تفسير السمعانيصفحات 406-416
أهل الأثرالأرشيف العلمي

آل عمران

صفحات 406-416
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ فِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى أخبر أَنه لم يَشَأْ إِيمَان جَمِيع النَّاس، وَعِنْدهم أَنه شَاءَ إِيمَان جَمِيع النَّاس.
وَقَوله: ﴿أفأنت تكره النَّاس حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين﴾ هَذَا تَسْلِيَة للنَّبِي

﴿الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ (100) قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا تغني الْآيَات وَالنّذر عَن قوم لَا يُؤمنُونَ (101) فَهَل ينتظرون إِلَّا مثل أَيَّام الَّذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين (102) ثمَّ ننجي رسلنَا وَالَّذين آمنُوا كَذَلِك حَقًا﴾ أَنى لَو أردْت لأكرهتهم على الْإِيمَان، وَلم أرد، فَلَا ترد أَنْت - أَيْضا - أَن تكرههم على الْإِيمَان.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾ قَالَ عَطاء: إِلَّا بِتَوْفِيق الله.
وَقَالَ غَيره: إِلَّا بِعلم الله.
وَقيل: إِلَّا بِإِطْلَاق الله ذَلِك بِدفع الْمَوَانِع، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله﴾ مِنْهُم من قَالَ: " بِإِذن الله " أَي: بِقَضَائِهِ وَتَقْدِيره وَحكمه، والمعاني كلهَا صَحِيحَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ قَالَ الْفراء: الرجس بِمَعْنى الرجز، وَالرجز هُوَ الْعَذَاب.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - إِن الرجس هُوَ السخط.
وَقيل: إِنَّه الْإِثْم.
وَقيل: إِنَّه الْهَلَاك.
وَأما قَوْله: ﴿على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ مَعْنَاهُ: لَا يُؤمنُونَ.
وَقيل: معنى قَوْله: ﴿لَا يعْقلُونَ﴾ أَي: لَا يعْقلُونَ عَن الله أمره وَنَهْيه.

قَوْله: ﴿قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض من الدَّلَائِل والعبر والحجج.
وَقَوله: ﴿وَمَا تغني الْآيَات وَالنّذر عَن قوم لَا يُؤمنُونَ﴾ هَذَا فِي قوم بأعيانهم علم الله تَعَالَى أَنهم لَا يُؤمنُونَ وَإِن نظرُوا فِي الْآيَات.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل ينتظرون إِلَّا مثل أَيَّام الَّذين خلوا من قبلهم﴾ الِانْتِظَار هُوَ الثَّبَات لتوقع أَمر.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مثل أَيَّام الَّذين خلوا من قبلهم﴾ يَعْنِي: مثل أَيَّام الْهَلَاك فِي الَّذين خلوا من قبلهم من الْأُمَم المكذبة.
قَوْله: ﴿قل فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ ننجي رسلنَا وَالَّذين آمنُوا﴾ قَوْله: " ننجي " مُسْتَقْبل بِمَعْنى

﴿علينا ننج الْمُؤمنِينَ (103) قل يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي شكّ من ديني فَلَا أعبد الَّذين تَعْبدُونَ من دون الله وَلَكِن أعبد الله الَّذِي يتوفاكم وَأمرت أَن أكون من الْمُؤمنِينَ (104) وَأَن أقِم وَجهك للدّين حَنِيفا وَلَا تكونن من الْمُشْركين (105) وَلَا تدع من دون﴾ الْمَاضِي، وَمَعْنَاهُ: أنجينا رسلنَا وَالَّذين آمنُوا.
قَوْله ﴿كَذَلِك حَقًا علينا ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي شكّ من ديني﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: إِن كُنْتُم فِي شكّ من ديني، وهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بطلَان مَا جَاءَ بِهِ على بَصِيرَة؟ الْجَواب: أَنه قد كَانَ فيهم قوم شاكوك، فَالْمُرَاد من الْآيَة أُولَئِكَ الْقَوْم.
وَالثَّانِي: أَنهم لما رَأَوْا الْآيَات اضْطَرَبُوا وَشَكوا فِي أَمرهم وَأمر النَّبِي.
قَوْله: ﴿فَلَا أعبد الَّذين تَعْبدُونَ من دون الله وَلَكِن أعبد الله الَّذِي يتوفاكم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿إِن كُنْتُم فِي شكّ من ديني فَلَا أعبد الَّذين تَعْبدُونَ من دون الله﴾ وَهُوَ لَا يعبد الَّذين من دون الله شكوا أَو لم يشكوا؟ وَمَا معنى قَوْله: ﴿وَلَكِن أعبد الله الَّذِي يتوفاكم﴾ ولأي شَيْء خص الْوَفَاة بِالذكر؟ الْجَواب: أما الأول مَعْنَاهُ: إِن كُنْتُم فِي شكّ فلست فِي شكّ، وَلَا أعبد إِلَّا الله على يَقِين وبصيرة.
وَأما ذكر الْوَفَاة فِي قَوْله: " يتوفاكم " بِمَعْنى التهديد، فَإِن الْعَذَاب يَقع على الْكَافِر حَتَّى تُدْرِكهُ الْوَفَاة.
﴿وَأمرت أَن أكون من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: من المخلصين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن أقِم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ مَعْنَاهُ: وَأمرت أَن أستقيم لله على الدّين مخلصا.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: واستقم على الدّين الَّذِي أمرت بِهِ بِوَجْهِك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَنِيفا﴾ قد بَينا من قبل، وَيُقَال: إِن الْآيَة فِي التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَهِي الْكَعْبَة؛ وَهِي فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ . وَقَوله: ﴿وَلَا تكونن من الْمُشْركين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿الله مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك فَإِن فعلت فَإنَّك إِذا من الظَّالِمين (106) وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله يُصِيب بِهِ من يَشَاء من عباده وَهُوَ الغفور الرَّحِيم (107) قل يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم الْحق من ربكُم فَمن اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَمَا أَنا عَلَيْكُم بوكيل (108) وَاتبع مَا يُوحى﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تدع من دون الله مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك﴾ الدُّعَاء يكون بمعنيين: أَحدهمَا: بِمَعْنى النداء، كَقَوْلِك: يَا زيد، وَيَا عَمْرو، وَالْآخر: بِمَعْنى الطّلب.
وَقَوله: ﴿مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك﴾ مَعْنَاهُ: لَا ينفعك إِن دَعوته، وَلَا يَضرك إِن تركت دعاءه.
وَقَوله: ﴿فَإِن فعلت فَإنَّك إِذا من الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: مِمَّن وضع الدُّعَاء فِي غير مَوْضِعه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ مَعْنَاهُ: إِن يصبك الله بضر، والضر: هُوَ الْخَوْف وَالْمَرَض والجوع وَنَحْوه.
وَقَوله: ﴿فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ أَي: لَا كاشف لذَلِك الضّر إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿وَإِن يَرك بِخَير﴾ أَي: يصبك بِخَير، وَالْخَيْر: هُوَ الخصب وَالسعَة والعافية وَنَحْوه.
وَقَوله: ﴿فَلَا راد لفضله﴾ أَي: لَا مَانع لفضله.
قَوْله: ﴿يُصِيب بِهِ من يَشَاء من عباده وَهُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم الْحق من ربكُم﴾ الْحق هَاهُنَا: هُوَ مَا ينجو بِهِ الْإِنْسَان، وضده: الْبَاطِل، وَهُوَ الَّذِي يهْلك بِهِ الْإِنْسَان.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الْإِسْلَام.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿فَمن اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ﴾ " يَعْنِي ": يحْتَاط لنَفسِهِ.
﴿وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: من كفر وَترك الْإِيمَان؛ فَإِنَّمَا وباله وضلاله عَلَيْهِ.
قَوْله: ﴿وَمَا أَنا عَلَيْكُم بوكيل﴾ أَي: بمسلط، وَمَعْنَاهُ: أَنكُمْ تسْأَلُون عَن

﴿إِلَيْك واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين (109) ﴾ أَعمالكُم وَلَا أسأَل أَنا عَن أَعمالكُم، كَمَا يسْأَل من وكل بالشَّيْء.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتبع مَا يوحي إِلَيْك﴾ الْوَحْي: إِلْقَاء الشَّيْء فِي قلب الْإِنْسَان على الْخفية.
وَقَوله: ﴿واصبر﴾ الصَّبْر: تجرع المرارة بالامتناع عَن الشَّيْء المشتهى لتوقع المحبوب فِي الْعَاقِبَة، وَمِمَّا يعين الْإِنْسَان على الصَّبْر علمه بِحَقِيقَة الْأَمر، وَمَا ينَال من الثَّوَاب، والثقة بموعود الله تَعَالَى.
وَقَوله ﴿حَتَّى يحكم الله﴾ أَي: حَتَّى يقْضِي الله ﴿وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾ أَي: خير القاضين.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿آلر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير (1) أَلا تعبدوا إِلَّا الله﴾ تَفْسِير سُورَة هود

سُورَة هود مَكِّيَّة، إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل﴾ إِلَى آخر الْآيَة؛ فَإِنَّهَا مَدَنِيَّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الر﴾ مَعْنَاهُ: أَنا الله أرى.
وَقَوله: ﴿كتاب﴾ أَي: هَذَا كتاب.
وَقَوله: ﴿أحكمت آيَاته﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ: أحكمها الله فَلَيْسَ فِيهَا اخْتِلَاف وَلَا تنَاقض.
وَالثَّانِي: أَن معنى قَوْله: (أحكمت آيَاته) يَعْنِي: هِيَ محكمَة غير مَنْسُوخَة.
وَالثَّالِث: ﴿أحكمت أياته﴾ يَعْنِي: بِالْأَمر وَالنَّهْي، والحلال وَالْحرَام.
وَقَوله: ﴿ثمَّ فصلت﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: ثمَّ فصلت بالوعد والوعيد.
وَقَالَ مُجَاهِد: فصلت أَي: فسرت وبينت.
وَالثَّالِث: ثمَّ فصلت أَي: أنزلهَا الله شَيْئا فَشَيْئًا.
وَقيل: أحكمت آيَاته للمعتبرين، ثمَّ فصلت أَحْكَامه لِلْمُتقين.
وَقيل: أحكمت آيَاته للقلوب، ثمَّ فصلت أَحْكَامه على الْأَبدَان.
وَقُرِئَ فِي الشاذ: " ثمَّ فصلت " وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا جَاءَت.
﴿من لدن حَكِيم خَبِير﴾ أَي: من عِنْد حَكِيم خَبِير.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا تعبدوا إِلَّا الله﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: بِأَن لَا تعبدوا إِلَّا الله.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَمركُم أَن لَا تعبدوا إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير﴾ مَعْنَاهُ: نَذِير للعاصين، وَبشير للمطيعين.

﴿إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير (2) وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: إِنَّمَا قدم الْمَغْفِرَة على التَّوْبَة؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَطْلُوبَة بِالتَّوْبَةِ.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " مَا أصر من اسْتغْفر وَإِن عَاد سبعين مرّة ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: " لَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار، وَلَا كَبِيرَة مَعَ الاسْتِغْفَار ". وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم﴾ يَعْنِي: فِي الْمَاضِي ﴿ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ يَعْنِي: فِي المستأنف.
قَوْله: ﴿يمتعكم مَتَاعا حسنا﴾ مَعْنَاهُ: يعيشكم عَيْشًا حسنا.
وَقيل: يعمركم عمرا حسنا.
وَأما الْعَيْش الْحسن: قَالَ بَعضهم: هُوَ الرِّضَا بالميسور، وَالصَّبْر على (الْمُقدر) . وَقيل: الْعَيْش الْحسن: هُوَ طيب النَّفس وسعة الرزق.
وَيُقَال: الْعَيْش الْحسن: هُوَ الْكِفَايَة بالحلال.
وَقَوله ﴿إِلَى أجل مُسَمّى﴾ أَي: إِلَى حِين الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله﴾ فِيهِ قَولَانِ:

﴿إِلَى أجل مُسَمّى وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله وَإِن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير (3) إِلَى الله مرجعكم وَهُوَ على كل شَيْء قدير (4) أَلا إِنَّهُم يثنون صُدُورهمْ﴾ أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ يُؤْت كل ذِي عمل حسن فِي الدُّنْيَا ثَوَابه فِي الْآخِرَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿يُؤْت كل ذِي فضل فَضله﴾ يَعْنِي: من عمل لله تَعَالَى وَفقه الله تَعَالَى فِيمَا يسْتَقْبل على طَاعَته ويهديه إِلَيْهَا.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: كل مَا يحْتَسب الْإِنْسَان فِيهِ من قَول أَو عمل هُوَ دَاخل فِيهَا، حَتَّى الْكَلِمَة الْوَاحِدَة يَقُولهَا.
قَوْله: (وَإِن توَلّوا) أَي: فَإِن أَعرضُوا.
قَوْله: ﴿فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة.

ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِلَى الله مرجعكم وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّهُم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ﴾ الْآيَة، قَالَ عبد الله بن شَدَّاد: كَانَ الرجل الْكَافِر يمر بِالنَّبِيِّ فيثني صَدره، ويستغشي بِثَوْبِهِ بغضا للنَّبِي حَتَّى لَا يرَاهُ النَّبِي وَلَا يرى هُوَ النَّبِي.
وَعَن بَعضهم: أَن الرجل من الْكفَّار كَانَ يدْخل بَيته ويرخي ستره، ويتغشى بِثَوْبِهِ ويحني ظَهره وَيَقُول: هَل يعلم الله مَا فِي قلبِي؟ وَعَن أبي رزين قَرِيبا من القَوْل الأول، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَمعنى قَوْله: ﴿يثنون صُدُورهمْ﴾ أَي: يعطفون ويطوون، وَمِنْه ثني الثَّوْب، قَالَ الشَّاعِر فِي التغشي: (أرعى النُّجُوم وَلم أُؤمر برعيتها ... وَتارَة أتغشى فضل أطمار) وَقَوله: ﴿ليستخفوا مِنْهُ﴾ أَي: ليستخفوا من الله تَعَالَى.
وَقيل: ليستخفوا من النَّبِي.
وَفِي الشاذ أَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَرَأَ: " أَلا إِنَّهُم يثنوني صُدُورهمْ " على وزن يفعوعل، وكما يُقَال: يحلولي.
﴿أَلا حِين يستغشون ثِيَابهمْ﴾ يَعْنِي: يتغشون بثيابهم.
قَوْله تَعَالَى: {يعلم مَا

﴿ليستخفوا مِنْهُ أَلا حِين يستغشون ثبابهم يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور (5) وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها كل فِي كتاب مُبين (6) وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه﴾ يسرون وَمَا يعلنون إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور) قَالَ الْأَزْهَرِي وَغَيره: معنى الْآيَة من أَولهَا إِلَى آخرهَا: إِن الَّذين أضمروا عَدَاوَة النَّبِي لَا يخفى علينا حَالهم.
وَفِي بعض التفاسير: أَن رجلا كَانَ يبطن عَدَاوَة النَّبِي وَكَانَ يخْتَلف إِلَيْهِ وَيظْهر الْمحبَّة لَهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ هَذِه الْآيَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ الْآيَة.
الدَّابَّة: كل مَا يدب على الأَرْض من الْحَيَوَانَات.
وَقَوله: ﴿إِلَّا على الله رزقها﴾ أَي: إِن الله يسبب ويسهل رزقها.
قَالَ أهل الْمعَانِي: هَذَا على الْمَشِيئَة، لِأَنَّهُ قد يرْزق وَقد لَا يرْزق.
وَقَوله: ﴿وَيعلم مستقرها ومستودعها﴾ فِي الْآيَة أَقْوَال: روى مقسم عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: المستقر: هُوَ الْمَكَان الَّذِي يأوي إِلَيْهِ، والمستودع: هُوَ الْمَكَان الَّذِي يدْفن فِيهِ.
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: المستقر: هُوَ أَرْحَام الْأُمَّهَات، والمستودع: هُوَ الْموضع الَّذِي يدْفن فِيهِ.
وَقَالَ بَعضهم: المستقر: هُوَ الَّذِي يسْتَقرّ عَلَيْهِ عمله، والمستودع: هُوَ الَّذِي يصير إِلَيْهِ أمره فِي الْعَاقِبَة.
وَيُقَال: المستقر: أَرْحَام الْأُمَّهَات، والمستودع: هُوَ أصلاب الْآبَاء.
وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا.
وَقَوله: ﴿كل فِي كتاب مُبين﴾ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام﴾ قد بَينا من قبل.

﴿على المَاء ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا وَلَئِن قلت إِنَّكُم مبعوثون من بعد الْمَوْت ليَقُولن الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين (7) وَلَئِن أخرنا عَنْهُم الْعَذَاب إِلَى أمة مَعْدُودَة ليَقُولن مَا يحسه أَلا يَوْم يَأْتِيهم لَيْسَ مصروفا عَنْهُم وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون﴾ وَقَوله: ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ الْعَرْش على المَاء، وَالْمَاء على متن الرّيح، أَي: صلب الرّيح.
وروى يزِيد بن هَارُون، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن وَكِيع ابْن حدس، عَن أبي رزين الْعقيلِيّ أَنه قَالَ: " يَا رَسُول الله، أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق خلقه؟ قَالَ: فِي عماء مَا فَوْقه هَوَاء وَمَا تَحْتَهُ هَوَاء، وَكَانَ عَرْشه على المَاء ". قَالَ يزِيد بن هَارُون: معنى قَوْله: " فِي عماء " أَي: لَيْسَ مَعَه غَيره.
أوردهُ ابو عِيسَى فِي كِتَابه على هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ مَعْنَاهُ: ليختبركم أَيّكُم أعمل بِطَاعَة الله تَعَالَى، وأسرع إِلَى طلب مرضات الله، وَأَوْرَع عَن محارم الله، وَمَعْنَاهُ: الِابْتِلَاء من الله وَقد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن قلت إِنَّكُم مبعوثون من بعد الْمَوْت ليَقُولن الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ أَي: إِلَّا خدع ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أخرنا عَنْهُم الْعَذَاب إِلَى أمة مَعْدُودَة﴾ مَعْنَاهُ: إِلَى أجل مَعْدُودَة.
قَوْله: ﴿ليَقُولن مَا يحْبسهُ﴾ مَعْنَاهُ: ليَقُولن الَّذين كفرُوا: أَي شَيْء يحْبسهُ؟ يَعْنِي: الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿أَلا يَوْم يَأْتِيهم لَيْسَ مصروفا عَنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: أَلا يَوْم يَأْتِيهم الْعَذَاب لَا يكون الْعَذَاب مصروفا عَنْهُم.
وَقَوله ﴿وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون﴾ مَعْنَاهُ: وَنزل بهم جَزَاء استهزائهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة﴾ الرَّحْمَة هَاهُنَا: هِيَ سَعَة الرزق.

( ﴿8) وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليئوس كفور (9) وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور (10) إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير (11) فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك وضائق بِهِ صدرك أَن يَقُولُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ كنز أَو جَاءَ مَعَه ملك إِنَّمَا أَنْت﴾ وَقَوله: ﴿ثمَّ نزعناها مِنْهُ﴾ يَعْنِي أخذناها مِنْهُ، قَوْله: ﴿إِنَّه ليئوس كفور﴾ أَي: قنوط من رَحْمَة الله تَعَالَى، كفور بِنِعْمَة الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني﴾ يَعْنِي: يَقُول الْإِنْسَان: ذهب السَّيِّئَات عني باستحقاقي لذَلِك، وَلَا يرَاهُ من الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لفرح فخور﴾ الْفَرح: لَذَّة فِي الْقلب بنيل المشتهى، وَالْفَخْر: هُوَ التطاول على النَّاس بتعديد المناقب، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ فِي الْقُرْآن فِي مواضغ كَثِيرَة.

وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين صَبَرُوا﴾ قَالَ الْفراء والزجاج: هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ.
وَلَكِن الَّذين صَبَرُوا ﴿وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك وضائق بِهِ صدرك﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْكفَّار لما قَالُوا: يَا مُحَمَّد، أئت بقرآن غير هَذَا أَو بدله، يعنون: ائْتِ بقرآن لَيْسَ فِيهِ سبّ آلِهَتنَا - على مَا ذكرنَا فِي سُورَة يُونُس - همّ النَّبِي أَن يدع سبّ آلِهَتهم ظَاهرا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك﴾ يَعْنِي: سبّ الْآلهَة ظَاهرا ﴿وضائق بِهِ صدرك﴾ يَعْنِي: ولعلك يضيق صدرك ﴿أَن يَقُولُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ كنز أَو جَاءَ مَعَه ملك﴾ أَي: هلاّ أنزل عَلَيْهِ كنز أوجاء مَعَه ملك.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا أَنْت نَذِير﴾ مَعْنَاهُ: إِن عَلَيْك الْإِنْذَار والإبلاغ، وَلَيْسَ عَلَيْك أَن تَأتي بِالْآيَاتِ الَّتِي يقترحونها.
وَقَوله ﴿وَالله على كل شَيْء وَكيل﴾ أَي: حَافظ.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل