الذاريات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَمعنى الِاخْتِلَاف وَهُوَ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والمجيء والذهاب.
وَقَوله: ﴿وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من رزق﴾ أَي: الْمَطَر، قَالَ كَعْب الحبر: ينزل الْمَطَر وَفِيه الْبِنْت فَيدْخل فِي الأَرْض ثمَّ يخرج مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ قد ذكرنَا.
﴿وتصريف الرِّيَاح﴾ مَعْنَاهُ: مرّة جنوبا، وَمرَّة شمالا، وَمرَّة رَحْمَة، وَمرَّة عذَابا.
وَقَوله: ﴿آيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ أَي: يعْقلُونَ الْآيَات، وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " الرّيح من روح الله تَأتي مرّة بِالْعَذَابِ وَمرَّة بِالرَّحْمَةِ؛ فَلَا تسبوها وَلَكِن إِذا جَاءَت فَسَلُوا الله خَيرهَا، واستعيذوا بِاللَّه من شَرها ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ فَبِأَي حَدِيث بعد الله وآياته يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون، وَحَقِيقَة الْمَعْنى أَنهم إِذا لم يُؤمنُوا بِهَذَا الْكتاب فَبِأَي كتاب بعده يُؤمنُونَ، وَلَا كتاب بعد هَذَا الْكتاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لكل أفاك أثيم﴾ فِي التَّفْسِير أَن الويل وَاد فِي جَهَنَّم يهوى الْكَافِر فِيهِ سبعين خَرِيفًا قبل أَن يبلغ قَعْره.
وَقَوله: ﴿لكل أفاك أثيم﴾ أَي: كَذَّاب فَاجر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يسمع آيَات الله تتلى عَلَيْهِ ثمَّ يصر مستكبرا﴾ أَي: يصر على الْكفْر معرضًا عَن الْحق إِعْرَاض المتكبرين، والإصرار هُوَ العقد على الشَّيْء بالعزم
﴿عَلَيْهِ ثمَّ يصر مستكبرا كَأَن لم يسْمعهَا فبشره بِعَذَاب أَلِيم (8) وَإِذا علم من آيَاتنَا شَيْئا اتخذها هزوا أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين (9) من ورائهم جَهَنَّم وَلَا يُغني عَنْهُم مَا كسبوا شَيْئا وَلَا مَا اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء وَلَهُم عَذَاب عَظِيم (10) هَذَا هدى وَالَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم (11) ﴾ الصَّحِيح.
وَقَوله: ﴿كَأَن لم يسْمعهَا﴾ أَي: كَأَن لم يسمع الْآيَات.
وَقَوله: ﴿فبشره بِعَذَاب أَلِيم﴾ أَي: موجع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا علم من آيَاتنَا شَيْئا اتَّخَذُوهَا هزوا﴾ نزلت الْآيَة فِي النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة كَانَ يَقُول فِي الْقُرْآن إِنَّه أساطير الْأَوَّلين، وَهُوَ مثل حَدِيث رستم واسفنديار، وَكَانَ يَقُول ذَلِك على جِهَة الِاسْتِهْزَاء.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿من ورائهم جَهَنَّم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: من قدامهم جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُغني عَنْهُم مَا كسبوا شَيْئا﴾ قَالَ بعض أهل التَّفْسِير: الْآيَة فِي عبد الله بن أبي بن سلول، وَكَسبه هُوَ جهاده مَعَ الرَّسُول وصومه وَصلَاته وشفقته على أَصْحَاب النَّبِي.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُغني﴾ أَي: لَا يدْفع، وَإِنَّمَا لم يدْفع؛ لِأَنَّهُ كَانَ منافقا يظْهر الْإِسْلَام بِلِسَانِهِ ويعتقد الْكفْر، وَالْأَكْثَرُونَ على أَن هَذِه الْآيَة فِي النَّضر بن الْحَارِث أَيْضا، وَهَذَا هُوَ الأولى؛ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وَكَسبه مَا فعله من الْخَيْر على زَعمه.
وَقَوله: ﴿وَلَا مَا اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا هدى﴾ أَي: الْقُرْآن هدى لِلْخلقِ.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم﴾ أَي: عَذَاب من جَهَنَّم موجع.
﴿الله الَّذِي سخر لكم الْبَحْر لتجري الْفلك فِيهِ بأَمْره ولتبتغوا من فَضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون (13) قل للَّذين آمنُوا يغفروا للَّذين لَا يرجون أَيَّام الله﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي سخر لكم الْبَحْر لتجري الْفلك فِيهِ بأَمْره ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: من رزقه.
وَقَوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ قَالَ ابْن عُيَيْنَة: الشُّكْر وَاجِب على كل مُسلم؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿لتبتغوا من فَضله ولعلكم تشكرون﴾ فرزق الْعباد ليشكروه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ أَي: ذلل، وَمعنى التسخير والتذليل خلقهَا على وَجه ينْتَفع بهَا الْعباد، وَالِانْتِفَاع من السَّمَاء وَالْأَرْض مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ قَالَ الْفراء والزجاج: نعْمَة وَرَحْمَة مِنْهُ، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: مِنْهُ النُّور وَمِنْه الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن رجلا أَتَى عبد الله بن عمر وَقَالَ: مِم خلق الله الْخلق؟ فَقَالَ: من النُّور والظلمة وَالرِّيح، فَقَالَ: مِم خلق النُّور والظلمة وَالرِّيح فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَأتى ابْن عَبَّاس وَسَأَلَ عَن الأول فَذكر مثل مَا ذكره ابْن عمر، فَسَأَلَهُ عَن الثَّانِي فَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أَي: من تكوينه كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: كن فَكَانَت.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " منَّة " أَي: سخر مَا سخر نعْمَة من الله.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ أَي: يتدبرون.
وَفِي الْخَبَر: " تَفَكَّرُوا فِي الْخلق وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِق ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للَّذين آمنُوا يغفروا للَّذين لَا يرجون أَيَّام الله﴾ ذكر الضَّحَّاك وَأَبُو صَالح أَن النَّبِي وَأَصْحَابه نزلُوا على مَاء بالمريسيع، فَبعث عبد الله بن أبي بن سلول غُلَامه ليَأْتِيه بِالْمَاءِ، فَأَبْطَأَ الْغُلَام، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي أَبْطَأَ بك؟ قَالَ: جَاءَ غُلَام عمر وَجلسَ على فَم الْبِئْر، وَمنع النَّاس حَتَّى مَلأ قربه النَّبِي وقربة أبي بكرو قربَة
﴿ليجزي قوما بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا ثمَّ إِلَى ربكُم ترجعون (15) وَلَقَد آتَيْنَا بني إِسْرَائِيل الْكتاب وَالْحكم والنبوة ورزقناهم من الطَّيِّبَات وفضلناهم على الْعَالمين (16) وآتيناهم بَيِّنَات من الْأَمر﴾ مَوْلَاهُ، فَغَضب عبد الله بن أبي لما سمع ذَلِك، وَقَالَ: مَا مثلنَا وَمثل مُحَمَّد إِلَّا كَمَا قيل: سمن كلبك يَأْكُلك.
ثمَّ قَالَ: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل، فَبلغ ذَلِك عمر فجَاء بِالسَّيْفِ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ ليضْرب بِهِ عبد الله بن أبي، وَاسْتَأْذَنَ النَّبِي فِي ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿قل للَّذين آمنُوا يغفروا للَّذين لَا يرجون أَيَّام الله﴾ وَهَذَا على القَوْل الَّذِي قُلْنَا إِن الْآيَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ بَعضهم: شتم رجل من الْكفَّار عمر بِمَكَّة فهم أَن يبطش بِهِ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿للَّذين لَا يرجون أَيَّام الله﴾ أَي: لَا يسْأَلُون الله نعمه، وَالْمعْنَى: أَنهم لَا يعترفون بِأَن النعم من عِنْد الله، وَقيل: لَا يرجون أَيَّام الله أَي: لَا يخَافُونَ عقوبات الله ونقمه.
وَقيل: لَا يطْعمُون فِي ثَوَاب، وَلَا يخَافُونَ من عُقُوبَة.
وَقَوله: ﴿ليجزي قوما بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة، وَيُقَال: ليَكُون الله تَعَالَى هُوَ الْمجَازِي والمنتقم مِنْهُم لَا أَنْتُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ أَي: نفع ذَلِك يعود إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ أَي: وبال ذَلِك عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِلَى ربكُم ترجعون﴾ أَي: تردون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا بني إِسْرَائِيل الْكتاب﴾ أَي: التَّوْرَاة.
وَقَوله: ﴿وَالْحكم والنبوة﴾ أَي: الْعلم والنبوة.
وَقَوله: ﴿ورزقناهم من الطَّيِّبَات﴾ أَي: الْحَلَال، وَهِي الْمَنّ والسلوى وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وفضلناهم على الْعَالمين﴾ أَي: على عالمي زمانهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وآتيناهم بَيِّنَات من الْأَمر﴾ أَي: دلالات واضحات، وَيُقَال: بَيِّنَات
﴿فَمَا اخْتلفُوا إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم إِن رَبك يقْضِي بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ (18) إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بصائر للنَّاس وَهدى وَرَحْمَة لقوم يوقنون (20) أم حسب﴾ من الْأَمر مَا يدلهم على أَمر مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿فَمَا اخْتلفُوا إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم﴾ أَي: مَا اخْتلفُوا فِي الْحق إِلَّا من بَعْدَمَا جَاءَهُم الْعلم بِالْحَقِّ.
وَقَوله: ﴿بغيا بَينهم﴾ أَي: حسدا وظلما وعنادا للحق.
وَقَوله: ﴿إِن رَبك يقْضِي بَينهم﴾ ظَاهر مَعْنَاهُ إِلَى آخر الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر﴾ أَي: طَرِيق وَاضح، وَيُقَال: على أَمر بَين، والشرعة هِيَ الْمَذْهَب وَالْملَّة، وَكَذَلِكَ الشَّرِيعَة.
وَقَوله: ﴿فاتبعها﴾ أَي: اتبع الشَّرِيعَة الَّتِي جاءتك من الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّد، ارْجع إِلَى دين آبَائِك فَإِنَّهُ أولى من الدّين الَّذِي جِئْت بِهِ.