الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما (30) يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا (31) ﴾ . وَقيل: هُوَ بِمَعْنى الْأَمر.
وَقَوله: ﴿وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ رد مشيئتهم إِلَى مَشِيئَته، وَالْمعْنَى: لَا يُرِيدُونَ إِلَّا بِإِرَادَة الله، وَهُوَ مُوَافق لعقائد أهل السّنة، أَنه لَا يفعل أحد شَيْئا وَلَا يختاره وَلَا يشاؤه إِلَّا بِمَشِيئَة الله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن رجلا كَانَ يَقُول: إِلَّا مَا شَاءَ الله وَشاء مُحَمَّد؛ فَسمع النَّبِي - عَلَيْهِ السَّلَام - ذَلِك فَقَالَ: " أمثلان؟ ثمَّ قَالَ: قل إِلَّا مَا شَاءَ الله ثمَّ شَاءَ مُحَمَّد ".
وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته﴾ أَي: فِي جنته، وَقيل: فِي الْإِسْلَام.
وَالْأول أفضل فِي هَذَا الْموضع، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ عَقِيبه: ﴿والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ أَي: النَّار، وَنصب الظَّالِمين؛ لِأَن تَقْدِيره: وَأعد للظالمين عذَابا أَلِيمًا.
وَأورد أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره فِي آخر السُّورَة بِرِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ عَن قيس مولى عَليّ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن مَرضا مَرضا شَدِيدا، فَنَذر عَليّ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام، ونذرت فَاطِمَة كَذَلِك، وَنذر الْحسن وَالْحُسَيْن كَذَلِك، فَلَمَّا شفاهما الله تَعَالَى ابتدءوا جَمِيعًا الصَّوْم، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الأول خبزت فَاطِمَة ثَلَاثَة أَقْرَاص من شعير، وقدموها عِنْد إفطارهم لِيُفْطِرُوا، فجَاء مِسْكين، وَقَالَ: يَا أهل بَيت رَسُول الله، مِسْكين على الْبَاب أطعموا مِمَّا أطْعمكُم الله.
فَأَعْطوهُ الأقراص وطووا، ثمَّ (إِنَّه) لما كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي اتَّخذت فَاطِمَة - رَضِي الله عَنْهَا - مثل مَا اتَّخذت فِي الْيَوْم الأول، وقدموه عِنْد الْمسَاء لقطروا، فجَاء يَتِيم ودعا كَمَا ذكرنَا، فَأَعْطوهُ وطووا، ثمَّ لما كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث اتَّخذت فَاطِمَة مَا بَينا وقدموه [فِي] الْمسَاء لِيُفْطِرُوا فجَاء أَسِير وَقَالَ: يَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) تَفْسِير سُورَة المرسلات
وَهِي مَكِّيَّة وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: قَالَا: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ وروى إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: نزلت سُورَة والمرسلات على رَسُول الله وَنحن مَعَه على جبل حراء، فأخذتها رطبا من فيِّ رَسُول الله، فَخرجت حَيَّة من جحرها فقصدناها فَدخلت حجره، فَقَالَ النَّبِي: " وقيت شركم كَمَا وقيتم شَرها ". وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿و
عرفا﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين: على أَنَّهَا الرِّيَاح ترسل عرفا أَي: تتبع بَعْضهَا بَعْضًا كعرف الْفرس.
وَعَن ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة قَالَا: هِيَ الْمَلَائِكَة ترسل بِالْعرْفِ أَي: الْمَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿فالعاصفات عصفا﴾ هِيَ الرِّيَاح، وعصفها: شدَّة هبوبها، يُقَال: عصفت الرّيح وأعصفت إِذا اشتدت، قَالَه ابْن السّكيت.
يُقَال: الرِّيَاح عاصفات لِأَنَّهَا تَأتي بالعصف أَي: بورق الزَّرْع.
وَقيل: إِنَّهَا الْمَلَائِكَة تعصف بأرواح الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿والناشرات نشرا﴾ وَهِي الرِّيَاح أَيْضا تنشر السَّحَاب.
وَقيل: إِنَّهَا الْمَلَائِكَة تنشر الصُّحُف على الْعباد يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَالَ أَبُو صَالح: هِيَ الأمطار تنشر النَّبَات.
قَالَ الْأَعْشَى:
﴿فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أَو نذرا (6) إِنَّمَا توعدون لوَاقِع (7) ﴾ . (لَو (أسندت) مَيتا إِلَى صدرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر) (حَتَّى يَقُول النَّاس (مِمَّا) رَأَوْا ... يَا عجبا للْمَيت الناشر)
وَقَوله: ﴿فالفارقات فرقا﴾ فِي قَول أَكثر الْمُفَسّرين: هم الْمَلَائِكَة يأْتونَ بِالْفرقِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والحلال وَالْحرَام.
وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ آي الْقُرْآن فرقت بَين الْحق وَالْبَاطِل والحلال وَالْحرَام.
وَقَوله: ﴿فالملقيات ذكرا﴾ هِيَ الْمَلَائِكَة تلقي الْوَحْي على الْأَنْبِيَاء وَالرسل.
وَقيل: إِنَّهُم الْأَنْبِيَاء، وَكَذَلِكَ فسرت الْآيَة الأولى، وَهِي مثل قَوْله: ﴿فالفارقات فرقا﴾ فِي بعض الْأَقْوَال: وَالْإِلْقَاء طرح الشَّيْء على الشَّيْء، وَهُوَ فِي هَذَا الْموضع للتبيين والإفهام؛ فالملائكة يلقون على الْأَنْبِيَاء، والأنبياء يلقون على الْأُمَم، وَالْعُلَمَاء يلقون على المتعلمين.
وَقَوله: ﴿عذرا أَو نذرا﴾ وَقُرِئَ: " عذرا " بتسكين الذَّال.
قَالَ الْفراء: إعذارا أَو إنذارا.
وَقيل: للإعذار والإنذار.
وَقَالَ الْحسن: ليقيم عذره [على خلقه] بِإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم، وَأَنه عذبهم حِين استحقوا الْعَذَاب بإنكارهم بعد إِقَامَة الْحجَج.
والعذر ظُهُور معنى يوضع اللوم عَن الْإِنْسَان، وَهَذَا الْحَد فِي حق الْخلق، فَأَما فِي حق الله فَلَا.
وَنصب " عذرا " على أَنه بدل من قَوْله: " ذكرا " وَكَأَنَّهُ قَالَ: فالملقيات عذرا أَو نذرا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا توعدون لوَاقِع﴾ إِلَى هَذَا الْموضع كَانَ قسما.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا توعدون لوَاقِع﴾ عَلَيْهِ وَقع الْقسم.
وَقيل: إِن الله تَعَالَى أقسم بِهَذِهِ
﴿فَإِذا النُّجُوم طمست (8) وَإِذا السَّمَاء فرجت (9) وَإِذا الْجبَال نسفت (10) وَإِذا الرُّسُل أقتت (11) لأي يَوْم أجلت (12) ليَوْم الْفَصْل (13) وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الْفَصْل (14) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (15) ﴾ . الْأَشْيَاء، [و] لَهُ أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه.
وَقيل: فِي الْآيَات إِضْمَار، وَمَعْنَاهُ: وَرب المرسلات عرفا، وَرب العاصفات ... إِلَى آخِره، فَيكون قد أقسم بِنَفسِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا النُّجُوم طمست﴾ أَي: محيت وأذهب ضوءها.
وَقَوله: ﴿وَإِذا السَّمَاء فرجت﴾ أَي: شقَّتْ.
وَقَوله: ﴿وَإِذا الْجبَال نسفت﴾ أَي: قلعت من أماكنها.
وَقَوله: ﴿وَإِذا الرُّسُل أقتت﴾ أَي: جمعت لوَقْتهَا، وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة؛ ليشهدوا على الْأُمَم.
وَقيل: التَّوْقِيت تَقْدِير الْوَقْت لوُقُوع الْفِعْل، فَلَمَّا كَانَت الرُّسُل - عَلَيْهِم السَّلَام - قد قدر إرسالهم لأوقات مَعْلُومَة بِحَسب صَلَاح الْعباد (بهَا) ، كَانَت قد وقتت بِكُل الْأَوْقَات.
وَقُرِئَ: " وُقِّتَتْ " و " وُقِتَت " و " أوقتت " بِمَعْنى وَاحِد، وَالْوَاو إِذا ضمت وابتدأ بهَا الْكَلِمَة أبدلت بِالْهَمْز، تَقول الْعَرَب: ووجوه وأجوه، ووجدانا وأجدانا.
وَقيل: " وَإِذا الرُّسُل وقتت " أَي: أجلت.
وَقَوله: ﴿لأي يَوْم أجلت﴾ أَي: لأي يَوْم أخرت.
وَقَوله: ﴿ليَوْم الْفَصْل﴾ أَي: أخرت ليَوْم الْفَصْل، وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الْفَصْل﴾ قَالَ الْحسن: وَالله مَا درى حَتَّى أعلمهُ الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ قَالَ النُّعْمَان بن بشير: الويل وَاد فِي جَهَنَّم فِيهِ ألوان من الْعَذَاب.
وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا.
﴿ألم نهلك الْأَوَّلين (16) ثمَّ نتبعهم الآخرين (17) كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين (18) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من مَاء مهين (20) فجعلناه فِي قَرَار مكين (21) إِلَى قدر مَعْلُوم (22) فقدرنا فَنعم القادرون (23) ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نهلك الْأَوَّلين﴾ أَي: قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَمن قرب من زمانهم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ نتبعهم الآخرين﴾ أَي: الَّذين كَانُوا بعد ذَلِك من فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون وَمن بعدهمْ.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين﴾ أَي: مُشْركي مَكَّة ننزل بهم مثل مَا نزل بهم، لأَنهم عمِلُوا مثل عَمَلهم.
وَقيل: " ثمَّ نتبعهم الآخرين " هم كفار قُرَيْش.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نَفْعل بالمجرمين﴾ هم الَّذين يأْتونَ بعدهمْ من الْكفَّار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " ثمَّ سنتبعهم الآخرين " وَقَرَأَ الْأَعْرَج: " ثمَّ نتبعهم " بجزم الْعين.
وَقَوله: ﴿ألم نخلقكم من مَاء مهين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة: ضَعِيف.
وَقَوله: ﴿فجعلناه فِي قَرَار مكين﴾ قَالَ عَطاء وَابْن جريج وَالربيع بن أنس: هُوَ الرَّحِم، وَالْمَاء المهين هُوَ النُّطْفَة.
وَقَوله: ﴿إِلَى قدر مَعْلُوم﴾ أَي: إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مُدَّة مكثه فِي الْبَطن فِي رحم الْأُم.
قَوْله: ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقُرِئَ: " فَقَدَّرنا " بتَشْديد الدَّال.
قَالَ القتيبي: هما بِمَعْنى وَاحِد.
وَالْعرب تَقول: قَدَر وقَّدَّر.
وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ " أَي: قدرُوا لَهُ.
(وَقد اعْترض على هَذَا القَوْل، فَقيل: لَو كَانَ قَدرنَا ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (24) ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا (25) أَحيَاء وأمواتا (26) وَجَعَلنَا فِيهَا رواسي شامخات﴾ . بِمَعْنى قَدرنَا) لقَالَ.
فَنعم المقدرون.
وَالْجَوَاب: أَنه جمع بَين اللغتين، وَقَالَ الشَّاعِر فِي مثل هَذَا:
(وأنكرتني وَمَا كَانَ الَّذِي نكرت ... من الْحَوَادِث إِلَّا الشيب والصلعا)
وَقيل: فِي الْفرق بَين قَدرنَا وقدرنا، بِالتَّخْفِيفِ مَعْنَاهُ: ملكنا فَنعم المالكون، وَمعنى قَدرنَا بِالتَّشْدِيدِ أَي: قَدرنَا خلق الْإِنْسَان على تارات مُخْتَلفَة من نُطْفَة وعلقة ومضغة، وَمَا بعد ذَلِك إِلَى أَن جَعَلْنَاهُ إنْسَانا سويا.
وَقيل: قَدرنَا شقيا وسعيدا، وصغيرا وكبيرا، وأسود وأبيض وَغير ذَلِك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا﴾ أَي: كفتا.
وَقيل: مجمعا، فالكفت هُوَ الضَّم، وَمعنى الكفات هَاهُنَا: هُوَ أَن الأَرْض تضم الْخلق أَحيَاء وأمواتا، فالضم فِي حَال الْحَيَاة هُوَ باكتنانهم واستقرارهم على ظهرهَا، وَبعد الْمَمَات باكتنانهم فِي بَطنهَا وَهُوَ الْقُبُور، وَكَانَ بَقِيع الفرقد يُسمى الكفتة
وَعَن (ابْن) يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة: أَن اللبَاس يقطع إِذا أخرج الْكَفَن وَمن الْحِرْز، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم لنجعل الأَرْض كفاتا أَحيَاء وأمواتا﴾ رَوَاهُ سُلَيْمَان بن (بلَيْل) .
وَعَن الْخَلِيل بن أَحْمد: أَن الكفت هُوَ التقلب.
وَقَوله: ﴿كفاتا﴾ أَي: متقلبا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا رواسي شامخات﴾ أَي: مرتفعات: يُقَال: شمخ فلَان بِأَنْفِهِ إِذا رفع قدره، قَالَ بَعضهم: (إِذا كَانَت الْأَحْرَار أُصَلِّي ومنصبي ... وَقَامَ بأَمْري خازم وَابْن خازم)
﴿وأسقيناكم مَاء فراتا (27) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (28) انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون (29) انْطَلقُوا إِلَى ظلّ ذِي ثَلَاث شعب (30) لَا ظَلِيل وَلَا يُغني من اللهب (31) ﴾ .
(عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قَاعِدا غير قَائِم)
وَقَوله: ﴿وأسقيناكم مَاء فراتا﴾ أَي: عذبا.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أصُول الْأَنْهَار العذبة أَرْبَعَة: جيحان وَهُوَ نهر بَلخ، ودجلة وفرات للكوفة، ونيل مصر.
وَذكر الْكَلْبِيّ أَن فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة فِي الْجنَّة [الدجلة] ، والفرات، ونهر الْأُرْدُن، وَأنْشد الشَّاعِر:
(إِذا غَابَ عَنَّا غَابَ فراتنا ... وَإِن شهد إِحْدَى نبله وفواضله)
قَوْله: ﴿انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ فِي التَّفْسِير: أَن النَّاس يقفون على رُءُوس قُبُورهم أَرْبَعِينَ عَاما إِذا بعثوا، وتدنوا الشَّمْس من رُءُوسهم وَيُزَاد فِي حرهَا حَتَّى يَأْخُذهُمْ الكرب الْعَظِيم وَحَتَّى تَأْخُذ بِأَنْفَاسِهِمْ ثمَّ إِن الله تَعَالَى يُنجي الْمُؤمنِينَ إِلَى ظلّ من ظله برحمته، وَيبقى الْكفَّار فَيخرج لَهُم دُخان من النَّار ويتشعب ثَلَاث شعب فَيُقَال لَهُم: انْطَلقُوا إِلَى ذَلِك الدُّخان فاستظلوا بِهِ فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ لأَنهم كَانُوا يكذبُون بالنَّار.
وَهَذَا دُخان النَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿انْطَلقُوا إِلَى ظلّ ذِي ثَلَاث شعب﴾ فَهُوَ مَا ذكرنَا وَهُوَ بَيَان الأول.
وَقَوله: ( [لَا] ظَلِيل) الظل: حجاب عَال يدْفع أَذَى الْحر عَن الْإِنْسَان فَقَوله: ﴿لَا ظَلِيل﴾ أَي: لَا يدْفع الْأَذَى فَهُوَ فِي صُورَة ظلّ وَلَيْسَ لَهُ معنى الظل.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُغني من اللهب﴾ أَي: لَا يدْفع عَنْهُم أَذَى اللهب، واللهب لَهب النَّار.
وَعَن قطرب قَالَ: اللهب هُوَ الْعَطش.
﴿إِنَّهَا ترمي بشرر كالقصر (32) كَأَنَّهُ جمالت صفر (33) ﴾ .
وَقَوله: ﴿إِنَّهَا ترمي بشرر﴾ أَي: يتطاير مِنْهَا الشرر.
وَقَوله: ﴿كالقصر﴾ قَالَ أَبُو عَمْرو: كالبناء الْعَظِيم.
وَقيل: كالخيمة من خيام الْعَرَب، وَالْعرب تسمي ذَلِك قصرا.
وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " كالقَصَر " بتحريك الصَّاد.
وَقيل: إِنَّهَا أَعْنَاق النخيل.
وَقيل: أصُول النخيل.
وَعَن بَعضهم أَنه خَشَبَة كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتنضدون بهَا نَحْو ثَلَاثَة أَذْرع يسمونها الْقصر.
وَعَن مُجَاهِد: أَن الْقصر بتسكين الصَّاد هُوَ الْجَبَل.
وَعَن قَتَادَة: أَعْنَاق الدَّوَابّ وَهُوَ بِنصب الصَّاد.
(وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة هُوَ قلوس السفن) .
وَقيل: [حبال السفن] .
وَعَن (الْمبرد) قَالَ: هُوَ الجزل الْعَظِيم من الْخطب.
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُ جمالات صفر﴾ أَي: نُوق سود، والجمالات جمع جمل.
وَقيل: إِنَّهَا جمع الْجمع كَأَنَّهُمْ قَالُوا جمل وجمال وجمالات، وَهُوَ مثل قَوْلهم: رجال وَرِجَال ورجالات.
وَقُرِئَ بِضَم الْجِيم، وَهِي جُمال.
وَقُرِئَ: " جُمَالَة " على الوحدان مثل حجر وحجارة وَحمل وحمالة.
وَقَوله: ﴿صفر﴾ أَي: سود وَإِنَّمَا سَمَّاهَا صفرا لِأَنَّهُ يشوبها لون من السود وَإِن كَانَت صفرا.
وَمِنْه يُقَال: [الْبيض الظباء] أَدَم لِأَنَّهُ يشوبها شَيْء من الكدورة وَإِن كَانَت بَيْضَاء.
وَقَالَ الشَّاعِر:
(تِلْكَ خيلي مِنْهَا وَتلك ركابي ... هن صفر (ألوانها) كالزبيب)
﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (34) هَذَا يَوْم لَا ينطقون (35) وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون (36) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (37) هَذَا يَوْم الْفَصْل جمعناكم والأولين (38) فَإِن كَانَ لكم كيد فكيدون (39) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (40) إِن الْمُتَّقِينَ فِي ظلال وعيون (41) وفواكه مِمَّا يشتهون (42) كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (43) إِن كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ (44) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قَلِيلا إِنَّكُم مجرمون (46) ﴾ . أَي: سود