الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿إيلافهم رحْلَة الشتَاء والصيف (2) فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت (3) الَّذِي أطْعمهُم من جوع وآمنهم من خوف (4) ﴾ قرشي وَاخْتلفُوا فِي اشتقاق هَذَا الِاسْم، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: سموا قُريْشًا للتِّجَارَة، وَكَانُوا أهل تِجَارَة، والقرش: الْكسْب، يُقَال: كَانَ فلَان يقرش لِعِيَالِهِ ويقترش أَي: يكْتَسب.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه سميت قُرَيْش قُريْشًا بِدَابَّة تكون فِي الْبَحْر، يُقَال لَهَا: القرش، لَا تمر بغث وَلَا سمين إِلَّا أَكلته وأنشدوا فِي ذَلِك:
(وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... وَبهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا)
(تَأْكُل الغث والسمين وَلَا تتْرك ... فِيهِ لذِي الجناحين ريشا)
(هَكَذَا فِي الْبِلَاد هِيَ قُرَيْش ... يَأْكُلُون الْبِلَاد أكلا كميشا)
(وَلَهُم آخر الزَّمَان نَبِي ... يكثر الْقَتْل فيهم والخموشا)
وَقَوله: ﴿فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت الَّذِي أطْعمهُم من جوع﴾ قَالَ ذَلِك لأَنهم كَانُوا يجلبون الطَّعَام من الْمَوَاضِع الْبَعِيدَة وَكَانَ هُوَ الَّذِي يسهل لَهُم ذَلِك، ويرزقهم إِيَّاهَا بتيسير أَسبَابهَا لَهُم.
وَقَوله: ﴿وآمنهم من خوف﴾ أَي: من خوف الْغَارة وَالْقَتْل على مَا قُلْنَا، وَقيل: من خوف الجذام، وَالأَصَح هُوَ الأول.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أول من جمع قُريْشًا على رحلتي الشتَاء والصيف هَاشم بن عبد منَاف، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ فِي بضائعهم باسم الْفُقَرَاء شَيْئا مَعْلُوما فَإِذا رجعُوا أعطوهم ذَلِك تقربا إِلَى الله.
وَقَالَ الشَّاعِر فِي هَاشم:
(عَمْرو الْعلَا هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف)
(الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حَتَّى يصير فقيرهم كالكاف)
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿أَرَأَيْت الَّذِي يكذب بِالدّينِ (1) فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم (2) وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين (3) فويل للمصلين (4) ﴾ تَفْسِير سُورَة أَرَأَيْت
وَهِي مَكِّيَّة وَقيل: إِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَقيل: نصفهَا مَكِّيَّة، وَنِصْفهَا مَدَنِيَّة، فالنصف الأول إِلَى قَوْله ﴿فويل للمصلين﴾ مَكِّيَّة، وَالنّصف الْبَاقِي مَدَنِيَّة، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْت الَّذِي يكذب بِالدّينِ﴾ أَي: بالجزاء، وَقيل: بِالْحِسَابِ، قَالَه مُجَاهِد، وَالْمعْنَى: أَرَأَيْت من يكذب بِالدّينِ أمخطئ هُوَ أم مُصِيب؟ يَعْنِي: أَنه مُخطئ فَلَا توافقه وَلَا تتبعه.
وَقَوله: ﴿فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم﴾ وَورد فِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: " من ضم يَتِيما من بَين الْمُسلمين إِلَى نَفسه، وَجَبت لَهُ الْجنَّة ". وَقُرِئَ فِي الشاذ: " يَدعُ الْيَتِيم " أَي: يتْرك الْعَطف عَلَيْهِ وَالرَّحْمَة لَهُ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين﴾ قيل: لَا يطعم بِنَفسِهِ، وَلَا يَأْمر بِهِ غَيره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ قَالَ قَتَادَة: غافلون.
وروى الْمُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: مضيعون للْوَقْت، وَهَذَا قَول مَعْرُوف، وَهُوَ وَارِد عَن جمَاعَة من التَّابِعين، وَذكروا أَن المُرَاد بالسهو هَاهُنَا هُوَ تَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا، وَالْقَوْل الثَّالِث: وَهُوَ أَن الْآيَة وَردت فِي الْمُنَافِقين.
وَمعنى قَوْله: ﴿الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ يَعْنِي: أَنهم إِن صلوها لم يرجوا
﴿الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون (5) الَّذين هم يراءون (6) وَيمْنَعُونَ الماعون (7) ﴾ ثَوابًا، وَإِن تركوها لم يخَافُوا عقَابا.
قَالَ ابْن زيد: هم المُنَافِقُونَ صلوها، وَلَيْسَت الصَّلَاة من شَأْنهمْ.
وروى الْوَالِبِي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: هم المُنَافِقُونَ، كَانُوا إِذا حَضَرُوا صلوها رِيَاء، وَإِذا غَابُوا تركوها.
وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: هُوَ الْمُنَافِق، إِذا رأى النَّاس صلى، وَإِذا لم ير النَّاس لم يصل.
وَقيل: ساهون أَي: لاهون، وَالْمعْنَى أَنهم يشتغلون بِغَيْرِهِ عَنْهَا.
وَقَوله: ﴿الَّذين هم يراءون﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَيمْنَعُونَ الماعون﴾ قَالَ عَليّ: هُوَ الزَّكَاة، حَكَاهُ مُجَاهِد عَنهُ، وَهَذَا القَوْل محكي أَيْضا عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْعَارِية، وَسميت ماعونا: لِأَن النَّاس يعين بَعضهم بَعْضًا.
وَقد ورد فِي الْخَبَر: أَنه مثل المَاء وَالْملح والفأس وَالْقدر والمقدحة وَمَا أشبه ذَلِك.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي مَا الَّذِي لَا يحل مَنعه؟ قَالَ: " المَاء وَالْملح وَالنَّار ".
وَفِي بعض الرِّوَايَات زِيَادَة: " وَالْحجر والدلو ".
وَحكى أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس عَن أَبِيه فَارس، أَن الماعون هُوَ المَاء، حَكَاهُ عَن أهل اللُّغَة، وَقد ذكره النّحاس أَيْضا فِي كِتَابه.
وأنشدوا:
(يمج صبيرة الماعون مجا ... )
وأنشدوا فِي الماعون بِمَعْنى الزَّكَاة:
(قوم على الْإِسْلَام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا)
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر (1) ﴾ تَفْسِير سُورَة الْكَوْثَر
وَهِي مَكِّيَّة
روى الْمُخْتَار بن فلفل عَن أنس قَالَ: " بَينا رَسُول الله ذَات يَوْم بَين أظهرنَا، إِذا أغفى إغْفَاءَة، ثمَّ رفع رَأسه مُتَبَسِّمًا، فَقلت: مَا أضْحكك يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: أنزلت عليَّ آنِفا سُورَة " فَقَرَأَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر فَصلي لِرَبِّك وانحر إِن شانئك هُوَ الأبتر﴾ ثمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَر؟ قُلْنَا: الله وَرَسُوله أعلم.
قَالَ: فَإِنَّهُ نهر وعدنيه رَبِّي خيرا كثيرا، هُوَ حَوْضِي ترد عَلَيْهِ أمتِي يَوْم الْقِيَامَة، آنيته عدد نُجُوم السَّمَاء، فيختلج العَبْد مِنْهُم، فَأَقُول: رب إِنَّه من أمتِي، فَيَقُول: إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك ".
رَوَاهُ مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، عَن عَليّ بن مسْهر عَن الْمُخْتَار بن فلفل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أعطيناك
قد بَينا.
وروى همام، عَن قَتَادَة عَن أنس أَن رَسُول الله قَالَ: " بَينا أَنا أَسِير فِي الْجنَّة إِذا بنهر حافتاه قباب اللُّؤْلُؤ المجوف، فَقلت: مَا هَذَا يَا جِبْرِيل؟ فَقَالَ: هَذَا الْكَوْثَر الَّذِي أَعْطَاك رَبك، فَضرب الْملك بِيَدِهِ، فَإِذا طينه مسك أذفر ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ:
﴿فصل لِرَبِّك وانحر (2) ﴾ أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحسن بن النقور، أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، أخبرنَا الْبَغَوِيّ، أخبرنَا هدبة، عَن همام.
. الحَدِيث.
وَأخرجه البُخَارِيّ عَن هدبة، وَذكره أَبُو عِيسَى فِي كِتَابه بروايته عَن قَتَادَة، عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله: " بَينا أَنا أَسِير فِي الْجنَّة إِذا عرض [لي] نهر حافتاه قباب اللُّؤْلُؤ، قلت للْملك: مَا هَذَا؟ قَالَ هَذَا الْكَوْثَر الَّذِي أعطاكه الله، قَالَ: ثمَّ ضرب بِيَدِهِ إِلَى طينه فاستخرج مسكا، ثمَّ رفعت لي (سِدْرَة الْمُنْتَهى) فَرَأَيْت عِنْدهَا نورا عَظِيما ".
قَالَ: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وروى أَيْضا بطرِيق [محَارب] بن دثار عَن عبد الله بن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله: " الْكَوْثَر نهر فِي الْجنَّة، حافتاه من ذهب وَمَجْرَاهُ على الدّرّ والياقوت، [و] ترتبه أطيب من الْمسك، وماؤه أحلى من الْعَسَل، وأبيض من الثَّلج ".
قَالَ: هُوَ حَدِيث حسن.
وَفِي بعض التفاسير بِرِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي قَالَ: " من أَرَادَ أَن يسمع خرير الْكَوْثَر، فَلْيدْخلْ أُصْبُعه فِي أُذُنه ".
وَهُوَ غَرِيب جدا.
وَفِي الْكَوْثَر قَول آخر، وَهُوَ أَنه الْخَيْر الْكثير، فَهُوَ فوعل من الْكَثْرَة، وَقد أعْطى الله
﴿إِن شانئك هُوَ الأبتر (3) ﴾ رَسُوله مُحَمَّدًا من الْخَيْر مَا لَا يُحْصى وَلَا يعد كَثْرَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ الْقُرْآن، وَقيل: الْعلم وَالْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ أَي: صل الصَّلَوَات الْخمس، وانحر الْبدن، وَقيل: صل بِجمع، وانحر بمنى، قَالَه مُجَاهِد وَعَطَاء، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَن معنى قَوْله: ﴿وانحر﴾ هُوَ وضع الْيَمين على الشمَال فِي الصَّلَاة على النَّحْر.
وَقيل: وانحر واستقبل الْقبْلَة بنحرك.
قَالَ الشَّاعِر:
(أَبَا حكم هَل أَنْت عَم مجَالد ... وَسيد أهل الأبطح المتناحر)
أَي: المتقابل.
وروى مقَاتل بن حَيَّان، عَن الْأَصْبَغ بن نباتة، عَن عَليّ بن أبي طَالب - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: " لما نزلت على النَّبِي ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر فصل لِرَبِّك وانحر﴾ قَالَ النَّبِي لجبريل - عَلَيْهِ السَّلَام -: مَا هَذِه النحيرة الَّتِي أَمرنِي بهَا رَبِّي؟ قَالَ: إِنَّهَا لَيست بنحيرة، وَلكنه يَأْمُرك إِذا (تحرمت) بِالصَّلَاةِ، أَن ترفع يَديك إِذا كَبرت، وَإِذا ركعت، وَإِذا رفعت رَأسك من الرُّكُوع، فَإِنَّهَا من صَلَاتنَا وَصَلَاة الْمَلَائِكَة فِي السَّمَوَات السَّبع.
وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: أَن قوما كَانُوا يصلونَ وينحرون
لغير الله، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ أَي: اجْعَل صَلَاتك ونحرك لله.
وَقَوله: ﴿إِن شانئك هِيَ الأبتر﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن المُرَاد بِهِ هُوَ الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي، كَانَ إِذا ذكر لَهُ رَسُول الله قَالَ: دعوا ذكره، فَإِنَّهُ أَبتر يَعْنِي: أَنه لَا ولد لَهُ، فَإِذا مَاتَ انْقَطع ذكره، وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ، وَكَانَت قُرَيْش تَقول لمن مَاتَ ابْنه، أَو لم يكن لَهُ ابْن: أَبتر.
فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن شانئك هُوَ الأبتر﴾ يَعْنِي: مبغضك هُوَ الأبتر أَي: الَّذِي انْقَطع خَيره وَذكره فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والبتر هُوَ الْقطع.
وَقيل إِن الْآيَة فِي عقبَة بن أبي معيط وَقيل: إِن المُرَاد بِهِ كَعْب بن الْأَشْرَف، قدم مَكَّة، فَقَالَت لَهُ قُرَيْش: مَا تَقول أَيهَا الحبر فِي هَذَا (الصنبور) ؟ أهوَ خير أم نَحن؟ إِنَّه سبّ ألهتنا، وَفرق جَمعنَا، وَنحن أهل حرم الله وحجيج بَيته وسدنته، فَقَالَ: بل أَنْتُم خير مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن شانئك هُوَ الأبتر﴾ فِيهِ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ (2) وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد (3) وَلَا أَنا عَابِد مَا عَبدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد (5) لكم دينكُمْ﴾ تَفْسِير سُورَة ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما قَرَأَ رَسُول الله سُورَة والنجم، وَألقى الشَّيْطَان على لِسَانه عِنْد ذكر أصنامهم: وَإِن شفاعتهن لترتجى، فَقَالَ الْكفَّار: يَا مُحَمَّد، نصطلح تعبد آلِهَتنَا سنة، ونعبد إلهك سنة، ونعظم إلهك، وتعظم آلِهَتنَا، وَذكروا من هَذَا النَّوْع شَيْئا كثيرا، فَحزن النَّبِي لمقالتهم، وَرجع إِلَى بَيته حَزينًا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة، وَهِي ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ﴾ أَي: الْيَوْم.
﴿وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد﴾ الْيَوْم.
﴿وَلَا أَنا عَابِد مَا عَبدْتُمْ﴾ فِي الْمُسْتَقْبل.
﴿وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد﴾ فِي الْمُسْتَقْبل.
﴿لكم دينكُمْ ولي دين﴾ لكم جَزَاء عَمَلكُمْ، ولي جَزَاء عَمَلي.
قَالُوا: وَهَذَا فِي قوم بأعيانهم، مِنْهُم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَأُميَّة بن خلف، وَالْعَاص بن وَائِل، وَالْأسود بن الْمطلب، وَقد كَانَ الله أخبر أَنهم يموتون على الْكفْر.
وَقيل: إِن هَذِه السُّورَة نزلت قبل آيَة السَّيْف، ثمَّ نسخت بأية السَّيْف.
وَقد ورد فِي الْخَبَر: أَن قِرَاءَة هَذِه السُّورَة بَرَاءَة من الشّرك.
روى أَبُو خَيْثَمَة، عَن ابْن إِسْحَاق، عَن فَرْوَة بن نَوْفَل، عَن أَبِيه أَنه أَتَى النَّبِي وَقَالَ: جِئْت يَا رَسُول الله لتعلمني شَيْئا أقوله عِنْد مَنَامِي، فَقَالَ: " إِذا أخذت مضجعك فاقرأ: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثمَّ نم على خاتمتها، فَإِنَّهَا بَرَاءَة من الشّرك ".
وَعَن
﴿ولي دين (6) ﴾ بَعضهم قَالَ: " كنت أَمْشِي مَعَ النَّبِي فِي لَيْلَة ظلماء، فَسمع رجلا يقْرَأ: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَقَالَ: أما هَذَا فقد برِئ من الشّرك، وَسمع رجلا يقْرَأ: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ فَقَالَ: أما هَذَا فقد غفر لَهُ ".
وَفِي السُّورَة سُؤال مَعْرُوف، وَهُوَ السُّؤَال عَن معنى التكرير؟ وَقد أجبنا، وَيُقَال: إِنَّهُم كرروا عَلَيْهِ الْكَلَام مرّة بعد مرّة، فكرر الله تَعَالَى عَلَيْهِم الْإِجَابَة.
وَفِي السُّورَة سُؤال آخر، وَهُوَ فِي قَوْله: ﴿قل﴾ كَيفَ قُرِئت هَذِه الْكَلِمَة، وَهِي أمره بِالْقِرَاءَةِ؟ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ .
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن قَوْله: ﴿قَول يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ جَمِيعه قُرْآن، وَنحن أمرنَا بِتِلَاوَة الْقُرْآن على مَا أنزل، فَنحْن نتلو كَذَلِك.
وَفِي السُّورَة سُؤال ثَالِث وَهُوَ أَنه قَالَ: ﴿وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد﴾ وَلم يقل: من أعبد؟
وَالْجَوَاب عَنهُ أَنه قَالَ ذَلِك على مُوَافقَة قَوْله: ﴿وَلَا أَنا عَابِد مَا عَبدْتُمْ﴾ وَقد قيل: إِن " مَا " بِمَعْنى " من " هَاهُنَا، وَالله أعلم
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح (1) وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا (2) فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾ تَفْسِير سُورَة النَّصْر
وَهِي مَدَنِيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ أَجمعُوا على أَن الْفَتْح هُوَ فتح مَكَّة، وَقيل: إِن
فِيهِ أَيْضا، وَيُقَال: إِن النَّصْر هُوَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَالْأول هُوَ الْأَظْهر وَالْأَشْهر.
وَقَوله: ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ أَي: زمرا زمرا، وفوجا فوجا.
وَفِي التَّفْسِير: أَن رَسُول الله لما فتح مَكَّة قَالَ الْمُشْركُونَ: إِن مُحَمَّدًا قد نَصره الله على قُرَيْش، وهم أهل الله وَأهل حرمه، فقد منع الله الْفِيل عَنْهُم فَلَا يدان لأيد [أحد] بِمُحَمد يَعْنِي: لَا قُوَّة، فَدَخَلُوا فِي دينه أَفْوَاجًا وَكَانَت الْقَبِيلَة بأسرها تسلم، ووفد عَلَيْهِ الْوُفُود من الجوانب، وَدخل أَكثر ديار الْعَرَب فِي الْإِسْلَام، وَلم يبْق إِلَّا الْقَلِيل، وَقد كَانَ قبل ذَلِك يدْخل الْوَاحِد والاثنان على خوف شَدِيد، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ .
وَقَوله: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ أَي: صل حامدا لِرَبِّك.
وَالأَصَح أَن مَعْنَاهُ: ﴿اذكره بالتحميد وَالشُّكْر لهَذِهِ النِّعْمَة الْعَظِيمَة، فَإِن التَّسْبِيح هُوَ بِمَعْنى الذّكر فَصَارَ معنى الْآيَة على هَذَا: فاذكر رَبك بالتحميد وَالشُّكْر.
وَقَوله: {وَاسْتَغْفرهُ﴾ أَي: اطلب التجاوز وَالْعَفو عَنهُ.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾ أَي: تَوَّابًا على عباده، وَيُقَال: التواب هُوَ المسهل لسبيل التَّوْبَة، وَيُقَال: هُوَ الْقَابِل لَهَا.
وَقد ثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَن فِي الصُّورَة نعي النَّبِي إِلَى نَفسه، وَأمره بالتسبيح وَالِاسْتِغْفَار ليَكُون؛ آخر أمره وخاتمة عمله على زِيَادَة الطَّاعَة وَالذكر لله.
وَورد أَيْضا أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - كَانَ إِذا حضر الْمُهَاجِرين واستشارهم فِي شَيْء، أحضر مَعَهم عبد الله بن عَبَّاس، فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لنا أَوْلَادًا مثله - يَعْنِي أَنَّك لَا تحضرهم - فَقَالَ: إِنَّه من حَيْثُ تعلمُونَ، ثمَّ إِنَّه سَأَلَهُمْ مرّة عَن هَذِه السُّورَة فَقَالُوا: إِن الله تَعَالَى أَمر رَسُول الله بالتسبيح وَالِاسْتِغْفَار حِين جَاءَهُ الْفَتْح، وَدخل النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا، فَسَأَلَ عبد الله بن عَبَّاس عَن معنى السُّورَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن الله تَعَالَى نعى إِلَى رَسُول الله نَفسه بِهَذِهِ السُّورَة، وَأمره بِزِيَادَة الْعَمَل وَالذكر؛ ليَكُون خَاتِمَة عمره عَلَيْهِ فَقَالَ لسَائِر الْمُهَاجِرين: إِنَّمَا أحضرهُ لهَذَا وَأَمْثَاله، أَو كَلَام هَذَا مَعْنَاهُ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور فِي الصَّحِيح فِي هَذَا الْخَبَر أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أجل رَسُول الله أعلمهُ إِيَّاه فَقَالَ لَهُ عمر: وَالله لَا أعلم مِنْهَا إِلَّا مَا تعلم.
وَقيل: إِن السُّورَة نزلت فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق.
وَقيل: إِن رَسُول الله لم يَعش بعد هَذِه السُّورَة إِلَّا ثَمَانِينَ لَيْلَة.
وَقد قيل: إِنَّهَا آخر سُورَة نزلت من الْقُرْآن كَامِلَة، وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب (1) ﴾ تَفْسِير سُورَة تبت
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب﴾ سَبَب نزُول هَذِه السُّورَة هُوَ مَا روى أَبُو مُعَاوِيَة [الضَّرِير مُحَمَّد بن خازم] عَن الْأَعْمَش، عَم عَمْرو بن مرّة، عَن سعيد ابْن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صعد ذَات يَوْم الصَّفَا وَقَالَ: " يَا صَبَاحَاه " فاجتمعت قُرَيْش فَقَالُوا لَهُ: مَالك؟ فَقَالَ: " (أَرَأَيْتُم) لَو أَخْبَرتكُم أَن الْعَدو مصبحكم أَو ممسيكم، أما (تصدقونني؟) " قَالُوا: بلَى.
قَالَ: " فَإِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد " فَقَالَ أَبُو لَهب: تَبًّا لَك، أَلِهَذَا دَعوتنَا جَمِيعًا فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب﴾ إِلَى آخر السُّورَة ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، أخبرنَا جدي أَبُو الْهَيْثَم، أخبرنَا الْفربرِي، أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، أخبرنَا (مُحَمَّد) بن سَلام، عَن [أبي] مُعَاوِيَة.
. الحَدِيث
﴿مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب (2) سيصلى نَارا ذَات لَهب (3) ﴾
قَوْله: ﴿وَتب﴾ قَالَ مقَاتل وَغَيره: خسرت، والتباب فِي اللُّغَة هُوَ الْهَلَاك، وَهُوَ الخسران أَيْضا.
قَالَ الْفراء: الأول دُعَاء، وَالثَّانِي إِخْبَار، فَالْأول هُوَ قَوْله ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ وَالثَّانِي قَوْله: ﴿وَتب﴾ على مَا معنى الْخَبَر أَي: وَقد خسر وَهلك، وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَقد تبت ".
وَقَوله: ﴿مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب﴾ أَي: لَا يدْفع عَنهُ مَاله وَولده شَيْئا من عَذَاب الله، فَيكون قَوْله: ﴿وَمَا كسب﴾ بِمَعْنى وَمَا ولد على هَذَا القَوْل.
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: وَيبعد أَن تكون مَا بِمَعْنى من فِي اللُّغَة.
فَقَوله: ﴿وَمَا كسب﴾ أَي: وَمَا كسب من جَاءَ وَمَا يُشبههُ وَأما أَبُو لَهب فَهُوَ عَم النَّبِي واسْمه عبد الْعزي، وَيُقَال: سمي أَبُو لَهب لتلهب وَجهه حسنا.
وَذكره الله تَعَالَى بكنيته؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفا بذلك أَو لِأَن اسْمه كَانَ عبد الْعزي فكره أَن تنْسب عبوديته إِلَى غَيره.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن أَبَا لَهب انْتَفَى بني هَاشم، وانتسب إِلَى أبي أُميَّة، وَقَالَ: لَا أكون من قوم فيهم كَذَّاب مثل مُحَمَّد.
وَمن الْمَعْرُوف عَن طَارق الْمحَاربي أَنه قَالَ: " كنت بسوق ذِي الْمجَاز فَإِذا أَنا بشاب يَقُول: أَيهَا النَّاس، قُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله تُفْلِحُوا، وَإِذا الرجل خَلفه يرميه بِالْحجرِ، وَقد أدْمى (عَقِبَيْهِ) ، وَهُوَ يَقُول: أَيهَا النَّاس، لَا تُصَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ كَذَّاب.
قَالَ: فَسَأَلت عَنْهُمَا، فَقيل: إِن الشَّاب مُحَمَّد، وَالرجل الَّذِي خَلفه عَمه أَبُو لَهب ".
﴿وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب (4) فِي جيدها حَبل من مسد (5) ﴾ . وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿مَا أغْنى عَنهُ مَاله﴾ : أَي: أَي شَيْء أغْنى عَنهُ مَاله ﴿وَمَا كسب﴾ إِذا دخل النَّار؟ .
وَقَوله: ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ يُقَال: صلى الشَّيْء إِذا قاسى شدته وحره.
وَيُقَال: صليته أَي شويته، وَمِنْه: شَاة مصلية أَي مشوية وَالْمعْنَى: سَوف يصلى أَي يدْخل نَارا ذَات لَهب أَي: ذَات التهاب وتوقد.
وَقَوله: ﴿وَامْرَأَته﴾ أَي: تصلى امْرَأَته أَيْضا.
وَقَوله: ﴿حمالَة الْحَطب﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا كَانَت تحمل الشوك فتلقيه على طَرِيق النَّبِي لتعقر رجله.
قَالَ عَطِيَّة: كَانَت تلقى الْعضَاة فِي طَرِيق النَّبِي.
وَكَانَت كالكثيب من الرمل لقدم النَّبِي، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿حمالَة الْحَطب﴾ مَعْنَاهُ: الْمَاشِيَة بالنميمة.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِن بني الأجرم حمالوا الْحَطب ... هم الوشاة فِي الرِّضَا وَفِي الْغَضَب)
(عَلَيْهِم اللَّعْنَة تترى وَالْحَرب ... )
وَامْرَأَته هِيَ أم جميل بنت حَرْب بن أُميَّة أُخْت أبي سُفْيَان.
وَقد قرئَ: " حمالَة الْحَطب " بِالنّصب فالبرفع على معنى حمالَة الْحَطب، وَبِالنَّصبِ على معنى أَعنِي حمالَة الْحَطب.
وَقَوله: ﴿فِي جيدها حَبل من مسد﴾ فِيهِ قَولَانِ: أظهرهمَا أَنه السلسلة الَّتِي ذكر الله تَعَالَى فِي كِتَابه: ﴿فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا﴾ والمسد هُوَ الفتل والإحكام قَالَ: لِأَنَّهُ أحكم من الْحَدِيد، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن المُرَاد من الْآيَة أَنَّهَا كَانَت تحمل الْحَطب بِحَبل من مسد فِي عُنُقهَا فَذكر الله تَعَالَى ذَلِك على أحد وَجْهَيْن: إِمَّا
لبَيَان تخسيسها وتحقيرها، أَو لِأَنَّهَا عيرت رَسُول الله بالفقر فابتلاها الله تَعَالَى بِمَا هُوَ من عمل الْفُقَرَاء، وَقيل: حَبل من مسد أَي: حَبل من شعر أحكمت فتله، وَقيل: من لِيف أحكم فتله.
وروى " أَن هَذِه السُّورَة لما نزلت وَسمعتهَا امْرَأَة أبي لَهب أخذت (فهرا) بِيَدِهَا، وَجَاءَت تطلب النَّبِي وَتقول:
(مذمم أَبينَا ... وَدينه قلبينا ... وَأمره عصينا ... )
وتعني بمذمم مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - لِأَن كفار قُرَيْش كَانُوا يشتمونه مذمما، فَلَمَّا جَاءَت، قَالَ أَبُو بكر للنَّبِي: إِن هَذِه الْمَرْأَة قد جَاءَت، فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تراني فَدخلت وَلم تَرَ رَسُول الله، فَقَالَت لأبي بكر: أَيْن صَاحبك؟ فَقَالَ: مَا شَأْنك؟ فَقَالَت: بَلغنِي أَنه هجاني، فَجئْت لأكسر رَأسه بِهَذَا الْحجر، فَقَالَ أَبُو بكر: إِنَّه مَا هجاك، فَرَجَعت وعثرت فِي مرْطهَا، فَقَالَت: تعس مذمم وَمَضَت ".
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿قل هُوَ الله أحد (1) ﴾ . تَفْسِير سُورَة الْإِخْلَاص
وَهِي مَدَنِيَّة
وَقيل: إِنَّهَا مَكِّيَّة
يزِيد بن كيسَان، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله: " احشدوا أَقرَأ عَلَيْكُم ثلث الْقُرْآن فَخرج رَسُول الله، فَقَرَأَ عَلَيْهِم: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ثمَّ دخل بَيته قَالَ: فَقَالَ الْقَوْم: قَالَ لنا رَسُول الله: احشدوا أَقرَأ عَلَيْكُم ثلث الْقُرْآن فَقَرَأَ: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ثمَّ دخل، مَا هَذَا إِلَّا شَيْء؟ قَالَ: فَسَمعَهَا فَخرج إِلَيْنَا فَقَالَ: إِن هَذِه السُّورَة تعدل ثلث الْقُرْآن " رَوَاهُ مُسلم فِي كِتَابه عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَيَعْقُوب الدَّوْرَقِي، عَن يحيى بن سعيد، عَن (يزِيد) بن كيسَان.
. الحَدِيث.
وروى إِسْمَاعِيل بن أبي (زِيَاد) عَن جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دخلت الْيَهُود على نَبِي الله فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، صف لنا رَبك، وانسبه لنا فقد وصف نَفسه فِي التَّوْرَاة ونسبها فارتعد رَسُول الله حَتَّى خر مغشيا عَلَيْهِ، فَقَالَ: " كَيفَ تسألونني عَن صفة رَبِّي وَنسبه، وَلَو سَأَلْتُمُونِي أَن أصف لكم الشَّمْس لم أقدر عَلَيْهِ "، فهبط جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، قل لَهُم: الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد أَي: لَيْسَ بوالد وَلَا بمولود، وَلَيْسَ لَهُ
﴿الله الصَّمد (2) لم يلد وَلم يُولد (3) ﴾ . شَبيه من خلقه ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث الشَّيْخ الْعَفِيف أَبُو عَليّ بن بنْدَار بهمدان بِإِسْنَادِهِ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد.
. الحَدِيث.
وَفِي بعض (الْأَخْبَار) : أَن سُورَة قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ وَسورَة قل هُوَ الله أَحدهمَا المقشقشتان أَي: تبرئان من الشّرك والنفاق، وَيُقَال: قشقش الْمَرِيض من علته إِذا برأَ، وَسميت السُّورَة سُورَة الْإِخْلَاص لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا وصف الرب عَن اسْمه وَلَيْسَ فِيهَا أَمر وَلَا نهى وَلَا وعد وَلَا وَعِيد.
وَذكر أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي كِتَابه بِرِوَايَة أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن الرّبيع بن أنس، عَن أبي الْعَالِيَة، عَن أبي بن كَعْب أَن الْمُشْركين قَالُوا: يَا رَسُول الله، انسب لنا رَبك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد﴾ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْء يُولد إِلَّا سيموت، وَلَيْسَ شَيْء يَمُوت إِلَّا سيورث، وَإِن الله لَا يَمُوت وَلَا يُورث، ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ قَالَ: لم يكن لَهُ شَبيه وَلَا عدل، وَلَيْسَ كمثله شَيْء.