تفسير السمعانيصفحات 38-45
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحج

صفحات 38-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله: ﴿إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة﴾ قَالَ ابْن جريج مَعْنَاهُ: نريهم أمرا من أمرنَا، فَلَا يعْص أحد، وَقيل: إِن نَشأ ننزل من السَّمَاء آيَة فاضطروا إِلَى الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ فيع أَقْوَال: أَحدهَا: خاضعين بِمَعْنى خاضعة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من أَعْنَاق أَشْرَاف النَّاس وكبراؤهم، فعلى هَذَا معنى الْآيَة: فظل كبراؤهم وأشرافهم لِلْآيَةِ خاضعين، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه ذكر الْأَعْنَاق، وَالْمرَاد مِنْهُ أَصْحَاب الْأَعْنَاق، فَانْصَرف قَوْله: ﴿خاضعين﴾ إِلَى الْمُضمر فِي الْكَلَام.
قَالَ الشَّاعِر: ﴿رَأَتْ مرَّ السنين أخذن منى ... كَمَا أَخذ السرَار من الْهلَال﴾

( {4) وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من الرَّحْمَن مُحدث إِلَّا كَانُوا عَنهُ معرضين (5) فقد كذبُوا فسيأتيهم أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون (6) أَو لم يرو إِلَى الأَرْض كَمَا أنبتنا فِيهَا من كل زوج كريم (7) إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (8) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (8) وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين فَرجع قَوْله: أخذن إِلَى السنين، لَا إِلَى قَوْله: مر السنين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من الرَّحْمَن مُحدث﴾ أَي: مُحدث إنزاله إِلَى النَّبِي، وَقد بَينا هَذَا من قبل.
وَقَوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنهُ معرضين﴾ أَي: عَن الْإِيمَان.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد كذبُوا فسيأتيهم﴾ أَي: سَوف يَأْتِيهم.
وَقَوله: ﴿أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون﴾ أَي: عَاقِبَة مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون، أَي: عَاقِبَة مَا كَانُوا يستهزءون، وَهَذَا يدل على أَن كل مكذب مستهزئ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرو إِلَى الأَرْض كم أنبتنا فِيهَا من كل زوج كريم﴾ أَي: من كل صنف حسن، وَالزَّوْج مثل: الحامض والحلو، والأبيض وَالْأسود، وَمَا أشبهه.
وَقَالَ الشّعبِيّ: الْخلق نَبَات الأَرْض، فَمن دخل الْجنَّة فَهُوَ كريم، وَمن دخل النَّار فَهُوَ لئيم، وَالْعرب تَقول: نَخْلَة كَرِيمَة إِذا طَابَ ثَمَرهَا، وَرجل كريم إِذا حسن فعله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين﴾ أَي: مُصدقين.

وَقَوله: ﴿وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ قد بَينا من قبل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى﴾ أَي: من جَانب الطّور الْأَيْمن، على مَا ورد بِهِ الْقُرْآن، وَقَالَ ابْن جُبَير: من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: الْكَافرين.

وَقَوله: ﴿قوم فِرْعَوْن أَلا يَتَّقُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَلا يخَافُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون ويضيق صَدْرِي﴾ وَقُرِئَ: " ويضيق صَدْرِي " بِنصب الْقَاف أَي: أَخَاف أَن يضيق صَدْرِي.

( ﴿10) قوم فِرْعَوْن أَلا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رب إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون (12) ويضيق صَدْرِي وَلَا ينْطَلق لساني فَأرْسل إِلَى هرون (13) وَلَهُم عَليّ ذَنْب فَأَخَاف أَن يقتلُون (14) قَالَ كلا فاذهبا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعكُمْ مستمعون (15) فَأتيَا فِرْعَوْن فقولا إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين (16) وَقَوله: {وَلَا ينْطَلق لساني﴾ قَالَ هَذِه للعقدة الَّتِي كَانَت على لِسَانه.
وَقَوله: ﴿فَأرْسل إِلَى هَارُون﴾ مَعْنَاهُ: فَأرْسل إِلَى هَارُون مَعَ إرسالي.

وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَليّ ذَنْب﴾ أَي: دَعْوَى ذَنْب، وَذَلِكَ الذَّنب هُوَ قتلة القبطي.
وَقَوله: ﴿فَأَخَاف أَن يقتلُون﴾ بذلك الرجل وَفِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن كَانَ يَطْلُبهُ طول هَذِه الْمدَّة ليَقْتُلهُ بالقبطي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ أَي: لَا تخف.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاذهبا بِآيَاتِنَا﴾ قد بَينا تَفْسِير الْآيَات من قبل.
وَقَوله: ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ ذكر بِلَفْظ الْجمع، وَالْمرَاد مِنْهُ اثْنَان، وَقيل: إِنَّا مَعَكُمَا وَمَعَ بني إِسْرَائِيل نسْمع مَا يجيبكم فِرْعَوْن، وَأما قَوْله: ﴿مستمعون﴾ قد بَينا مثل هَذَا فِيمَا سبق، وَذكرنَا أَنه قد ذكر نَفسه بِلَفْظ الْجَمَاعَة فِي مَوَاضِع على طَرِيق التفخيم والتعظيم.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَأتيَا فِرْعَوْن فقولا إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين﴾ فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: إِنَّا رَسُولا رب الْعَالمين؟ وَالْجَوَاب: أَن معنى الرَّسُول هَاهُنَا هُوَ الرسَالَة.
قَالَ الشَّاعِر: (لقد كذب الواشون مَا فهمت عِنْدهم ... بِسوء وَلَا أرسلتهم برَسُول) أَي: برسالة، فعلى هَذَا معنى الْآيَة: فقولا إِنَّا ذُو رِسَالَة رب الْعَالمين، وَيُقَال: إِن قَوْله: ﴿رَسُول رب الْعَالمين﴾ رَسُولا رب الْعَالمين، وَاحِد بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ.

وَقَوله: ﴿أَن أرسل مَعنا بني إِسْرَائِيل﴾ أَي: أرسلهم مَعنا إِلَى الشَّام، وَكَانَ قد استعبدهم، واستسخرهم فِي أَنْوَاع الْأَعْمَال، وَقد بَينا.

وَقَوله: ﴿قَالَ ألم نربك فِينَا وليدا﴾ فِي الْآيَة حذف؛ وَهُوَ أَنه ذهب وَجَاء إِلَى

﴿أَن أرسل مَعنا بني إِسْرَائِيل (17) قَالَ ألم نربك فِينَا وليدا وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين (18) وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت وَأَنت من الْكَافرين (19) قَالَ فعلتها إِذا فِرْعَوْن، وَدعَاهُ إِلَى الله، فَأَجَابَهُ بِهَذَا، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى رَجَعَ إِلَى مصر وَعَلِيهِ جُبَّة صوف، وَفِي يَده عَصَاهُ، والمكتل مُعَلّق بِرَأْس الْعَصَا فِيهِ زَاده، فروى أَنه جَاءَ وَدخل دَار نَفسه، وَطلب هَارُون، وَقَالَ لَهُ: إِن الله أَرْسلنِي إِلَى فِرْعَوْن، وأرسلك أَيْضا إِلَيْهِ حَتَّى نَدْعُو فِرْعَوْن إِلَى الله تَعَالَى.
فَخرجت أمهما وصاحت، وَقَالَت: إِن فِرْعَوْن يطلبك ليقتلك، فَلَو ذهبتما إِلَيْهِ قتلكما، فَلم يلْتَفت مُوسَى إِلَى قَوْلهَا، وذهبا إِلَى بَاب فِرْعَوْن لَيْلًا، ودقا الْبَاب، فَفَزعَ البوابون، وَقَالُوا: من بِالْبَابِ؟ وروى أَنه اطلع البواب عَلَيْهِمَا، فَقَالَ لَهما: من أَنْتُمَا؟ فَقَالَ مُوسَى: أَنا رَسُول رب الْعَالمين، فَذهب البواب إِلَى فِرْعَوْن، وَقَالَ: إِن مَجْنُونا بِالْبَابِ يزْعم أَنه رَسُول رب الْعَالمين، فَترك حَتَّى أصبح ثمَّ دَعَاهُ.
وَفِي بعض الْقَصَص: أَنَّهُمَا مكثا سنة لَا يصلان إِلَيْهِ، ثمَّ وصلا.
وَقَوله: {قَالَ ألم نربك فِينَا وليد﴾ فِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما دخل عَلَيْهِ، وَنظر إِلَيْهِ فِرْعَوْن عَرَفَة، فَقَالَ: ألم نربك فِينَا وليدا أَي: صَغِيرا.
وَقَوله: ﴿وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين﴾ أَي: ثَمَان عشرَة سنة، وَقَالَ بَعضهم: ثَلَاثِينَ سنة.

وَقَوله: ﴿وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت﴾ أَي: قتلت الرجل، وَهُوَ الَّذِي كَانَ وكزه فَقتله، وقرىء فِي الشاذ: " فعلتك " بِكَسْر الْفَاء، وَقَوله: ﴿وَأَنت من الْكَافرين﴾ أَي: الْكَافرين لنعمتي، قَالَ الشَّاعِر: (وَالْكفْر (مخبثة) لنَفس الْمُنعم ... )

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فعلتها إِذا﴾ أَي: فعلت مَا فعلت حِينَئِذٍ ﴿وَأَنا من الضَّالّين﴾ أَي: من الْجَاهِلين.
وَقيل: من الناسين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما﴾ أَي: النُّبُوَّة وَالْعلم.

﴿وَأَنا من الضَّالّين (20) ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين (21) وَتلك نعْمَة تمنها عَليّ أَن عبدت بني إِسْرَائِيل (22) ﴾ وَقَوله: ﴿وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَتلك نعْمَة تمنها عَليّ أَن عبدت بني إِسْرَائِيل﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن ألف الِاسْتِفْهَام محذوفة، وَمَعْنَاهُ: أَو تِلْكَ نعْمَة تمنها على؟ قَالَ الشَّاعِر: (تروح من الْحَيّ أم تبتكر ... وماذا يضيرك لَو تنْتَظر) أَي: أتروح من الْحَيّ أم تبتكر.
وَالْقَوْل الثَّانِي مَعْنَاهُ: وَتلك نعْمَة أَي: التربية نعْمَة تمنها على أَن تَعْتَد بهَا على، وَقَوله: ﴿أَن عبدت بني إِسْرَائِيل﴾ أَي: استعبدت بني إِسْرَائِيل، وعاملتهم من الْمُعَامَلَات القبيحة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: وَتلك نعْمَة تمنها على بالتربية، وَقَوله: ﴿أَن عبدت بني إِسْرَائِيل﴾ يَعْنِي: باستعبادك بني إِسْرَائِيل ربيتني وكفلتني، وَمَعْنَاهُ: لَوْلَا أَنَّك استعبدت بني إِسْرَائِيل مَا وَقعت إِلَيْك، (وَمَا) ربيتني؛ فَإِنَّهُ قد كَانَ لي من يربيني، وَحَقِيقَة الْمَعْنى دفع مَتنه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين﴾ وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: أَن جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: " كنت وَاقِفًا عِنْد رَبِّي حِين قَالَ فِرْعَوْن هَذَا، فنشرت جناحي وتهيأت لعذابه إِذا أَمرنِي الرب، فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، إِنَّمَا يعجل من يخَاف الْفَوْت ". وَالْخَبَر غَرِيب.
وَاعْلَم أَن سُؤال المائية - وَلَا يجوز على الله - وَإِنَّمَا هَذَا من أَوْصَاف المخلوقين؛ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن مُوسَى لم يجب سُؤال المائية، فَلم يقل: رَبِّي لَونه كَذَا، وَهُوَ

﴿قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين (23) قَالَ رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين (24) قَالَ لمن حوله أَلا تَسْمَعُونَ (25) قَالَ ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين (26) قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون (27) قَالَ رب الْمشرق من كَذَا، وريحه كَذَا، وَلَكِن أجَاب بِذكر أَفعاله الدَّالَّة عَلَيْهِ، فَقَالَ: {رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين﴾ . وَاعْلَم أَن سُؤال المائية سُؤال عَن جنس الشَّيْء، وَالله تَعَالَى منزه عَن الجنسية، وَيُقَال: إِن جَوَاب مُوسَى عَن معنى السُّؤَال، لَا عَن عين السُّؤَال؛ كَانَ معنى السُّؤَال: وَمن رب الْعَالمين؟ قَالَ: رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين.
وَمعنى قَوْله: ﴿إِن كُنْتُم موقنين﴾ هَاهُنَا أَنكُمْ كَمَا توقنون الْأَشْيَاء الَّتِي [تعاينونها] ، فَأَيْقنُوا أَن إِلَه الْخلق هُوَ الله تَعَالَى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لمن حوله أَلا تَسْمَعُونَ﴾ يعْنى: لَا تستمعون، وَقَالَ فِرْعَوْن هَذَا على استبعاد جَوَاب مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقد كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْم يَعْتَقِدُونَ أَن آلِهَتهم مُلُوكهمْ، فَزَاد مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - فِي الْبَيَان فَقَالَ: ﴿ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون﴾ وَقد كَانَ عِنْدهم أَن من لَا يعْتَقد مَا يَعْتَقِدُونَ فَلَيْسَ بعاقل، فَزَاد مُوسَى فِي الْبَيَان فَقَالَ: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم تعقلون﴾ فَأجَاب فِرْعَوْن، وَقَالَ: ﴿لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن سجنه كَانَ أَشد من الْقَتْل، فَإِنَّهُ كَانَ يحبس الرجل وَحده فِي مَوضِع لَا يسمع شَيْئا وَلَا يبصر شَيْئا، ويهوى فِي الأَرْض، فَأجَاب مُوسَى، وَقَالَ: ﴿أَو لَو جِئتُكُمْ بِشَيْء مُبين﴾ أَي: تحبسني وَإِن جئْتُك بِشَيْء مُبين أَي: بِآيَة بَيِّنَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فأت بِهِ أَن كنت من الصَّادِقين فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ والثعبان الذّكر من الْحَيَّات الْعَظِيم مِنْهَا، فَإِن قيل: أَلَيْسَ قد قَالَ فِي مَوضِع آخر:

﴿وَالْمغْرب وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم تعقلون (28) قَالَ لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين (29) قَالَ أَو لَو جئْتُك بِشَيْء مُبين (30) قَالَ فأت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين (31) فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين (32) وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء {كَأَنَّهَا جَان﴾ والجان الْحَيَّة الصَّغِيرَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى الجان أَنَّهَا كالحية الصَّغِيرَة فِي اهتزازها وَصفَة حركتها، وَهِي فِي نَفسهَا حَيَّة عَظِيمَة.
وَذكر السّديّ وَغَيره: أَن الْعَصَا صَارَت حَيَّة صفراء سعراء كأعظم مَا يكون من الْحَيَّات.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا ارْتَفَعت من الأَرْض بِقدر ميل، فغرت فاها، وَقَامَت على ذنبها، وَجعلت تتملظ فِي وَجه فِرْعَوْن.
وروى أَنَّهَا أخذت قبَّة فِرْعَوْن بَين نابها، وَصَاح فِرْعَوْن، قَول: يَا مُوسَى، أنْشدك بِالَّذِي أرسلك.
وَقَوله: (مُبين) أَي: يبين الثعبان أَنه حجَّة عَظِيمَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء للناظرين﴾ قد بَينا.

وَقَوله: ﴿قَالَ للملأ حوله إِن هَذَا لساحر عليم﴾ أَي: عَالم حاذق.

قَوْله: ﴿يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم بسحره﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّمَا أَرَادَ مُوسَى أَن يخرج بني إِسْرَائِيل [لَا] أَن يخرج فِرْعَوْن وَقَومه، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم كَانُوا قد اتَّخذُوا بني إِسْرَائِيل عبيدا وخولا، فَلَمَّا أَرَادَ مُوسَى إِخْرَاج بني إِسْرَائِيل، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إخراجهم.
وَقَوله: ﴿فَمَاذَا تأمرون﴾ أَي: مَاذَا تشيرون.

قَوْله تَعَالَى: (أرجه وأخاه) أَي: أخر أمره وَأمر أَخِيه، وَمَعْنَاهُ: لَا يتم فصل الْأَمر حَتَّى تظهر لَك الْحجَّة عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَابعث فِي الْمَدَائِن حاشرين﴾ قد بَينا.

﴿للناظرين (33) قَالَ للملأ حوله إِن هَذَا لساحر عليم (34) يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم بسحره فَمَاذَا تأمرون (35) قَالُوا أرجه وأخاه وَابعث فِي الْمَدَائِن حاشرين (36) يأتوك بِكُل سحار عليم (37) فَجمع السَّحَرَة لميقات يَوْم مَعْلُوم (38) وَقيل للنَّاس هَل أَنْتُم مجتمعون (39) لَعَلَّنَا نتبع السَّحَرَة إِن كَانُوا هم الغالبين (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة قَالُوا لفرعون أئن لنا لأجراً إِن كُنَّا نَحن الغالبين﴾

وَقَوله: ﴿يأتوك بِكُل سحار عليم﴾ أَي: سَاحر حاذق، وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ يجْرِي الرزق للسحرة، وَقد جمع من السَّحَرَة سِتَّة آلَاف سَاحر، وَقيل: اثْنَي عشر ألفا.

وَقَوله: ﴿فَجمع السَّحَرَة لميقات يَوْم مَعْلُوم﴾ وَهُوَ يَوْم الزِّينَة على مَا بَينا من قبل.

وَقَوله: ﴿وَقيل للنَّاس هَل أَنْتُم مجتمعون لَعَلَّنَا نتبع السَّحَرَة إِن كَانُوا هم الغالبين﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة﴾ يَعْنِي لمُوسَى ﴿قَالُوا لفرعون أئن لنا الْأجر أَن كُنَّا نَحن الغالبين﴾ .

قَوْله: ﴿قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ إِذا لمن المقربين﴾ أَي: فِي الْمنزلَة، وَفِي الْقِصَّة أَن مُوسَى قَالَ لكبير السَّحَرَة: أتؤمن بِي إِن غلبتكم؟ قَالَ لَهُ كَبِير السَّحَرَة: إِن كنت ساحرا، فلأغلبنك، وَإِن غلبتني لأؤمنن بك.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى ألقوا مَا أَنْتُم ملقون﴾ . وَقَوله: ﴿فَألْقوا حبالهم وعصيهم وَقَالُوا بعزة فِرْعَوْن﴾ أَي: بعز فِرْعَوْن وَملكه ﴿إِنَّا لنَحْنُ الغالبون﴾ .

وَقَوله: ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ فِي الْقِصَّة: أَن جَمِيع الأَرْض ميلًا فِي ميل صَارَت حيات وأفاعي فِي رُؤْيَة النَّاس، فَلَمَّا ألْقى مُوسَى الْعَصَا صَارَت ثعبانا، وَجعلت تعظم على قدر حبالهم وعصيهم، ثمَّ جعل يلتقط ويلتقم (وَاحِدًا وَاحِدًا) حَتَّى أكل الْكل، ثمَّ أَن مُوسَى أَخذ بِذَنبِهِ فَصَارَ عَصا كَمَا كَانَ، فتحيرت السَّحَرَة عِنْد ذَلِك،

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل