الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فَكيف الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب: بَينا أَن ليَوْم الْقِيَامَة مَوَاطِن ومواقف.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ لِأَنَّهُ لَا عذر لَهُم فيعتذرون.
وَقَوله: ﴿هَذَا يَوْم الْفَصْل جمعناكم والأولين فَإِن كَانَ لكم كيد فكيدون﴾ أَي: إِن كَانَ لكم حِيلَة فاحتالوا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي ظلال وعيون﴾ قيل: ظلال الْقُصُور وَالْأَشْجَار.
وَقيل: إِن الظل هُوَ مَا يدْفع أَذَى الْحر عَن الْإِنْسَان.
وهواء الْجنَّة يُنَافِي كل أَذَى فَهُوَ ظلّ على هَذَا الْمَعْنى وَإِن لم يكن هُنَاكَ شمس.
وَقَوله: ﴿وفواكه مِمَّا يشتهون﴾ أَي: يتمنون.
وَقَوله: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: المحسن من أدّى جَمِيع فَرَائض الله واجتنب جَمِيع مناهي الله.
﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (47) وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (49) فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ (50) ﴾ [المرسلات: 1 - 50]
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا وتمتعوا قَلِيلا إِنَّكُم مجرمون﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد لَا على طَرِيق الْأَمر.
وَمَعْنَاهُ: افعلوا مَا أَنْتُم فاعلون فسينالكم رعب ذَلِك وعاقبته.
وَقَوله: ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ مَعْنَاهُ: إِذا قيل لَهُم: صلوا لَا يصلونَ.
وَقيل: إِنَّهَا نزلت فِي ثَقِيف استعفوا من الصَّلَاة.
وَقيل: كَانُوا استعفوا من الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقَالَ النَّبِي: " لَا خير فِي دين لَيْسَ لَهُ رُكُوع وَلَا سُجُود ".
وَقَوله: ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ أَي: بِأَيّ كتاب بعد الْقُرْآن يُؤمنُونَ إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث بعد ظُهُور براهينه وَقيام الدَّلَائِل على أَنه من عِنْد الله؟ ! فَإِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه التّكْرَار فِي قَوْله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ فِي هَذِه السُّورَة والمرة الْوَاحِدَة تغني عَن المُرَاد بِهِ؟ وَالْجَوَاب قد بَينا هَذَا فِي سُورَة الرَّحْمَن.
وَوجه ذَلِك أَنه لما كرر ذكر النعم فِي تِلْكَ السُّورَة كرر الزّجر عَن كفرانها وَالنَّهْي عَنْهَا بقوله: ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَلما كرر ذكر الْآيَات فِي هَذِه السُّورَة لإِقَامَة الحجيج عَلَيْهِم كرر ذكر الْعقُوبَة عَلَيْهِم بِذكر الويل ليَكُون أبلغ فِي الْإِنْذَار والإعذار وَهُوَ على عَادَة كَلَام الْعَرَب فَإِن الرجل يَقُول لغيره: ألم أحسن إِلَيْك بِأَن فعلت لَك كَذَا؟ ألم أحسن بِأَن خلصتك من المكاره؟ ألم أحسن بِأَن تشفعت لَك إِلَّا فلَان؟ وَغير ذَلِك فَيحسن مِنْهُ التكرير لاخْتِلَاف مَا يقرره بِهِ.
قَالَ مهلهل بن ربيعَة يرثي أَخَاهُ كليبا على هَذَا الْمَعْنى:
(عليّ أَن لَيْسَ عدلا من كُلَيْب ... إِذا طرد (اللَّئِيم) عَن الْجَزُور)
(عليّ أَن لَيْسَ عدلا من كُلَيْب ... إِذا مَا ضيم جيران المجير)
(عليّ أَن لَيْسَ عْدلاً من كُلَيْب ... إِذا خرجت مخبأة الْخُدُور) (على أَن لَيْسَ عْدلاً من كُلَيْب ... غَدَاة بلائك الْأَمر الْكَبِير) (عَليّ أَن لَيْسَ عْدلاً من كُلَيْب ... إِذا مَا ضام جَار المستجير) وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿عَم يتساءلون (1) عَن النبأ الْعَظِيم (2) الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلفُونَ (3) كلا سيعلمون (4) ثمَّ كلا سيعلمون (5) ألم نجْعَل الأَرْض مهادا (6) ﴾ . تَفْسِير سُورَة النبأ
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿عَم يتساءلون عَن
الْعَظِيم﴾ مَعْنَاهُ: عَن مَا يتساءلون فأدغمت النُّون فِي الْمِيم، وأسقطت الْألف فَصَارَ عَم.
قَالَ الزّجاج: لَفظه لفظ الِاسْتِفْهَام، وَالْمعْنَى تفخيم الْقِصَّة مثل الْقَائِل: أَي شَيْء زيد؟
وَفِي التَّفْسِير: أَن رَسُول الله لما بعث ودعا الْمُشْركين إِلَى التَّوْحِيد جعل بَعضهم يسْأَل بَعْضًا فبماذا بعث مُحَمَّد؟ وَإِلَى مَاذَا يَدْعُو؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَمعنى يتساءلون أَي: يسْأَل بَعضهم بَعْضًا.
وَقَوله: ﴿عَن النبأ الْعَظِيم﴾ قيل مَعْنَاهُ: عَن النبأ الْعَظِيم: وَاخْتلف القَوْل فِي النبأ الْعَظِيم: روى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس: أَنه الْقُرْآن، وَعَن قَتَادَة: أَنه الْبَعْث، وَهُوَ قَول أبي الْعَالِيَة وَالربيع بن أنس وَجَمَاعَة، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: هُوَ النُّبُوَّة، وَالْقَوْلَان الْأَوَّلَانِ معروفان.
وَقَوله: ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلفُونَ﴾ أَي: مِنْهُم الْمُصدق، وَمِنْهُم المكذب.
وَقَوله: ﴿كلا سيعلمون ثمَّ كلا سيعلمون﴾ قَالَ الْحسن: هُوَ تهديد بعد تهديد.
وَعَن الضَّحَّاك قَالَ: قَوْله: ﴿كلا سيعلمون﴾ أَي: الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿ثمَّ كلا سيعلمون﴾ أَي: الْمُؤْمِنُونَ، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا جَمِيعًا للْكفَّار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نجْعَل الأَرْض مهادا﴾ لما أخبر الله تَعَالَى باختلافهم فِي الْقُرْآن وَالْقِيَامَة - وَكَانَ اخْتلَافهمْ فِي الْبَعْث بالتصديق والتكذيب - وَاخْتِلَافهمْ فِي الْقُرْآن
﴿وَالْجِبَال أوتادا (7) وخلقناكم أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلنَا نومكم سباتا (9) وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا (10) ﴾ . أَنه سحر أَو شعر أَو كهَانَة، فَذكر الله تَعَالَى الدَّلَائِل عَلَيْهِم فِي التَّوْحِيد، وَأَن مَا أنزلهُ حق وَصدق، وَعدد نعمه عَلَيْهِم، ليعترفوا بِهِ ويشكروه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مهادا﴾ أَي: بساطا وفراشا وَالنعْمَة فِي تذليلها وتوطئتها لَهُم.
وَقَوله: ﴿وَالْجِبَال أوتادا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لما خلق الله تَعَالَى الأَرْض جعلت تكفأ - وحرك ابْن عَبَّاس يَده - فخلق الله الْجبَال وأرساها بهَا - أَي: أثبتها - فَهِيَ أوتاد الأَرْض، كَمَا يثبت الشَّيْء على الْحَائِط بالوتد.
وَقَوله: ﴿وخلقناكم أَزْوَاجًا﴾ أَي: أصنافا وَمَوْضِع النِّعْمَة هِيَ سُكُون بَعضهم إِلَى بعض، فالرجل وَالْمَرْأَة زوج، وَكَذَلِكَ السَّمَاء وَالْأَرْض، وَاللَّيْل وَالنَّهَار، وَغير ذَلِك من الْخلق، وَقيل: أَزْوَاجًا أَي: متآلفين، تألفون أزواجكم، وتألفكم أزواجكم.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا نومكم سباتا﴾ قَالَ ثَعْلَب: قطعا لأعمالكم، وأصل السبات هُوَ التمدد والسكون.
وَالْمعْنَى: أَنهم ينقطعون عَن الْحَرَكَة بِاللَّيْلِ فيسكنون ويستريحون، وَقيل: سباتا أَي: رَاحَة.
وَقَالَ الشَّاعِر:
ومطوية (الأقتاب) أما نَهَارهَا ... فسبت وَأما لَيْلهَا فزميل)
أَي قطيع.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل لباسا﴾ أَي: سترا لكم، وَهُوَ مَذْكُور على طَرِيق الْمجَاز، وَوَجهه أَن ظلمَة اللَّيْل لما غشيت كل إِنْسَان كَمَا يَغْشَاهُ اللبَاس، سَمَّاهُ لباسا
{وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا (11) وبنينا فَوْقكُم سبعا شدادا (12) وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا (14) على طَرِيق الْمجَاز.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا النَّهَار معاشا﴾ أَي: مبتغى معاش ومطلب معاش، وَالْمعْنَى: أَنه الزَّمَان الَّذِي يعيشون وينصرفون فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وبنينا فَوْقكُم سبعا شدادا﴾ أَي: السَّمَاوَات السَّبع.
وَقَوله: ﴿شَدَّاد﴾ أَي: صلبة، وَفِي الْآثَار: أَن غلط كل سَمَاء مسيرَة خَمْسمِائَة عَام.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجا﴾ أَي: جعلنَا الشَّمْس وقادا متلألئا.
وَقَوله: ﴿وأنزلنا من المعصرات مَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ الرِّيَاح، وتسميتها بِهَذَا الِاسْم؛ لِأَن الرِّيَاح تلقح السَّحَاب ليَكُون فِيهِ الْمَطَر، فَكَأَن الْمَطَر كَانَ من الرِّيَاح، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المعصرات هِيَ السَّحَاب، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَجَمَاعَة.
قَالَ الْمبرد: تَسْمِيَته بالمعصرات، لِأَنَّهُ ينعصر بالمطر شَيْئا فَشَيْئًا، وَقيل: من المعصرات أَي: بالمعصرات مَاء ثجاجا.
وَقَوله: ﴿ثجاجا﴾ أَي: منصبا بعضه فِي إِثْر بعض.
وَعَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أفضل الْحَج العج والثج " فالعج رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، والثج إِرَاقَة الدِّمَاء.
وَعَن
{لنخرج بِهِ حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إِن يَوْم الْفَصْل كَانَ ميقاتا (17) يَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفتحت السَّمَاء فَكَانَت أبوابا (19) وسيرت الْجبَال فَكَانَت سرابا (20) إِن جَهَنَّم كَانَت مرصادا (21) قَتَادَة: أَن المعصرات هُوَ السَّمَاء، وَهُوَ قَول غَرِيب.
قَوْله: ﴿لنخرج بِهِ حبا ونباتا وجنات ألفافا﴾ أَي: ملتفة، وَوَاحِد الألفاف لف، والملتفة هِيَ الدَّاخِل بَعْضهَا فِي بعض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يَوْم الْفَصْل كَانَ ميقاتا﴾ أَي: ميعادا لِلْخَلَائِقِ، وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور﴾ ذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن إسْرَافيل - عَلَيْهِ السَّلَام - ينزل فيجلس على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، وَتجْعَل الْأَرْوَاح فِي الصُّور كأمثال النَّحْل، واستدارة فَم الصُّور كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، ثمَّ ينْفخ فَتخرج الْأَرْوَاح مِنْهَا، وَترجع إِلَى أجسادها.
وَقَوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ قَالَ مُجَاهِد: زمرا زمرا.
وَقَوله: ﴿وَفتحت السَّمَاء﴾ أَي: جعلت طرقا، وَقيل: فتحت أَبْوَاب السَّمَاء لنزول الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿فَكَانَت أبوابا﴾ أَي كَانَت طرقا على مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿وسيرت الْجبَال فَكَانَت سرابا﴾ أَي: هباء منبثا، وَقيل: هُوَ يصير كالسراب ترى أَنه شَيْء وَلَيْسَ بِشَيْء.
وَقَوله: ﴿إِن جَهَنَّم كَانَت مرصادا﴾ قَالَ أهل اللُّغَة: كل شَيْء كَانَ أمامك فَهُوَ رصد، وَالْمرَاد أَنه الْمَكَان الَّذِي يرصد فِيهِ الْكفَّار لنزول الْعَذَاب بهم.
وَعَن بَعضهم: يَا صَاحب الرصد، اذكر الرصد، وَقيل: مرصادا أَي: يرصدون بِالْعَذَابِ أَي: على معنى أَنه يعد لَهُم.
وَقَوله: ﴿للطاغين مآبا﴾ أَي: منقلبا، يُقَال: آب إِلَى مَكَان كَذَا أَي: رَجَعَ وانقلب.
﴿للطاغين مآبا (22) لابثين فِيهَا أحقابا (23) لَا يذوقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا (24) ﴾ .
وَقَوله: ﴿لابثين فِيهَا أحقابا﴾ الحقبة فِي اللُّغَة قِطْعَة من الزَّمَان مثل الْحِين.
قَالَ متمم بن نُوَيْرَة يرثي أَخَاهُ مَالِكًا:
(وَكُنَّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا)
أَي: قِطْعَة، وَأما الْمَنْقُول فِي التفاسير عَن السّلف فِي معنى الحقب: فأظهر الْأَقْوَال أَنه ثَمَانُون سنة، كل سنة ثلثمِائة وَسِتُّونَ يَوْمًا، كل يَوْم ألف سنة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَسَعِيد بن جُبَير، وَقَتَادَة وَغَيرهم، وَمثله عَن أبي هُرَيْرَة.
وَعَن بَعضهم: أَنه ثلثمِائة سنة، كل سنة ثلثمِائة وَسِتُّونَ يَوْمًا، كل يَوْم مثل مُدَّة الدُّنْيَا، وَعَن بَعضهم: بضع وَثَمَانُونَ عَاما، فَإِن قيل: هَذِه الْآيَة تدل على أَن عَذَاب الْكفَّار يَنْقَطِع عِنْد مُضِيّ الأحقاب؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: (أَحدهَا) : أَن مَعْنَاهُ لابثين فِيهَا أحقابا لَا يذوقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا أَي: يُعَذبُونَ بِهَذَا النَّوْع من الْعَذَاب أحقابا، وَثمّ أحقاب أخر لسَائِر أَنْوَاع الْعَذَاب، قَالَه الْمبرد.
وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ أَن معنى لابثين فِيهَا أحقابا لَا تخبو عَنْهُم النَّار، فَإِذا خبت النَّار وزيدوا سعيرا لَبِثُوا أبدا وَالْوَجْه الثَّالِث: مَا قَالَه ابْن كيسَان، وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ لابثين فِيهَا أحقابا إِلَى أحقاب لَا تَنْقَطِع أبدا.
قَالَ النّحاس: وَهُوَ أبين الْأَقْوَال.
وَقَوله: ﴿لَا يذوقون فِيهَا بردا﴾ قَالَ ثَعْلَب، نوما، وَتقول الْعَرَب: منع الْبرد، وَالْبرد أَي: نوم، وَقَالَ الشَّاعِر:
(فَإِن شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم ... وَإِن شِئْت لم أطْعم نقاخا وَلَا بردا)
النقاخ المَاء الزلَال وَقيل: " بردا " أَي: (رَاحَة) ، وَقيل: " بردا " لَا يبرد عَنْهُم حر السعير ولهبه.
وَقَوله: ﴿وَلَا شرابًا﴾ أَي: لَا يسكن مِنْهُم الْعَطش.
﴿إِلَّا حميما وغساقا (25) جزاءا وفَاقا (26) إِنَّهُم كَانُوا لَا يرجون حسابا (27) وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا (28) وكل شَيْء أحصيناه كتابا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدكُمْ إِلَّا عذَابا (30) ﴾ .
وَقَوله: ﴿إِلَّا حميما وغساقا﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْحَمِيم المَاء الْحَار، وَمِنْه الْحمى، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وظل من يحموم﴾ وَقيل: الْحَمِيم هُوَ أَنه تجمع دموعهم فيسقون.
وَقَوله: ﴿وغساقا﴾ أَي: الْقَيْح الغليظ، وَقيل: [هُوَ] صديد أهل النَّار، وَقيل: الْحَمِيم مَا هُوَ فِي نِهَايَة الْحر، والغساق مَا هُوَ فِي نِهَايَة الْبرد وَهُوَ الزَّمْهَرِير، فيعذبون بِكُل وَاحِد من العذابين.