الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة﴾ سَبَب هَذَا: أَن الْكفَّار قَالُوا: يَا مُحَمَّد، من يشْهد لَك بِالصّدقِ؟ فَنزلت الْآيَة: ﴿قل أَي شَيْء أكبر شَهَادَة﴾ يَعْنِي: من الله، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا على أَن الله شَيْء.
﴿قل الله شَهِيد بيني وَبَيْنكُم﴾ أَي: يشْهد لي بِالْحَقِّ، وَعَلَيْكُم بِالْبَاطِلِ.
﴿وأوحي إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ أَي: وَمن بلغه الْقُرْآن إِلَى قيام السَّاعَة، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " نضر الله وَجه امْرِئ سمع مني مقَالَة، فوعاها، ثمَّ بلغَهَا؛ فَرب مبلغ أوعى من سامع " وَقيل: مَعْنَاهُ: لأنذركم بِهِ، يَعْنِي: الْعَرَب، وَمن بلغ، يَعْنِي: الْعَجم.
﴿أئنكم لتشهدون أَن مَعَ الله آلِهَة أُخْرَى قل لَا أشهد قل إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد وإنني بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ أمره بِالْجَوَابِ عقيب السُّؤَال لما بَينا.
﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: مُحَمَّدًا، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْقُرْآن يعرفونه ﴿كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ .
﴿أنفسهم فهم لَا يُؤمنُونَ (20) وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ (22) ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ ﴿الَّذين خسروا أنفسهم فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: غبنوا أنفسهم، وغبنهم: أَنهم خسروا رَأس المَال، وَفِي الْخَبَر: أَن الله - تَعَالَى - خلق لكل آدَمِيّ منَازِل فِي الْجنَّة، فَإِن كفر خسر تِلْكَ الْمنَازل، وَجعلهَا الله - تَعَالَى - لمُؤْمِن.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا﴾ أَي: قَالَ عَلَيْهِ مَا لم يقلهُ ﴿أَو كذب بآياته﴾ يَعْنِي: آيَات الْقُرْآن ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا﴾ أَرَادَ بِهِ: حشر الْقِيَامَة ﴿ثمَّ [نقُول] للَّذين أشركوا أَيْن شركاءكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ يَعْنِي أَيْن الشُّرَكَاء الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ أَنهم شُرَكَاء الله، والزعم قَول الْكَذِب، قَالَ ابْن عَبَّاس: الزَّعْم الْكَذِب فِي كل مَوضِع، وَفِي الْآثَار: " زَعَمُوا مَطِيَّة الْكَذِب ".
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ قَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ: ثمَّ لم تكن معذرتهم - وَقَالَ غَيره: ثمَّ لم يكن كَلَامهم - إِلَّا أَن قَالُوا.
قَالَ الزّجاج: فِي قَوْله: ﴿ثمَّ لم تكن فتنتهم﴾ معنى لطيف، وَذَلِكَ مثل الرجل يفتن (بمحبوب) ثمَّ تصيبه فِي ذَلِك محنة؛ فيتبرأ من محبوبه؛ فَيُقَال: لم تكن فتنته إِلَّا هَذَا، كَذَلِك الْكفَّار لما فتنُوا بمحبة الْأَصْنَام، ثمَّ إِذا رَأَوْا الْعَذَاب يتبرءون مِنْهَا.
يَقُول الله - تَعَالَى -: {ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين
( ﴿23) انْظُر كَيفَ كذبُوا على أنفسهم وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون (24) وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا حَتَّى إِذا جاءوك يجادلونك يَقُول الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾
انْظُر كَيفَ كذبُوا على أنفسهم) كذبهمْ عل أنفسهم: تبرئهم من الشّرك ﴿وضل﴾ أَي: ذهب ﴿عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ هَذَا فِي رُؤَسَاء الْمُشْركين، مثل: أبي سُفْيَان بن حَرْب - حِين كَانَ مُشْركًا - وَأبي جهل بن هِشَام، وَعتبَة، وَشَيْبَة ابْني ربيعَة، والوليد بن الْمُغيرَة، وَغَيرهم، كَانُوا يَسْتَمِعُون الْقُرْآن؛ فَقَالُوا: لأبي سُفْيَان: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أرى فِيهِ حَقًا وباطلا.
فَقَالَ أَبُو جهل: حَتَّى تفاخرنا واستوينا فِي الْمجد، واستوت بِنَا الركب، تَزْعُمُونَ أَن مِنْكُم نَبيا يَا بني عبد منَاف، وَالله لَا نقر بِهَذَا، وَفِي رِوَايَة: [للْمَوْت] أَهْون علينا من هَذَا.
﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ هِيَ جمع " الكنان " كالأعنة جمع الْعَنَان وَهِي الأغطية ﴿أَن يفقهوه﴾ قَالَ بَعضهم: كَرَاهَة أَن يفقهوه، وَقَالَ آخَرُونَ: أَن لَا يفقهوه ﴿وَفِي آذانهم وقرا﴾ أَي: وَجَعَلنَا فِي آذانهم صمما، قَالَ ابْن عَبَّاس: والوقر: أَصله الثّقل؛ وَمن ثقل الْأذن جَاءَ الصمم.
﴿وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا﴾ هَذَا فِي معجزات النَّبِي، وَمَا أَرَاهُم من الْآيَات.
يَقُول الله - تَعَالَى -: وَإِن يرَوا جَمِيع تِلْكَ الْآيَات لَا يُؤمنُوا بهَا، وَقيل: إِنَّهُم اقترحوا آيَة؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا﴾ وَهَذَا فِي قوم مخصوصين، علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ.
﴿حَتَّى إِذا جاءوك يجادلونك يَقُول الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾ مجادلتهم: أَنهم قَالُوا للنضر بن الْحَارِث بن كلدة، وَكَانَ قد نظر فِي الْكتب الْمنزلَة،
( ﴿25) وهم ينهون عَنهُ وينئون عَنهُ وَإِن يهْلكُونَ إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَو﴾ وَكَانَ مِمَّن يستمع الْقُرْآن؛ فَقَالُوا لَهُ: مَا تَقول فِي هَذَا؟ قَالَ: إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين، مثل أقاصيص رستم واسفنديار، وصحف الْأَوَّلين، قَالَ ثَعْلَب: الأساطير: جمع الأسطورة، وَهِي الْمَكْتُوبَة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وهم ينهون عَنهُ وينئون عَنهُ﴾ أَي: ينهون النَّاس عَن اتِّبَاع مُحَمَّد، وتباعدون عَنهُ بِأَنْفسِهِم، وَقيل: معنى قَوْله ﴿ينهون عَنهُ﴾ أَي: يَذبُّونَ عَنهُ، وَيمْنَعُونَ النَّاس عَن أَذَاهُ ﴿وينئون عَنهُ﴾ أَي: يتباعدون عَن الْإِيمَان بِهِ، وَذَلِكَ مثل أبي طَالب، كَانَ يذب عَنهُ حَال حَيَاته، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ فِي أبي طَالب.
حَتَّى روى أَنه اجْتمع عَلَيْهِ رُؤَسَاء قُرَيْش، وَقَالُوا لَهُ: اختر شَابًّا من أَصْحَابنَا وجيها، واتخذه ابْنا لَك، وادفع إِلَيْنَا مُحَمَّدًا؛ فَقَالَ أَبُو طَالب: مَا أنصفتموني، أدفَع إِلَيْكُم وَلَدي ليقْتل، وأربي ولدكم؟ !
وروى أَنه قَالَ لرَسُول الله: " لَوْلَا أَن قُريْشًا تعيرني لأقررت عَيْنك بِالْإِيمَان "، وَكَانَ يذب عَنهُ إِلَى أَن توفّي، وروى: " أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وهم ينهون عَنهُ وينئون عَنهُ﴾ فَقَالَ أَبُو طَالب: أما أَن أَدخل فِي دينك فَلَا أَدخل أبدا، وَلَكِنِّي أذب عَنْك مَا حييت "، وَله فِيهِ أَبْيَات:
(وَالله لن يصلوا إِلَيْك بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّد فِي التُّرَاب دَفِينا)
(فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غَضَاضَة ... وأبشر بِذَاكَ وقر مِنْك عيُونا)
(وَدَعَوْتنِي وَعلمت أَنَّك ناصحي ... وصدقتني ولكنت ثمَّ أَمينا)
﴿ترى إِذْ وقفُوا على النَّار فَقَالُوا يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ (27) بل بدا لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ وَإِنَّهُم﴾ (وَلَقَد علمت بِأَن دين مُحَمَّد ... من خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا) (لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذار مسَبَّة ... لَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ مُبينًا) ﴿وَإِن يهْلكُونَ إِلَّا أنفسهم﴾ أَي: لَا يرجع وبال فعلهم إِلَّا إِلَيْهِم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ أَي: دخلُوا النَّار، (وَقيل: عرضوا على النَّار) ، وَالْوُقُوف: الِاطِّلَاع على حَقِيقَة الشَّيْء ﴿فَقَالُوا يَا ليتنا نرد﴾ إِلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا﴾ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هُوَ ابْتِدَاء كَلَام، يَعْنِي: لَا نكذب أبدا، رددنا أَو لم نرد، وَقَالَ غَيره: هُوَ على نسقه، أَي: يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا، أَي: لَا نكفر بعد الرَّد إِلَى الدُّنْيَا ﴿ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَيقْرَأ " ونكون " بِنصب النُّون، وَتَقْدِيره: ولنكون من الْمُؤمنِينَ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بل بدا لَهُم﴾ قَوْله: " بل " بحتة، رد لما قَالُوا، وَقَوله: ﴿بدا لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل﴾ أَي: ظهر لَهُم مَا أخفوا من قبل من تبرئهم عَن الشّرك بقَوْلهمْ: وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين؛ وَذَلِكَ أَنهم إِذا قَالُوا ذَلِك؛ يخْتم الله على أَفْوَاههم، وتنطق جوارحهم بشركهم؛ فيبدو لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل.
﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ أَي: وَلَو ردوا إِلَى الدُّنْيَا لعادوا إِلَى الْكفْر، والشرك بِاللَّه ﴿وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ يَعْنِي: فِي قَوْلهم ﴿يَا ليتنا نرد لَا نكذب بآيَات رَبنَا﴾ وَفِي الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى يعْتَذر إِلَى آدم يَوْم الْقِيَامَة بِثَلَاث معاذير، أَحدهَا هَذَا بقوله: إِنِّي لَا أَدخل من ذريتك النَّار إِلَّا من أعلم أَنِّي لَو رَددته إِلَى الدُّنْيَا سبعين
﴿لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين (29) وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون (30) قد خسر الَّذين كذبُوا بلقاء الله حَتَّى إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة بَغْتَة قَالُوا يَا﴾ مرّة لكفر (بِي) ".
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين﴾ هَذَا فِي إنكارهم الْبَعْث وَالْقِيَامَة،
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم﴾ أَي: عرضوا على رَبهم، ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ وَذَلِكَ حِين تكشف [لَهُم] الغيوب والسرائر.
﴿قَالُوا بلَى وربنا﴾ فيقرون بهَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا فِي موقف، وَقَوله: ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ فِي موقف آخر، وَفِي الْقِيَامَة مَوَاقِف، فَفِي موقف يُنكرُونَ، وَفِي موقف يقرونَ، ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قد خسر الَّذين كذبُوا بلقاء الله﴾ أَي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم بالمصير إِلَى الله؛ فاللقاء هَا هُنَا بِمَعْنى الْمصير إِلَيْهِ ﴿حَتَّى إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة ﴿قَالُوا يَا حسرتنا﴾ هَذَا على الْمُبَالغَة، كَقَوْلِهِم: يَا عجبا، وَقَول الْقَائِل: يَا عجبا، أبلغ من قَوْله: أَنا متعجب؛ فَكَذَلِك قَوْله: ﴿يَا حسرتنا﴾ أبلغ من قَوْله: أَنا متحسر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا على وَجه النداء، كَأَنَّهُ يَقُول: أيتها الْحَسْرَة هَذَا أوانك وأيها الْعجب جَاءَ أوانك.
﴿على مَا فرطنا فِيهَا﴾ أَي: قَصرنَا فِيهَا، أَي: فِي أَمر الْقِيَامَة {وهم يحملون
﴿حسرتنا على مَا فرطنا فِيهَا وهم يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ أَلا سَاءَ مَا يزرون (31) وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لعب وَلَهو وللدار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون (32) قد﴾ أوزارهم على ظُهُورهمْ) الأوزار: الأثقال، وَاحِدهَا: وزر، وَمِنْه الْوزر، وَهُوَ الْحَبل فِي قَوْله - تَعَالَى -: ﴿كلا لَا وزر﴾ أَي: لَا حَبل وَلَا ملاذ، وَحَملهمْ الأوزار بَيَانه فِي الْخَبَر، وَهُوَ مَا روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة، فَمن كَانَ مِنْهُم برا تَلقاهُ صُورَة حَسَنَة طيبَة الرّيح، فَتَقول: أما تعرفنِي؟ أَنا عَمَلك الصَّالح، فاركبني فقد طَال مَا ركبتك، وَمن كَانَ فَاجِرًا تَلقاهُ صُورَة قبيحة مُنْتِنَة الرّيح، فَتَقول: أما تعرفنِي؟ أَنا عَمَلك الْخَبيث، وَقد طَال مَا ركبتني فَأَنا الْيَوْم أركبك ". فَهَذَا معنى قَوْله: ( ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ أَلا سَاءَ مَا يزرون﴾
وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لعب وَلَهو وللدار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون) وصف كلا الدَّاريْنِ فِي هَذِه الْآيَة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ سَبَب هَذَا: " أَن رَسُول الله مر على أبي جهل، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَنْت صَادِق عندنَا، وَإِنَّمَا نكذب بِمَا جِئْت بِهِ " فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقيل: إِنَّمَا نزل هَذَا تَسْلِيَة للرسول، يَقُول الله - تَعَالَى -: لَا تحزن؛ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك، وَيقْرَأ: " فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك " مخففا، وَالْفرق بَين التَّكْذِيب والإكذاب: أَن التَّكْذِيب: هُوَ أَن يَقُول لَهُ: كذبت، والإكذاب: هُوَ أَن يجده كَاذِبًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا﴾ فِيهِ
﴿نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون (33) وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبأ الْمُرْسلين (34) وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة وَلَو شَاءَ الله﴾ حذف، وَتَقْدِيره: وَلَقَد كذبت رسل من قبلك وأوذيت، فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا ﴿حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله﴾ أَي: لعلم الله وَأَحْكَامه ﴿وَلَقَد جَاءَك من نبأ الْمُرْسلين﴾ أَي: أَخْبَار الْمُرْسلين.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض﴾ النفق: السرب فِي الأَرْض، وَمِنْه: " النافقاء " وَهُوَ جُحر اليربوع؛ وَمِنْه: النِّفَاق، لِأَن الْمُنَافِق يدْخل نفقين ﴿أَو سلما فِي السَّمَاء [فتأتيهم بِآيَة] ﴾ أَي: درجا فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة، سَبَب هَذَا: أَن الْكفَّار كَانُوا يقترحون الْآيَات؛ وود النَّبِي أَن (يعطيهم) الله مَا اقترحوا من الْآيَات (طَمَعا) فِي أَن يرَوا الْآيَات؛ فيسلموا فَنزل قَوْله: ﴿فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة﴾ وَتَقْدِيره: إِن اسْتَطَعْت ذَلِك فافعل، وَفِيه حذف.
﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ أَي: بِأَن يُرِيهم آيَة؛ يضطرون إِلَى الْإِيمَان بهَا، وَالصَّحِيح: أَن المُرَاد بِهِ: وَلَو شَاءَ الله لطبعهم وخلقهم على الْإِيمَان؛ فَهَذَا أقرب إِلَى قَول أهل السّنة؛ لِأَن إِيمَان الضَّرُورَة لَا ينفع، وَإِنَّمَا ينفع الْإِيمَان بِالْغَيْبِ اخْتِيَارا ﴿فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾ أَي: بِهَذَا الْحَرْف، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ﴾ هَاهُنَا الْوَقْف، وَمَعْنَاهُ: إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ سَماع الْقبُول ﴿والموتى يَبْعَثهُم الله﴾ يَعْنِي: الْكفَّار {ثمَّ
﴿لجمعهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين (35) إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ والموتى يَبْعَثهُم الله ثمَّ إِلَيْهِ يرجعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نزل عَلَيْهِ آيَة من ربه قل إِن الله قَادر على أَن ينزل آيَة وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (37) وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نزل عَلَيْهِ آيَة من ربه قل إِن الله قَادر على أَن ينزل آيَة﴾ يَعْنِي: أَنه قَادر على إِنْزَال الْآيَات، وَقد أنزل كثيرا من الْآيَات والمعجزات، وَلَكِن لَا ينزل الْآيَات على اقتراح الْكفَّار ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه﴾ إِنَّمَا قيد الطيران بالجناح تَأْكِيدًا ﴿إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ أَي: أَصْنَاف أمثالكم، وَفِي الْخَبَر: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة؛ لأمرتكم بقتلها؛ فَاقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم، فَإِنَّهُ شَيْطَان "، وَمعنى الْآيَة: أَنَّهَا أمثالكم فِي الْخلق، وَالْمَوْت، والبعث، يَعْنِي: يخلقها كَمَا يخلقكم، ويميتها كَمَا يميتكم ويبعثها كَمَا يبعثكم، وَقيل: معنى قَوْله: ﴿أُمَم أمثالكم﴾ يَعْنِي: فِي الْعلم بالضار والنافع، والتوقي عَن الْهَلَاك، وَمَعْرِفَة الْعَدو.
﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: نرى كثيرا من الْأَحْكَام لَيست فِي الْكتاب، فَمَا معنى قَوْله: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ ؟ قيل: مَا من شَيْء إِلَّا وَأَصله فِي الْكتاب، وَقيل: مَا قَالَه الرَّسُول، فَإِنَّمَا قَالَه من الْكتاب؛ لِأَنَّهُ قد قَالَ فِي خبر مَعْرُوف: " أُوتيت الْقُرْآن وَمثله " وَقد قَالَ الله - تَعَالَى - {وَمَا ينْطق عَن
﴿يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون (38) وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا صم وبكم فِي الظُّلُمَات من يَشَأْ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم (39) قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله أَو أتتكم السَّاعَة أغير الله﴾ لهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى) فَكل مَا ثَبت بِالسنةِ؛ فَكَأَنَّهُ ثَابت فِي الْكتاب، وَقيل: [مَعْنَاهُ] : مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء تقع الْحَاجة إِلَيْهِ.
﴿ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ وَلَا شكّ فِي حشر الْبَهَائِم والحيوانات يَوْم الْقِيَامَة، حَتَّى روى: أَن الله - تَعَالَى - يحشرها ويقتص للجماء من القرناء، وروى أَبُو ذَر: " أَن النَّبِي رأى شَاتين تنتطحان؛ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَر، أَتَدْرِي فِيمَا نتطحان؟ فَقلت: لَا.
فَقَالَ لَكِن الله يدْرِي، وسيقضي بَينهمَا وأمثال هَذَا كثير "، وسبيل النَّاس أَن يُؤمنُوا بِهِ، ويكلوا علمه إِلَى الله - تَعَالَى - فَإِنَّهُ شَيْء لَا تهتدي إِلَيْهِ الْعُقُول، وعَلى هَذِه الْآيَة حِكَايَة: حُكيَ أَن بهْلُول الْمَجْنُون رأى أَبَا يُوسُف القَاضِي فِي الطَّرِيق؛ فَسَأَلَهُ وَقَالَ: إِن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ ثمَّ يَقُول: ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ فَمَا نَذِير الْكلاب؟ فتحير أَبُو يُوسُف عَن الْجَواب، فَأخذ بهْلُول حجرا من الأَرْض، وَقَالَ: هَذَا نَذِير الْكلاب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا صم وبكم فِي الظُّلُمَات﴾ أَي: صم عَن سَماع الْحق، وبكم عَن قَول الْحق ﴿من يَشَأْ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله﴾ قيل: عَذَاب الله: هُوَ
﴿تدعون إِن كُنْتُم صَادِقين (40) بل إِيَّاه تدعون فَيكْشف مَا تدعون إِلَيْهِ إِن شَاءَ وتنسون مَا تشركون (41) وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ (42) فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا وَلَكِن قست قُلُوبهم وزين لَهُم﴾ الْمَوْت ﴿أَو أتتكم السَّاعَة﴾ يَعْنِي: الْقِيَامَة ﴿أغير الله تدعون إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ هَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّقْرِير، يَعْنِي: لَا تدعون إِلَّا الله، وَأَرَادَ بِهِ فِي أَحْوَال الضرورات؛ فَإِن الْكفَّار فِي حَال الضرورات يدعونَ الله - تَعَالَى - كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بل إِيَّاه تدعون﴾ هَذَا تَقْرِير لما استفهم مِنْهُ فِي الْآيَة الأولى، يَعْنِي: بل تدعون الله، وَلَا تدعون غَيره ﴿فَيكْشف مَا تدعون إِلَيْهِ إِن شَاءَ﴾ قيد إِجَابَة الدعْوَة بِالْمَشِيئَةِ هَا هُنَا، وأطلقها فِي قَوْله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ .
قَالَ أهل الْعلم: وَذَلِكَ مُقَيّد بِالْمَشِيئَةِ أَيْضا، بِدَلِيل هَذِه الْآيَة.
﴿وتنسون مَا تشركون﴾ وَذَلِكَ أَنهم لما تركُوا الْأَصْنَام فِي حَال الضرورات إِلَى دُعَاء الله؛ فكأنهم نسوا مَا يشركُونَ، وَفِي الْآيَة مجَاز، وَتَقْدِير قَوْله: ﴿فَيكْشف مَا تدعون إِلَيْهِ﴾ أَي: فَيكْشف ضرّ مَا تدعون إِلَيْهِ.
وَقَوله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء﴾ البأساء: الْجُوع، والفقر، وَالضَّرَّاء: الْمَرَض، والبلوى فِي النَّفس وَالْمَال.
﴿لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ﴾ التضرع: السُّؤَال بالتذلل، وَحكى أَبُو عبيد عَن الْفراء: فلَان يتَضَرَّع، ويتصدى [أَي] أَنه سَأَلَ متذللا وبتضرع.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا﴾ أَي: فَهَلا تضرعوا ( ﴿إِذْ جَاءَهُم بأسنا﴾ وَلَكِن قست قُلُوبهم) قَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ: بلغت قُلُوبهم فِي
﴿الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ (43) فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون (44) فَقطع دابر الْقَوْم الَّذين﴾ القساوة أَنا أرسلنَا إِلَيْهِم الرُّسُل، وأريناهم الْآيَات، وأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء، فَلم يتضرعوا، وَلم يعودوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: حَتَّى مضوا على عَمَلهم وكفرهم.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء﴾ هَذَا فتح اسْتِدْرَاج ومكر، وَفِي الْآثَار: " من فتح عَلَيْهِ بَاب نعْمَة، فَلم ير أَنه مكر بِهِ فَلَا رَأْي لَهُ، وَمن أَصَابَته شدَّة فَلم ير أَنه نظر لَهُ، فَلَا رَأْي لَهُ " يَعْنِي: فِي الدّين.
﴿حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا﴾ هَذَا فَرح بطر، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ، وَذَلِكَ مثل فَرح قَارون بِمَا أصَاب من الدُّنْيَا حَتَّى قَالَ لَهُ قومه: " لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين ".
﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة ﴿فَإِذا هم مبلسون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: آيسون من حمل خير، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المبلس: النادم الحزين، وَقَالَ الْفراء: هُوَ السَّاكِت الْمُنْقَطع عَن الْحجَّة، وأنشدوا:
(يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا ... قَالَ نعم أعرفهُ وأبلسا)
وَقَالَ آخر:
(ملك إِذا طَاف الغفاة بِبَابِهِ ... غبطوا وأنجي مِنْهُم المتبلس)
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَقطع دابر الْقَوْم الَّذين ظلمُوا﴾ الدابر: الأَصْل هَا هُنَا؛ فَيكون الدابر بِمَعْنى: الآخر؛ وَمِنْه قَوْله: " من أَشْرَاط السَّاعَة كَذَا وَكَذَا، وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا دبرا "، أَي: آخرا ﴿وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ حمد الله نَفسه على إهلاكهم واستئصالهم، وَفِيه تعليمنا الْحَمد لله على هَلَاك الْكفَّار.
قَوْله - تَعَالَى -: {قل أَرَأَيْتُم إِن أَخذ الله سمعكم وأبصاركم وَختم على قُلُوبكُمْ
﴿ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (45) قل أَرَأَيْتُم إِن أَخذ الله سمعكم وأبصاركم وَختم على قُلُوبكُمْ من إِلَه غير الله يأتيكم بِهِ انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات ثمَّ هم يصدفون (46) قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة هَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نرسل الْمُرْسلين إِلَّا مبشرين ومنذرين فَمن آمن وَأصْلح فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا﴾ من إِلَه غير الله يأتيكم بِهِ) ذكر أَشْيَاء، ثمَّ قَالَ: ﴿يأتيكم بِهِ﴾ فَاخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ (بَعضهم) مَعْنَاهُ: يأتيكم بِمَا (أَخذ.
و) قَالَ آخَرُونَ: قَوْله: ﴿يأتيكم بِهِ﴾ يرجع إِلَى السّمع خَاصَّة، واندرج فِيهِ الْأَبْصَار والقلوب.
وَمن هَذَا ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن السّمع أفضل من سَائِر الْحَواس؛ حَيْثُ خصّه بِالْكِنَايَةِ، وَقَالُوا: هُوَ مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ و " الْهَاء " رَاجِعَة إِلَى الله - تَعَالَى - واندرج فِيهِ الرَّسُول ﴿انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات ثمَّ هم يصدفون﴾ أَي: يعرضون.