الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿لِأَبِيهِ آزر أتتخذ أصناما آلِهَة إِنِّي أَرَاك وقومك فِي ضلال مُبين (74) وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين (75) فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ الرَّاء، وَهُوَ اسْم أعجمي غير منصرف؛ فينصب فِي مَوضِع الْخَفْض.
قَالَ الْفراء، والزجاج: اسْم أَبِيه: تارخ، أجمع عَلَيْهِ النسابون، وآزر لقب لَهُ، قَالَ الْفراء: واللقب قد غلب على الِاسْم، وَقيل: كَانَ لَهُ اسمان: آزر، وتارخ، قَالَ الْحسن: اسْمه: آزر لَا غير، كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْكتاب، وَقَالَ مُجَاهِد: آزر: اسْم صنم، وَتَقْدِير الْآيَة: وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ: ﴿أتتخذ﴾ آزر إِلَهًا ﴿أصناما آلِهَة إِنِّي أَرَاك وقومك فِي ضلال مُبين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ الملكوت وَالْملك وَاحِد، وَإِنَّمَا أَدخل التَّاء فِيهِ للْمُبَالَغَة، مثل: رهبوت ورحموت، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، مِنْهُم من قَالَ: أرَاهُ أَبْوَاب السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَمِنْهُم من قَالَ: فرج لَهُ السَّمَوَات حَتَّى رَآهَا كلهَا وَمَا فِيهَا، وخرق لَهُ الْأَرْضين حَتَّى رَآهَا كلهَا، وَقيل: رَفعه إِلَى السَّمَاء حَتَّى رأى السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَفِي الْخَبَر: " أَنه لما رَفعه إِلَى السَّمَاء رأى فِي الأَرْض رجلا على الْمعْصِيَة، فَدَعَا الله حَتَّى أهلكه، ثمَّ رأى آخر، فَدَعَا الله حَتَّى أهلكه، ثمَّ رأى ثَالِثا كَذَلِك؛ فَدَعَا الله حَتَّى أهلكه فَقَالَ الله - تَعَالَى -: أهبطوه، ثمَّ أوحى الله - تَعَالَى -: إِلَيْهِ: مهلا يَا إِبْرَاهِيم؛ فَإِن عبَادي مني على ثَلَاث خِصَال: إِمَّا أَن يتوبوا فَأغْفِر لَهُم، وَإِمَّا أَن يتْركُوا ولدا يَدْعُو لَهُم فَأغْفِر لَهُم، وَإِن لم يكن [لَهُم] فجهنم من ورائهم " ﴿وليكون من الموقنين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا﴾ .
﴿رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين (76) فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ﴾
وَفِي الْقِصَّة: أَن وَاحِدًا من الكهنة، قَالَ لنمروذ: إِن ملكك يهْلك على (يَدي) ولد فِي زَمَانك، فَكَانَ يقتل الْبَنِينَ مِمَّن يُولد فِي زَمَانه؛ فَلَمَّا أَتَت أم إِبْرَاهِيم بإبراهيم، جَاءَ بِهِ أَبوهُ إِلَى سرب الأَرْض شبه مغار، وَوَضعه فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: كوثاء؛ فَقيل: إِنَّه كَانَ فِيهِ سبع سِنِين، وَقيل: ثَلَاث عشرَة سنة، وَقيل سبع عشرَة سنة، ثمَّ إِنَّه لما شب، قَالَ لأمه: من رَبِّي؟ فَقَالَت لَهُ: اسْكُتْ، ثمَّ جَاءَت وأخبرت أَبَاهُ مَا قَالَ؛ فجَاء أَبوهُ؛ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: من رَبِّي؟ فَقَالَ: أمك، قَالَ: وَمن رب أُمِّي،؟ قَالَ: أَنا، قَالَ: وَمن رَبك؟ قَالَ: اسْكُتْ، وتركوه، ثمَّ لما جن عَلَيْهِ اللَّيْل خرج من السرب، وَلم يكن رأى شَيْئا قطّ، فَرَأى كوكبا، قيل: هُوَ المُشْتَرِي.
قَالَ السّديّ: كَانَ الْكَوْكَب: زهرَة، وَهِي أَضْوَأ كَوْكَب فِي السَّمَاء.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قيل: إِنَّه قَالَ ذَلِك فِي صغره حِين لَا يعبأ بقوله، وَقيل: إِنَّمَا كَانَ مستدلا بِهِ؛ فَقَالَ ذَلِك فِي حَال الِاسْتِدْلَال؛ فَلم يضرّهُ هَذَا القَوْل، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ ضعيفان، وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال مَعْرُوفَة: أَحدهَا: قَالَ قطرب: قَوْله: هَذَا رَبِّي.
على وَجه الِاسْتِفْهَام، وَتَقْدِيره أَهَذا رَبِّي؟ وَمثله قَول الشَّاعِر:
(رفوني وَقَالُوا يَا خويلد (لم ترع)
فَقلت وَأنْكرت الْوُجُوه هم هم)
وَإِنَّمَا قَالَ: هم على طَرِيق الِاسْتِفْهَام، وَتَقْدِيره: أهم هم؟ وَأما الزّجاج وَغَيره لم يرْضوا مِنْهُ هَذَا، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب " هَذَا " بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام.
وَذكر الزّجاج قَوْلَيْنِ آخَرين فِيهِ: أَحدهمَا: قَالَ: " هَذَا رَبِّي " على زعم قومه، فَإِن قيل: هم كَانُوا يعْبدُونَ الْكَوَاكِب، فَكيف قَالَه على زعمهم؟ قيل: كَانَ مِنْهُم أهل نُجُوم، وَكَانُوا يرَوْنَ أَنه إِلَى الْكَوَاكِب الْأُمُور؛ وَكَأَنَّهُم يعْبدُونَ الْكَوَاكِب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن القَوْل مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: يَقُولُونَ: هَذَا رَبِّي.
﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين (77) فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون (78) إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين (79) وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَن﴾
﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ . قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا﴾ أَي: طالعا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ وَكَانَ ذَلِك فِي لَيْلَة قد تَأَخّر طُلُوع الْقَمَر فِيهَا قَلِيلا ﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾ والأفول: الْغُرُوب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر﴾ أَي: أَضْوَأ وأنور فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: هَذَا رَبِّي، وَالشَّمْس مُؤَنّثَة، وَلم يقل هَذِه؟ قيل: لِأَن مَا لَيْسَ عَلَيْهِ عَلامَة التَّأْنِيث يجوز أَن يذكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (فَلَا مزنة وَقد دقَّتْ ... ودقها وَلَا أَرض ذَا بقل أبقالها) وَلم يقل [أبقلت] ، وَإِن كَانَت الأَرْض مُؤَنّثَة؛ إِذْ لم يكن عَلَيْهَا عَلامَة التَّأْنِيث، وَقيل: إِن قَوْله: هَذَا رَبِّي، يرجع إِلَى الْمَعْنى، وَهُوَ الضياء والنور ﴿فَلَمَّا أفلت قَالَ يَا قومِي إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ الحنيف: الثَّابِت على الدّين، المائل إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني﴾ (أَي) : جادله قومه؛ قَالَ: أتجادلوني ﴿فِي الله وَقد هدان﴾ .
﴿يَشَاء رَبِّي شَيْئا وسع رَبِّي كل شَيْء علما أَفلا تذكرُونَ (80) وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن إِن كُنْتُم تعلمُونَ (81) الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم﴾
﴿وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ﴾ لأَنهم كَانُوا يخوفونه بالأصنام، وَكَانُوا يَقُولُونَ: احذر الْأَصْنَام؛ فَإنَّا نَخَاف عَلَيْك الخبل وَالْجُنُون؛ فَقَالَ: ﴿وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا﴾ قَوْله: إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا.
لَيْسَ باستثناء عَن الأول؛ إِذْ لَا يجوز أَن يَشَأْ الله أَن يُصِيبهُ شَيْء من الْأَصْنَام، وَمَا يشركُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن إِن شَاءَ رَبِّي أَن يأخذني بِشَيْء، أَو يُعَذِّبنِي بجرمي؛ فَلهُ ذَلِك.
﴿وسع رَبِّي كل شَيْء علما أَفلا تتذكرون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا﴾ الْإِشْرَاك: هُوَ الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي معنى؛ فالإشراك بِاللَّه: هُوَ أَن يجمع مَعَ الله غير الله فِيمَا لَا يجوز إِلَّا لله، وَمعنى الْآيَة: وَكَيف أَخَاف الْأَصْنَام وَمَا أشركتم، وَأَنْتُم أَحَق بالخوف مني حَيْثُ أشركتم بِاللَّه، وَلَا تخافون الله بشرككم أَو فعلكم الَّذِي لم ينزل بِهِ الله حجَّة وسلطانا؟ ﴿فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن﴾ يَعْنِي الموحد أَو الْمُشرك ﴿إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: هَذَا من قَول الله - تَعَالَى -، وَقيل: هُوَ من قَول إِبْرَاهِيم، وَمَعْنَاهُ: الَّذين آمنُوا، وَلم يخلطوا إِيمَانهم بشرك، هَذَا هُوَ قَول أبي بكر، وَعلي، وَحُذَيْفَة، وسلمان أَن المُرَاد بالظلم الشّرك، وَقد صَحَّ بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود: " أَنه لي نزلت هَذِه الْآيَة؛ شقّ ذَلِك على الصَّحَابَة، وَقَالُوا: أَيّنَا لم يظلم نَفسه؟ ! فَقَالَ: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تظنون، إِنَّمَا الظُّلم هَاهُنَا بِمَعْنى الشّرك، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ ". وَمعنى الْآيَة: الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَلم يشركوا بِهِ {أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن
﴿مهتدون (82) وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء إِن رَبك حَكِيم عليم (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب كلا هدينَا ونوحا هدينَا من قبل وَمن ذُريَّته دَاوُود وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ (84) وزَكَرِيا وَيحيى وَعِيسَى وإلياس كل من الصَّالِحين (85) وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع﴾ هم مهتدون) .
قَوْله - تَعَالَى: ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: هِيَ احتجاجه عَلَيْهِم بقوله: ﴿فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن﴾ ، وحجته فِي ذَلِك أَن الَّذِي يعبد الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا أَحَق بالأمن من الَّذِي يعبد الله ويشرك بِهِ.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْحجَّاج الَّذِي حَاج بِهِ نمروذ، على مَا سبق فِي سُورَة الْبَقَرَة.
﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾ يَعْنِي: (بالحجاج) ، وَالِاسْتِدْلَال، وَيقْرَأ: " نرفع دَرَجَات " منونا، وَتَقْدِيره: نرفع من نشَاء دَرَجَات ﴿إِن رَبك حَكِيم عليم﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب كلا هدينَا ونوحا هدينَا من قبل وَمن ذُريَّته﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم، وَالصَّحِيح أَنه أَرَادَ بِهِ: وَمن ذُرِّيَّة نوح؛ لِأَنَّهُ عد فِي الْجُمْلَة يُونُس ولوطا، وهما من ذُرِّيَّة نوح لَا من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَيْسَ هَذَا على تَرْتِيب الْأَزْمَان؛ إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ على أزمان مُخْتَلفَة، بَعضهم سَابق على الْبَعْض، (فالواو لَا) تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَإِنَّمَا هِيَ للْجمع.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وزَكَرِيا وَيحيى وعيس﴾ هَذَا دَلِيل على أَن عِيسَى من ذُرِّيَّة آدم، وَإِن كَانَ انتماؤه إِلَى الْأُم؛ لِأَنَّهُ عده من ذُرِّيَّة نوح؛ فَيكون آدم أَبَاهُ من قبل الْأُم ﴿وإلياس كل من الصَّالِحين﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: إلْيَاس هُوَ إِدْرِيس، وَالصَّحِيح أَنه رجل آخر.
﴿وَيُونُس ولوطا وكلا فضلنَا على الْعَالمين (86) وَمن آبَائِهِم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (87) ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء من عباده وَلَو أشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع﴾ وَيقْرَأ: " والليسع " وَهُوَ اسْم أعجمي مثل: زيد، وَيزِيد، وَنَحْوه، وَإِنَّمَا وصل فِيهِ الْألف وَاللَّام نَادرا، وَمثله قَول الشَّاعِر: (وجدنَا (الْوَلِيد بن اليزيد) مُبَارَكًا ... شَدِيدا (بأعباء) الْخلَافَة كَاهِله) ﴿وَيُونُس ولوطا وكلا فضلنَا على الْعَالمين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن آبَائِهِم﴾ " من " فِيهِ للتَّبْعِيض؛ لِأَن آبَاء بَعضهم كَانُوا مُسلمين ومهتدين ﴿وذرياتهم﴾ أَي: وَمن ذرياتهم، وَأَرَادَ بِهِ: ذُرِّيَّة بَعضهم أَيْضا؛ لِأَن عِيسَى وَيحيى لم يكن لَهما ذُرِّيَّة، وَكَانَ فِي ذُرِّيَّة بَعضهم من كَانَ كَافِرًا ﴿وإخوانهم واجتبيناهم﴾ أَي: اصطفيناهم ﴿وهديناهم﴾ أرشدناهم ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء﴾ أَي: يرشد بِهِ من يَشَاء من عباده ﴿وَلَو أشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: لبطل عَنْهُم، والحبوط: البطول وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ( ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ أُولَئِكَ الَّذين أتيناهم الْكتاب) الْكتاب: اسْم الْجِنْس، وَأَرَادَ بِهِ: الْكتب الْمنزلَة عَلَيْهِم ﴿وَالْحكم﴾ يَعْنِي: الْعلم وَالْفِقْه ﴿والنبوة فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ فقد وكلنَا بهَا قوما لَيْسُوا بهَا بكافرين﴾ يَعْنِي: أهل الْمَدِينَة، وَمن كَانَ بهَا من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَقَالَ قَتَادَة: فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْكفَّار، فقد وكلنَا بهَا قوما [يَعْنِي]
﴿وَالْحكم والنبوة فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ فقد وكلنَا بهَا قوما لَيْسُوا بهَا بكافرين (89) أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن هُوَ إِلَّا ذكرى للْعَالمين (90) وَمَا قدرُوا الله حق قدره إِذْ قَالُوا مَا أنزل الله على بشر من شَيْء قل من﴾ الْأَنْبِيَاء الَّذين سبق ذكرهم، وَقَالَ أَبُو رَجَاء العطاردي: مَعْنَاهُ: فَإِن يكفر بهَا أهل الأَرْض، فقد وكلنَا بهَا أهل السَّمَاء، وهم الْمَلَائِكَة ﴿لَيْسُوا بهَا بكافرين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله﴾ أَي: هدَاهُم الله ﴿فبهداهم اقتده﴾ وَهَذِه هَاء الْوَقْف، كَمَا فِي قَوْله: ﴿ماليه﴾ و ﴿سلطانيه﴾ ، وَنَحْو ذَلِك، وَيقْرَأ: " فبهديهم اقتده " بِكَسْر الْهَاء، وَتَقْدِيره: فبهديهم اقتد اقْتِدَاء، هَكَذَا قيل: إِن الْمصدر مقدس فِيهِ ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ أَي: تذكره.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا عظموا الله حق عَظمته، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَا عرفُوا الله حق مَعْرفَته، وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: مَا وصفوا الله حق وَصفته، يُقَال: قدرت الشَّيْء، وَقدرته؛ إِذا عرفت حَقِيقَته.
﴿إِذْ قَالُوا مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ قيل: هَذَا قَول مَالك بن الصَّيف، كَانَ حبر الْيَهُود، فحاج النَّبِي، فَجرى على لِسَانه فِي المحاجة: مَا أنزل الله على بشر من شَيْء، وَكَانَ ذَلِك بِمَكَّة؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس﴾ أَي: أجبه يَا مُحَمَّد، وَقل: من أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَأَنْتُم تؤمنون بِهِ؟ .
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْيَهُود سمعُوا مِنْهُ تِلْكَ الْمقَالة؛ فعتبوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أَلَيْسَ أَن الله قد أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى؟ فَلم قلت مَا أنزل الله على بشر من شَيْء؟ ! فَقَالَ مَالك بن الصَّيف: أَغْضَبَنِي مُحَمَّد؛ فَقلت مَا قلت؛ فَقَالُوا: وَأَنت إِذا غضِبت تَقول على الله
﴿أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم وَلَا آباؤكم قل الله ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك مُصدق الَّذِي بَين يَدَيْهِ ولتنذر أم الْقرى وَمن حولهَا وَالَّذين﴾ غير الْحق؛ فَنَزَعُوهُ عَن الحبرية، وأجلسوا مَكَانَهُ كَعْب بن الْأَشْرَف.
﴿تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها﴾ أَي: تكبون مِنْهَا كتبا تبدونها ﴿وتخفون كثيرا﴾ أَي: تخفون مَا فِيهِ نعت مُحَمَّد، وتبدون مِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ نعت مُحَمَّد ﴿وعلمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم وَلَا (آباؤكم﴾ ) قيل: هُوَ رَاجع إِلَى الْيَهُود، وَقيل: هُوَ خطاب للصحابة.
قَالَ الله - تَعَالَى -: (يَعْنِي: قل من أنزلهُ) وَهُوَ رَاجع إِلَى مَا تقدم ﴿قل الله ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلْعَبُونَ﴾ وكل من خَاضَ فِيمَا لَا ينفح بِهِ فَهُوَ لاعب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك﴾ يصف الْقُرْآن بِالْبركَةِ: وأصل الْبركَة الثُّبُوت، وَمِنْه بروك الْبَعِير إِذا ثَبت وَاسْتقر، وَمِنْه قَوْله: ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾ أَي: ثَبت لَهُ مَا يسْتَحقّهُ من التَّعْظِيم والجلال فِيمَا لم يزل وَلَا يزَال.
﴿مُصدق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من الْكتب الْمنزلَة قبله ﴿ولتنذر أم الْقرى﴾ يَعْنِي: أهل أم الْقرى ﴿وَمن حولهَا﴾ وَأم الْقرى مَكَّة: وَسميت أم الْقرى؛ لِأَن سَائِر الْقرى [يقصدونها ويأتونها] ، وَقيل: لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا، (وَقيل: لِأَنَّهَا) معظمة تقصد بالتعظيم، وَمِنْه سميت الْأُم أما؛ لِأَنَّهَا تعظم، وَقد قَالَ: " إِن الْمَدِينَة قَرْيَة تَأْكُل سَائِر الْقرى " يَعْنِي: أَن أهل الْمَدِينَة يقتحمون سَائِر الْقرى
﴿يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ وهم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ (92) وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء وَمن قَالَ سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ بِالسَّيْفِ.
﴿وَالَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ وهم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ .
فَإِن قيل: الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُؤمنُونَ بِالآخِرَة، وَلَا يُؤمنُونَ بِهِ، فَمَا معنى قَوْله " وَالَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة يُؤمنُونَ بِهِ "؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الْمُؤمنِينَ؛ لأَنهم الَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حَقِيقَة، فَأَما الَّذين يُؤمنُونَ بِالآخِرَة، وَلَا يصدقون مُحَمَّدًا، وَمَا جَاءَ بِهِ؛ فكأنهم لم يُؤمنُوا بِالآخِرَة على الْحَقِيقَة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: " [نزل] هَذَا فِي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وَكَانَ قد أسلم؛ فَجعله النَّبِي كتابا للوحي، وَكَانَ يملي عَلَيْهِ الْوَحْي؛ فَيكْتب، فَقيل: إِنَّه كَانَ يملي عَلَيْهِ: " إِن الله سميع عليم "، فَيكْتب: " إِن الله غَفُور رَحِيم " ويملي عَلَيْهِ: إِن الله غَفُور رَحِيم " فَيكْتب: " إِن الله عليم حَكِيم " هَكَذَا كَانَ يُبدل؛ فروى أَنه لما نزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾ الْآيَة فأملى النَّبِي ذَلِك؛ فَلَمَّا رأى تَفْضِيل خلق الله تعجب، وَقَالَ: تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: هَكَذَا أنزل ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَشك الرجل فِي الْوَحْي، وَقَالَ: أُوحِي إِلَيّ كَمَا يُوحى إِلَيْهِ، وارتد عَن الْإِسْلَام " فَقَوله: ﴿أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ﴾ هُوَ هَذَا.
وَقيل: نزلت الْآيَة فِي مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَالْأسود الْعَنسِي، خرجا بِالْيمن، وادعيا
﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تَقولُونَ على الله غير الْحق وكنتم عَن آيَاته تستكبرون (93) وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة وتركتم مَا خولناكم وَرَاء﴾ النُّبُوَّة وَالْوَحي إِلَيْهِمَا، وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَأَيْت فِي الْمَنَام سِوَارَيْنِ من ذهب فِي يَدي، فنفخت فيهمَا، فطَارَا، فَأَوَّلْتهمَا عل كَذَّابين يخرجَانِ بعدِي " مُسَيْلمَة الْكذَّاب كَانَ بِالْيَمَامَةِ، وَالْأسود الْعَنسِي كَانَ بِصَنْعَاء الْيمن.
﴿وَمن قَالَ سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله﴾ هَذَا فِي النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة، ادّعى مُعَارضَة الْقُرْآن، فروى أَنه قَالَ فِي مُعَارضَة الْقُرْآن: والطاحنات طحنا، فالعاجنات عَجنا، والخابزات خبْزًا فاللاقمات لقما.
﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت﴾ يَعْنِي: فِي شَدَائِد الْمَوْت، قَالَ الشَّاعِر:
(الغمرات ثمَّ تنجلينا ... ثمَّة تذهبن فَلَا تجينا)
﴿وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم﴾ قيل: للعذاب، وَقيل: لقبض الْأَرْوَاح ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ أَي: أرواحكم، فَإِن قَالَ قَائِل: الرّوح إِنَّمَا تخرج كرها؛ فَمَا معنى قَوْله: أخرجُوا أَنفسكُم؟ قيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تَغْلِيظًا عَلَيْهِم، كمن يخرج من الدَّار كرها، وَيُقَال لَهُ: اخْرُج.
﴿الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تَقولُونَ على الله غير الْحق وكنتم عَن آيَاته تستكبرون﴾ الْهون: من الهوان، والهون: من اللين والرفق، كَمَا فِي قَوْله: ﴿يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى﴾ أَي وحدانا فَردا فَردا ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾ بِلَا أهل وَلَا مَال ﴿وتركتم مَا خولناكم وَرَاء ظهوركم﴾ أَي: ملكناكم، والخول: المماليك.
﴿وَمَا نرى مَعكُمْ شفعاءكم الَّذين زعمتم انهم فِيكُم شُرَكَاء﴾
﴿ظهوركم وَمَا نرى مَعكُمْ شفعاءكم الَّذين زعمتم أَنهم فِيكُم شُرَكَاء لقد تقطع بَيْنكُم وضل عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ (94) إِن الله فالق الْحبّ والنوى يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ ذَلِكُم الله فَأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وَجعل اللَّيْل﴾ أَرَادَ بِهِ: مَا زَعَمُوا من أَن الْأَصْنَام وَالْمَلَائِكَة شفعاؤنا عِنْد الله ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ أَي: وصلكم، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿وتقطعت بهم الْأَسْبَاب﴾ أَي: الموصلات، وَيقْرَأ: " لقد تقطع بَيْنكُم " - بِفَتْح النُّون - وَمَعْنَاهُ: تقطع الْأَمر بَيْنكُم ﴿وضل عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الله فالق الْحبّ والنوى﴾ الفلق: الشق، وَمَعْنَاهُ: أَنه يشق الْحبَّة؛ فيستخرج السنبلة من الْحبَّة، ويشق النواة؛ فيستخرج النَّخْلَة من النواة، [وَيدخل] فِي قَوْله: ﴿فالق الْحبّ﴾ جَمِيع البذور والحبوب، وَيدخل فِي قَوْله: ﴿والنوى﴾ نواة جَمِيع الْأَشْجَار؛ مثل نواة المشمش، ونواة الخوخ، ونواة الغبيراء، وَنَحْو ذَلِك، وَقيل: فالق الْحبّ والنوى بِمَعْنى: خَالق الْحبّ والنوى.
﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ وَقد ذكرنَا هَذَا وَاخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِيهِ، وَالْفرق بَين الْمَيِّت وَالْمَيِّت ﴿ذَلِكُم الله فَأنى تؤفكون﴾ أَي تصرفون.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فالق الإصباح﴾ مَعْنَاهُ: أَنه يسْتَخْرج الصُّبْح من اللَّيْل، والإصباح: مصدر، وَهُوَ بِمَعْنى: الصُّبْح هَاهُنَا، أَي: فالق الصُّبْح، وَقَرَأَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: " فلق الإصباح " وَقَرَأَ الْحسن: " فالق الإصباح " - بِنصب الْقَاف - وهما فِي الشواذ.
﴿وَجعل اللَّيْل سكنا﴾ أَي: يسكن فِيهِ، وَيقْرَأ: " وَجعل اللَّيْل سكنا "، أَي: جعل الله اللَّيْل سكنا ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ أَي: بِحِسَاب عُلُوم، والحسبان: هُوَ الْحساب هَاهُنَا بِمَعْنى أَنَّهُمَا يدوران بِحِسَاب مَعْلُوم مُقَدّر.
وَحكى مَنْصُور بن
﴿سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم (96) وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر قد فصلنا الْآيَات لقوم يعلمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع قد فصلنا الْآيَات لقوم يفقهُونَ (98) الْمُعْتَمِر - وَهُوَ الثِّقَة من رُوَاة النَّخعِيّ - عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: يجوز أَن يتَعَلَّم الْإِنْسَان من النُّجُوم بِقدر مَا يعرف منَازِل الْقَمَر، وسير الْكَوَاكِب لمعرف الْقبْلَة وأوقات الصَّلَاة {ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ هَذِه إِحْدَى فَوَائِد النُّجُوم، وَالله - تَعَالَى - خلق النُّجُوم لفوائد: مِنْهَا تَزْيِين السَّمَاء، كَمَا قَالَ - عز وَعلا -: ﴿وزينا السَّمَاء دينا بمصابيح﴾ وَمِنْهَا رمى الشَّيَاطِين بهَا كَمَا قَالَ: ﴿وجعلناهم رجوما للشياطين﴾ وَمِنْهَا الاهتداء فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كَمَا قَالَ هَاهُنَا.
وَحكى أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس عَن بعض التَّابِعين أَنه أَرَادَ بالنجوم هَاهُنَا: الصَّحَابَة، يَهْتَدِي بهم فِي ظلمات الشّرك، وَهَذَا مثل قَوْله: " أَصْحَابِي [كَالنُّجُومِ] بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ "، ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - ﴿فمستقر ومستودع﴾ قَالَ عَطاء، وَمُجاهد: أَرَادَ بالمستقر: أَرْحَام الْأُمَّهَات، وبالمستودع: أصلاب الْآبَاء، وَحكى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، ويروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ - على عَكسه -: المستقر: أصلاب الْآبَاء، والمستودع: أَرْحَام
﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء فأخرجنا بِهِ نَبَات كل شَيْء فأخرجنا مِنْهُ خضرًا نخرج مِنْهُ حبا متراكبا وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان﴾ الْأُمَّهَات، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: المستقر: أَرْحَام الْأُمَّهَات، والمستودع: الْقُبُور، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن المُرَاد بالمستقر الدُّنْيَا والمستودع: الْآخِرَة، وَيقْرَأ: " فمستقر " بِكَسْر الْقَاف، وَتَقْدِيره: فمنكم مُسْتَقر، وَمِنْه مستودع ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يفقهُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء فأخرجنا بِهِ نَبَات كل شَيْء، فأخرجنا مِنْهُ خضرًا﴾ هُوَ الْغُصْن الطري ﴿نخرج مِنْهُ حبا متراكبا﴾ أَي: متراكما بعضه على بعض ﴿وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية﴾ الطّلع: مَا يخرج من شجر النّخل، والقنوان: العذوق، وَاحِدهَا: قنو، والعذق: أصل الشَّجَرَة، والعذق: الكباسة، والعذق والقنو وَاحِد، وَقَالَ الشَّاعِر: (أثيث كقنو النَّخْلَة المتعثكل ... ) وَقَالَ أَيْضا: (فأثت أعاليه (ودقت) أُصُوله (يمِيل بِهِ قنو) من الْبُسْر أحمرا) وَأما " الدانية " قَالَ الْبَراء بن عَازِب: ﴿قنوان دانية﴾ أَي: قريبَة المتناول، وَفِيه حذف وَتَقْدِيره: قنوان دانية وَغير دانية أَي: قريبَة، المتناول وبعيدة المتناول، فَحذف أَحدهمَا اختصارا؛ لسبقه إِلَى الأفهام، وَمثله قَوْله: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ وَتَقْدِيره: تقيكم الْحر وَالْبرد، قَوْله: ﴿وجنات من أعناب﴾ يقْرَأ بِكَسْر التَّاء، ورفعها ﴿وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان مشتبها وَغير متشابه﴾ أَي: مشتبها يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْوَرق، وَغير متشابه فِي الثَّمر والطعم، وَهَكَذَا يكون الزَّيْتُون مَعَ الرُّمَّان، فَإِن ورق الزَّيْتُون يشبه ورق الرُّمَّان، وَقيل: تكون أوراقه إِلَى أصل الشَّجَرَة كأوراق الرُّمَّان، ثمَّ يُخَالف
﴿مشتبها وَغير تشابه انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر وينعه إِن فِي ذَلِكُم لآيَات لقوم يُؤمنُونَ (99) وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ وخلقهم وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ (100) بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم (101) ذَلِكُم الله ربكُم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق﴾ الرُّمَّان فِي الطّعْم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿مشتبها وَغير متشابه﴾ ، ﴿انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر وينعه﴾ أَي: فِي نضجه، وَمِنْه قَول الْحجَّاج حَيْثُ خطب، وَقَالَ: إِنِّي أرى رُءُوسًا قد أينعت، وآن قطافها، وَأَنا وَالله صَاحبهَا، وَرَأى دِمَاء ترقرق بَين اللحى والعمائم ﴿إِن فِي ذَلِكُم لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ﴾ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله من سروات الْجِنّ ﴿وخلقهم﴾ قيل: إِن الْآيَة رَاجِعَة إِلَى الْجِنّ، وَقيل: رَاجِعَة إِلَى الْكفَّار يَعْنِي: أَنهم يَقُولُونَ ذَلِك ﴿وخلقهم﴾ وَقَرَأَ يحيى بن يعمر: " وخلقهم " بجزم اللَّام، وَهُوَ فِي الشواذ.
﴿وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم﴾ يقْرَأ مخففا ومشددا والخرق: الاختلاق، والتخريق: التكثير مِنْهُ، يَعْنِي: واختلقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات، وَذَلِكَ مثل قَول الْيَهُود: عُزَيْر ابْن الله، وَمثل قَول النَّصَارَى: الْمَسِيح ابْن الله، وَمثل قَول بَعضهم: الْمَلَائِكَة بَنَات الله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ﴾ .