرنين، وَنزل بِالروحِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ .
وَاخْتلفُوا فِي الرّوح على أقاويل: فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ . وَعنهُ أَنه قَالَ: خلق فِي السَّمَاء من
﴿الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ جنس بني آدم لَهُم أَيدي وأرجل لَيْسُوا من الْمَلَائِكَة.
. وَذكره أَبُو صَالح أَيْضا، وَرُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: الرّوح ملك ذُو سَبْعُونَ ألف وَجه، لكل وَجه سَبْعُونَ ألف لِسَان - وَفِي رِوَايَة سَبْعُونَ لِسَانا يسبح الله بألسنته كلهَا.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِن الرّوح هَا هُنَا: هُوَ الْقُرْآن.
وَقيل: إِنَّه عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام.
وَمَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ كَمَا قَالَ الْيَهُود وَلَا كَمَا قَالَ النَّصَارَى، وَلكنه روح الله وكلمته تكون بأَمْره.
وَأَصَح الْأَقَاوِيل: أَن الرّوح هَا هُنَا هُوَ الرّوح الَّذِي يحيا بِهِ الْإِنْسَان، وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين.
وَاخْتلفُوا فِيهِ: مِنْهُم من قَالَ: هُوَ الدَّم؛ أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ لم يغب مِنْهُ إِلَّا الدَّم، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ تنفس الْإِنْسَان من الْهَوَاء؛ أَلا ترى أَن المخنوق يَمُوت لاحتباس النَّفس عَلَيْهِ، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّه عرض، وَقَالَ بَعضهم: جسم لطيف يشبه الرّيح، يجْرِي فِي تجاويف الْإِنْسَان.
وَاسْتدلَّ من قَالَ إِنَّه جسم [إِن] الله تَعَالَى قَالَ: ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله﴾ وَإِنَّمَا يتَصَوَّر رزق الْأَجْسَام لَا رزق الْأَعْرَاض وتدل عَلَيْهِ أَن النَّبِي قَالَ: " أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تعلف من ثَمَر الْجنَّة أَو تَأْكُل ".
وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد بأَرْبعَة آلَاف سنة " وَهَذَا كُله دَلِيل على أَن الرّوح جسم وَلَيْسَ بِعرْض، وَهَذَا أولى الْقَوْلَيْنِ.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا (85) ﴾
وَذكر بعض أهل الْمعَانِي: أَن الرّوح معنى اجْتمع فِيهِ النُّور وَالطّيب وَالْعلم والعلو والبقاء، أَلا ترى أَنه إِذا كَانَ مَوْجُودا رَأَتْ الْعين وَسمعت الْأذن، فَإِذا ذهب الرّوح فَاتَ السّمع وَالْبَصَر، وَإِذا كَانَ مَوْجُودا فالإنسان طيب فَإِذا خرج أنتن وَإِذا كَانَ مَوْجُودا فيوجد فِي الْإِنْسَان الْعلم بالأشياء، فَإِذا فَاتَ صَار جَاهِلا، وَكَذَلِكَ تُوجد فِيهِ الْحَيَاة فَإِذا فَاتَ صَار الْإِنْسَان مَيتا، وَيُوجد فِيهِ الْعُلُوّ واللطافة فَاتَ تسفل وكنف.
وَأولى الْأَقَاوِيل فِي الرّوح أَن يُوكل علمه إِلَى الله.
وَيُقَال: هُوَ معنى يحيا بِهِ الْإِنْسَان لَا يُعلمهُ إِلَّا الله.
وَذكر الْقُرْآن أَن الله تَعَالَى لم يخبر أحدا بِمَعْنى الرّوح، وَلَا يُعلمهُ غَيره.
وَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى لم يطلع على معنى الرّوح ملكا مقربا، وَلَا نَبيا مُرْسلا، وَخرج رَسُول الله من الدُّنْيَا، وَلم يعلم معنى الرّوح، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ مَعْنَاهُ: من علم رَبِّي، وَقد قَالَ بَعضهم: إِن رَسُول الله علم معنى الرّوح إِلَّا أَنه لم يُخْبِرهُمْ بِهِ؛ لِأَن ترك إخبارهم بِهِ كَانَ علما على نبوته.
وَأَيْضًا لم يُخْبِرهُمْ بِهِ؛ لِئَلَّا يكون إخْبَاره ذَرِيعَة إِلَى سُؤَالهمْ عَمَّا لَا يعنيهم.
وَقَوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: فِي جنب علم الله، وَيُقَال: إِن هَذَا خطاب للْيَهُود على معنى أَنه قَالَ للنَّبِي: قل للْيَهُود.
وَقيل: إِنَّه خطاب للرسول.
وَقد رُوِيَ أَن الْيَهُود قَالُوا: قد أوتينا التَّوْرَاة، وفيهَا الْعلم الْكثير؛ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي﴾ الْآيَة مَعْنَاهُ: أَن مَا أُوتِيتُمْ من الْعلم الَّذِي فِي التَّوْرَاة قَلِيل فِي جنب علم الله.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿كهيعص (1) ذكر رحمت رَبك عَبده زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا (3) ﴾ (تَفْسِير) سُورَة مَرْيَم مَكِّيَّة
(و) قد روينَا عَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " سُورَة بني إِسْرَائِيل والكهف وَمَرْيَم وطه من تلادي، وَفِي رِوَايَة: من الْعتاق الأول ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كهيعص﴾ . رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: هَذَا اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ: (يَا الله يَا عين صَاد) ، اغْفِر لي.
وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: اسْم من أَسمَاء السُّورَة.
وَأما ابْن عَبَّاس فالمروي عَنهُ: أَن كل حرف مَأْخُوذ من اسْم، فالكاف مَأْخُوذ من الْكَافِي، وَمِنْهُم من قَالَ: من كَبِير، وَمِنْهُم من قَالَ: من كريم، وَأما الْهَاء قَالَ ابْن عَبَّاس: مَأْخُوذ من الْهَادِي، وَأما الْيَاء مَأْخُوذ من حَلِيم، وَمِنْهُم من قَالَ: من يَمِين، وَمِنْهُم من قَالَ: من أَمِين، وَقَالَ بَعضهم: الْيَاء من يَاء النداء، وَأما الْعين فَقَالَ ابْن عَبَّاس: من عليم، وَعَن غَيره: من عَزِيز.
وَأما الصَّادِق، قَالَ ابْن عَبَّاس: من الصادم.
وَقد بَينا قبل هَذَا أقوالا فِي الْحُرُوف المهجاة فِي أَوَائِل السُّور.
وَقَوله: ﴿ذكر رَحْمَة رَبك عَبده زَكَرِيَّا﴾ يَعْنِي: هَذَا ذكر رَحْمَة رَبك عَبده زَكَرِيَّا، وَقَالَ بَعضهم: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ يَعْنِي: هَذَا ذكر رَبك عَبده زَكَرِيَّا بِالرَّحْمَةِ.
وَقَوله: ﴿إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا﴾ أَي: دَعَا ربه دُعَاء خفِيا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " خير الدُّعَاء الْخَفي، وَخير الرزق مَا يَكْفِي ". وَفِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا: " دَعْوَة السِّرّ
﴿قَالَ رب إِنِّي وَهن الْعظم مني واشتعل الرَّأْس شيبا وَلم أكن بدعائك رب شقيا (4) وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا فَهَب لي من لَدُنْك وليا (5) ﴾ تفضل دَعْوَة الْعَلَانِيَة بسبعين دَرَجَة ". فَإِن قيل: لم أخْفى؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَنه أفضل، وَالْآخر: لِأَنَّهُ استحيا من النَّاس أَن يَدْعُو جَهرا، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ يسْأَل على كبره الْوَلَد! . وَيُقَال: إِنَّه أخْفى، لِأَنَّهُ دَعَا فِي جَوف اللَّيْل، وَهُوَ ساجد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي وَهن الْعظم مني﴾ يَعْنِي: رق وَضعف من الْكبر.
قَالَ قَتَادَة: اشْتَكَى سُقُوط الأضراس.
قَوْله: ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَي: شعر الرَّأْس.
وَالْعرب تَقول إِذا كثر الشيب فِي الرَّأْس: اشتعل رَأسه، وَهَذَا أحسن اسْتِعَارَة، لِأَنَّهُ يشتعل فِيهِ كاشتعال النَّار فِي الْحَطب.
وَقَوله: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّك عودتني الْإِجَابَة، وَلم تخيبني، وَالْآخر: وَلم أكن بدعائك لي شقيا يَعْنِي: لما دعوتني إِلَى الْإِيمَان آمَنت، وَلم أشق بترك الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي﴾ قَالَ أَبُو صَالح: المُرَاد مِنْهُ الْكَلَالَة.
وَعَن أبي عُبَيْدَة: بَنو الْعم.
وَقَوله: ﴿ورائي﴾ أَي بعدِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ورائي أَي: أَمَامِي.
وَالْقَوْل الأول أصح.
وَفِي الشاذ: " وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي " أَي: قلت.
وَقَوله: ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا﴾ . العاقر: هِيَ الَّتِي لَا تَلد.
وَقَوله: ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا﴾ .
وَقَوله: ﴿يَرِثنِي﴾ أَي: ولدا يَرِثنِي.
فَإِن
﴿يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا (6) ﴾ قيل: كَيفَ يخَاف نَبِي الله أَن يَرِثهُ بَنو الْعم والعصبة؟ وأيش معنى هَذَا الْخَوْف؟ ! وَعَن قَتَادَة قَالَ: أَي شَيْء كَانَ على نَبِي الله زَكَرِيَّا أَن يَرِثهُ غير وَلَده؟
وَالْجَوَاب: أَنه اخْتلف الْأَقْوَال فِي الْإِرْث: فَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ بِهِ إِرْث المَال، وَهُوَ قَول جمَاعَة، وَعنهُ أَيْضا أَن المُرَاد مِنْهُ: إِرْث الْعلم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ، وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه مِيرَاث الحبورة، فَإِنَّهُ كَانَ رَأس الْأَحْبَار.
قَالَ الزّجاج: وَالْأولَى أَن يحمل على مِيرَاث غير المَال؛ لِأَنَّهُ يبعد أَن يشفق زَكَرِيَّاء عَلَيْهِ السَّلَام - وَهُوَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء - أَن يَرِثهُ بَنو عَمه وعصبته مَالا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّا نجارا ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل: أخبرنَا بِهِ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور، قَالَ أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ، قَالَ هدبة بن خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ... الْخَبَر.
خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ؛ لِأَنَّهُ لَا يرْوى عَن حَمَّاد بن سَلمَة.
وَالْمرَاد من الْخَوْف أَنه أَرَادَ أَن يكون وَارثه فِي النُّبُوَّة والحبورة وَلَده، وَقد قَالَ النَّبِي: " إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع [عمله] إِلَّا من ثَلَاثَة.
. وَقَالَ فِيهَا: ولد صَالح يَدْعُو لَهُ ".
وَقَوله: ﴿وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ قيل: النُّبُوَّة، وَقيل: الْملك؛ لِأَن زَكَرِيَّا كَانَ من بَيت الْملك.
وَقَوله: ﴿واجعله رب رَضِيا﴾ أَي: مرضيا.
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا (7) قَالَ رب أَنى﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام﴾ مَعْنَاهُ: قُلْنَا: زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك.
وَقَوله: ﴿بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ يَعْنِي: من تسمى باسمه.
فَإِن قيل: وَأي فَضِيلَة لَهُ فِي هَذَا؟ قُلْنَا: فَضِيلَة التَّخْصِيص، وَقيل: فَضِيلَة تَسْمِيَة الله إِيَّاه بِهَذَا الِاسْم.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: هُوَ أَن قَوْله: ﴿لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ أَي: شبها ومثلا؛ فَإِنَّهُ لم يُذنب، وَلم يهم بذنب، وَمَا من أحد إِلَّا وَقد أذْنب أَو هم بذنب.
وَقد رُوِيَ هَذَا عَن النَّبِي فِي خبر مُسْند أَنه قَالَ: " مَا من أحد يَأْتِي الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَقد أذْنب أَو هم بذنب غير يحيى بن زَكَرِيَّا، ثمَّ أَخذ عودا صَغِيرا من الأَرْض وَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ إِلَّا مثل هَذَا " وَالْخَبَر غَرِيب.
﴿يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا وَقد بلغت من الْكبر عتيا (8) قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا (9) قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ﴾ وَقيل فِي منع الشُّبْهَة: أَنه لم تَلد عَاقِر من النِّسَاء مثله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا وَقد بلغت من الْكبر عتيا﴾ أَي: يأسا وجفوفا، كَأَنَّهُ شكى نحولة الْعظم والفحل.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " عسيا " بِالسِّين، وَالْمعْنَى وَاحِد.
وَقيل: كَيفَ سَأَلَ الله الْوَلَد فَلَمَّا أُجِيب قَالَ: ﴿أَنى يكون لي غُلَام﴾ ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَانَ قَالَ حَال الشَّبَاب، ثمَّ إِنَّه أُجِيب فِي حَال الْكبر.
وَهَذَا قَول ضَعِيف.
القَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: أَنى يكون لي غُلَام؟ يَعْنِي: كَيفَ يكون لي غُلَام؟ أفتردني إِلَى حَال الشَّبَاب أَو تهب لي الْغُلَام وَأَنا شيخ؟ وَقيل: إِنَّه سَأَلَ الْوَلَد مُطلقًا لَا من هَذِه الْمَرْأَة، فَقَالَ: كَيفَ يكون لي الْغُلَام؟ أَمن هَذِه الْمَرْأَة أَو من غَيرهَا؟
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ أَي: يسير.
وَقَوله: ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب اجْعَل لي آيَة﴾ أَي: دلَالَة.
فَإِن قيل: لم سَأَلَ الْآيَة؟ أما صدق الله تَعَالَى حَتَّى يسْأَل الْآيَة؟ . وَالْجَوَاب: أَن فِي الْقِصَّة: أَن الشَّيْطَان تمثل لَهُ، وَقَالَ: إِن الَّذِي يجبك لَيْسَ هُوَ الله، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان يستهزئ بك، فَحِينَئِذٍ سَأَلَ الله