الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ هُوَ جَوَاب الْقسم.
وَقد قرئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، فَمَعْنَى التَّشْدِيد: إِلَّا عَلَيْهَا حَافظ، وَمعنى التَّخْفِيف: لَعَلَّهَا حَافظ، و " مَا " زَائِدَة، والحافظ: هُوَ الْملك، وَعَن بَعضهم: قرينه الَّذِي يحفظ عَلَيْهِ عمله، وَقيل: الْحَافِظ هُوَ الله تَعَالَى يحفظ عَلَيْهِم أَعْمَالهم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق﴾ أَي: من أَي شَيْء خلق.
وَقَوله: ﴿خلق من مَاء دافق﴾ أَي: مدفوق مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي عيشة راضية﴾ أَي: مرضية، وَقيل: ﴿مَاء دافق﴾ أَي: منصب جَار.
وَقَوله: ﴿يخرج من بَين الصلب والترائب﴾ أَي: من صلب الرجل، وترائب الْمَرْأَة.
وَفِي الْخَبَر: أَنه يخرج من كل خرزة من صلبه، والترائب ثَمَانِيَة أضلاع: أَرْبَعَة يمنة، وَأَرْبَعَة يسرة، وَقيل: هُوَ الصَّدْر، وَقيل: بَين الثديين، وَقيل: مَا دون الترقوة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه على رجعه لقادر﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: على رد النُّطْفَة فِي الإحليل لقادر، قَالَه مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم وَعِكْرِمَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ قَادر أَن يردهُ إِلَى حَالَة الطفولية، وَقيل: يرد من (الشيخوخة) إِلَى الكهولة، وَمن الكهولة إِلَى الشَّبَاب، وَمن الشَّبَاب إِلَى الصغر، وَمن الصغر إِلَى الطفولية، وَمن الطفولية إِلَى رحم الْمَرْأَة، وَمن الرَّحِم إِلَى الصلب، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِنَّه على رجعه لقادر﴾ . وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ أولى الْأَقَاوِيل - أَن المُرَاد مِنْهُ، أَنه على إحيائه بعد الإماتة لقادر، ذكره الْفراء والزجاج وَغَيرهَا.
﴿يَوْم تبلى السرائر (9) فَمَا لَهُ من قُوَّة وَلَا نَاصِر (10) وَالسَّمَاء ذَات الرجع (11) وَالْأَرْض ذَات الصدع (12) إِنَّه لقَوْل فصل (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تبلى السرائر﴾ أَي: تختبر وتمتحن، وَقيل: تظهر، وَهُوَ الأولى.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه يظْهر سر كل إِنْسَان، ويبدو أَثَره على وَجهه، فتبيض بعض الْوُجُوه، وَتسود بعض الْوُجُوه.
وَقَوله: ﴿فَمَا لَهُ من قُوَّة وَلَا نَاصِر﴾ أَي: قُوَّة يتقوى بهَا، وناصر ينصره، فَيدْفَع بِهِ الْعَذَاب عَن نَفسه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء ذَات الرجع﴾ أَي: الْمَطَر، وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف، وسمى الْمَطَر رجعا؛ لِأَنَّهُ يرجع مرّة بعد أُخْرَى.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم، وَسميت رجعا؛ لِأَنَّهَا تطلع وتغيب، وَترجع من الْمغرب إِلَى الْمشرق.
وَقَوله: ﴿وَالْأَرْض ذَات الصدع﴾ أَي: النَّبَات، وَهُوَ قَول الْجَمِيع، وسمى صدعا؛ لِأَن الأَرْض تنصدع بِهِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لقَوْل فصل﴾ أَي: ذُو فصل، وَهُوَ الْفَصْل بَين الْحق وَالْبَاطِل.
وَقَوله: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أَي: باللعب، والعبث، وَالْمعْنَى: أَنه قَول جد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم يكيدون كيدا﴾ أَي: يمكرون مكرا، والكيد فِي اللُّغَة هُوَ صنع يصل بِهِ إِلَى الشَّيْء على الْخفية والاستتار.
﴿وأكيد كيدا﴾ الكيد من الله هُوَ الاستدراج من حَيْثُ لَا يعلمُونَ الْكفَّار، والاستدراج هُوَ الْأَخْذ قَلِيلا قَلِيلا، وَقيل: هِيَ الْأَخْذ من حَيْثُ يخفى عَلَيْهِم، وَقيل: ﴿وأكيد كيدا﴾ أَي: أعاقبهم عُقُوبَة كيدهم.
وَقَوله: ﴿فمهل الْكَافرين﴾ أَي: أمْهل الْكَافرين، وَهَذَا قبل آيَة السَّيْف.
﴿فمهل الْكَافرين أمهلهم رويدا (17) ﴾ .
وَقَوله: ﴿أمهلهم رويدا﴾ أَي: أمهلهم قَلِيلا، وَالْعرب تَقول: رويدك يَا فلَان أَي: كن على أودة ورفق، وَأما هَاهُنَا فَهُوَ بِمَعْنى الْقَلِيل على مَا بَينا.
وَقد أَخذهم يَوْم بدر بِالسَّيْفِ، وسيأخذهم بِعَذَاب الْآخِرَة عَن قريب.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى (1) ﴾ . تَفْسِير سُورَة الْأَعْلَى
وَهِي مَكِّيَّة وَفِي رِوَايَة الضَّحَّاك أَنَّهَا مَدَنِيَّة، وَالأَصَح هُوَ الأول، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سبح اسْم رَبك
أَي: عظم رَبك الْأَعْلَى، وَقيل: نزه، وتنزيه الله - عز اسْمه - أَلا يُوصف بِوَصْف لَا يَلِيق بِهِ.
وروى أَبُو صَالح، عَن ابْن عَبَّاس أَن مَعْنَاهُ: صل بِأَمْر رَبك، وَقيل: صل لِرَبِّك المتعالي.
وَفِي الْآيَة دَلِيل أَن الِاسْم والمسمى وَاحِد؛ لِأَن الْمَعْنى سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى وَفِي قِرَاءَة أبي: " سُبْحَانَ رَبك الْأَعْلَى ".
وَقَالَ الشَّاعِر:
(إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر)
أَي: ثمَّ السَّلَام عَلَيْكُمَا.
وروى إِسْرَائِيل، عَن ثُوَيْر بن أبي فَاخِتَة، عَن أَبِيه، عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - " أَن الني كَانَ يحب سُورَة سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الصَّمد الترابي، أخبرنَا عبد الله بن أَحْمد بن حمويه، أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن خُزَيْمٌ الشَّاشِي، أخبرنَا عبد ابْن حميد، أخبرنَا وَكِيع، عَن إِسْرَائِيل الْخَبَر.
﴿الَّذِي خلق فسوى (2) وَالَّذِي قدر فهدى (3) ﴾ .
وَفِي حَدِيث عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - " أَن رَسُول الله كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى من الْوتر ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ، وَفِي الثَّانِيَة: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ فِي الثَّالِثَة: سُورَة الْإِخْلَاص والمعوذتين ".
وَعَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَنهم كَانُوا إِذا قرءوا سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى قَالُوا: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى امتثالا لِلْأَمْرِ.
[وَالْأولَى] أَن يَقُول كَذَلِك.
[و] من الْمَعْرُوف عَن عقبَة بن عَامر أَنه قَالَ: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ قَالَ النَّبِي: " اجعلوه فِي سُجُودكُمْ، وَلما نزل قَوْله: " سبح اسْم رَبك الْعَظِيم " قَالَ: اجعلوه فِي ركوعكم ".
وَقَوله: ﴿الَّذِي خلق فسوى﴾ أَي: خلقك وجعلك رجلا سويا.
وَهُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿الَّذِي خلقك فسواك﴾ على مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿الَّذِي قدر فهدى﴾ قَالَ السّديّ: قدر خلق الذّكر وَالْأُنْثَى، وَهدى أَي:
﴿وَالَّذِي أخرج المرعى (4) فَجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فَلَا تنسى (6) ﴾ . هدى الذّكر إِلَى الْأُنْثَى.
وَقيل: قدر خلق كل شَيْء، وهداه إِلَى مَا يصلحه، وَهَذَا فِي الْحَيَوَانَات.
وَقيل: هداه إِلَى رزقه، كالطفل يَهْتَدِي إِلَى الثدي، وَيفتح فَاه حِين يُولد طلبا للثدي، والفرخ يطْلب الرزق من أمه وَأَبِيهِ وَكَذَلِكَ كل شَيْء.
وَقَالَ مُجَاهِد: هدى الْإِنْسَان لسبيل الْخَيْر، وَالشَّر والسعادة والشقاوة.
وَيُقَال: فِي الْآيَة حذف، وَالْمعْنَى: وَهدى وأضل.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي أخرج المرعى﴾ أَي: مرعى للأنعام.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَقد ينْبت المرعى على دِمنِ الثرى ... وَتبقى حزازات النُّفُوس كَمَا هيا)
وَقَوله: ﴿فَجعله غثاء أحوى﴾ فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْمعْنَى: أخرج المرعى أحوى.
﴿فَجعله غثاء﴾ أَي: يَابسا.
والغثاء هُوَ مَا حمله السَّيْل من النَّبَات الْيَابِس والحشيش، والطفاط مَا أَلْقَاهُ الْقدر من الزّبد، والأحوى الْأسود، والحوة (السوَاد) .
وَإِنَّمَا سَمَّاهُ أحوى؛ لِأَن كل أَخْضَر يضْرب إِلَى السوَاد إِذا اشتدت خضرته.
قَالَ ذُو الرمة:
(لمياء فِي شفتيها حوة لعس ... وَفِي اللثات وَفِي أنيابها شنب)
وَيُقَال: أخرج المرعى أَخْضَر، ثمَّ جعله أحوى، ثمَّ جعله غثاء.
قَوْله: ﴿سنقرئك فَلَا تنسى﴾ ذكر [ابْن] أبي نجيح بروايته عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي: " كَانَ إِذا قَرَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيل سُورَة من الْقُرْآن فيحرك شَفَتَيْه بِقِرَاءَتِهَا مَخَافَة أَن
﴿إِلَّا مَا شَاءَ الله إِنَّه يعلم الْجَهْر وَمَا يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فَذكر إِن نَفَعت الذكرى (9) ﴾ . يتفلت مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿سنقرئك فَلَا تنسى﴾ . وَالْمعْنَى: أَنَّك كفيت النسْيَان، (فَلم ينس) بعد ذَلِك.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ يَعْنِي: إِلَّا مَا شَاءَ الله أَن ينساه، وَالْمرَاد مِنْهُ نسخ التِّلَاوَة، وَقيل: النسْيَان هَاهُنَا بِمَعْنى التّرْك، أَي: لَا يتْرك إِلَّا مَا شَاءَ الله أَن يتْرك بالنسخ.
وَعَن بَعضهم: أَن قَوْله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ ذكر مَشِيئَته على التَّعْلِيم حَتَّى يقرن لفظ الْمَشِيئَة بِجَمِيعِ أَقْوَاله مثل قَوْله: ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله [آمِنين] ﴾ قد قَالَ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ يَعْنِي: أَن تنسى، وَلم يَشَأْ.
مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ وَلم يَشَأْ، ذكره ابْن فَارس.
وَقَوله: ﴿إِنَّه يعلم الْجَهْر وَمَا يخفى﴾ أَي: السِّرّ والعلن، وَيُقَال: مَا فِي الْقلب، وَمَا على اللِّسَان.
وَقَوله: ﴿ونيسرك لليسرى﴾ الْيُسْرَى فعلى من الْيُسْر، وَمَعْنَاهُ: للأيسر من الْأُمُور.
وَقَوله: ﴿فَذكر إِن نَفَعت الذكرى﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: إِن نَفَعت الذكرى، وَهُوَ مَأْمُور بالتذكير على الْعُمُوم نَفَعت أَو لم تَنْفَع؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿إِن نَفَعت الذكرى﴾ إِذْ نَفَعت الذكرى، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَمَعْنَاهُ: إِذْ كُنْتُم مُؤمنين.
﴿سَيذكرُ من يخْشَى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الَّذِي يصلى النَّار الْكُبْرَى (12) ثمَّ لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى (13) قد أَفْلح من تزكّى (14) وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ . وَالْوَجْه الثَّانِي: ذكر بِكُل حَال، فقد نَفَعت الذكرى، فَهُوَ تَعْلِيق بمتحقق وَالْمعْنَى: إِن نَفَعت، وَقد نَفَعت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيذكرُ من يخْشَى﴾ يُقَال: نزل هَذَا فِي عبد الله بن أم مَكْتُوم.
وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم وَالْمعْنَى: من يخْشَى الله.
وَقَوله: ﴿ويتجنبها الأشقى الَّذِي يصلى النَّار الْكُبْرَى﴾ يُقَال: هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَعتبَة بن ربيعَة.
وَقَوله: ﴿يصلى النَّار الْكُبْرَى﴾ أَي: يدْخل النَّار الْكُبْرَى.
قَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: هُوَ الطَّبَق الْأَسْفَل من جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ أَي: لَا يَمُوت فيستريح، وَلَا يحيا حَيَاة فِيهَا رَاحَة، وَيُقَال: لَا يَمُوت، وَلَا يجد (روح الْحَيَاة) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح من تزكّى﴾ أَي: تطهر بِالْعَمَلِ الصَّالح، وَيُقَال: فلَان تزكّى بقول لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: آمن ووحد ربه.
وَعَن عَطاء: أَي أعْطى زَكَاة مَاله.
[و] قَالَ ابْن مَسْعُود من لم يزك لم تقبل الصَّلَاة مِنْهُ.
وَعَن ابْن عمر: أَنَّهَا صَدَقَة الْفطر.
وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز.
وَكَانَ ابْن عمر يَقُول لنافع حِين يصبح يَوْم الْعِيد: أخرجت زَكَاة الْفطر؟ فَإِن قَالَ: نعم، توجه إِلَى الصَّلَاة، وَإِن قَالَ: لَا، يَأْمُرهُ بِالْإِخْرَاجِ، ثمَّ يتَوَجَّه، وَهَذَا على القَوْل الَّذِي قُلْنَا أَن السُّورَة مَدَنِيَّة، فَأَما إِذا قُلْنَا: مَكِّيَّة، وَهُوَ الْأَصَح، فَلَا يرد هَذَا القَوْل؛ لِأَن صَدَقَة الْفطر لم تكن وَاجِبَة بِمَكَّة، وَإِنَّمَا وَجَبت بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ صَلَاة الْعِيد، إِنَّمَا صليت بِالْمَدِينَةِ.
وَقَوله: ﴿وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ أَي: ذكر ربه فصلى، وَيُقَال: الذّكر هُوَ التَّكْبِير،
( ﴿15) بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَة خير وَأبقى (17) إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى (18) صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى (19) ﴾ . وَالصَّلَاة هِيَ الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة، وَقيل: صَلَاة الْعِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: تختارون.
قَالَ ابْن مَسْعُود: عجلت لَهُم الدُّنْيَا، وغيبت عَنْهُم الْآخِرَة، فَاخْتَارُوا الدُّنْيَا على الْآخِرَة، وَلم عاينوا الْآخِرَة مَا اخْتَارُوا عَلَيْهَا شَيْئا.
وروى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أحب دُنْيَاهُ أضرّ بآخرته، وَمن أحب آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا مَا يبْقى على مَا يفنى ".
وَقَوله: ﴿وَالْآخِرَة خير وَأبقى﴾ أَي: أدوم [وَأبقى] .
وَقَوله: ﴿إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى﴾ أَي: مَا ذكره الله فِي هَذِه السُّورَة، وَقيل: من قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قد أَفْلح من تزكّى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَأبقى﴾ قَالَ قَتَادَة: فِي جَمِيع كتب الْأَوَّلين أَن الْآخِرَة خير وَأبقى.
وَقَوله: ﴿صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى﴾ أَي: الْكتب الَّتِي أنزلهَا الله تَعَالَى على إِبْرَاهِيم ومُوسَى، وَقد أنزل على إِبْرَاهِيم صحفا، وَأنزل على مُوسَى التَّوْرَاة، فَهِيَ المُرَاد بِالْآيَةِ، وَالله أعلم.