المائدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿مكنا ليوسف فِي الأَرْض يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع أجر﴾ رُوِيَ أَن ملك مصر لم يكن طاغيا ظَالِما، وَإِنَّمَا كَانَ رجلا عفيفا فِي دينه، وَإِنَّمَا الطاغي الظَّالِم كَانَ فِرْعَوْن مُوسَى.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْملك مكث سنة لَا يوليه ثمَّ ولاه.
وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار بِرِوَايَة أنس عَن النَّبِي: " أَن يُوسُف لَو لم يطْلب يوليه فِي الْحَال، وَلكنه لما طلب أخر الْملك سنة ". فَإِن قَالَ قَائِل: أَيجوزُ للْإنْسَان أَن يُزكي نَفسه وَقد قَالَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام: " إِنِّي حفيظ عليم "؟
قُلْنَا: يجوز إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة عَامَّة.
وَقيل: إِنَّه يجوز (إِذا عرف أَنه) لَا يلْحقهُ بذلك آفَة وَأمن الْعجب على نَفسه.
وَعَن بعض الْأَئِمَّة: لَا يضر الْمَدْح من عرف نَفسه.
وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر " وَالْخَبَر بِطُولِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مكنا﴾ رُوِيَ أَن الْملك ولاه مَا طلب بعد سنة وَتوجه بتاج مرصع بجواهر وَأَجْلسهُ على سَرِير الذَّهَب وَاعْتَزل الْأَمر كُله، وفوض إِلَيْهِ، ودانت لَهُ الْمُلُوك وَسمي بالعزيز.
وَفِي الْقِصَّة أَيْضا أَن امْرَأَة الْعَزِيز مَاتَ زَوجهَا فَزَوجهَا الْملك من يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - وَولدت لَهُ وَلدين.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنَّهَا وقفت على طَرِيق يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَنَادَتْ: سُبْحَانَ من جعل الْمُلُوك عبيدا بمعصيتهم، وَجعل العبيد ملوكا بطاعتهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ [مكنا] ﴾ وَمَعْنَاهُ: ملكنا وبسطنا ﴿ليوسف فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: أَرض مصر ﴿يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء﴾ أَي: ينزل مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء {نصيب
﴿الْمُحْسِنِينَ (56) ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاء إخْوَة يُوسُف﴾ برحمتنا) مَعْنَاهُ: (نصيب بنعمتنا) ﴿من نشَاء وَلَا نضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا﴾ مَعْنَاهُ: ثَوَاب الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء إخْوَة يُوسُف فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ قَالَ أَصْحَاب الْأَخْبَار: لما نصب الْملك يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - للْقِيَام بِالْأَمر، وتدبير مَال مصر دبر فِي جمع الطَّعَام أحسن التَّدْبِير بنى الْحُصُون والبيوت الْكَبِيرَة، وَجمع فِيهَا طَعَاما للسنين المجدبة، وَأنْفق مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى مَضَت السنون المخصبة وَدخلت سنُون الْقَحْط، فَروِيَ أَنه كَانَ دبر فِي [طَعَام] الْملك وحاشيته مرّة وَاحِدَة وَهُوَ نصف النَّهَار، فَكلما دخلت سنة الْقَحْط كَانَ أول من أَخذ الْجُوع هُوَ الْملك فَنَادَى بِنصْف اللَّيْل: يَا يُوسُف، الْجُوع، الْجُوع.
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَنه كَانَ يقدر لكل اثْنَيْنِ طَعَام اثْنَيْنِ وَكَانَ يقدم جَمِيعه بَين يَدي الْوَاحِد فَلَا يَأْكُل إِلَّا نصفه، فَلَمَّا دخلت سنة الْقَحْط (قدم طَعَام اثْنَيْنِ بَين يَدي وَاحِد فَقدم فَأكل جَمِيعه وَطلب زِيَادَة فَعرف يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام أَنه دخلت سنة الْقَحْط) ، وَالله أعلم.
قَالُوا: وَدخلت السّنة الأولى بهول وَشدَّة لم يعْهَد النَّاس مثله، وَكَانَ كلما جَاءَت سنة أُخْرَى كَانَت أهول وَأَشد، فَلَمَّا كَانَت السّنة الثَّانِيَة وصل الْقَحْط إِلَى كنعان - وَهُوَ منزل يَعْقُوب وَأَوْلَاده - فاحتاجوا إِلَى الطَّعَام حَاجَة شَدِيدَة فَدَعَا بنيه وَقَالَ لَهُم: بَلغنِي أَن بِمصْر ملكا صَالحا يَبِيع الطَّعَام فتجهزوا واذهبوا إِلَيْهِ لتشتروا مِنْهُ الطَّعَام، قَالَ: فأرسلهم وهم عشرَة نفر وَحبس [ابْنه بنيامين] عِنْده فقدموا مصر، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَجَاء إخْوَة يُوسُف﴾ . وَقَوله: ﴿فعرفهم﴾
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فعرفهم وهم لَهُ منكرون (58) وَلما جهزهم بجهازهم قَالَ ائْتُونِي بِأَخ لكم من أبيكم أَلا ترَوْنَ أَنِّي أوفي الْكَيْل وَأَنا خير المنزلين (59) فَإِن لم﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: عرفهم بِأول مَا نظر إِلَيْهِم، وَقَالَ الْحسن: لم يعرفهُمْ حَتَّى تعرفوا إِلَيْهِ.
وَمعنى الْآيَة: فعرفهم بالتعريف؛ والمعرفة: تبين الشَّيْء بِمَا لَو شوهد لميز بَينه وَبَين غَيره.
وَقَوله: ﴿وهم لَهُ منكرون﴾ يَعْنِي: أَنهم لم يعرفوه؛ وَالْإِنْكَار إبِْطَال الْمعرفَة بالْقَوْل، فَإِن قَالَ قَائِل، كَيفَ عرفهم وَلم [يعرفوه] وهم إخْوَة؟ !
وَالْجَوَاب من وُجُوه: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: كَانَ عَلَيْهِ تَاج الْملك وَكَانَ قَاعِدا على سَرِير الْملك فَلم يعرفوه.
وَذكر الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ على زِيّ مُلُوك مصر والأعاجم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَلمهمْ من وَرَاء ستر فَلم يعرفوه لهَذَا وعرفهم؛ لِأَنَّهُ أبصرهم وَلم يعرفوه؛ لأَنهم لم يبصروه، وَهَذَا أَضْعَف الْأَقْوَال.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنهم كَانُوا تَرَكُوهُ صَغِيرا، وَكَانَ بَين أَن باعوه وَبَين أَن دخلُوا عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة فَلم يعرفوه لهَذَا.
وَهَذَا قَول حسن.
وَأما هُوَ فَكَانَ تَركهم رجَالًا.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن يُوسُف كَانَ يتَوَقَّع قدومهم عَلَيْهِ فَلَمَّا [جَاءُوا] عرفهم، وَأما الْإِخْوَة مَا ظنُّوا أَنه يصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ [فأنكروه] لهَذَا.
قَوْله ﴿وَلما جهزهم بجهازهم﴾ الْآيَة، الجهاز: هُوَ فاخر الْمَتَاع الَّذِي ينْقل من بلد إِلَى بلد؛ وَمعنى التَّجْهِيز هَاهُنَا: هُوَ أَنه بَاعَ مِنْهُم الطَّعَام وَسلمهُ إِلَيْهِم وَسَهل لَهُم الرُّجُوع إِلَى بلدهم.
وَقَوله: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخ لكم من أبيكم﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم لما دخلُوا عَلَيْهِ خلا بهم فِي الْبَيْت وَقَالَ: إِنِّي استربت بحالكم فَأَخْبرُونِي من أَنْتُم؟ فَقَالُوا: نَحن بَنو رجل صديق، فَقَالَ: وَمن هُوَ؟ قَالُوا: يَعْقُوب، فاستخبرهم عَن حَاله، فَذكرُوا أَنه كَانَ لَهُ اثْنَا
﴿تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كيل لكم عِنْدِي وَلَا تقربون (60) قَالُوا سنراود عَنهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لفاعلون (61) وَقَالَ لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فِي رحالهم لَعَلَّهُم يعرفونها إِذا عشر ابْنا وَأَنه هلك وَاحِد مِنْهُم فِي الْبَريَّة (وَحبس﴾ وَاحِدًا وَهُوَ أَخُوهُ لأمه ليستأنس بِهِ، فَقَالَ: أَنا مستريب بكم، فَإِن كُنْتُم صَادِقين فاحملوا ذَلِك الْأَخ مَعكُمْ لتزول الرِّيبَة عَن حالكم.
وَقيل: إِنَّه قَالَ لَهُم لما قصت الْقِصَّة عَلَيْهِ، قصتي مثل قصتكم أَيهَا الْقَوْم وَقد فقدت أَخا لي من أُمِّي وَأَنا شَدِيد الْحزن عَلَيْهِ وَقد نغص فِرَاقه عَليّ ملكي فَأحب أَن تَحملُوهُ إِلَيّ لأشكو إِلَيْهِ حزني ويشكو إِلَيّ حزنه، فَبِهَذَا الطَّرِيق قَالَ: ائْتُونِي بِأَخ لكم من أبيكم.
وَفِي بعض (التفاسير) : أَنهم ذكرُوا إِيثَار يَعْقُوب بنيامين) و (أَخَاهُ) فِي الْمحبَّة فَأحب أَن يرى بنيامين لينْظر هَل هُوَ مَوضِع الإيثار؟
وَقَوله: ﴿أَلا ترَوْنَ أَنِّي أوفي الْكَيْل﴾ يَعْنِي: أتم الْكَيْل وَلَا أبخسه.
وَقَوله: ﴿وَأَنا خير المنزلين﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَنا خير المضيفين، وَكَانَ قد أحسن ضيافتهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كيل لكم عِنْدِي﴾ قَالَ الْحسن: إِن لم تَأْتُونِي بِهِ فَلَا طَعَام لكم عِنْدِي إِن جئْتُمْ.
وَقَوله: ﴿وَلَا تقربون﴾ أَي: لَا تقربُوا بلادي وَلَا دَاري.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سنراود عَنهُ أَبَاهُ﴾ مَعْنَاهُ: سنطلب إِلَى أَبِيه أَن يُرْسِلهُ مَعنا.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لفاعلون﴾ أَي: مجتهدون.
قَوْله: ﴿وَقَالَ لفتيته﴾ قرىء بقراءتين: " لفتيانه " و " لفتيته " والفتى: هُوَ الشَّبَاب الْكَامِل فِي الْقُوَّة، والفتية والفتيان هَاهُنَا: الغلمان.
وَقَوله: ﴿اجعلوا بضاعتهم فِي رحالهم﴾ يُقَال: إِن بضاعتهم كَانَت دَارهم حملوها لشراء الطَّعَام.
وَعَن بَعضهم: أَن بضاعتهم كَانَت ثَمَانِيَة جرب من سويق الْمقل.
وَالأَصَح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿فِي رحالهم﴾ الرحل هَاهُنَا: وعَاء الْمَتَاع.
وَقيل: فِي جواليقهم.
وَقَوله: {لَعَلَّهُم يعرفونها
﴿انقلوا إِلَى أهلهم لَعَلَّهُم يرجعُونَ (62) فَلَمَّا رجعُوا إِلَى أَبِيهِم قَالُوا يَا أَبَانَا منع منا الْكَيْل فَأرْسل مَعنا أخانا نكتل وَإِنَّا لَهُ لحافظون (63) قَالَ هَل آمنكم عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أمنتكم على أَخِيه من قبل فَالله خير حَافِظًا وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ (64) ﴾ إِذا انقلبوا إِلَى أهلهم لَعَلَّهُم يرجعُونَ) فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَعَلَّهُم يعْرفُونَ كرامتهم علينا، وإحساننا إِلَيْهِم فيحملهم ذَلِك على الرُّجُوع.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لَعَلَّهُم يعرفونها إِذا انقلبوا إِلَى أهلهم - يَعْنِي: البضاعة - فيرجعون لرد البضاعة نفيا للغلط.
وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه لم رد بضاعتهم عَلَيْهِم؟
فأحد الْأَقْوَال: مَا بَينا، وَهُوَ أَن يكون ذَلِك حثا لَهُم على الرُّجُوع.
وَالثَّانِي: أَنه عرف أَن الدَّرَاهِم كَانَت قَليلَة عِنْدهم فَرد الدَّرَاهِم عَلَيْهِم ليَكُون عونا لَهُم على شِرَاء الطَّعَام.
وَالثَّالِث: أَنه استحيا أَن يُعْطي أَبَاهُ وَإِخْوَته بِالثّمن مَعَ شدَّة حَاجتهم وسعة الْأَمر عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رجعُوا إِلَى أَبِيهِم قَالُوا يَا أَبَانَا منع منا الْكَيْل﴾ إِن لم نحمل أخانا مَعنا.
وَالثَّانِي: أَنه كَانَ أعْطى باسم كل وَاحِد مِنْهُم وقرا، وَلم يُعْط باسم بنيامين شَيْئا، وَقَالَ: احملوه لأعطي باسمه؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿منع منا الْكَيْل﴾ أَي: منع منا الْكَيْل لبنيامين؛ وَالْمعْنَى بِالْكَيْلِ هُوَ الطَّعَام؛ لِأَنَّهُ يُكَال.
وَقَوله: ﴿فَأرْسل مَعنا أخانا نكتل﴾ أَي: نكيل الطَّعَام، وَقيل: نكتل لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَل ءآمنكم عَلَيْهِ﴾ الْآيَة، معنى هَذَا: كَيفَ آمنكم عَلَيْهِ وَقد فَعلْتُمْ بِيُوسُف مَا فَعلْتُمْ.
وَقَوله: ﴿فَالله خير حَافِظًا﴾ قرىء: " حفظا " و " حَافِظًا " وَمَعْنَاهُ: حفظ الله خير من حفظكم، وحافظ الله خير من حافظكم.
قَوْله: ﴿وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما فتحُوا مَتَاعهمْ وجدوا بضاعتهم ردَّتْ إِلَيْهِم﴾ يَعْنِي: مَا حملُوا من الدَّرَاهِم ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نبغي﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَي شَيْء نطلب؟ على طَرِيق الِاسْتِفْهَام؛ قَالَه قَتَادَة.
وَحَقِيقَته: أَنهم ذكرُوا ليعقوب عَلَيْهِ السَّلَام إِحْسَان الْملك
﴿وَلما فتحُوا مَتَاعهمْ وجدوا بضاعتهم ردَّتْ إِلَيْهِم قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نبغي هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذَلِك كيل يسير (65) قَالَ لن أرْسلهُ مَعكُمْ حَتَّى تؤتون موثقًا من الله لتأتنني بِهِ إِلَّا أَن يحاط﴾ إِلَيْهِم وإكرامه إيَّاهُم، [وحثوه] بذلك على إرْسَال بنيامين، فَلَمَّا فتحُوا الْمَتَاع ووجدوا البضاعة قَالُوا: أَي شَيْء نطلب بالْكلَام، هَذَا هُوَ العيان فِي الْإِحْسَان وَالْإِكْرَام.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن " مَا " هَاهُنَا للنَّفْي؛ وَمَعْنَاهُ: لَا نطلب مِنْك مَالا لنشري بِهِ الطَّعَام ﴿هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا﴾ هَذَا المَال قد رد إِلَيْنَا فنحمله ونشتري بِهِ الطَّعَام.
وَالْقَوْل الأول أصح.
وَقَوله: ﴿ونمير أهلنا﴾ يُقَال: مار أَهله إِذا حمل لَهُم الطَّعَام من بلد إِلَى بلد؛ والميرة: هُوَ الطَّعَام الْمَحْمُول.
وَقَوله: ﴿ونحفظ أخانا﴾ يَعْنِي: مِمَّا تخَاف عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ونزداد كيل بعير﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْبَعِير هَاهُنَا: هُوَ الْحمار، قَالَ: هُوَ لُغَة، وَكَانُوا أَصْحَاب حمر وَلم يكن لَهُم إبل.
وَالأَصَح أَنه الْبَعِير الْمَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿ونزداد﴾ إِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ يعْطى حمل بعير باسم كل رجل وَلَا يزِيد؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ونزداد كيل بعير﴾ . قَوْله: ﴿ذَلِك كيل يسير﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: ذَلِك كيل قَلِيل؛ يَعْنِي: مَا حملناه قَلِيل لَا يكفينا وأهلنا، فَأرْسل مَعنا أخانا [نكتل] ليكْثر مَا نحمله من الطَّعَام.
وَالْمعْنَى الثَّانِي: ذَلِك كيل يسير أَي: هَين على من يكتاله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لن أرْسلهُ مَعكُمْ﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْإِخْوَة جهدوا أَشد الْجهد وضاق الْأَمر على يَعْقُوب وَقَومه فِي الطَّعَام فَلم يجد بدا من إرْسَال [بنيامين] مَعَهم فَقَالَ: ﴿لن أرْسلهُ مَعكُمْ حَتَّى تؤتون موثقًا من الله﴾ الموثق: هُوَ الْعَهْد الْمُؤَكّد بالقسم، وَقيل: الْمُؤَكّد بإشهاد الله على نَفسه.
وَقَوله: ﴿لتأتنني بِهِ إِلَّا أَن يحاط بكم﴾ فِيهِ قَولَانِ، أَحدهمَا: إِلَّا أَن تهلكوا جَمِيعًا.
وَالْآخر: إِلَّا أَن يأتيكم أَمر من السَّمَاء لَيْسَ لكم بِهِ قُوَّة.
﴿بكم فَلَمَّا آتوه موثقهم قَالَ الله على مَا نقُول وَكيل (66) وَقَالَ يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَمَا أُغني عَنْكُم من الله من﴾ وَقَوله: ﴿فَلَمَّا آتوه موثقهم﴾ يَعْنِي: أَعْطوهُ ﴿قَالَ الله﴾ تَعَالَى ﴿على مَا نقُول وَكيل﴾ قَالَ يَعْقُوب: الله على مَا نقُول وَكيل؛ وَالْوَكِيل هُوَ الْقَائِم بِالتَّدْبِيرِ، وَقيل: وَكيل أَي: شَاهد [وَقيل: شَهِيد، أَي: شَاهد] وَقيل: حفيظ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد﴾ أَكثر الْمُفَسّرين [على] أَنه خَافَ الْعين: لِأَنَّهُ كَانُوا أعْطوا جمالا وَقُوَّة وامتداد قامة، هَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَغَيره من الْمُفَسّرين؛ وَالْعين حق.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه كَانَ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن فَيَقُول: (أُعِيذكُمَا بِكَلِمَات الله [التَّامَّة] من كل شَيْطَان [و] هَامة، وَمن كل عين لَامة " (3) .
وَفِي الْبَاب أَخْبَار كَثِيرَة، وَفِي بعض الْآثَار.
" الْعين حق، تدخل الْجمل الْقدر وَالرجل الْقَبْر ".
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَنه خَافَ عَلَيْهِم ملك مصر إِذا رأى قوتهم واجتماعهم أَن يحبسهم أَو يقتلهُمْ.
وَحكي عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: كَانَ يَرْجُو يَعْقُوب أَن يرَوا يُوسُف ويجدوه فَقَالَ: ﴿وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة﴾ لَعَلَّكُمْ (تَجِدُونَ) يُوسُف [أَو] تلقونه.
وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿وَمَا أغْنى عَنْكُم من الله من شَيْء﴾ مَعْنَاهُ: إِن كَانَ الله قضى فِيكُم [قَضَاء] فيصيبكم [قَضَاؤُهُ] مُجْتَمعين كُنْتُم أَو مُتَفَرّقين؛ وَمعنى " أغْنى "
﴿شَيْء إِن الحكم إِلَّا لله عَلَيْهِ توكلت وَعَلِيهِ فَليَتَوَكَّل المتوكلون (67) وَلما دخلُوا من حَيْثُ أَمرهم أبوهم مَا كَانَ يُغني عَنْهُم من الله من شَيْء إِلَّا حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا وَإنَّهُ لذُو علم لما علمناه وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (68) وَلما دخلُوا على يُوسُف آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنا أَخُوك فَلَا تبتئس بِمَا﴾ أَي: أدفَع.
وَفِي الْخَبَر: الحذر لَا يرد الْقدر.
وَقَوله: ﴿إِن الحكم إِلَّا لله﴾ هَذَا تَفْوِيض يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام أُمُوره إِلَى الله؛ وَالْحكم: هُوَ الْفَصْل بَين الْخُصُوم بِمُوجب الْعلم من الْبشر، وَمن الله صنع بِمُوجب الْحِكْمَة ﴿عَلَيْهِ توكلت﴾ يَعْنِي: بِهِ وثقت وَعَلِيهِ اعتمدت.
﴿وَعَلِيهِ فَليَتَوَكَّل المتوكلون﴾ مَعْنَاهُ: وَبِه يَثِق الواثقون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما دخلُوا من حَيْثُ أَمرهم أبوهم﴾ يَعْنِي: من الْأَبْوَاب المتفرقة قيل: إِن الْمَدِينَة مَدِينَة الفرما، و (كَانَت) لَهَا أَرْبَعَة أَبْوَاب، كَانَت مَدِينَة الْعَريش.
وَقَوله ﴿مَا كَانَ يُغني عَنْهُم من الله من شَيْء﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ يدْفع عَنْهُم من الله من شَيْء، وَهَذَا الْحق تَحْقِيق لما ذكره يَعْقُوب من قَوْله: ﴿وَمَا أغْنى عَنْكُم من الله من شَيْء﴾ . وَقَوله: ﴿إِلَّا حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا﴾ يَعْنِي: إِلَّا مرَادا ليعقوب عَلَيْهِ السَّلَام ذكره وَجرى الْأَمر على ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ لذُو علم لما علمناه﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: مَعْنَاهُ: وَأَنه كَانَ يعْمل مَا يعْمل عَن علم، لَا عَن جهل.
وَمِنْهُم من قَالَ: وَإنَّهُ لذُو علم بِسَبَب تعليمنا إِيَّاه ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ لأَنهم لم يسلكوا طَرِيق الْعلم.
قَوْله: ﴿وَلما دخلُوا على يُوسُف آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ آوى إِلَيْهِ: ضم إِلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أنزلهُ مَعَ نَفسه.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه أنزل كل أَخَوَيْنِ من أم بَيْتا، فَبَقيَ بنيامين وَحده فَقَالَ: انْزِلْ معي، وَكَانَ كل أَخَوَيْنِ من أم على حِدة.
وَقَوله: ﴿قَالَ إِنِّي أَنا أَخُوك﴾
﴿كَانُوا يعْملُونَ (69) فَلَمَّا جهزهم بجهازهم جعل السِّقَايَة فِي رَحل أَخِيه ثمَّ أذن مُؤذن أيتها العير إِنَّكُم لسارقون (70) قَالُوا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِم مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه أسر إِلَيْهِ أَنه أَخُوهُ.
وَالْآخر: أَنه قَالَ: أَنا لَك مَكَان أَخِيك الْهَالِك.
ذكره وهب وَغَيره.
وَقَوله: ﴿فَلَا تبتئس بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ مَعْنَاهُ: فَلَا تحزن بِمَا عمِلُوا مَعَ أَخِيك، فَإِنِّي لَك بدل أَخِيك، فَروِيَ أَنه قَالَ لَهُ بنيامين: وَمن يجد أَخا مثلك أَيهَا الْملك؛ وَلَكِنَّك لست من يَعْقُوب؛ فَحِينَئِذٍ ذكر أَنه أَخُوهُ حَقِيقَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جهزهم بجهازهم﴾ قد ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿وَجعل السِّقَايَة﴾ السِّقَايَة: هِيَ الْإِنَاء الَّذِي يشرب بِهِ.
وَاخْتلفُوا أَنَّهَا من أيش كَانَت؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَت من زبرجد.
وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَت من فضَّة مرصعة بالجوهر، وَقيل: كَانَ من ذهب.
وَعَن بَعضهم: أَنه كَانَ (إِنَاء) مستطيلا شبه المكوك وَله رأسان وَفِي وَسطه مقبض، فَكَانَ يُكَال من أحد الرأسين وَيشْرب من (الرَّأْس) الآخر، وَكَانَ لَا يُكَال إِلَّا بِهِ لعزة الطَّعَام، وَكَانَ يسمع لَهَا صَوت: قد كيل فِي كَذَا.
وَقَوله: ﴿فِي رَحل أَخِيه﴾ أَي: فِي وعَاء أَخِيه بَين طَعَامه.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أذن مُؤذن﴾ رُوِيَ أَنه تَركهم حَتَّى ذَهَبُوا منزلا، وَقيل: حَتَّى أصحروا وَخَرجُوا من الْعِمَارَة، ثمَّ بعث من خَلفهم من استوقفهم وَقَالَ: ﴿أيتها العير إِنَّكُم لسارقون﴾ وَالْعير: هم أَصْحَاب الْحمير.
وَقيل: قد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْإِبِل.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ استجاز يُوسُف أَن ينسبهم إِلَى السّرقَة وَلم يسرقوا؟
الْجَواب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا مَعْنَاهُ: إِنَّكُم لسارقو يُوسُف من أَبِيه، وعملتم كَمَا يعْمل السراق.
وَالثَّانِي: أَن الرجل قَالَ من غير أَمر يُوسُف، فَإِنَّهُ حِين فقد الصَّاع ظن أَنهم سرقوا.
وَالثَّالِث: أَن هَذِه هفوة من يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقد قَالُوا: إِنَّه عير ثَلَاث عيرات: الأولى: حِين هم بِامْرَأَة الْعَزِيز إِلَى أَن رأى الْبُرْهَان، وَالثَّانِي حِين قَالَ للساقي: اذْكُرْنِي عِنْد رَبك، وَالثَّالِث: هَذَا؛ وَهُوَ أَنه نسب إخْوَته إِلَى السّرقَة.
وَالْقَوْل الأول أَجود الْأَقَاوِيل، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ وَاضع مَعَ بنيامين، وَقَالَ مَا قَالَ بالمواضعة، وَالله أعلم.
( ﴿71) قَالُوا نفقد صواع الْملك وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم (72) قَالُوا تالله لقد علمْتُم مَا جِئْنَا لنفسد فِي الأَرْض وَمَا كُنَّا سارقين (73) قَالُوا فَمَا﴾
قَوْله: ﴿قَالُوا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِم مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ رُوِيَ أَنهم وقفُوا وَقَالُوا للْقَوْم: مَاذَا تطلبون؟
قَوْله: ﴿قَالُوا نفقد صواع الْملك﴾ قَرَأَ يحيى بن يعمر: " صوغ الْملك " بالغين الْمُعْجَمَة [و] الصوغ من الذَّهَب أَو الْفضة، والصواع يذكر وَيُؤَنث، [و] الصواع: هُوَ السِّقَايَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْآيَة الأولى.
وَقيل: إِنَّه كَانَ يكون بَين يَدي الْملك، فَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ أَخذ.
وَقَوله: ﴿وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير﴾ يَعْنِي: وَلمن رده حمل بعير من الطَّعَام.
وَقَوله: ﴿وَأَنا بِهِ زعيم﴾ أَي: كَفِيل، والزعيم وَالْكَفِيل والضمين بِمَعْنى وَاحِد، وَيُسمى الرئيس زعيما؛ لِأَنَّهُ كفل أُمُور الْقَوْم زعيم يقوم بمصالحهم وَيتَكَلَّم عَنْهُم.
فَإِن قيل: أتجوز الْكفَالَة بِالْمَجْهُولِ عنْدكُمْ وَهَذِه كَفَالَة بِالْمَجْهُولِ؟ قُلْنَا: لَا تجوز، وَيحْتَمل أَن حمل الْبَعِير كَانَ مَعْلُوما قدره عِنْدهم.
وَالثَّانِي: أَن هَذِه جعَالَة وَلم تكن كَفَالَة، وَعِنْدنَا تجوز مثل هَذِه الْجعَالَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله لقد علمْتُم مَا جِئْنَا لنفسد فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: وَالله مَا جِئْنَا لنفسد فِي الأَرْض أَي: لنسرق فِي ملك مصر ﴿وَمَا كُنَّا سارقين﴾ فِي بِلَادنَا فنسرق فِي بِلَادكُمْ.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: لقد علمْتُم وَكَانَ (من جوابهم) أَن يَقُولُوا: نَحن لَا نعلم؟ (قُلْنَا) : إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك؛ لأَنهم كَانُوا جمَاعَة لَهُم قُوَّة وَشدَّة وَلم يَكُونُوا يظْلمُونَ أحدا من الطَّرِيق وَلَا يتركون دوابهم تدخل فِي حرث أحد، وَرُوِيَ أَنهم دخلُوا مصر حِين دخلُوا وَقد جعلُوا الأكمة على رُءُوس دوابهم لِئَلَّا تفْسد شَيْئا.
وَجَوَاب آخر: أَنهم إِنَّمَا قَالُوا هَذَا لأَنهم ردوا البضاعة المحمولة فِي رحالهم قَالُوا: فَلَو
﴿جَزَاؤُهُ إِن كُنْتُم كاذبين (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِك نجزي الظَّالِمين (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قبل وعَاء أَخِيه ثمَّ استخرجها من﴾ كُنَّا سارقين مَا رددنا البضاعة؛ لِأَن من يطْلب شَيْئا ليسرقه لَا يخلي شَيْئا وَقع فِي يَده.
فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ فِي الْعَرَبيَّة أَن يَقُول الْقَائِل: (تالله، وَلَا يجوز أَن يَقُول: تالرحمن وتالرحيم) ؟ قُلْنَا: لِأَن التَّاء بدل الْبَاء؛ فَإِن الأَصْل فِي الْقسم حرف الْبَاء ثمَّ أبدلت الْوَاو بِالتَّاءِ فَلَمَّا كَانَت بدل الْبَدَل ضعفت عَن التَّصَرُّف واقتصرت على الِاسْم الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْقسم عَادَة وَلِسَانًا وَهُوَ " الله ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنْتُم كاذبين﴾ مَعْنَاهُ: فَمَا جَزَاء السَّارِق إِن كُنْتُم كاذبين بقولكم إِنَّا لم نَسْرِق؟
قَوْله: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ استعباد السَّارِق من وجد فِي رَحْله (فَهَذَا) الْجَزَاء جَزَاؤُهُ؛ فَيكون الثَّانِي تَأْكِيدًا للْأولِ.
وَفِي الأول حذف على عَادَة كَلَام الْعَرَب، وَالْقَوْل الثَّانِي: قَالُوا: جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فالسارق جَزَاؤُهُ؛ فَهُوَ كِنَايَة عَن السَّارِق، وَمعنى جعله جَزَاء: أَنه يسترق ويستعبد.
وَاعْلَم أَنه كَانَ من سنة يَعْقُوب: أَن من سرق شَيْئا اسْترق سنة، وَكَانَ حكم ملك مصر أَن يضْرب وَيغرم ضعْفي قِيمَته، [فمراد] يُوسُف أَن يحبس أَخَاهُ عِنْده فَرد الحكم فِي السّرقَة إِلَيْهِم فَذكرُوا من حكم السّرقَة بِمَا عرفوه فِي شَرِيعَة يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام، فَأخذ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام بذلك وَحصل مُرَاده من حبس أَخِيه.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: أَن إخْوَة يُوسُف قَالُوا: كَذَلِك نجزي السراق عندنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قبل وعَاء أَخِيه ثمَّ استخرجها من وعَاء أَخِيه﴾ رُوِيَ أَن الْمُؤَذّن فتش عَن أوعيتهم، وَرُوِيَ أَنه رد جَمَاعَتهمْ إِلَى يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام -
﴿وعَاء أَخِيه كَذَلِك كدنا ليوسف مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك إِلَّا أَن يَشَاء الله نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم (76) قَالُوا إِن يسرق﴾ فَأمر بتفتيش أوعيتهم بَين يَدَيْهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك الرجل كَانَ كلما فتش وعَاء وَلم يجد الصَّاع اسْتغْفر الله وَأظْهر التَّوْبَة فَلَمَّا بَقِي رَحل بنيامين قَالَ: مَا أَظن أَن هَذَا أَخذ شَيْئا قَالُوا: وَالله لَا نَتْرُكك حَتَّى تفتش وعاءه فتطيب أَنْفُسنَا ونفسك، ففتش وعاءه واستخرج الصَّاع فبقوا منكسرين مستحيين ونكسوا رُءُوسهم خجلا وَقَالُوا لبنيامين: مَا هَذَا يَا ابْن راحيل؟ ﴿فَقَالَ: وَالله مَا سرقت، فَقَالُوا: كَيفَ وَقد وجد الصَّاع فِي رحلك؟﴾ فَقَالَ: وضع الصَّاع فِي رحلي من وضع البضاعة فِي رحالكُمْ.
قَالَ: وَأخذُوا بنيامين رَقِيقا عبدا.
وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك الرجل أَخذ بِرَقَبَتِهِ ورده إِلَى يُوسُف كَمَا يرد السراق.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك كدنا ليوسف﴾ مَعْنَاهُ: دبرنا ليوسف، وَقيل: صنعنَا ليوسف.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أردنَا ليوسف؛ وَأنْشد قَول الشَّاعِر
(كَادَت وكدت وَذَاكَ خير إِرَادَة ... لَو عَاد من لَهو الصبابة مَا مضى)
فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿كَذَلِك﴾ وأيش هَذِه الْكَاف، وَالْكَاف للتشبيه؟ الْجَواب عَنهُ: أَن هَذَا منصرف إِلَى قَول يَعْقُوب فِي أول السُّورَة: ﴿فيكيدوا لَك كيدا﴾ وَكَانَ كيدهم: أَنهم أَخَذُوهُ من أَبِيه بحيلة وألقوه فِي الْجب فَقَالَ الله تَعَالَى: كَمَا كَادُوا فِي أَمر يُوسُف: ﴿كدنا ليوسف﴾ فِي أَمرهم؛ والكيد من الْخلق هُوَ: الْحِيلَة، وَمن الله: التَّدْبِير بِالْحَقِّ.
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ يُوسُف ليجازي أَخَاهُ فِي حكم الْملك، وَقيل: فِي عَادَة الْملك.
قَالَ الشَّاعِر:
(أَقُول وَقد درأت لَهَا وضيني ... أَهَذا دينه أبدا وديني)
و" مَا " هَاهُنَا للنَّفْي.
وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا بِمَشِيئَة الله يَعْنِي: فعل مَا فعل بِمَشِيئَة الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾ قَالَ هَذَا فِي هَذَا الْموضع؛ لِأَنَّهُ رفع دَرَجَة يُوسُف على درجتهم فِي الْعلم وَالْملك وَالْعقل وَغَيره.
وَقيل:
﴿فقد سرق أَخ لَهُ من قبل فأسرها يُوسُف فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم قَالَ أَنْتُم شَرّ مَكَانا وَالله أعلم بِمَا تصفون (77) قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا﴾ نرفع دَرَجَات من نشَاء بالتوفيق والعصمة.
وَقَوله: ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفَوق كل عَالم عَالم إِلَى أَن يَنْتَهِي الْعلم إِلَى الله.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: وَفَوق كل عَالم عليم ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِن يسرق فقد سرق أَخ لَهُ من قبل﴾ أَرَادوا بأَخيه من قبل: يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه أيش سرق؟
قَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: كَانَ عِنْد جده إِلَى أمه صُورَة تعبد فَأَخذهَا سرا وَأَلْقَاهَا لِئَلَّا تعبد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَانَ يَأْخُذ الطَّعَام من مائدة أَبِيه سرا فيعطيه الْمَسَاكِين.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه كَانَ عِنْد عمته تربيه، فَأَرَادَ يَعْقُوب أَن ينتزعه مِنْهَا فشدت عمته تَحت ثِيَابه منْطقَة، وَادعت أَنه سَرَقهَا لتحبسه عِنْد نَفسهَا وَيتْرك عِنْدهَا؛ فَإِنَّهَا كرهت أَن يُؤْخَذ مِنْهَا وَكَانَت أحبته حبا شَدِيدا، ذكره ابْن إِسْحَاق.
وَقَوله: ﴿فأسرها يُوسُف فِي نَفسه﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِلَى أَيْن يرجع قَوْله: ﴿فأسرها يُوسُف فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم﴾ ؟ قُلْنَا: لَيْسَ لهَذَا مَذْكُور سَابق، وَمَعْنَاهُ: أسر الْكَلِمَة فِي نَفسه، وَتلك الْكَلِمَة أَنه قَالَ: ﴿أَنْتُم شَرّ مَكَانا﴾ ، وَلم يُصَرح بِهَذَا القَوْل.
وَقَوله: ﴿شَرّ مَكَانا﴾ يَعْنِي: شَرّ صنيعا.
وَحَقِيقَة مَعْنَاهُ: أَنه لم يكن من يُوسُف سَرقَة صَحِيحَة، وَقد كَانَت مِنْكُم سَرقَة صَحِيحَة؛ وَهُوَ سرقتكم يُوسُف من أَبِيه.
وَقَوله: ﴿وَالله أعلم بِمَا تصفون﴾ يَعْنِي: وَالله أعلم أَن أَخَاهُ قد سرق أَو لم يسرق
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم غضبوا غَضبا شَدِيدا لهَذِهِ الْحَالة، وَكَانَ يهوذا إِذا غضب لم يقم لغضبه شَيْء، وَإِذا صَاح [فَكل] امْرَأَة حَامِل سَمِعت صياحه أَلْقَت وَلَدهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا إِذا مَسّه أحد من
﴿فَخذ أَحَدنَا مَكَانَهُ إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ معَاذ الله أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده إِنَّا إِذا لظالمون (79) فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا قَالَ﴾ ولد يَعْقُوب [سكن] غَضَبه، وَقيل: إِن هَذَا كَانَ صفة شَمْعُون من أَوْلَاد يَعْقُوب؛ فَروِيَ أَنه قَالَ لإخوته: كم يكون من عدد الْأَسْوَاق بِمصْر؟ فَقَالُوا: عشرَة أسواق، فَقَالَ: اكفوني أَنْتُم الْأَسْوَاق وَأَنا أكفكم الْملك، أَو قَالَ: اكفوني أَنْتُم الْملك وَأَنا أكفكم الْأَسْوَاق، قَالَ: فَدَخَلُوا على يُوسُف فَقَالَ لَهُ يهوذا: أتردن علينا أخانا أَو لأصيحن صَيْحَة تلقي كل حَامِل وَلَدهَا فِي هَذِه الْبَلدة، وَكَانَ عِنْد يُوسُف ابْن لَهُ صَغِير قَائِم عِنْده فَقَالَ: اذْهَبْ وَخذ بيد ذَلِك الرجل وائتني بِهِ، فَذهب وَأخذ بِيَدِهِ فسكن غَضَبه، فَقَالَ لإخوته: وَالله إِن هَاهُنَا بذرا من بذر يَعْقُوب، فَقَالَ لَهُ الابْن الصَّغِير: وَمن يَعْقُوب وَأَنا لَا أَدْرِي يَعْقُوب وَلَا وَلَده؟ . وَرُوِيَ أَنه غضب ثَانِيًا فَقَامَ إِلَيْهِ يُوسُف وركضه بِرجلِهِ وَأخذ بتلابيبه فَوَقع على الأَرْض وَقَالَ: معشر العبرانيين تظنون أَن لَا أحد أَشد مِنْكُم، ذكر هَذَا كُله السّديّ وَغَيره، فَلَمَّا صَار أَمرهم إِلَى هَذَا خضعوا وذلوا وَقَالُوا: ﴿يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا﴾ .
والعز: منع الضيم أَو الضير بسعة السُّلْطَان وَالْقُدْرَة، والعزيز: هُوَ المنيع بِمَا حصل لَهُ من وَاسع الْمَقْدُور.
قَوْله: ﴿إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا فَخذ أَحَدنَا مَكَانَهُ﴾ مَعْنَاهُ: خُذ أَحَدنَا بدله، وَنصب شَيخا على نعت قَوْله: ﴿أَبَا﴾ .
وَقَوله: ﴿إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي: إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا، وإحسانه إِلَيْهِم بتوفية الْكَيْل، وَحسن الضِّيَافَة، ورد البضاعة، وَغَيره.