تفسير السمعانيصفحات 370-384
أهل الأثرالأرشيف العلمي

آل عمران

صفحات 370-384
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿قَائِما فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر كَأَن لم يدعنا إِلَى ضرّ مَسّه كَذَلِك زين للمسرفين مَا كَانُوا يعْملُونَ (12) وَلَقَد أهلكنا الْقُرُون من قبلكُمْ لما ظلمُوا وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا ليؤمنوا كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين (13) ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من﴾ كَانُوا يعْملُونَ) من الدُّعَاء عِنْد الْبلَاء، وَترك الشُّكْر عِنْد الرخَاء.
وَفِيه معنى آخر: وَهُوَ أَنه كَمَا زين لكم أَعمالكُم، كَذَلِك زين للمسرفين الَّذين كَانُوا من قبلكُمْ أَعْمَالهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أهلكنا الْقُرُون من قبلكُمْ لما ظلمُوا وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا ليؤمنوا﴾ قَالَ الزّجاج: هَذَا فِي قوم علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَنعهم الله من الْإِيمَان جَزَاء على كفرهم.
قَوْله: ﴿كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن قَول ابْن الْأَنْبَارِي أصح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ﴾ يَعْنِي: خلفاء فِي الأَرْض من بعدهمْ ﴿لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ: ليختبركم فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ.
رُوِيَ عَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: يَا ابْن أم عمر، لقد اسْتخْلفت، فَانْظُر كَيفَ تعْمل.
وَرُوِيَ أَنه قَالَ فِي موعظته: أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِن الله استخلفكم لينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ، فأروا الله أَعمالكُم الْحَسَنَة، وَكفوا عَن الْأَعْمَال القبيحة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله﴾ رُوِيَ فِي التفاسير أَن الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي: يَا مُحَمَّد، إِن كنت تُرِيدُ أَن نؤمن لَك فأت بقرآن لَيْسَ فِيهِ سبّ آلِهَتنَا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْبَعْث والنشور وَإِن لم ينزله الله هَكَذَا، فقله من عِنْد نَفسك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: أيش الْفرق بَين قَوْله: ﴿ائْتِ بقرآن غير هَذَا﴾ [وَقَوله] : ﴿أَو بدله﴾ أَلَيْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِد؟

﴿بعدهمْ لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ (14) وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم (15) قل لَو شَاءَ الله مَا تلوته عَلَيْكُم وَلَا أدراكم بِهِ فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله أَفلا تعقلون (16) فَمن أظلم مِمَّن﴾ الْجَواب: أَن مَعْنَاهُمَا مُخْتَلف، وَقَوله: ﴿ائْتِ بقرآن غير هَذَا﴾ يجوز أَن يَأْتِي بِغَيْرِهِ مَعَه، وَقَوله: ﴿أَو بدله﴾ لَا يكون إِلَّا أَن يتْرك هَذَا وَيَأْتِي بِغَيْرِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لم أقل هَذَا من تِلْقَاء نَفسِي حَتَّى أَقُول غَيره من تِلْقَاء نَفسِي.

ثمَّ قَالَ: ﴿قل لَو شَاءَ الله مَا تلوته عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: لَو شَاءَ الله مَا أنزل الْقُرْآن عَليّ، ﴿وَلَا أدراكم بِهِ﴾ أَي: وَلَا أعلمكُم الله بِهِ ﴿فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله﴾ الْعُمر والعمر بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر: (بَان الشَّبَاب وأخلف الْعُمر ... وتنكر الإخوان والدهر) وَقدر الْعُمر الَّذِي لبث فيهم من قبله: هُوَ أَرْبَعُونَ سنة بِاتِّفَاق أهل الْعلم؛ فَإِن النَّبِي بعث إِلَيْهِم وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، ولبث بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة، وبالمدينة عشرا، وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة.
وَفِي رِوَايَة عَن أنس " أَن النَّبِي مكث بِمَكَّة عشرا، وبالمدينة عشرا وتوفاه الله على رَأس سِتِّينَ سنة.
وَالرِّوَايَة الأولى أظهر وَأشهر.
قَوْله ﴿أَفلا تعقلون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تفقهون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته إِنَّه لَا يفلح المجرمون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل:

﴿افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته إِنَّه لَا يفلح المجرمون (17) ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله قل أتنبئون الله بِمَا لَا يعلم فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاس﴾ كَيفَ قَالَ: ﴿وَلَا يضرهم﴾ وَلَا شكّ أَنه ضرهم؟ الْجَواب عَنهُ مَعْنَاهُ: لَا يضرهم إِن تركُوا عِبَادَته، وَلَا يَنْفَعهُمْ إِن عبدوه.
وَقَوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله وهم لَا يُؤمنُونَ بِالْبَعْثِ؟ . الْجَواب: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله فِي مصَالح مَعَايِشنَا فِي الدُّنْيَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل أتنبئون الله﴾ أَي: أتخبرون الله؟ ﴿بِمَا لَا يعلم فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَحَقِيقَة الْآيَة: الرَّد أَو الْإِنْكَار عَلَيْهِم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاس إِلَّا أمة وَاحِدَة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: قَول مُجَاهِد وَهُوَ: أَن النَّاس كَانُوا على الْإِسْلَام فِي زمَان آدم إِلَى أَن قتل أحد ابنيه الآخر ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ . وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْعَرَب كَانُوا على دين إِبْرَاهِيم حَتَّى اخْتلفُوا.
وَمن الْمَعْرُوف أَن أول من غير دين إِبْرَاهِيم من الْعَرَب هُوَ عَمْرو بن لحي.
وَثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت [عَمْرو] بن لحي يجر قصبه فِي النَّار ". وَيُقَال فِي الْآيَة: إِن المُرَاد من " الْأمة " أهل سفينة نوح عَلَيْهِ السَّلَام.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك﴾ يَعْنِي: فِي التَّأْجِيل والإمهال ﴿لقضى بَينهم فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَي: لحكم بَينهم فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

﴿إِلَّا أمة وَاحِدَة فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك لقضي بَينهم فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه فَقل إِنَّمَا الْغَيْب لله فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين (20) وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة من بعد ضراء مستهم إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا قل﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ الرَّسُول قد أَتَى بِالْآيَاتِ على زعمكم؟ الْجَواب عَنهُ: بلَى، وَمعنى الْآيَة: هلا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه على مَا نقترحه.
﴿فَقل إِنَّمَا الْغَيْب لله﴾ يَعْنِي: علم الْغَيْب لله، إِن شَاءَ أَتَى بِالْآيَةِ الَّتِي تسألونها وَإِن شَاءَ لم يَأْتِ ﴿فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ يَعْنِي: انتظروا الْغَيْب إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة من بعد ضراء مستهم﴾ الذَّوْق: تنَاول مَاله طعم بفمه ليجد طعمه، فَأَما الرَّحْمَة هَاهُنَا فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الْعَافِيَة، وَالْآخر: أَنَّهَا الخصب وَالنعْمَة.
وَالضَّرَّاء فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الشدَّة، وَالْآخر: أَنَّهَا الجدب والقحط.
﴿مستهم﴾ أَي: أَصَابَتْهُم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا﴾ الْمَكْر: صرف الشَّيْء عَن وَجهه بطرِيق الْحِيلَة.
قَالَ مُجَاهِد: ﴿إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا﴾ أَي: تَكْذِيب واستهزاء.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل الله أسْرع مكرا﴾ يَعْنِي: أَشد أخذا.
وَيُقَال: مَعْنَاهُ: إِن مَا يَأْتِي من الْعَذَاب من قبله أسْرع فِي إهلاككم مِمَّا يَأْتِي مِنْكُم فِي دفع الْحق وتكذيبه.
وَقَوله: ﴿إِن رسلنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ قُرِئت بقراءتين: " يسيركم " و " ينشركم "، وَالْمَعْرُوف: " يسيركم " وَمَعْنَاهُ: تسهيل طَرِيق السّير عَلَيْكُم فِي الْبر وَالْبَحْر.
وَأما من قَرَأَ: " ينشركم " مَعْنَاهُ: يبثكم.
وَرُوِيَ عَن الضَّحَّاك أَنه قَالَ: الْبَحْر هُوَ الْأَمْصَار، وَالْبر هُوَ الْبَوَادِي.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك﴾ قَالَ أهل

﴿الله أسْرع مكرا إِن رسلنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ اللُّغَة: الْفلك تؤنث وتذكر.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وجرين بهم﴾ وَقَالُوا أَيْضا: إِن الْفلك يكون بِمَعْنى الْوَاحِد وَبِمَعْنى الْجمع.
وَقَوله: ﴿برِيح طيبَة﴾ أَي: هينة لينَة.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الرّيح من روح الله، فسألوا الله من خَيرهَا، وتعوذوا بِاللَّه من شَرها ". فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم﴾ فَهَذَا تَغْيِير الْكَلَام عَن وَجهه؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْعَرَب تقيم المعاينة مقَام المخاطبة، والمخاطبة مقَام المعاينة، قَالَ الشَّاعِر: (وشطت مَزَار العاشقين فَأَصْبَحت ... عسيرا على طلابك ابْنة مخرم) وَمِنْهُم من قَالَ: معنى الْآيَة: حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة يَا مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ وَهِي الشَّدِيدَة الْمهْلكَة، قَالَ الشَّاعِر: (فِي فيلق شهباء ملمومة ... تعصف بالحاسر والدارع) وَقَوله: ﴿وجاءهم الموج من كل مَكَان﴾ الموج: مَا يظْهر على الْبَحْر من الرّيح.

﴿وجاءهم الموج من كل مَكَان وظنوا أَنهم أحيط بهم دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ وَقَوله: ﴿وظنوا﴾ وتيقنوا ﴿أَنهم أحيط بهم﴾ يُقَال لمن كَانَ فِي بلَاء وَشدَّة: إِنَّه قد أحيط بِهِ.
وَقَوله: ﴿دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم أَخْلصُوا فِي الدُّعَاء، وَلم يدعوا أحدا سوى الله.
وَقَوله: ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ الْبَغي: هُوَ قصد الاستعلاء على الْغَيْر بالظلم، وَالْبَغي هَا هُنَا بِمَعْنى الْفساد، وَيُقَال: بغي الْجرْح إِذا أدّى إِلَى الْفساد، وبغت الْمَرْأَة إِذا فجرت.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يُؤَخر الله صَاحب بغي " أَي: لَا يمهله.
وَفِي الْأَخْبَار - أَيْضا -: " الْبَغي مصراعة ". ثمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم﴾ أَي: وبال بَغْيكُمْ عَلَيْكُم.
قَوْله ﴿مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وقرىء: " مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا "؛ فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع مَعْنَاهُ: هُوَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمن قَرَأَ بِالنّصب مَعْنَاهُ: يمتعون مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا.
وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: الْمَتَاع: زَاد الرَّاكِب.
وَقَالَ أهل الْمعَانِي: حَقِيقَة معنى الْآيَة: أَن الْبَغي مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا.

﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا ثمَّ إِلَيْنَا مرجعكم فننبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (23) إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام حَتَّى إِذا أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بهَا وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِلَيْنَا مرجعكم فننبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: نخبركم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا صفة الْحَيَاة الدُّنْيَا ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء﴾ أَي: من السَّحَاب ﴿فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض﴾ يَعْنِي: اخْتَلَط الْمَطَر بالنبات، والنبات بالمطر ﴿مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا أخذت الأَرْض زخرفها﴾ الزخرف: كَمَال الْحسن، وَالذَّهَب زخرف؛ لكماله فِي الْحسن، وَمعنى الزخرف هَاهُنَا: الْبَهْجَة والنضرة.
وَقَوله: ﴿وازينت﴾ أَي: تزينت، وَقَالُوا مَعْنَاهُ: أنبتت وأثمرت وأينعت.
وَقَوله: ﴿وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾ مَعْنَاهُ: وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون على جذاذها وقطافها وحصادها.
وَقَوله: ﴿أَتَاهَا أمرنَا لَيْلًا أَو نَهَارا﴾ أَي: عذابنا لَيْلًا أَو نَهَارا.
وَقَوله: ﴿فجعلناها حصيدا﴾ الحصيد: المحصود، وَالْمعْنَى هَا هُنَا: هُوَ الاستئصال بِالْعَذَابِ.
وَقَوله: ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: كَأَن لم تعمر بالْأَمْس.
وَقَالَ غَيره: كَأَن لم يكن قَائِما بالْأَمْس، يُقَال: غنى فلَان بِالْمَكَانِ إِذا قَامَ فِيهِ، والمغاني هِيَ الْمنَازل، قَالَ لبيد: (وَلَقَد سئمت من الْحَيَاة وطولها ... وسؤال هَذَا النَّاس كَيفَ لبيد) (وغنيت سبتا قبل مجْرى داحس ... لَو كَانَ للنَّفس اللجوج خُلُود) وَمعنى غنيت: أَقمت، والسبت: الدَّهْر هَاهُنَا.
قَالَ قَتَادَة: معنى الْآيَة: هُوَ أَن المتشبث بالدنيا يَأْتِيهِ أَمر الله وعذابه أغفل مَا يكون وأعجب بهَا.
وَقَوله ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يتفكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿أَتَاهَا أمرنَا لَيْلًا أَو نَهَارا فجعلناها حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾

قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ فِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " مَا من يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس إِلَّا وبجنبتيها ملكان يسمعان الْخَلَائق إِلَّا الثقلَيْن: أَلا هلموا إِلَى ربكُم، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يدعوا إِلَى دَار السَّلَام﴾ . وَفِي الْآثَار - أَيْضا -: " أَنه مَا من يَوْم وَلَا ليل إِلَّا وينادى مُنَاد: يَا طَالب الْخَيْر هَلُمَّ، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر.
وَأما دَار السَّلَام: فالدار هِيَ الْجنَّة، وَفِي السَّلَام قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه هُوَ الله.
وَالْآخر: أَن السَّلَام بِمَعْنى السَّلامَة؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام من الْآفَات.
وروى أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر، عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن على رَأْسِي جِبْرِيل، وَكَأن

﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يتفكرون (24) وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (25) ﴾ على رجْلي مِيكَائِيل، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: اضْرِب لَهُ مثلا، فَقَالَ الآخر: مثلك يَا مُحَمَّد مثل ملك بنى دَارا ثمَّ بنى فِي دَار بَيْتا، ثمَّ وضع فِي الْبَيْت مأدبة، ثمَّ دَعَا إِلَيْهَا النَّاس، فَمنهمْ التارك وَمِنْهُم الْمُجيب، فالملك: هُوَ الله تَعَالَى، وَالدَّار: هُوَ الْإِسْلَام، وَالْبَيْت: الْجنَّة، والداعي: أَنْت، فَمن أجَاب دخل الْجنَّة، وَمن دخل الْجنَّة أكل مِنْهَا ". وَقَوله: ﴿وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم: هُوَ الْإِسْلَام، وَفِيه أَقْوَال أخر، ذَكرنَاهَا من قبل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ الْإِحْسَان هَاهُنَا: الْإِسْلَام، وَالْإِحْسَان: هُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَاخْتلفُوا فِي الْحسنى وَزِيَادَة، فَروِيَ عَن أبي بكر الصّديق وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَابْن عَبَّاس، وَحُذَيْفَة، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: الْحسنى: هِيَ الْجنَّة، وَالزِّيَادَة: هِيَ النّظر إِلَى الله عز وَعلا.
وروى أَبُو الْقَاسِم بن بنت منيع، عَن هدبة بن خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، عَن صُهَيْب - رَضِي الله عَنْهُم - أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة قَالَ الله - تَعَالَى -: يَا أهل الْجنَّة، إِن لكم عِنْدِي موعدا وَأَنا منجزكموه، فَقَالُوا: وَمَا ذَلِك؟ ألم تبيض وُجُوهنَا؟ ألم تثقل موازيننا؟ ألم تُدْخِلنَا الْجنَّة وتخلصنا من النَّار؟ قَالَ: فيتجلى لَهُم فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجهه، فَمَا أعْطوا شَيْئا هُوَ أحب (إِلَيْهِم) من النّظر إِلَيْهِ، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ ".

﴿للَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ قَالَ الإِمَام أَبُو المظفر: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور بِالتَّخْفِيفِ بِبَغْدَاد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن بنت منيع ... الْخَبَر خرجه مُسلم فِي " الصَّحِيح ". وَفِي الْآيَة أَقْوَال آخر.
وروى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: الزِّيَادَة: غرفَة من اللُّؤْلُؤ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب.
وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: الْحسنى: هِيَ الْمثل من الثَّوَاب، وَالزِّيَادَة: هِيَ الزِّيَادَة على الْمثل إِلَى سَبْعمِائة ضعف.
وَقَالَ مُجَاهِد: الْحسنى، هِيَ الْمثل، وَالزِّيَادَة: رضوَان الله تَعَالَى.
قَوْله ا \ تَعَالَى: ﴿وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة﴾ القتر: سَواد الْوَجْه، وأصل (القتار) : هُوَ الدُّخان.
قَوْله: ﴿وَلَا ذلة﴾ أَي: هوان.
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا﴾ الْآيَة، هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يَجْزِي إِلَّا مثلهَا﴾ . قَوْله: ﴿ [و] ترهقهم ذلة﴾ أَي: تغشاهم ذلة، أَي: ذل.
﴿مَا لَهُم من الله من عَاصِم﴾ أَي: مَانع.
وَقَوله: ﴿كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا﴾ قُرِئت بقراءتين: " قطعا " و " قطعا "، فالقطع

﴿وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ (26) وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وترهقهم ذلة مَا لَهُم من الله من عَاصِم كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلما أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (27) وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا مَكَانكُمْ أَنْتُم وشركاؤكم فزيلنا بَينهم وَقَالَ﴾ بتحريك الطَّاء - جمع الْقطعَة، وَالْقطع - بِسُكُون الطَّاء - وَاحِد.
فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: " قطعا من اللَّيْل مظْلمَة "؟ قُلْنَا: تَقْدِير الْآيَة: قطعا من اللَّيْل فِي حَال ظلمته، هَكَذَا قَالَه أهل اللُّغَة.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا مَكَانكُمْ أَنْتُم وشركاؤكم﴾ الْآيَة.
معنى الْآيَة: ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا: الزموا أَنْتُم وشركاؤكم مَكَانكُمْ.
قَوْله: ﴿فزيلنا بَينهم﴾ مَعْنَاهُ: ميزنا بَينهم يَعْنِي: فرقنا بَين الْمُشْركين والأصنام؛ وَهُوَ من قَوْله: زلت، لَا من قَوْله: ذلت ﴿وَقَالَ شركاؤكم مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ﴾ الشُّرَكَاء: هِيَ الْأَصْنَام الَّتِي جعلوها شُرَكَاء لله تَعَالَى على زعمهم.
وَقَوله: ﴿مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ﴾ مَعْنَاهُ: كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ بطلبنا ودعوتنا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكفى بِاللَّه شَهِيدا بَيْننَا وَبَيْنكُم إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُنَالك تبلو﴾ الْآيَة، قُرِئت بقراءتين: " تتلو " و " تبلو " فَقَوله: " تبلو " قَالَ مُجَاهِد: تختبر، مَعْنَاهُ: تَجدهُ وتقف عَلَيْهِ، وَقَوله " تتلو " قَالَ الْأَخْفَش: يقْرَأ، فَيكون فِي معنى قَوْله: ﴿يخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا﴾ .

﴿شركاؤهم مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ (28) فَكفى بِاللَّه شَهِيدا بَيْننَا وَبَيْنكُم إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين (29) هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت وردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى " تتلو ": تتبع، قَالَ الشَّاعِر: (أرى الْمُرِيب يتبع المريبا ... كَمَا رَأَيْت الذيب يَتْلُوا الذيبا) قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس مَا أسلفت﴾ أَي: مَا قدمت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ فَكيف وَجه الْآيَتَيْنِ؟ . الْجَواب عَنهُ: أَن الْمولى هُنَاكَ بِمَعْنى النَّاصِر والحافظ، وَالْمولى هَاهُنَا بِمَعْنى الْمَالِك، فَلم يكن بَين الْآيَتَيْنِ اخْتِلَاف.
وَقَوله [تَعَالَى] ﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: فَاتَ عَنْهُم مَا كَانُوا يكذبُون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ الرزق من السَّمَاء بالمطر، وَمن الأَرْض بالنبات.
وَقَوله: ﴿أم من يملك السّمع والأبصار﴾ مَعْنَاهُ: وَمن أَعْطَاكُم الأسماع والأبصار.
وَقَوله ﴿وَمن يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ مَعْنَاهُ: وَمن يخرج النُّطْفَة من الْحَيّ، والحي من النُّطْفَة، والسنبلة من الْحبّ، وَالْحب من السنبلة، وَالْبيض من الطير وَالطير من الْبيض، وَالشَّجر من النواة، والنواة من الشّجر، وَالْمُؤمن من الْكَافِر، وَالْكَافِر من الْمُؤمن.
وَقَوله ﴿وَمن يدبر الْأَمر﴾ وَمن يقْضِي الْأَمر.
وَقَوله: ﴿فسيقولون الله فَقل أَفلا تَتَّقُون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تَتَّقُون الشّرك مَعَ هَذَا الْإِقْرَار.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فذلكم الله ربكُم الْحق﴾ مَعْنَاهُ: فذلكم الَّذِي صفته هَذَا هُوَ ربكُم الْحق.
وَقَوله: ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ مَعْنَاهُ: فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الْبَاطِل.

﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون (30) قل من يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض أَمن يملك السّمع والأبصار وَمن يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وَمن يدبر الْأَمر فسيقولون الله فَقل أَفلا تَتَّقُون (31) فذلكم الله ربكُم الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال فَأنى تصرفون (32) ﴾ وَرُوِيَ عَن حَرْمَلَة أَنه قَالَ: سَأَلت (مَالك بن أنس) عَن الْغناء، فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة: ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال "﴾ وَرُوِيَ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد من التَّابِعين نَحوا من هَذَا فِي هَذَا الْمَعْنى.
وَقَوله ﴿فَأنى تصرفون﴾ أَي: كَيفَ يعدل بكم عَن وَجه الْحق؟ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك حقت﴾ أَي: وَجَبت ﴿كلمة رَبك﴾ أَي: حِكْمَة رَبك ﴿على الَّذين فسقوا﴾ أَي: كفرُوا ﴿أَنهم لَا يُؤمنُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هَذَا فِي أَقوام بأعيانهم علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل من شركائكم من يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ مَعْنَاهُ: ينشىء الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ.
وَقَوله: ﴿قل الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ مَعْنَاهُ: ينشىء الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ، وَمعنى الْإِعَادَة: هِيَ الْإِحْيَاء للبعث يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله ﴿فَأنى تؤفكون﴾ مَعْنَاهُ: فَكيف تصرفون؟ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل من شركائكم من يهدي إِلَى الْحق قل الله يهدي للحق﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَقَوله: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الْحق أَحَق أَن يتبع أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى﴾ قُرِئت بقراءات كَثِيرَة قَالَ أهل الْعَرَبيَّة: أَصَحهَا: " أَمن لَا يهدي " أَو " يهدي " على وَجه الْإِدْغَام؛ لِأَن مَعْنَاهُ: يَهْتَدِي.
ثمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا أَن يهدى﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿إِلَّا أَن يهدى﴾ والأصنام لَا يتَصَوَّر فِيهَا أَن تهدى وَلَا أَن تهتدي؟ الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن معنى الْهِدَايَة هَاهُنَا هِيَ النَّقْل، يعْنى: لَا ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان إِلَّا أَن ينْقل.

﴿كَذَلِك حقت كلمت رَبك على الَّذين فسقوا أَنهم لَا يُؤمنُونَ (33) قل هَل من شركائكم من يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ قل الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ فَأنى تؤفكون (34) قل هَل من شركائكم من يهدي إِلَى الْحق قل الله يهدي للحق أَفَمَن يهدي أَي الْحق أَحَق أَن يتبع أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى فَمَا لكم كَيفَ تحكمون (35) وَمَا يتبع أَكْثَرهم إِلَّا ظنا إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا إِن الله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ وتفصيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من﴾ وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن هَذَا مَذْكُور على وَجه الْمجَاز؛ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْأَصْنَام أَنَّهَا تسمع وتعقل وتهدي، فَذكر ذَلِك فِي الْأَصْنَام على وفْق مَا يَعْتَقِدُونَ، وَجعلهَا بِمَنْزِلَة من يعقل فِي هَذَا الْخطاب، وَأثبت عجزها عَن الْهِدَايَة.
قَوْله: ﴿فَمَا لكم كَيفَ تحكمون﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا يتبع أَكْثَرهم إِلَّا ظنا﴾ الْآيَة، الظَّن: حَالَة بَين الشَّك وَالْيَقِين.
وَقَوله: ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: إِن الظَّن لَا يقوم مقَام الْحق بِحَال.
وَقَوله: ﴿إِن الله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ الْآيَة، وَفِيه وَجْهَان من الْمَعْنى: أَحدهمَا: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن افتراء من دون الله.
وَالْوَجْه الثَّانِي: وَمَا يَنْبَغِي لمثل هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا يَنْبَغِي لمثل النَّبِي أَن يغل.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَالثَّانِي: تَصْدِيق الشَّيْء الَّذِي الْقُرْآن بَين يَدَيْهِ من الْقِيَامَة والبعث.
وَقَوله: ﴿وتفصيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من رب الْعَالمين﴾ التَّفْصِيل: التَّبْيِين،

﴿رب الْعَالمين (37) أم يَقُولُونَ افتراه قل فَأتوا بِسُورَة مثله وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين (38) بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين (39) وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ وَرَبك أعلم بالمفسدين (40) وَإِن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي وَلكم عَمَلكُمْ﴾ وَمعنى بَاقِي الْآيَة مَعْلُوم.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل