الصافات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أسلما﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " فَلَمَّا سلما ".
وَقَوله: ﴿أسلما﴾ أَي: استسلما، وَمَعْنَاهُ: أَن إِبْرَاهِيم سلم ابْنه للذبح، وَالْولد سلم روحه.
وَقَوله: ﴿وتله للجبين﴾ أَي: صرعه للجبين، والجبهة بَين الجبينين، قَالَ الشَّاعِر:
(شَككت لَهُ بِالرُّمْحِ جَنْبي قَمِيصه ... فَخر تليلا الْيَدَيْنِ للفم)
وَقَالَ آخر:
(فتله للجبينمنعفرا ... مِنْهُ منَاط الوتين منتصب)
وَاخْتلفُوا فِي الْموضع الَّذِي أَرَادَ ذبحه فِيهِ، فَمن قَالَ: إِن الذَّبِيح كَانَ إِسْمَاعِيل قَالَ: كَانَ بمنى، وَمن قَالَ: إِن الذَّبِيح كَانَ إِسْحَاق قَالَ: كَانَ بِالشَّام.
وَفِي التَّفْسِير: أَن إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لإِبْرَاهِيم: اقذفني على جبيني؛ لِئَلَّا ترى وَجْهي فترحمني، وَحَتَّى لَا أرى الشَّفْرَة فأجزع مِنْهَا، وَفِي الْقِصَّة: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام خرج إِلَى جَانب منى، وَأمر إِسْمَاعِيل أَن يتبعهُ بالشفرة وَالْحَبل، فرفعهما وَاتبعهُ؛ فجَاء إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة وَقَالَ لإسماعيل: هَل تَدْرِي مَا يُرِيد بك أَبوك؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: إِنَّه يُرِيد أَن يذبحك؛ فَقَالَ: وَلم؟ قَالَ: يزْعم أَن الله أمره بِهِ.
فَقَالَ: هُوَ أهل أَن يطاع، ثمَّ جَاءَ إِلَى أمه ووسوس كَذَلِك؛ فأجابت كَمَا قُلْنَا، يَعْنِي: كَمَا قَالَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام.
وَفِي التَّفْسِير: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام جعل يحز وَلَا يقطع، وروى أَن الله تَعَالَى ضرب على عنق إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام صفيحة من نُحَاس؛ فَجعل لَا يقطع، وَأورد بَعضهم: أَنه كَانَ يقطع ويلتئم.
وَقَوله: ﴿وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم﴾ فَإِن قيل: أَيْن جَوَاب قَوْله: {فَلَمَّا أسلما وتله
﴿الْمُحْسِنِينَ (105) إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين (106) وفديناه بِذبح عَظِيم (107) وَتَركنَا﴾ للجبين) ؟ الْجَواب: أَن جَوَابه قَوْله ﴿وناديناه﴾ وَالْوَاو صلَة، وَجعل بَعضهم الْجَواب محذوفا، وَقَوله: {وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم
قد صدقت الرُّؤْيَا) أَي: حققت الرُّؤْيَا بِمَا أمرت بِهِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي: الْمُوَحِّدين، فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: صدقت الرُّؤْيَا، وَرَأى أَنه يذبح وَلم يذبح؟
وَالْجَوَاب: أَنه قد أَتَى بِمَا قدر عَلَيْهِ من الذّبْح؛ فَجعله مُصدقا بِهَذَا الْمَعْنى، وَالْآخر: أَن الْمَقْصُود من الْأَمر وَالْمَطْلُوب مِنْهُ كَانَ هُوَ استسلامهما، هَذَا لوَلَده، وَهَذَا لروحه، فَلَمَّا فعلا ذَلِك سماهما مُصدقين.
وَاخْتلفُوا فِي سنّ إِسْمَاعِيل فِي ذَلِك الْوَقْت، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ سنه [ثَلَاث] عشرَة سنة، وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ سنه سبع سِنِين.
﴿إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾ أَي: الْبلَاء الْبَين، وَمِنْهُم من قَالَ: النِّعْمَة الْبَيِّنَة، وَالنعْمَة فِي صرف الذّبْح عَنهُ، وَالْفِدَاء الَّذِي أنزل عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أنزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ كَبْشًا من الْجنَّة، وَهُوَ الْكَبْش الَّذِي تقبله الله تَعَالَى من هابيل، وَيُقَال: كَبْش رعى فِي الْجنَّة أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أروية من الْجَبَل.
وَقَوله: ﴿عَظِيم﴾ مِنْهُم من قَالَ: المُرَاد مِنْهُ الْعَظِيم فِي الشَّخْص، وَقيل: عَظِيم فِي الثَّوَاب، وَقَالَ مُجَاهِد: عَظِيم؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُولًا من الله.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الْكَبْش نزل عَلَيْهِ من جبل منى؛ فَقَالَ لإسماعيل: قُم فَإِن الله تَعَالَى أرسل فدَاك، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْكَبْش هرب؛ فَتَبِعَهُ إِبْرَاهِيم حَتَّى أَخذه، فَلَمَّا
﴿عَلَيْهِ فِي الآخرين (108) سَلام على إِبْرَاهِيم (109) كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ (111) وبشرناه بِإسْحَاق نَبيا من الصَّالِحين (112) وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين (113) وَلَقَد مننا على مُوسَى وَهَارُون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب الْعَظِيم (115) ونصرناهم فَكَانُوا هم﴾ كَانَ بَين الْجَمْرَتَيْن اضْطجع، وَلم يطق إِبْرَاهِيم حمله؛ فذبحه هُنَالك.
وَقَوله: ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ أَي: تركنَا لَهُ فِي الآخرين حسنا وذكرا جميلا،
وَقَوله: ﴿سَلام على إِبْرَاهِيم﴾ قد بَينا،
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وبشرناه بِإسْحَاق نَبيا من الصَّالِحين﴾ اسْتدلَّ من قَالَ إِن إِسْمَاعِيل كَانَ هُوَ الذَّبِيح؛ فَإِنَّهُ ذكر قصَّة الذَّبِيح بِتَمَامِهِ، ثمَّ قَالَ: ﴿وبشرناه بِإسْحَاق نَبيا من الصَّالِحين﴾ دلّ أَنه كَانَ غير إِسْحَاق، وَأما من قَالَ: كَانَ الذَّبِيح إِسْحَاق، فَقَالَ فِي هَذِه الْآيَة: إِن الْبشَارَة وَقعت بِالنُّبُوَّةِ فِي إِسْحَاق، والبشارة الأولى بولادته وإعطائه إِيَّاه.
وَقَوله: ﴿وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَق﴾ أى: باركنا على إِبْرَاهِيم وعَلى إِسْحَق، وَالْبركَة هَاهُنَا: كَثْرَة الْوَلَد، وَيُقَال: الْبركَة كَثْرَة الْأَنْبِيَاء [فى] أولادهما.
وَقَوله: ﴿وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين﴾ أَي: موحد ومشرك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد مننا على مُوسَى وَهَارُون﴾ أَي: أنعمنا.
وَقَوله: ﴿ونجيناهما وقومهما من الكرب الْعَظِيم﴾ أَي: من الْغم الْعَظِيم، وَهُوَ الْغَرق والهلاك.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ونصرناهم فَكَانُوا هم الغالبين﴾ أَي: ونصرناهما، فَذكر الِاثْنَيْنِ بِلَفْظ الْجمع، وَقد يذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع أَيْضا، وَقد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿وآتيناهما الْكتاب المستبين﴾ أَي: التَّوْرَاة.
﴿الغالبين (116) وآتيناهما الْكتاب المستبين (117) وهديناهما الصِّرَاط الْمُسْتَقيم (118) وَتَركنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخرين (119) سَلام على مُوسَى وَهَارُون (120) إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ (121) إنَّهُمَا من عبادنَا الْمُؤمنِينَ (122) وَإِن إلْيَاس لمن الْمُرْسلين (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُون (124) أَتَدعُونَ بعلا وتذرون أحسن الْخَالِقِينَ (125) الله ربكُم﴾
وَقَوله: ﴿وهديناهما الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ أَي: الْإِسْلَام،
وَقَوله: ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخرين﴾ قد بَينا،
وَقَوله: ﴿سَلام على مُوسَى وَهَارُون إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ إنَّهُمَا من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن إلْيَاس لمن الْمُرْسلين﴾ فِي التَّفْسِير: أَن إلْيَاس كَانَ من ولد هَارُون، وَبَعثه الله إِلَى بني إِسْرَائِيل، وياقل بَعثه الله إِلَى بعلبك، وَهِي بَلْدَة، وَقد كَانَ أَهلهَا يعْبدُونَ صنما يُسمى بعلا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُون﴾ مَعْنَاهُ: أَلا تخافون الله وتحذرونه.
قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿أَتَدعُونَ بعلا﴾ هُوَ الصَّنَم الَّذِي قُلْنَا، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ من ذهب مزين بالجواهر، وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: أَتَدعُونَ بعلا أَي: رَبًّا، والبعل هُوَ الرب، وَمَعْنَاهُ: أَتَدعُونَ هَذَا الصَّنَم رَبًّا؟ . وروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ جَالِسا، فَسئلَ عَن هَذِه الْآيَة؛ فَسكت؛ فَمر رجل من الأزد وَمَعَهُ بقرة؛ فَقَالَ لَهُ رجل: أتبيعها؟ قَالَ: إِنَّمَا يَبِيعهَا بَعْلهَا أَي: رَبهَا؛ فَعرف ابْن عَبَّاس أَن البعل هُوَ الرب، وَكَانَ الأزد من أفْصح الْيمن، وَسمي الزَّوْج بعلا من هَذَا، قَالَ الشَّاعِر: (وَرَأَيْت بعلك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) وَقَوله: ﴿وتذرون أحسن الْخَالِقِينَ﴾ أَي: المقدرين، وَهُوَ الله تَعَالَى،
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله ربكُم﴾ أَي: هُوَ ربكُم، وَقُرِئَ بِالنّصب: " الله ربكُم "، وَهُوَ منصرف إِلَى قَوْله: ﴿وتذرون أحسن الْخَالِقِينَ الله ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَذبُوهُ فَإِنَّهُم لمحضرون﴾ أَي: لمحضرون النَّار، وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك
{وَرب آبائكم الْأَوَّلين (126) فَكَذبُوهُ فَإِنَّهُم لمحضرون (127) إِلَّا عباد الله المخلصين (128) وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين (129) سَلام على إل ياسين (130) إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ (132) وَإِن لوطا لمن الْمُرْسلين (133) إِذْ نجيناه وَأَهله أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عجوزا فِي الغابرين (135) ثمَّ دمرنا الآخرين (136) الْملك كَانَت لَهُ امْرَأَة قتالة للأنبياء، وَكَانَت قد تزوجت سَبْعَة من الْمُلُوك، قَالُوا: هِيَ الَّتِي قتلت يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَام فقصدت قتل إلْيَاس؛ فَدَعَا الله تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَن يرفعهُ إِلَيْهِ، وَيُؤَخر عَنهُ الْمَوْت؛ فَبعث الله إِلَيْهِ بفرس من نَار، وَقيل: لَونه كلون النَّار، وَأمره أَن يركبه؛ فَرَكبهُ فألبسه الله النُّور، وَذكر بَعضهم: أَن الله تَعَالَى أنبت لَهُ الريش، وَجعله أرضياً سمائيا ملكيا إنسيا، وروى أَنه مُوكل بالفيافي، وَالْخضر مُوكل بالبحار.
وَقَوله: ﴿إِلَّا عباد الله المخلصين﴾ وَقد بَينا،
وَقَوله: ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ قد بَينا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَلام على إل ياسين﴾ وَقَرَأَ نَافِع: " آل إلْيَاس ". وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " سَلام على إدراسين " وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة: ﴿وَإِن إِدْرِيس لمن الْمُرْسلين﴾ وَقد رُوِيَ أَن إلْيَاس هُوَ إِدْرِيس.
وَأما قَوْله: ﴿إلياسين﴾ أَي: إلْيَاس وَأَتْبَاعه وذووه؛ فَسُمي الْجَمِيع باسم وَاحِد، مثل قَول الرجل: رَأَيْت المحمدين، أَي: مُحَمَّدًا وَأَتْبَاعه وَأَتْبَاعه.
وَأما قَوْله: ﴿سَلام على إل ياسين﴾ وَقيل فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الرَّسُول وَآله، وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يسْبق لَهُم ذكر.
وَالثَّانِي: إِن معنى قَوْله: ﴿إل ياسين﴾ هُوَ قَوْله ((إلياسين)) كَأَنَّهُ قَالَ: آل إلْيَاس، فَعبر بياسين عَن إلْيَاس، وَبَاقِي الْآيَتَيْنِ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لوطا لمن الْمُرْسلين﴾ أَي: من جملَة الْمُرْسلين، وهم الْأَنْبِيَاء،
وَقَوله: ﴿إِذْ نجيناه وَأَهله أَجْمَعِينَ إِلَّا عجوزا فِي الغابرين﴾ أَي: البَاقِينَ فِي الْعَذَاب
﴿وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم مصبحين (137) وبالليل أَفلا تعقلون (138) وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين (139) إِذْ أبق إِلَى الْفلك المشحون (140) فساهم فَكَانَ من المدحضين﴾ والهلاك، وَمعنى الْآيَة: أَنَّهَا لم تنج وَبقيت فِي الْعَذَاب مَعَ قوم لوط.
وَقَوله: ﴿ثمَّ دمرنا الآخرين﴾ التدمير: هُوَ الإهلاك بِوَصْف التنكيل.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم مصبحين وبالليل﴾ أَي: تمرون عَلَيْهِم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار إِذا ذهبتم إِلَى أسفاركم وَرَجَعْتُمْ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين﴾ أَي: من جملَة رسل الله.
وَقَوله: ﴿إِذْ أبق إِلَى الْفلك المشحون﴾ أَي: السَّفِينَة الموفرة المملوءة.
وَقَوله: ﴿فساهم﴾ أَي: قارع.
وَقَوله: ﴿فَكَانَ من المدحضين﴾ أَي: من المقروعين، وَقيل: من المغلوبين، يُقَال: دحضت حجَّة فلَان إِذا بطلت، وأدحض الله حجَّته إِذا أبطلها، والدحض الزلق، قَالَ الشَّاعِر:
(أَبَا مُنْذر رمت الْوَفَاء فهبته ... وحدت كَمَا حاد الْبَعِير عَن الدحض)
وَفِي التَّفْسِير: أَن يُونُس صلوَات الله عَلَيْهِ وعد قومه الْعَذَاب، وَكَانَ الله تَعَالَى أخبرهُ أَنه يُرْسل عَلَيْهِم الْعَذَاب فِي يَوْم كَذَا؛ فَأخْبرهُم يُونُس صلوَات الله عَلَيْهِ بذلك فَلم يصدقوه؛ فَخرج من بَينهم، وَظن أَن الله تَعَالَى إِذا أرسل الْعَذَاب أهلكهم، وَلم يصرفهُ عَنْهُم، وَقد كَانَ الله تَعَالَى أخبرهُ بإرسال الْعَذَاب عَلَيْهِم، وَلم يُخبرهُ بإهلاكهم، ثمَّ إِن الله تَعَالَى أرسل الْعَذَاب، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك، وَلم يكن نزل بهم بعد، خَرجُوا إِلَى الصَّحرَاء، وأخرجوا مَعَهم النِّسَاء وَالصبيان والبهائم، وَفرقُوا بَين الْأُمَّهَات وَالْأَوْلَاد، فضجوا إِلَى الله ضجة وَاحِدَة، واستغاثوا وَبكوا ودعوا؛ فصرف الله عَنْهُم الْعَذَاب، فَلَمَّا بلغ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام أَنه لم ينزل بهم الْعَذَاب، وَلم يهْلكُوا، خرج من الْموضع الَّذِي كَانَ التجأ إِلَيْهِ كالمنشور الخجل من قومه، وَظن أَنه وعدهم وَعدا من الله تَعَالَى، وَلم يحصل مصداق ذَلِك، فَتوجه إِلَى جَانب الْبَحْر.
( ﴿141) فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم (142) فلولا أَنه كَانَ من المسبحين (143) للبث فِي﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أبق﴾ أَي: ذهب وتباعد، وَيُقَال: شبه بآبق، فعتب الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وابتلاه بِبَطن الْحُوت وسجنه فِيهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما وصل إِلَى الْبَحْر كَانَ مَعَه امْرَأَته وابنان لَهُ؛ فجَاء مركب وَأَرَادَ أَن يركب مَعَهم فِي السَّفِينَة، قدم امْرَأَته فِي الْمركب ليركب بعْدهَا؛ فَجَاءَت موجة وحالت بَينه وَبَين الْمركب، وَمر الْمركب، ثمَّ جَاءَت موجة أُخْرَى وَأخذت ابْنه الْأَكْبَر، وَجَاء ذِئْب وَأخذ ابْنه الْأَصْغَر وَبَقِي فريدا وحيدا، فَظهر مركب آخر فلوح لَهُم ليحملوه فجَاء الْمركب وَركب فِيهِ، وَقعد نَاحيَة من الْقَوْم، فَلَمَّا مرت السَّفِينَة فِي الْبَحْر ركدت وَلم تسر، واضطرب الْبَحْر، وخافوا الْغَرق، فَقَالَ صَاحب السَّفِينَة: إِن فِيكُم رجلا مشئوما وَفِي رِوَايَة: مذنبا وَقَالَ: لَا بُد أَن نلقيه فِي الْبَحْر حَتَّى يسكن الْبَحْر وننجو وَفِي رِوَايَة قَالَ: إِن فِيكُم عبدا آبقا؛ فَقَامَ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: أَنا العَبْد المذنب، وَأَنا الْآبِق، فَقَالُوا: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا يُونُس بن متي؛ فعرفوه، وَقَالُوا: لَا نلقيك يَا رَسُول الله، وَلَكِن نتساهم؛ فتساهموا ثَلَاث مَرَّات، وَخرجت الْقرعَة عَلَيْهِ، وروى أَنهم قَالُوا: نكتب اسْم كل وَاحِد منا على خَشَبَة؛ فَمن غرق اسْمه فَهُوَ الْمَطْلُوب؛ فغرق اسْم يُونُس من بَينهم، وَأوحى الله إِلَى حوت عَظِيم حَتَّى قصد السَّفِينَة، قَالُوا: فَلَمَّا رَآهُ أهل السَّفِينَة وَقد فغر فَاه، وَهُوَ مثل الْجَبَل عَظِيما؛ خَافُوا الْهَلَاك، وَجعل الْحُوت ينظر إِلَى من فِي السَّفِينَة، كَأَنَّهُ يطْلب شَيْئا، ثمَّ إِن يُونُس لما رأى ذَلِك زج نَفسه فِي المَاء، وروى أَن الْقَوْم ألقوه بِرِضَاهُ فالتقمه الْحُوت وَمر بِهِ، وَسكن الْبَحْر وسارت السَّفِينَة.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْحُوت: إِنِّي لم أجعله لَك رزقا، فإياك أَن تكسر لَهُ عظما أَو تخدش لَهُ لَحْمًا، وَإِنَّمَا جعلت بَطْنك لَهُ حرْزا ومسجدا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ قد بَينا الالتقام.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ مليم﴾ أَي: أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ.
﴿بَطْنه إِلَى يَوْم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وَهُوَ سقيم (145) وأنبتنا عَلَيْهِ شَجَرَة من﴾