المزمل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين﴾ قد بَينا، وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ: لَهُم منزلَة دون منزلَة المقربين.
وروى جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده: أَنهم الَّذين خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا ثمَّ تَابُوا.
وَذكر الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن الله تَعَالَى مسح صفحة ظهر آدم الْيُمْنَى فاستخرج مِنْهَا ذُرِّيَّة شبه الذَّر بيضًا؛ وَقَالَ لَهُم: ادخُلُوا الْجنَّة برحمتي، ثمَّ مسح صفحة ظَهره اليسى واستخرج مِنْهَا ذُرِّيَّة كالحمم سَوْدَاء، وَقَالَ لَهُم: ادخُلُوا النَّار وَلَا أُبَالِي.
وَفِي رِوَايَة: أَخذ بِيَمِينِهِ كل طيب، وَأخذ بِشمَالِهِ كل خَبِيث.
وَفِي الصَّحِيح "أَن كلتا يَدَيْهِ يَمِين".
فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿وَأَصْحَاب الْيَمين﴾ هم الَّذين أخذُوا من صفحة ظهر آدم الْيُمْنَى.
وَقَوله: ﴿فِي سدر مخضود﴾ أَي: قد قطع شوكه وَنزع.
والسدر: شجر النبق، قَالَ السّديّ: ثَمَرَة أحلى من الْعَسَل.
وَقيل: مخضود أَي: موقر حملا.
وَيُقَال: لَا عجم فِي ثمره.
وَفِي اللُّغَة الخضد هُوَ الْقطع.
قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي صفة مَكَّة: "لَا يخضد شَجَرهَا" أَي: لَا يقطع.
وَقَوله: ﴿وطلح منضود﴾ قَرَأَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: "وطلع منضود" وَهُوَ مثل قَوْله
((29} وظل مَمْدُود (30) وَمَاء مسكوب (31) وَفَاكِهَة كَثِيرَة (32) لَا مَقْطُوعَة وَلَا) فِي مَوضِع آخر: ﴿لَهَا طلع نضيد﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عَبَّاس وَالْحسن وَغَيرهم: هُوَ الموز.
قَوْله: ﴿منضود﴾ أَي: متراكم بعضه على بعض، وَذكر النّحاس أَن الْعَرَب تَقول: عَسى يَا فلَان تطلح، أَي: بِنِعْمَة، قَالَ الشَّاعِر:
(كم رَأينَا من أنَاس هَلَكُوا ... ورأينا الْمَرْء عمرا بطلح)
أَي: بِنِعْمَة.
وَيُقَال: إِن الطلح هَاهُنَا هُوَ شجر العضاه، وَهُوَ أَكثر شجر الْعَرَب، وَله منظر حسن.
وَرُوِيَ أَن أَصْحَاب رَسُول الله وَرَضي الله عَنْهُم لما ذَهَبُوا إِلَى الطَّائِف أعجبهم طلح وَج، فَذكر الله تَعَالَى أَن لَهُم فِي الْجنَّة طلحا.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يكون لَهُم فِي الْجنَّة شَجَرَة شوك؟ : قُلْنَا: لَا يكون ثمَّ شوك، إِلَّا أَنه شجر يشبه الطلح فِي الْكبر وَحسن المنظر، وَيجوز أَن يكون فِي الْجنَّة شَجرا؛ لأكل الثَّمر مِنْهُ، وَشَجر يحسن النّظر إِلَيْهِ، وَالأَصَح أَنه الموز.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿منضود﴾ قَالُوا مَعْنَاهُ: أَن ثمره وورقه من أَوله إِلَى آخِره لَيست لَهَا سَاق بارزة.
وَقَوله: ﴿وظل مَمْدُود﴾ قَالَ الْحسن: لَا يَنْقَطِع.
وَعَن يحيى بن أبي كثير: أَن سَاعَات الْجنَّة تشبه الْغَدَاة الْبَارِدَة فِي الصَّيف.
وَيُقَال: إِنَّهَا مثل سَجْسَج لَيْسَ فِيهِ حر وَلَا برد.
وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لَا يقطعهُ، واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿وظل مَمْدُود﴾ ".
وَقَوله: ﴿وَمَاء مسكوب﴾ أَي: مصبوب، وَمَعْنَاهُ: أَنه ينصب إِلَيْهِم من الْعُلُوّ.
قَالَ الْحسن: مسكوب أَي: جَار لَا يَنْقَطِع أبدا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ قَالَ الزّجاج: لَا مَقْطُوعَة
﴿مَمْنُوعَة (33) وفرش مَرْفُوعَة (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء (35) ﴾ أَي: لَا يكون فِي حِين دون حِين، وَلَا مَمْنُوعَة أَي: لَا يخْطر عَلَيْهَا كَمَا يخْطر على الْبَسَاتِين فِي الدُّنْيَا، وَقيل: لَا مَقْطُوعَة: لَا يَنْقَطِع أبدا، وَالْمعْنَى على هَذَا أَنَّهَا إِذا جنيت ظهر مَكَانهَا فِي الْحَال مثلهَا أَو خير مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَلَا مَمْنُوعَة﴾ أَي: لَا يمْنَع الْأَخْذ مِنْهَا، وَقيل: لَا يمْنَع الْأَخْذ بعد وَلَا شوك.
وَعَن ابْن شَوْذَب قَالَ: رَأَيْت الْحجَّاج بن فرافصة وَاقِفًا فِي سوق الْفَاكِهَة بِالْبَصْرَةِ، فَقلت: مَا تصنع هَاهُنَا؟ فَقَالَ: أنظر إِلَى هَذِه المقطوعة الممنوعة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ أَي: عالية، وَيُقَال: بَعْضهَا فَوق بعض.
وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " ارتفاعها مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، ومسيرة مَا بَينهمَا خَمْسمِائَة عَام ". وَذكر أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه، وَقَالَ: هُوَ غَرِيب.
وَذهب جمَاعَة من التَّابِعين أَن الْفرش المرفوعة هَاهُنَا هِيَ النِّسَاء، وَالْعرب تسمي الْمَرْأَة فرَاش الرجل ولحافه.
وسماهن مَرْفُوعَة؛ لِأَنَّهُنَّ رفعن بِالْفَضْلِ وَالْجمال والكمال.
وَالْعرب تسمي كل فَاضل رفيعا.
وَيُقَال: سماهن فرشا؛ لِأَنَّهُنَّ على الْفرش، فكنى بالفرش عَنْهُن.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء﴾ فِيهِ قَولَانِ: لِأَنَّهُنَّ الْحور، وَمعنى الْإِنْشَاء فِيهِنَّ أَن الله تَعَالَى يَجْعَل الصبايا وَالْعجز على سنّ وَاحِدَة فِي الصُّورَة والشباب.
وَعَن بعض التَّابِعين أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: هن الْعَجز الرمص العمش.
وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " تفضل الْمَرْأَة الصَّالِحَة فِي الْحسن على الْحور ﴿فجعلناهن أَبْكَارًا (36) عربا أَتْرَابًا (37) لأَصْحَاب الْيَمين (38) ثلة من الْأَوَّلين (39) وثلة من الآخرين (40) ﴾
سبعين ضعفا" ذكره النقاش، وَهُوَ غَرِيب جدا.
وَقَوله: ﴿فجعلناهن أَبْكَارًا﴾ أَي: عذارى.
قَالَ الضَّحَّاك: أهل الْجنَّة لَا يأْتونَ النِّسَاء من مرّة إِلَّا وَجَدُوهُنَّ عذارى.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿عربا﴾ أَي: محببات إِلَى أَزوَاجهنَّ.
وَعَن ابْن عَبَّاس: عواشق لِأَزْوَاجِهِنَّ.
وَعَن بَعضهم: غنجات.
وَعَن بَعضهم شكلات.
عَن بَعضهم: مغتلمات.
تَقول الْعَرَب للناقة إِذا كَانَت تشْتَهى الْفَحْل: عرُوبَة.
وَعَن زيد بن أسلم حَسَنَات الْكَلَام.
وَعَن بَعضهم: عربا أَي: يتكلمن بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَالْمَعْرُوف الأول [و] يُمكن الْجمع بَين هَذِه الْأَقْوَال كلهَا، فَكَأَنَّهَا تتحبب إِلَى زوجهات بغنج وشكل، وَكَلَام حسن، وميل شَدِيد، وبلفظ عَرَبِيّ.
وَقَوله: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَي: لدات، كأنهن على سنّ وَاحِد وميلاد وَاحِد.
وَيُقَال: أَتْرَابًا: أشكالا لِأَزْوَاجِهِنَّ فِي الْجِسْم والمقدار، قَالَ الشَّاعِر:
(أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بَين جنس كواعب أتراب)
وَقَوله ﴿لأَصْحَاب الْيَمين﴾ أَي: هَذَا الَّذِي قُلْنَا لأَصْحَاب الْيَمين.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين﴾ أَي: جمَاعَة من الْأَوَّلين، وهم الَّذين اتبعُوا الْأَنْبِيَاء والمتقدمين - صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ - وَجَمَاعَة من الآخرين، وهم الَّذين اتبعُوا نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والثلة: الْقطعَة.
وَقد روى أبان بن أبي عَيَّاش عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ هَذِه
﴿وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال (41) فِي سموم وحميم (42) وظل من يحموم (43) لَا بَارِد وَلَا كريم (44) إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك مترفين (45) ﴾ الْآيَة: ﴿ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين﴾ وَقَالَ: " الثُّلَّتَانِ من أمتِي ". فعلى هَذَا الثلَّة الأولى هم الَّذين عاينوا النَّبِي وآمنوا بِهِ، والثلة الثَّانِيَة هم الَّذين آمنُوا بِهِ وَلم يروه.
فَإِن قيل: كَيفَ وَجه الْجمع بَين هَذِه الْآيَة وَبَين الْآيَة الَّتِي تقدّمت، وَهِي قَوْله: ﴿وَقَلِيل من الآخرين﴾ وَالْجَوَاب: قد روينَا أَن تِلْكَ الْآيَة لما نزلت حزن أَصْحَاب رَسُول الله، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَذكرنَا معنى الْقَلِيل، وهم من عاين النَّبِي وَاتبعهُ، فعلى هَذَا معنى الثلَّة هَاهُنَا جَمِيع من اتبعهُ، عاينه أَو لم يعاينه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال﴾ فقد ذكرنَا مَعْنَاهُ.
قَوْله: ﴿فِي سموم﴾ هِيَ الرّيح الحارة.
وَقيل: إِنَّه اسْم جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿وحميم﴾ أَي: المَاء الَّذِي انْتهى حره.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه يخرج من صَخْرَة فِي جَهَنَّم.
وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود: أَن أَنهَار الْجنَّة تخرج من جبل من الكافور فِي الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وظل من يحموم﴾ أَي: دُخان أسود يغشي أهل النَّار، ويصيبهم من حره مَا يغلي دماغهم.
وَعَن بَعضهم: أَن اليحموم اسْم من أَسمَاء جَهَنَّم.
وَعَن (ابْن البريدة) : أَن اليحموم جبل فِي النَّار يظل أهل النَّار مُدَّة أَن يستظلوا بظله، فَيُؤذن لَهُم بعد مُدَّة، فيصيبهم من حره مَا يستغيثون مِنْهُ، وَيكون ذَلِك أَشد عَلَيْهِم مِمَّا كَانُوا فِيهِ.
وَقَوله: ﴿لَا بَارِد وَلَا كريم﴾ أَي: لَا بَارِد الْمدْخل، وَلَا كريم المنظر.
قَالَ الْفراء: الْعَرَب تجْعَل الْكَرِيم تَابعا فِي كل مَا يبْقى عَنهُ، وصف يُرَاد بِهِ الذَّم.
يَقُول: هَذِه الدَّار لَيست بواسعة وَلَا كَرِيمَة، وَهَذَا الْفرس لَيْسَ بجواد وَلَا كريم.
﴿وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما أئنا لمبعوثون (47) أَو آبَاؤُنَا الْأَولونَ (48) قل إِن الْأَوَّلين والآخرين (49) لمجموعون إِلَى مِيقَات يَوْم مَعْلُوم (50) ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالئون مِنْهَا الْبُطُون (53) فشاربون عَلَيْهِ من﴾