الشعراء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿من كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله﴾ قَالَ الزّجاج: يخْشَى لِقَاء الله.
وَقَالَ غَيره: يأمل لِقَاء الله، وَقيل: لِقَاء الله هُوَ لِقَاء جَزَائِهِ، وَيُقَال: لِقَاء الله هُوَ الرُّجُوع إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿فَإِن أجل الله لآت﴾ مَعْنَاهُ: إِن وعد الله لآت، وَالْأَجَل هُوَ الْوَعْد الْمَضْرُوب، وَمعنى الْآيَة: أَن من يخْشَى أَو يأمل فليستعد.
وَقد روى مَكْحُول: " أَن النَّبِي قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة لعَلي وَفَاطِمَة: يَا عَليّ، وَيَا فَاطِمَة، قد أنزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿من كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِن أجل الله لآت﴾ فَاسْتَعدوا ". وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن جَاهد فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ﴾ الْجِهَاد هُوَ الصَّبْر على الشدَّة، ثمَّ قد يكون الصَّبْر على الشدَّة فِي الْحَرْب على مَا أَمر بِهِ الشَّرْع، وَقد يكون الصَّبْر على الشدَّة فِي مُخَالفَة النَّفس بِأَيّ معنى كَانَ.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ﴾ أَي: مَنْفَعَة ذَلِك رَاجِعَة إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَغَنِيّ عَن الْعَالمين﴾ أَي: لَا يعود إِلَيْهِ ضرّ وَلَا نفع فِي طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنكفرون عَنْهُم سيئاتهم﴾ التَّكْفِير إذهاب السَّيئَة بِالْحَسَنَة، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾
﴿أحسن الَّذين كَانُوا يعلمُونَ (7) وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا وَإِن جَاهَدَاك لتشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما إِلَيّ مرجعكم فأنبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (8) ﴾ والإحباط هُوَ إذهاب الْحَسَنَة بِالسَّيِّئَةِ.
وَقَوله: ﴿ولنجزينهم أحسن الَّذِي كَانُوا يعلمُونَ﴾ هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ وَمَعْنَاهُ: ويعطيهم أَكثر مِمَّا عمِلُوا وَأحسن.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا﴾ مَعْنَاهُ: يفعل حسنا، وَقُرِئَ: " إحساناً " أَي: يحسن إحساناً.
وَقَوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاك لتشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما﴾ أَي: فَلَا تطعهما فِي معصيتي، وَمن الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه قَالَ " لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق ".
وَقَوله: ﴿مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَن الشّرك كُله عَن جهل، فَإِن الْعَالم لَا يُشْرك بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿إِلَيّ مرجعكم فأنبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
أَكثر الْمُفَسّرين (أَن) الْآيَة نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص، وَهُوَ سعد بن مَالك أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ، وَأمه حمْنَة من بني أُميَّة.
فروى أَنه لما أسلم - وَقد كَانَ من السَّابِقين
﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لندخلنهم فِي الصَّالِحين (9) وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه فَإِذا أوذي فِي الله جعل فتْنَة النَّاس كعذاب الله وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين (10) وليعلمن الله الَّذين آمنُوا﴾ الْأَوَّلين فِي الْإِسْلَام - فَكَانَ بارا بِأُمِّهِ، فَلَمَّا سَمِعت أمه بذلك دَعَتْهُ، وَقَالَت لَهُ: مَا هَذَا الدّين الَّذِي أحدثته؟ وَالله لَا آكل وَلَا أشْرب حَتَّى ترجع عَن دينك أَو أَمُوت، فتعير بذلك أَبَد الدَّهْر، ثمَّ إِنَّهَا مكثت يَوْمًا وَلَيْلَة لم تَأْكُل، فجهدت جهدا شَدِيدا، ثمَّ مكثت يَوْمًا وليله أُخْرَى لم تَأْكُل وَلم تشرب، فجَاء سعد إِلَيْهَا، وَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، لَو كَانَ لَك مائَة نفس فَخرجت، لم أرجع عَن ديني، فَلَمَّا أَيِست مِنْهُ أكلت وشربت، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَأمره بِالْبرِّ بِوَالِديهِ، وَنَهَاهُ أَن يُشْرك طَاعَة لَهما.
وَقيل: الْآيَة عَامَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لندخلنهم فِي الصَّالِحين﴾ أَي: فِي زمرة الصَّالِحين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه فَإِذا أوذي فِي الله جعل فتْنَة النَّاس كعذاب الله﴾ أَي: جزع من عَذَاب النَّاس كَمَا (يجزع] من عَذَاب الله.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ﴾ الْآيَة فِي الْقَوْم الَّذين تخلفوا بِمَكَّة مِمَّن أَسْلمُوا، فَلَمَّا آذاهم الْمُشْركُونَ لم يصبروا، وأعطوهم مَا طلبُوا.
وَقَوله: ﴿نصر من رَبك﴾ أَي: فتح من رَبك ودولة للْمُؤْمِنين.
وَقَوله: ﴿ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ﴾ يَعْنِي: كُنَّا مُسلمين، وَإِنَّمَا أكرهنا حَتَّى قُلْنَا مَا قُلْنَا.
وَقَوله: ﴿أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين﴾ أَي: يعلم مَا فِي صُدُورهمْ، فيميز صدقهم من كذبهمْ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ قد بَينا، وَيُقَال:
﴿وليعلمن الْمُنَافِقين (11) وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا اتبعُوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شئ إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم وليسألن يَوْم الْقِيَامَة عَمَّا كَانُوا يفترون (13) وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ آمنُوا أَي: وفوا بِمَا عهدوا، وحققوا أَقْوَالهم بأفعالهم، وَأما المُنَافِقُونَ خالفوا أَقْوَالهم بأفعالهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ روى أَن أَبَا سُفْيَان وَذَوِيهِ قَالُوا للَّذين أَسْلمُوا: اتبعُوا سبيلنا أَي: الطَّرِيق الَّذِي نَحن عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ أَي: وَنحن نحمل خطاياكم إِن خِفْتُمْ من عُقُوبَته، فَنحْن كفلا بكم، ونتحمل عَنْكُم الْعقُوبَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شئ إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ يَعْنِي: فِي ضَمَان تحمل الْخَطَايَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ أَي: أوزارهم، والأوزار: الذُّنُوب.
وَقَوله: ﴿وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ أَي: أوزارا مَعَ أوزارهم.
فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَالله تَعَالَى قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ أَي: إِثْم دُعَائِهِمْ إِلَى ترك الْإِيمَان، وَيُقَال: إِن الْأَشْرَاف فيهم [يحملون] ذنُوب الأتباع؛ لأَنهم سنوا لَهُم الضَّلَالَة ودعوهم إِلَيْهَا.
وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من دَعَا إِلَى ضَلَالَة فَاتبع عَلَيْهَا، فَعَلَيهِ وزر من اتبعهُ من غير أَن ينقص من أوزارهم شئ ".
وروى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يُؤْتى بِعَبْد يَوْم الْقِيَامَة وَقد ظلم هَذَا، وَشتم هَذَا، وَأخذ مَال هَذَا، فتؤخذ حَسَنَاته ويعطون، فَيُقَال: يَا رب، قد بَقِي
﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما فَأَخذهُم الطوفان وهم ظَالِمُونَ (14) فأنجيناه﴾ عَلَيْهِ سيئات، وَلم تبْق لَهُ حَسَنَات، فَيَقُول الله تَعَالَى: احملوا ذنوبهم عَلَيْهِ، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وليسألن يَوْم الْقِيَامَة عَمَّا كَانُوا يفترون﴾ أَي: يكذبُون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ روى أنس أَن النَّبِي قَالَ: " إِن نوحًا أول نَبِي بعث إِلَى أهل الأَرْض ".
وَقَوله: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بعث نوح وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، وَمكث بعد خُرُوجه من السَّفِينَة سِتِّينَ سنة، [وتوفاه] الله تَعَالَى وَهُوَ ابْن ألف وَخمسين سنة، وَفِي رِوَايَة: أَن عمر نوح كَانَ ألف وَأَرْبَعمِائَة [وَخمسين] [سنة] ، بعث وَهُوَ ابْن مِائَتي وَخمسين سنة، وَقد قيل غير هَذَا، وَالله أعلم.
وروى أَن ملك الْمَوْت لما جَاءَ إِلَى نوح ليقْبض روحه قَالَ: يَا أطول الْأَنْبِيَاء عمرا، كَيفَ وجدت الدُّنْيَا؟ وَكَانَ لَهُ دَار لَهَا بَابَانِ، فَدخل من أَحدهمَا وَخرج من الآخر، وَقَالَ: هَكَذَا وجدت.
﴿وَأَصْحَاب السَّفِينَة وجعلناها آيَة للْعَالمين (15) وَإِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله﴾
وروى أَنه كَانَ لَهُ بَيت من شعر، وَكَانَ [يُقَال] لَهُ: لَو بنيت بَيْتا من طين، فَكَانَ يَقُول: أَمُوت غَدا، أَو أَمُوت بعد غَد.
فَخرج من الدُّنْيَا على ذَلِك، وَلم يبن بَيْتا.
فَإِن قيل: قَوْله: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ أيش فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء فِي هَذِه الْآيَة؟ .
وهلا قَالَ: فَلبث فيهم تِسْعمائَة وَخمسين عَاما؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء هُوَ التَّأْكِيد؛ فَإِن الْعَرَب إِذا قَالَت: جَاءَنِي اخوتك، يجوز أَن تُرِيدُ بِهِ جَمِيع الاخوة، وَيجوز أَن تُرِيدُ بِهِ الْأَكْثَر، فَإِذا قَالَ: جَاءَنِي اخوتك إِلَّا زيدا فتعلم قطعا أَنه جَاءَ كل الاخوة إِلَّا زيدا، فقد أَفَادَ الِاسْتِثْنَاء التَّأْكِيد من هَذَا الْوَجْه، وَقد قَالَ بَعضهم: قد كَانَ الله تَعَالَى جعل عمر نوح ألف سنة، فاستوهب بعض بنيه مِنْهُ خمسين عَاما فَوَهَبَهَا لَهُ، ثمَّ لما لما بلغ الْأَجَل طلب تَمام الْألف فَلم يُعْط، فَذكر الله تَعَالَى بِلَفْظ الِاسْتِثْنَاء ليدل على أَن النَّقْص كَانَ من قبله، وَهَذَا قَول غَرِيب.
وَقَوله: ﴿فَأَخذهُم الطوفان﴾ الطوفان: كل شئ كثير يطِيف بِالْجَمَاعَة مثل: غرق، أَو موت، أَو غير ذَلِك.
قَالَ الراجز:
(أفناهم طوفان موت جارف ... )
وَقَوله: ﴿وهم ظَالِمُونَ﴾ أَي: مشركون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَأَصْحَاب السَّفِينَة﴾ قد بَينا عدد من كَانَ فِي السَّفِينَة.
وَقَوله: ﴿وجعلناها آيَة للْعَالمين﴾ أَي: جعلنَا عقوبتنا إِيَّاهَا بِالْغَرَقِ آيَة للْعَالمين، وَيُقَال: جعلنَا السَّفِينَة آيَة للْعَالمين، فَإِنَّهَا كَانَت ملقاه على الجودى مُدَّة (مديدة) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيم﴾ مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا إِبْرَاهِيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه﴾ أَي: أطِيعُوا الله واحذروا مَعْصِيَته.
﴿واتقوه ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبدُونَ من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إِن الَّذين تَعْبدُونَ من دون الله لَا يملكُونَ لكم رزقا فابتغوا عِنْد الله الرزق واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ ترجعون (17) وَإِن تكذبون فقد كذب أُمَم من قبلكُمْ﴾ وَقَوله: ﴿ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي: عبَادَة الله وتقواه خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ، وَقد قيل: إِن قَوْله: ﴿اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله، وكل عبَادَة فِي الْقُرْآن بِمَعْنى التَّوْحِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا تَعْبدُونَ من دون الله أوثانا﴾ أَي: أصناما.
وَقَوله: ﴿وتخلقون إفكا﴾ أَي: وتصنعون كذبا، وَقَالَ قَتَادَة: تخلقون إفكا؛ أَي: أصناما.
وسمى الْأَصْنَام إفكا لأَنهم سَموهَا آلِهَة.
فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿وتخلقون﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ أَي: لَا خَالق غير الله، فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْخلق بِمَعْنى التَّقْدِير هَاهُنَا، قَالَ الشَّاعِر:
(ولأنت تفرى مَا خلقت ... وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفرى.)
وَيُقَال: وتخلقون إفكا أَي: تنحتون الْأَصْنَام بِأَيْدِيكُمْ وتعبدونها.
وَحكى أَن بنى حنيفَة اتَّخذُوا صنما من الخيس - وَهُوَ التَّمْر مَعَ السّمن - ثمَّ إِنَّه أَصَابَتْهُم مجاعَة فأكلوه، قَالَ الشَّاعِر:
(أكلت حنيفَة رَبهَا ... زمن التفحم والمجاعة)
(لم يحذروا من رَبهم ... سوء العواقب والتباعة)
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين تَعْبدُونَ من دون الله لَا يملكُونَ لكم رزقا فابتغوا عِنْد الله الرزق﴾ أَي: فَاطْلُبُوا عِنْد الله الرزق.
وَقَوله: ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تكذبوا فقد كذب أُمَم من قبلكُمْ﴾ وهم مثل، عَاد، وَثَمُود،
﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين (18) أَو لم يرَوا كَيفَ يُبْدِي الله الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ إِن ذَلِك على الله يسير (19) قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ بَدَأَ الْخلق ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة إِن الله على كل شَيْء قدير (20) يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء وَإِلَيْهِ﴾ وَقوم لوط، وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا الإبلاغ الْوَاضِح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا كَيفَ يُبْدِي الله الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ فَإِن قيل: أيش معنى قَوْله: ﴿أَو لم يرَوا﴾ وهم لم يرَوا إِعَادَة الْخلق؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن قَوْله: ﴿أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق﴾ قد تمّ الْكَلَام، وَقد كَانُوا يقرونَ بِهَذَا، (وَقَوله) : ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ ابْتِدَاء كَلَام.
وَمِنْهُم من قَالَ: أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق بإنشاء النَّهَار، ثمَّ يُعِيد بِإِدْخَال اللَّيْل وإعادة النَّهَار بعده.
حكوه عَن الرّبيع بن أنس.
وَمِنْهُم من قَالَ: أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق بِالْإِحْيَاءِ ثمَّ يعيدهم بالإماتة وجعلهم تُرَابا كَمَا كَانُوا.
وَقَوله: ﴿إِن ذَلِك على الله يسير﴾ أَي: هَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ بَدَأَ الْخلق﴾ أَي: خلق الْخلق.
وَقَوله: ﴿ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة﴾ وَقُرِئَ: " النشاءة الْآخِرَة "، وهما بِمَعْنى وَاحِد كَقَوْلِهِم: رأفة ورآفة.
وَقَوله: ﴿إِن الله على كل شئ قدير﴾ أَي: على النشأة الأولى والنشأة الْآخِرَة.