تفسير السمعانيصفحات 70-86
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأنعام

صفحات 70-86
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ رُوِيَ أَن قُريْشًا وَالْيَهُود سَأَلُوا النَّبِي عَن قصَّة يُوسُف، فَلَمَّا أخْبرهُم بهَا على مَا كَانَ يُوَافق التَّوْرَاة، وَلم يكن فِي نَفسه قَارِئًا طمع أَن يسلمُوا فَلم يسلمُوا؛ فَحزن لذَلِك فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا أَكثر النَّاس بمؤمنين وَإِن حرصت على إِيمَانهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْأَلهُمْ عَلَيْهِ﴾ أَي: على التَّبْلِيغ ﴿من أجر﴾ أَي: من جعل وَقَوله: ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ أَي: عظة للْعَالمين.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وكأين من آيَة﴾ مَعْنَاهُ: وَكم من آيَة.
وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات﴾ السَّمَوَات: سقوف الأَرْض بَعْضهَا على بعض طبقًا طبقًا ﴿وَالْأَرْض﴾ هِيَ مَوضِع سُكْنى الْآدَمِيّين، وَأما الْآيَات فِي السَّمَوَات (كَمَا) بَينا من قبل، وَذَلِكَ من شمسها وقمرها ونجومها ودوران الْفلك بهَا، واستوائها من غير عمد وَغير ذَلِك، وَقد زعم بعض أهل الْعلم أَنه يجوز للْإنْسَان أَن يتَعَلَّم علم النُّجُوم بِقدر مَا يعرف بِهِ

﴿وكأين من آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمرونَ عَلَيْهَا وهم عَنْهَا معرضون (105) وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون (106) أفأمنوا أَن تأتيهم غاشية من عَذَاب الله أَو تأتيهم السَّاعَة بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ (107) قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن﴾ من آيَات السَّمَاء، وَأما آيَات الأَرْض مَعْلُومَة أَيْضا [وَهِي] : شَجَرهَا ونباتها وَجَمِيع مَا فِيهَا وَمَا يخرج مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿يَمرونَ عَلَيْهَا وهم عَنْهَا معرضون﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم يعرضون عَنْهَا مَعَ مشاهدتها وَلَا يستدلون بهَا على وحدانية الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يجوز اجْتِمَاع الْإِيمَان مَعَ الشّرك فِي الْوَاحِد؟ الْجَواب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه﴾ أَي: وَمَا يقر أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون بقلوبهم وضمائرهم.
وَالثَّانِي: أَن مُشْركي مَكَّة كَانُوا إِذا قيل لَهُم: من خَلقكُم؟ قَالُوا: الله، وَإِذا قيل لَهُم: من يرزقكم؟ قَالُوا: الله، وَإِذا قيل لَهُم: من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قَالُوا: الله ثمَّ مَعَ ذَلِك يعْبدُونَ الْأَصْنَام، وَبَعْضهمْ يَقُولُونَ: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وَبَعْضهمْ يَقُول: الْأَصْنَام شفعاؤنا عِنْد الله، فَالْقَوْل الأول: هُوَ الْإِيمَان، [وَلَيْسَ] المُرَاد من الْإِيمَان هُوَ حَقِيقَة الْإِيمَان الَّذِي يصير بِهِ الْإِنْسَان مُؤمنا، وَإِنَّمَا المُرَاد مَا بَينا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى شركهم هُوَ شركهم فِي التَّلْبِيَة، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك تملكه وَمَا ملك.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأمنوا أَن تأتيهم غاشية من عَذَاب الله﴾ قيل: قِطْعَة من عَذَاب الله، وَقيل: عُقُوبَة محللة من عَذَاب الله.
وَقَوله: ﴿أَو تأتيهم السَّاعَة بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة، والبغتة: وُقُوع الشَّيْء من غير توقع سَابق.
قَالَ الشَّاعِر: (وَلَكنهُمْ باتوا وَلم أدر بَغْتَة ... وأفظع شَيْء حِين يفجؤك البغت) وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ

﴿اتبعني وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين (108) وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم من أهل الْقرى أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم ولدار الْآخِرَة خير للَّذين اتَّقوا أَفلا تعقلون (109) حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا أَنهم﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله﴾ أَي: طريقي، والسبيل يذكر وَيُؤَنث، قَالَ الشَّاعِر: (تمنى رجال أَن أَمُوت وَإِن مت ... فَتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوحد) وَقَوله: ﴿على بَصِيرَة﴾ أَي: على (يَقِين) ، والبصيرة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي يُمَيّز بهَا بَين الْحق وَالْبَاطِل.
وَقَوله: ﴿أَنا وَمن اتبعني﴾ مَعْنَاهُ: أَدْعُو إِلَى الله أَنا، وَمن اتبعني يدعونَ أَيْضا إِلَى الله، وَقَالَ بَعضهم: تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله ﴿أَدْعُو إِلَى الله﴾ ثمَّ اسْتَأْنف وَقَالَ: ﴿على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني﴾ . وَقَوله: ﴿وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ يَعْنِي أَقُول: سُبْحَانَ الله، وَمَا أَنا من الْمُشْركين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم من أهل الْقرى﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لم يبْعَث الله نَبيا من بَدو، وَإِنَّمَا بعث الله الْأَنْبِيَاء من الْأَمْصَار والقرى.
وَقَالَ أَيْضا: لم يبْعَث الله نَبيا من الْجِنّ وَلَا من النِّسَاء، وَقيل: لم يبْعَث الله نَبيا من الْبَادِيَة لغلظهم وجفائهم، وَأما أهل الْأَمْصَار فهم [أحن] قلوبا وأذكى وأفطن فِي الْأُمُور؛ فَلهَذَا بعث الله الْأَنْبِيَاء مِنْهُم.
وَقَوله: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿ولدار الْآخِرَة﴾ مَعْنَاهُ: وَالْحَال فِي الدَّار الْآخِرَة، وللإنسان حالان: الْحَال الأولى، وَالْحَال الْآخِرَة، وَقيل: " ولدار الْآخِرَة " هَذَا إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه كَقَوْلِهِم: ﴿خير للَّذين اتَّقوا﴾ يَوْم الْخَمِيس، وَيَوْم الْجُمُعَة، قَالَ الشَّاعِر: (أتمدح فقعسا وتذم عبسا؟ ﴿ ... أَلا لله أمك من هجين﴾ !) (وَلَو فزت عَلَيْك ديار عبس ... عرفت الذل عرفان الْيَقِين)

﴿قد كذبُوا جَاءَهُم نصرنَا فنجي من نشَاء وَلَا يرد بأسنا عَن الْقَوْم الْمُجْرمين (110) لقد﴾ أضَاف الْعرْفَان إِلَى الْيَقِين: وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَفلا تفقهون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا انهم قد كذبُوا﴾ قرىء بقراءتين بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، قَرَأَ أهل الْكُوفَة بِالتَّخْفِيفِ، وَالْآيَة مشكلة إِذا قُرِئت بِالتَّخْفِيفِ؛ لِأَن الْقَائِل يَقُول: كَيفَ ظن الرُّسُل أَنهم قد كذبُوا، وَلَا يجوز هَذَا على الْأَنْبِيَاء.
وَكَانَت عَائِشَة تنكر هَذِه الْقِرَاءَة، وَتقول: إِنَّمَا هُوَ " كذبُوا " بِالتَّشْدِيدِ، يَعْنِي: أَن الرُّسُل ظنُّوا أَن من آمن بهم كذبوهم لشدَّة المحنة وَالْبَلَاء عَلَيْهِم، وتطاول الْمدَّة بهم، هَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة.
وَعَن قَتَادَة: أَن الظَّن هَاهُنَا بِمَعْنى الْيَقِين، وَمَعْنَاهُ: وأيقن الرُّسُل أَن الْقَوْم كذبوهم تَكْذِيبًا لَا يُرْجَى بعده إِيمَانهم، وَهُوَ تَأْكِيد لقَوْله: ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل﴾ لِأَن مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ، أَي: أيسوا، وَأما الْقِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ هَذِه قِرَاءَة صَحِيحَة، وَهِي منقولة عَن عَليّ وَعَن عبد الله بن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَكثير من الصَّحَابَة.
وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ضعفت قُلُوب الرُّسُل - وَقد كَانُوا بشرا - بتطاول الزَّمَان وَكَثْرَة الْإِمْهَال، وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله﴾ وَقَوله: ﴿مَتى نصر الله﴾ : استبطاء، أَو قَالُوا هَذَا من ضعف البشرية.
وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الصَّحِيح - وَهُوَ مَنْقُول أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى الْآيَة: وَظن من آمن بالرسل، أَن الرُّسُل قد كذبُوا بِالتَّخْفِيفِ، أَو ظن الْقَوْم الَّذين بعث إِلَيْهِم أَن الرُّسُل قد كذبُوا بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ مُجَاهِد: " وظنوا أَنهم قد كذبُوا " وَمَعْنَاهُ كَمَا ذكرنَا فِي القَوْل الثَّانِي: أَن ظن الْقَوْم أَن الرُّسُل قد كذبُوا.
وَقَوله: ﴿ [جَاءَهُم] نصرنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿فنجي من نشَاء﴾ الْمَشِيئَة وَاقعَة على الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿وَلَا يرد بأسنا﴾ أَي: عذابنا ﴿عَن الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ أَي:

﴿كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثا يفترى وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ وتفصيل كل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ (111) ﴾ عَن الْقَوْم الْكفَّار.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة﴾ أَي: دلَالَة وَآيَة.
قَوْله: ﴿لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي: لأولي الْعُقُول.
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثا يفترى﴾ أَي: [يختلق] يَعْنِي: قصَّة يُوسُف.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَقَوله: ﴿وتفصيل كل شَيْء﴾ يَعْنِي: من الْحَلَال وَالْحرَام، وَالْأَمر وَالنَّهْي، والوعد والوعيد.
وَقَوله: ﴿وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ (مَعْنَاهُ: بَيَان ونعمة لقوم يُؤمنُونَ) . وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿المر تِلْكَ آيَات الْكتاب وَالَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يُؤمنُونَ (1) الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وسخر﴾ سُورَة الرَّعْد

تَفْسِير سُورَة الرَّعْد، وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا آيَتَيْنِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لست مُرْسلا﴾ الْآيَة، فَإِنَّهُمَا مدنيتان.

قَوْله تَعَالَى: ﴿المر﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنا الله أعلم وَأرى، وَقيل: إِن الْألف من الله، وَاللَّام من جِبْرِيل، وَالْمِيم من مُحَمَّد، وَالرَّاء من إرْسَال الله إِيَّاه - يَعْنِي مُحَمَّدًا - وَقد بَينا من قبل غير هَذَا.
وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ قد بَينا فِي سُورَة يُوسُف.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق﴾ الْإِنْزَال هُوَ النَّقْل من الْعُلُوّ إِلَى الْأَسْفَل، وَمعنى الْآيَة أَن مَا أهبط الله بِهِ جِبْرِيل عَلَيْك هُوَ الْحق، وَالْحق ضد الْبَاطِل، وَقيل: وضع الشَّيْء فِي مَوْضِعه على مَا توجبه الْحِكْمَة.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يُؤمنُونَ﴾ يَعْنِي من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد﴾ الْعمد: جسم مستطيل يمْنَع الْمُرْتَفع من الميلان، وَفِي معنى قَوْله: ﴿بِغَيْر عمد﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا، وَهُوَ الْأَصَح: أَن مَعْنَاهُ: رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ﴿ترونها﴾ كَذَلِك.
وَقد قَالَ أهل الْمعَانِي: لَو كَانَ لِلسَّمَوَاتِ عمد لرأيناها؛ لِأَن عمد الْجِسْم الغليظ يكون بالجسم الغليظ، فَلَا بُد أَن ترى، وَهَذَا قَول مُجَاهِد وَقَتَادَة وَأكْثر الْمُفَسّرين.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: معنى الْآيَة رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها.

﴿الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى يدبر الْأَمر يفصل الْآيَات لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون (2) وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض وَجعل فِيهَا رواسي وأنهارا وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشي اللَّيْل النَّهَار إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون (3) وَفِي﴾ وَقَوله: ﴿ترونها﴾ رَاجع إِلَى الْعمد، كَأَنَّهُ قَالَ: لَهَا عمد لَا ترونها، وَزعم أَن لَهَا عمدا على جبل قَاف، وَأَن السَّمَاء عَلَيْهَا مثل الْقبَّة، وجبل قَاف مُحِيط بالدنيا، وَهُوَ من زبرجدة خضراء، وَالصَّحِيح مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ مَعْنَاهُ: ذلل الشَّمْس وَالْقَمَر فهما مذللان مقهوران يجريان على مَا يُرِيد الله.
وَقَوله: ﴿كل يجْرِي لأجل مُسَمّى﴾ أَي: لمُدَّة مَضْرُوبَة.
وَقَوله: ﴿يدبر الْأَمر﴾ التَّدْبِير من الله تَعَالَى فعل الْأَشْيَاء على مَا يُوجب الْحِكْمَة.
وَقَوله: ﴿يفصل الْآيَات﴾ مَعْنَاهُ يبين الدلالات.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون﴾ تؤمنون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض﴾ الْآيَة قد كَانَت الأَرْض مَدَرَة مُدَوَّرَة، فبسطها الله تَعَالَى ومدها.
وَقَوله: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت.
وَقَوله: ﴿وأنهارا﴾ الْأَنْهَار: مجاري المَاء الواسعة.
وَقَوله: ﴿وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أَي: صنفين اثْنَيْنِ أَحْمَر وأصفر وحلو وحامض، وَقيل: إِن قَوْله ﴿اثْنَيْنِ﴾ تَأْكِيد لقَوْله: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ . وَقَوله: ﴿يغشي اللَّيْل النَّهَار﴾ مَعْنَاهُ: يلبس النَّهَار بظلمة اللَّيْل، ويلبس ظلمَة اللَّيْل بضوء النَّهَار.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ لدلالات ﴿لقوم يتفكرون﴾ التفكر تصرف الْقلب فِي طلب مَعَاني الْأَشْيَاء.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن فِيهِ حذفا؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: " وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وَغير متجاورات، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وسرابيل تقيكم الْحر﴾ يَعْنِي: وسرابيل تقيكم الْحر وَالْبرد.

﴿الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ (4) ﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة حذف، وَهُوَ صَحِيح الْمَعْنى، وَفِي المتجاورات قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ أَنَّهَا متجاورة فِي الظَّاهِر مُخْتَلفَة فِي الْمَعْنى، هَذِه سبخَة وَهَذِه عذبة، وَهَذِه قَليلَة الرّيع، وَهَذِه كَثِيرَة الرّيع، وَهَذِه مزرعة، وَهَذِه مغرسة، وَهَذِه لَا مزرعة وَلَا مغرسة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: هَذِه عامرة، وَهَذِه غامرة، وَهَذِه صحاري وبراري، وَهَذِه جبال وأودية، فعلى هَذَا إِذا قَدرنَا فِي الْآيَة متجاورات وَغير متجاورات، فالمتجاورات هِيَ الأَرْض العامرة الْمُتَّصِل بَعْضهَا بِبَعْض، وَغير المتجاورات هِيَ الأَرْض الخربة الَّتِي فِيهَا الأودية والدكادك.
وَقَوله: ﴿وجنات من أعناب﴾ يَعْنِي: بساتين من أعناب.
وَقَوله: ﴿وَزرع ونخيل﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿صنْوَان وَغير صنْوَان﴾ قرىء: " صنْوَان " بِالضَّمِّ: وَالْمَعْرُوف " صنْوَان " بِالْكَسْرِ، وَفِي الْآثَار المسندة عَن الْبَراء بن عَازِب - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: الصنوان هُوَ النّخل الْمُجْتَمع، وَغير الصنوان هُوَ المتفرق، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن الصنوان هِيَ النخلات أَصْلهَا وَاحِد، وَغير صنْوَان هِيَ النَّخْلَة الْوَاحِدَة بأصلها.
وَقَوله: ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد﴾ المَاء جسم رَقِيق مَائِع يشرب، بِهِ حَيَاة كل نَام، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ وَفِي الْآيَة رد على أَصْحَاب الطبيعة، فَإِن المَاء وَاحِد، والهواء وَاحِد، وَالتُّرَاب وَاحِد، والحرارة وَاحِدَة، وَالثِّمَار مُخْتَلفَة فِي اللَّوْن والطعم، وَقلة الرّيع وَكَثْرَة الرّيع، والطبيعة وَاحِدَة يَسْتَحِيل أَن توجب شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين؛ فَدلَّ هَذَا أَن الْجَمِيع من الله تَعَالَى.
فِي جَامع أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي فِي قَوْله: {ونفضل

﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا برَبهمْ وَأُولَئِكَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (5) ﴾ بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل) قَالَ: " هَذَا حُلْو وَهَذَا حامض، وَهَذَا دقل وَهَذَا فَارسي ". وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ يَعْنِي: الدلالات ﴿لقوم يعْقلُونَ﴾ يفهمون.
وأنشدوا فِي الصنوان: (الْعلم والحلم خلتا كرم ... للمرء زين إِذا هما اجْتمعَا) (صنْوَان لَا يستتم حسنهما ... إِلَّا بِجمع ذَا وَذَاكَ مَعًا) وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عَم الرجل صنو أَبِيه ". مَعْنَاهُ: أَنه وَأَبوهُ من أصل وَاحِد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم﴾ الْعجب: تغير النَّفس بِرُؤْيَة المستبعد فِي الْعَادَات، وَالْخطاب للرسول وَمَعْنَاهُ: أَنَّك تعجب؛ فَعجب من إنكارهم النشأة الْآخِرَة مَعَ إقرارهم ابْتِدَاء الْخلق من الله، وَقد تقرر فِي الْقُلُوب أَن الْإِعَادَة أَهْون من الِابْتِدَاء؛ فَهَذَا مَوضِع التَّعَجُّب.
وَفِي الْأَمْثَال: لَا خير فِيمَن لَا يتعجب من الْعجب، وأرذل مِنْهُ من يتعجب من غير عجب.
وَقَوله: ﴿أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد﴾ هَذَا هُوَ الْمَعْنى فِي إنكارهم الْبَعْث.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا برَبهمْ﴾ جَحَدُوا برَبهمْ.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ الغل طوق تجمع بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق وَهَذِه الأغلال من نَار.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستعجلونك بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة﴾ الاستعجال طلب تَعْجِيل الْأَمر قبل مَجِيء (وقته) ، وَقد كَانَ الله تَعَالَى أخر عُقُوبَة الاصطلام عَن الْمُشْركين

﴿ويستعجلونك بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة وَقد خلت من قبلهم المثلات وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم وَإِن رَبك لشديد الْعقَاب (6) وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد (7) الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى وَمَا تغيض﴾ كَرَامَة للنَّبِي.
والسيئة هَاهُنَا هِيَ الْعقُوبَة، والحسنة: الْعَافِيَة، وَمَعْنَاهُ: أَنهم يطْلبُونَ الْعقُوبَة بَدَلا من الْعَافِيَة، وَقد دلّ على هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع﴾ . وَقَوله: ﴿وَقد خلت من قبلهم المثلات﴾ رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: المثلات الْأَمْثَال، وَالْأَكْثَرُونَ أَن المثلات الْعُقُوبَات، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " المثلات " بِفَتْح الْمِيم وَكسر التَّاء، وَحكي عَنهُ أَنه قَرَأَ: " المثلات " بِضَم الْمِيم وتسكين الثَّاء، والمعاني مُتَقَارِبَة.
وَقَوله: ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ مَعْنَاهُ: لذُو تجَاوز عَن النَّاس على ظلمهم ﴿وَإِن رَبك لشديد الْعقَاب﴾ وَفِي بعض المسانيد عَن سعيد بن الْمسيب " أَن النَّبِي قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة: لَوْلَا فضل الله وتجاوزه مَا هنىء أحد الْعَيْش، وَلَوْلَا وعيده وعقوبته لَا تكل كل أحد ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ مَعْنَاهُ: لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة مِمَّا نقترحها، وَإِلَّا فالآيات قد كَانَت نازلة عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر﴾ مخوف أَو مبلغ للوحي بالإنذار.
وَقَوله: ﴿وَلكُل قوم هاد﴾ فِيهِ أَقْوَال، الْأَكْثَرُونَ أَن مَعْنَاهُ: وَلكُل قوم نَبِي يَدعُوهُم إِلَى الله، وَالْقَوْل الثَّانِي: وَلكُل قوم هاد، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَقيل: الْهَادِي هُوَ الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى﴾ مَعْنَاهُ: الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى

﴿الْأَرْحَام وَمَا تزداد وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار (8) عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْكَبِير المتعال (9) سَوَاء مِنْكُم من أسر القَوْل وَمن جهر بِهِ وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ وسارب بِالنَّهَارِ﴾ من ذكر أَو أُنْثَى، أَو سوى الْخلق أَو غير سويه، أَو وَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو أَكثر.
قَوْله: ﴿وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ الغيض هُوَ النُّقْصَان، هَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغَيره، وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا كَانَ الْمَطَر قيظا، وَالْولد غيضا، وغاض الْكِرَام غيضا، وفاض اللئام فيضا " الْخَبَر.
وَفِي غيض الْأَرْحَام وزيادتها ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: أَنه النُّقْصَان عَن سَبْعَة أشهر، وَالزِّيَادَة على تِسْعَة أشهر، وَالثَّانِي أَنه: النُّقْصَان بِإِسْقَاط السقط، وَالزِّيَادَة بِتمَام الْخلق، وَالثَّالِث: أَنه النُّقْصَان بِالْحيضِ على الْحمل، وَالزِّيَادَة بِعَدَمِ الْحيض على الْحمل؛ فَإِن الْوَلَد ينتقص إِذا أهراقت الْمَرْأَة الدَّم على الْحمل وتتم إِذا لم تهرق.
وَعَن مَكْحُول أَنه قَالَ: دم الْحيض غذَاء الْوَلَد فِي الرَّحِم.
وَقَوله: ﴿وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ أَي: بِتَقْدِير.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْكَبِير المتعال﴾ يَعْنِي: المتعال عَمَّا يَقُوله الْمُشْركُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاء مِنْكُم من أسر القَوْل وَمن جهر بِهِ﴾ الْآيَة مَعْنَاهُ: يَسْتَوِي فِي علم الله المسر بالْقَوْل والجاهر بِهِ.
وَقَوله: ﴿وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ﴾ أَي: مستتر بظلمة اللَّيْل وَقَوله: ﴿وسارب بِالنَّهَارِ﴾ أَي: ظَاهر ذَاهِب بِالنَّهَارِ، والسرب: الطَّرِيق، تَقول الْعَرَب: خل لَهُ سربه أَي:

((10) لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم) طَرِيقه، وَزعم بعض أهل الْمعَانِي أَن قَوْله: ﴿وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ﴾ أَي: ظَاهر بِاللَّيْلِ، يُقَال: خفيت إِذا ظَهرت، وأخفيت إِذا كتمت، قَالَ الشَّاعِر: (خفاهن من أنفاقهن كَأَنَّمَا ... خفاهن ودق من سَحَاب مركب) وَقَوله: ﴿وسارب بِالنَّهَارِ﴾ أَي مستكن بِالنَّهَارِ، يُقَال: أسرب الْوَحْش إِذا استكن، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْأَصَح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه﴾ الْآيَة، فِي الْآيَة أَقْوَال، أظهرها: أَن المعقبات: الْمَلَائِكَة، والمعقبات المتداينات، يَعْنِي: يذهب بَعْضهَا وَيَأْتِي الْبَعْض فِي عَقبهَا، وَقد صَحَّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: إِن لله مَلَائِكَة يتعاقبون بَيْنكُم، ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر فيعرج الَّذين باتوا فِيكُم؛ فَيَقُول الله لَهُم: كَيفَ تركْتُم عبَادي؟ فَيَقُولُونَ: أتيناهم وهم يصلونَ، وتركناهم وهم يصلونَ.
القَوْل الثَّانِي هُوَ مَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة قَالَ: الْآيَة فِي الْأُمَرَاء وحرسهم.
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن ابْن جريج أَنه قَالَ: الْآيَة فِي الَّذِي يقْعد عَن الْيَمين وَالشمَال يكْتب، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يتلَقَّى المتلقيان عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد﴾ . وَقَوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن قَوْله: ﴿من أَمر الله﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم يَحْفَظُونَهُ بِإِذن الله، فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا بَينه وَبَينه، وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى يُوكل مَلَائِكَة بالنائم يَحْفَظُونَهُ من الْحَيّ والهوام فَإِذا قَصده شَيْء، قَالُوا: وَرَاءَك وَرَاءَك إِلَّا شَيْئا قدر أَن يُصِيبهُ.

﴿حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال (11) هُوَ الَّذِي يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا وينشىء السَّحَاب الثقال (12) ويسبح الرَّعْد﴾ وَرُوِيَ عَمْرو بن أبي جُنْدُب: كُنَّا عِنْد سعيد بن قيس الْهَمدَانِي، فجَاء عَليّ يتَوَكَّأ على عنزة لَهُ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما تخَاف أَن يغتالك أحد؟ فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى قد وكل بِابْن آدم مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ، فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا بَينه وَبَينه.
وَفِي قَوْله: ﴿من أَمر الله﴾ قَول آخر، وَهُوَ أَنه على الْمَعْنى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَكَأن الله تَعَالَى قَالَ: لَهُ مُعَقِّبَات من أمره يَحْفَظُونَهُ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وَقيل: من أَمر الله: مِمَّا أَمر الله بِهِ من الْحِفْظ عَنهُ.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ ورقباء من خَلفه ". وقرى فِي الشاذ: " لَهُ معاقيب من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه ". وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم﴾ مَعْنَاهُ: لَا يُغير شَيْئا بِقوم من النِّعْمَة ﴿حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ بالمعصية.
وَقَوله: ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا﴾ فِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا، وَمَعْنَاهُ: بلَاء وَعَذَابًا ﴿فَلَا مرد لَهُ﴾ أَي: لَا راد لَهُ.
﴿وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ أَي: من ولي يمنعهُم وَيَنْصُرهُمْ، قَالَ الشَّاعِر: (مَا فِي السَّمَاء سوى الرَّحْمَن من وَال ... )

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا﴾ الْبَرْق: نور مضىء شبه عَمُود من نَار من اتقاد السَّحَاب، وَالتَّفْسِير الْمَعْرُوف عَن السّلف أَن الْبَرْق مخاريق بأيدي الْمَلَائِكَة من نَار يسوقون بهَا السَّحَاب إِلَى حَيْثُ شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوله ﴿خوفًا وَطَمَعًا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا أَن الْخَوْف من الصاعقة، والطمع فِي نفع الْمَطَر.
وَالثَّانِي: أَن الْخَوْف للْمُسَافِر، فَإِن عَادَة الْمُسَافِر أَن يتَأَذَّى بالمطر، والطمع للمقيم، لِأَن الْمُقِيم يَرْجُو الخصب بالمطر.

﴿بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء وهم يجادلون فِي﴾ وَالثَّالِث: أَن الْخَوْف من الْمَطَر فِي غير إبانة، وَفِي غير مَكَانَهُ، والطمع إِذا كَانَ فِي إبانه ومكانه من الْبلدَانِ [فَمنهمْ] إِذا مُطِرُوا قحطوا، مثل مصر وَغَيره، وَإِذا لم يمطروا أخصبوا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي " أَن الله تَعَالَى يَقُول: لَو أَن عبَادي أطاعوني أسقيتهم الْمَطَر بِاللَّيْلِ، وأطلعت عَلَيْهِم الشَّمْس بِالنَّهَارِ، وَلم أسمعهم صَوت الرَّعْد ". وَقَوله: ﴿وينشىء السَّحَاب الثقال﴾ يَعْنِي: الثقال بِالْمَاءِ، وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: السَّحَاب غربال السَّمَاء.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق السَّحَاب كل سبع سِنِين مرّة.

وَقَوله: ﴿ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن الرَّعْد ملك، والمسموع من الصَّوْت تسبيحه، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن النَّبِي حِين سَأَلَهُ الْيَهُود عَن الرَّعْد، وَذكر فِيهِ أَن الصَّوْت هُوَ زَجره للسحاب، وَقد حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَعلي وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: هَذَا عبد لله تَعَالَى سامع مُطِيع.

وَفِي الْآثَار: أَن الْإِنْسَان إِذا سمع الرَّعْد يَنْبَغِي أَن يَقُول: سُبْحَانَ من سبحت لَهُ.
رُوِيَ هَذَا عَن ابْن الزبير وَغَيره، وَعَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: من قَالَ إِذا سمع صَوت الرَّعْد: سُبْحَانَ من يسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته وَهُوَ على كل شَيْء قدير؛ فَإِن أَصَابَته صَاعِقَة فعلى دِيَته.
وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ الباقر قَالَ: الصاعقة تصيب الْمُسلم وَغير الْمُسلم وَلَا تصيب الذاكر.
وَفِي الرَّعْد قَول آخر، وَهُوَ أَنه صَوت اصطكاك الأجرام العلوية.
وَالصَّحِيح هُوَ الأول، وَقيل أَيْضا: إِن الرَّعْد نطق السَّحَاب، والبرق ضحكه.
وَقَوله ﴿وَالْمَلَائِكَة من خيفته﴾ يَعْنِي: وتسبح الْمَلَائِكَة من خيفته.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَن لله تَعَالَى مَلَائِكَة يَبْكُونَ من خَشيته من يَوْم خلقهمْ، وملائكة فِي الرُّكُوع، وملائكة فِي السُّجُود، وملائكة فِي التَّسْبِيح لَا يشغلهم عَن ذَلِك شَيْء.
وَقَوله: ﴿وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء﴾ الصاعقة: هِيَ الْعَذَاب المهلك، وَهِي تنزل من الْبَرْق فِي بعض الْأَحْوَال فتحرق مَا تصيبه، وَالْآيَة نزلت فِي شَأْن أَرْبَد بن ربيعَة حِين جَاءَ إِلَى النَّبِي فَقَالَ: مِم رَبك؟ أَمن در أَو ياقوت أَو من ذهب [أَو من فضَّة] ؟ فَنزلت صَاعِقَة من السَّمَاء فَأَحْرَقتهُ، ورثاه أَخُوهُ لبيد بن ربيعَة، فَقَالَ: (أخْشَى على أَرْبَد الحتوف وَلَا ... أرهب نوء السماك والأسد) (فجعني الْبَرْق وَالصَّوَاعِق بالفارس ... يَوْم الكريهة النجد) وَيُقَال: إِنَّه جَاءَ مَعَ عَامر بن طفيل، وَقصد الفتك بِالنَّبِيِّ فجفت يَده على قَائِمَة السَّيْف، فَلَمَّا خرج من عِنْد رَسُول الله أَصَابَته صَاعِقَة فِي يَوْم صحو قائظ، فَأَما عَامر فأصابته غُدَّة، وَمَات فِي بَيت سَلُولِيَّة، وَجعل يَقُول: أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة.
وَرُوِيَ " أَن يَهُودِيّا أَتَى النَّبِي وَسَأَلَهُ: مِم رَبك؟ فَنزلت صَاعِقَة وأحرقته ".

﴿الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال (13) لَهُ دَعْوَة الْحق وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ ببالغه وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فِي﴾ وَقَوله: ﴿وهم يجادلون فِي الله﴾ يَعْنِي: يُخَاصِمُونَ وَيَقُولُونَ فِي الله مَا لَا يعلمُونَ وَقيل: وهم يجادلون فِي الله: يكذبُون بعظمة الله.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ شَدِيد الْمحَال﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: شَدِيد الْحول، وَمِنْه قَوْله: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَقيل: شَدِيد الْمحَال شَدِيد الانتقام.
وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - شَدِيد الْأَخْذ.
وَقيل: شَدِيد الإهلاك.
وَقيل: شَدِيد الْمَكْر.
وَقَالَ الشَّاعِر: (فرع نبع يَهْتَز فِي غُصْن الْمجد ... عَزِيز الندى شَدِيد الْمحَال) وقرىء فِي الشاذ: " شَدِيد الْمحَال " بِنصب الْمِيم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق﴾ هِيَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، هَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَقيل: دَعْوَة الْحق هُوَ الدُّعَاء بالإخلاص، وَالدُّعَاء بالإخلاص لَا يكون إِلَّا لله، أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ [فَادعوا] الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ . قَوْله: ﴿وَالَّذين يدعونَ من دونه﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَام ﴿لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء﴾ يَعْنِي: لَا يجيبون لَهُم شَيْئا.
وَقَوله: ﴿إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه كالقابض على المَاء، وَمن قبض على المَاء لم يبْق فِي يَده شَيْء.
قَالَ الشَّاعِر: (فَأَصْبَحت (فِيمَا) كَانَ بيني وَبَينهَا ... من الود مثل الْقَابِض المَاء بِالْيَدِ) وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْمَعْرُوف - أَن قَوْله: ﴿كباسط كفيه إِلَى المَاء﴾ يَعْنِي: كالعطشان المشير بكفه إِلَى المَاء، وَبَينه وَبَين المَاء مَسَافَة لَا يصل إِلَيْهِ؛ فَهُوَ يُشِير بكفه وَيَدْعُو بِلِسَانِهِ، وَلَا يصل إِلَيْهِ؛ فَكَذَلِك من يدع الْأَصْنَام بِدفع أَو نفع لَا يصل إِلَى شَيْء بدعائه.
وَقَوله: ﴿ليبلغ فَاه﴾ يَعْنِي: ليناله فَاه ﴿وَمَا هُوَ ببالغه﴾ وَمَا هُوَ بنائله.

﴿ضلال (14) وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال (15) قل من رب السَّمَوَات وَالْأَرْض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أَوْلِيَاء لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير أم هَل تستوي الظُّلُمَات﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال﴾ يَعْنِي: إِلَّا فِي خطأ وَبطلَان.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ يَعْنِي: يسْجد من فِي السَّمَوَات طَوْعًا، وَيسْجد من فِي الأَرْض بَعضهم طَوْعًا وَبَعْضهمْ كرها.
وَالسُّجُود هُوَ الخضوع بالتذلل، وَقيل: إِن سُجُود الْأَشْيَاء [هُوَ] تذللها وتسخيرها لما أُرِيد لَهُ وسخر لَهُ.
وَقَوله: ﴿وظلالهم﴾ قَالُوا: ظلّ الْكَافِر يسْجد طَوْعًا، وَالْكَافِر يسْجد كرها، وظل الْمُؤمن يسْجد طَوْعًا، وَكَذَا الْمُؤمن يسْجد طَوْعًا، هَذَا هُوَ القَوْل الْمَنْقُول عَن السّلف.
وَقيل: إِن سُجُود الظل هُوَ تسخيره وتذليله لما أُرِيد لَهُ.
وَقيل: إِن معنى قَوْله: ﴿وظلالهم﴾ أشخاصهم ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ بالبكر والعشايا.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل