الرحمن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنهم صَبَرُوا حَتَّى تخرج إِلَيْهِم لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ رُوِيَ أَن النَّبِي بعث سَرِيَّة فَأَصَابُوا سَبَايَا من (بلعمر) بن غنم، فجَاء رِجَالهمْ يطْلبُونَ الْفِدَاء وَجعلُوا ينادون: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد اخْرُج إِلَيْنَا نفاديك فَخرج، وخلى عَن بعض السَّبي وفادى الْبَعْض، وَكَانَ قد أَرَادَ أَن يخلى عَن جَمِيعهم فَلَمَّا أساءوا الْأَدَب خلى عَن بَعضهم وفادى الْبَعْض فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنهم صَبَرُوا حَتَّى تخرج إِلَيْهِم لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ أَي: كَانَ خيرا لَهُم بِأَن يخلي عَن جَمِيع السَّبي.
وَقَوله: ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي هَذِه الْآيَات بَيَان اسْتِعْمَال الْأَدَب فِي مجْلِس النَّبِي.
وَذكر بَعضهم عظم الْجِنَايَة فِي ترك ذَلِك، وَمَا يُؤَدِّي إِلَى حبوط الْعَمَل وَاسْتِحْقَاق الْعقَاب.
وَقد كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يهابون أَن يتكلموا بِحَضْرَتِهِ، وَكَانُوا يحبونَ أَن يَأْتِي الْأَعرَابِي من الْبَادِيَة فَيسْأَل رَسُول الله عَن الشَّيْء ليسمعوا الْجَواب؛ لأَنهم كَانُوا يهابون السُّؤَال.
وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ " أَنه قَالَ لرَسُول الله حِين سلم عَن رَكْعَتَيْنِ: أقصرت الصَّلَاة أم نسيت؟ وَقد كَانَ فِي الْقَوْم أَبُو بكر وَعمر ووجوه أَصْحَاب رَسُول الله فهابوا أَن يكلموه، وَتكلم هَذَا الرجل؛ لِأَنَّهُ لم يكن يعلم من قدره وَعظم حَقه مَا كَانُوا يعلمُونَ ".
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين (6) وَاعْلَمُوا أَن فِيكُم رَسُول الله لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنتم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: نزلت الْآيَة فِي الْوَلِيد بن عقبَة بن معيط، بَعثه رَسُول الله إِلَى بني المصطلق من خُزَاعَة ليَأْخُذ صَدَقَاتهمْ، وَكَانَ بَينه وَبينهمْ (إحْنَة) فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا قرب مِنْهُم مَجِيئه وسمعوا بِقُرْبِهِ تلقوهُ ليكرموه، فخافهم وَرجع، وَقَالَ للرسول: يَا رَسُول الله، إِنَّهُم منعُوا الزَّكَاة وَفِي رِوَايَة: إِنَّهُم ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَلم يُعْطوا شَيْئا، فَبعث النَّبِي خَالِد بن الْوَلِيد سَرِيَّة إِلَيْهِم، [وَأمره] أَن يتعرف حَالهم، فَإِن كَانَ على مَا قَالَ الْوَلِيد قَاتلهم، فَذهب خَالِد وجاءهم لَيْلًا فَسمع صَوت المؤذنين بَينهم، وَسمع تِلَاوَة الْقُرْآن، فَرجع وَأخْبر النَّبِي، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي لما سمع قَول الْوَلِيد غضب، وَبعث من يقاتلهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، ذكر هَذَا قَتَادَة وَغَيره.
فَحكى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ بعد هَذَا: " التأني من الله، والعجلة من الشَّيْطَان ".
وَقَوله: ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق﴾ قَالُوا: الْفَاسِق هَاهُنَا هُوَ الْكذَّاب.
وَأما اللُّغَة قد بَينا أَنه الْخَارِج عَن طَاعَة الله.
وَقَوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وَقُرِئَ: " فتثبتوا " ومعناهما مُتَقَارب، وَهُوَ ترك العجلة، والتدبر والتأني فِي الْأَمر.
وَقَوله: ﴿أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾ مَعْنَاهُ: لِئَلَّا تصيبوا قوما بِجَهَالَة، وَمعنى الْإِصَابَة هَاهُنَا: هُوَ الْإِصَابَة من الدَّم وَالْمَال بِالْقَتْلِ والأسر والاغتنام.
وَقَوله: ﴿فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ أَي: تصيروا نادمين على فعلكم، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الإصباح للَّذي هُوَ ضد الإمساء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَن فِيكُم رَسُول الله لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنتم﴾
﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم لراشدون (7) فضلا من الله ونعمة وَالله عليم حَكِيم (8) وَإِن طَائِفَتَانِ﴾ أَي: لهلكتم.
وَقيل: غويتم وضللتم.
وَيُقَال: نالكم التَّعَب وَالْمَشَقَّة.
وَقَوله: ﴿يطيعكم﴾ نوع مجَاز؛ لِأَن الطَّاعَة فِي الْحَقِيقَة فعل من الأدون على مُوَافقَة قَول الْأَعْلَى.
وَقد رُوِيَ عَن بعض السّلف أَنه قَالَ: نعم الرب رَبنَا، لَو أطعناه مَا عصانا، وَهُوَ على طَرِيق الْمجَاز والتوسع فِي الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر:
(رب من أَصبَحت غيظا صَدره ... لَو تمنى فِي موتا لم يطع)
أَي: لم يدْرك مَا تمناه، وَهُوَ على طَرِيق الْمجَاز.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان﴾ يُقَال: حببه بِإِقَامَة الدَّلَائِل على وحدانيته وهدايتهم إِلَيْهَا.
وَيُقَال: حببه بِذكر الثَّوَاب والوعد الصَّادِق.
وَقَوله: ﴿وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ حَتَّى قبلوه وآثروه على طَرِيق غَيره، وطبع الْآدَمِيّ مجبول على اخْتِيَار مَا زين فِي قلبه، فَلَمَّا هدى الله الْمُؤمنِينَ إِلَى الْإِيمَان، وأمال قُلُوبهم إِلَيْهِ حَتَّى قبلوه، سمى ذَلِك تزيينا للْإيمَان فِي قُلُوبهم.
وَقَوله: ﴿وَكره إِلَيْكُم الْكفْر﴾ يُقَال: كره الْكفْر بِذكر الْوَعيد والتخويف على فعله.
وَقَوله: ﴿والفسوق والعصيان﴾ والفسوق: كل مَا يفسق بِهِ الْإِنْسَان أَي: يخرج بِهِ عَن طَاعَة الله.
والعصيان: مُخَالفَة الْأَمر.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة﴾ أَي: المهتدون تفضلا من الله وإنعاما.
وَقَوله: ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ أَي: عليم بخلقه، حَكِيم فِيمَا يدبره لَهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير وَغَيره: الْآيَة فِي الْأَوْس والخزرج، كَانَ بَينهم قتال بِالْجَرِيدِ وَالنعال وَالْأَيْدِي فِي أَمر تنازعوه بَينهم.
﴿من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا﴾
وَقَالَ غَيره وَهُوَ قَتَادَة: هُوَ فِي رجلَيْنِ اخْتَصمَا فِي عهد النَّبِي فِي حق بَينهمَا، فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر: لآخذن مِنْك عنْوَة تعززا بِكَثْرَة عشيرته، وَقَالَ الآخر: لَا، بل أحاكمك إِلَى رَسُول الله، فَلم يزل بَينهمَا الْأَمر حَتَّى تواثبا وتضاربا، (وَكَانَ بَينهمَا قتال) بالنعل وَالْيَد، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَالَ مُجَاهِد: الطَّائِفَة اسْم للْوَاحِد إِلَى ألف وَأكْثر.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي لما قدم الْمَدِينَة قيل لَهُ: لَو أتيت عبد الله بن أبي بن سلول فدعوته إِلَى الْإِيمَان، فَركب حمارا وَتوجه إِلَيْهِ، وَكَانَت الأَرْض أَرضًا سبخَة، وَأَصْحَابه حوله فثار الْغُبَار، فَلَمَّا بلغ الْموضع الَّذِي فِيهِ عبد الله بن أبي بن سلول وَعِنْده جمَاعَة، قَالَ: إِلَيْك عَنَّا يَا مُحَمَّد، فقد أذانا نَتن حِمَارك.
فَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة: وَالله إِن حِمَاره أطيب (ريحًا) مِنْك.
فَغَضب لعبد الله بن أبي سلول قوم، ولعَبْد الله بن رَوَاحَة قوم، فثار بَينهم الشَّرّ، وتقاتلوا بِالْعِصِيِّ وَالنعال وَمَا أشبه ذَلِك، وَأَرَادَ النَّبِي أَن يسكنهم فَلم يُمكنهُ، ثمَّ إِنَّهُم سكنوا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَذكر البُخَارِيّ خَبرا فِي الصَّحِيح بِرِوَايَة أنس قَرِيبا من هَذَا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، وَإِنَّمَا سمى الله تَعَالَى ذَلِك مقاتلة؛ لِأَن الجري عَلَيْهِ يُؤَدِّي إِلَى الْقَتْل، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ من قصَّة عبد الله بن أبي بن سلول وَعبد الله بن رَوَاحَة ذكره الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَغَيرهمَا.
وَقَوله: ﴿فأصلحوا بَينهمَا﴾ أَي: فَاسْعَوْا (لدفع) الْفساد وَإِزَالَة الشَّرّ.
وَاعْلَم أَنه إِذا وَقع مثل هَذَا بَين طائفتين يجب على الإِمَام أَن يَنُوب عَن الإِمَام ينظر بَينهمَا ويحملهما على الْحق، فَإِن امْتنعت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَن قبُول الْحق [ردهَا]
﴿فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ واقسطوا إِن الله يحب المقسطين (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ إِلَى الْحق أَولا بالْكلَام، ثمَّ يترقى دَرَجَة دَرَجَة إِلَى أَن يبلغ الْقِتَال، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ أَي: ترجع إِلَى أَمر الله.
وَقَوله: ﴿فَإِن فاءت﴾ أَي: رجعت، وَمَعْنَاهُ: انقادت للحق.
وَقَوله: ﴿فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ﴾ أَي: بِالْحَقِّ.
وَقَوله: ﴿وأقسطوا﴾ أَي: وأعدلوا.
وَقَوله: ﴿إِن الله يحب المقسطين﴾ أَي: العادلين، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " المقسطون يَوْم الْقِيَامَة عَن يَمِين الرَّحْمَن، قيل: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الَّذين عدلوا فِي حكمهم لأَنْفُسِهِمْ وأهليهم وَمَا ولوا ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾ أَي: فِي التوالي والتعاضد والتراحم، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ . وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا ". وَرُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ: " الْمُؤْمِنُونَ كَنَفس وَاحِدَة، إِذا اشْتَكَى بعضه تداعى سائره للحمى والسهر ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة ابْن عمر أَن النَّبِي قل: " الْمُسلم أَخُو الْمُسلم، لَا يَظْلمه، وَلَا