غافر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّين﴾ أَي: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: إِلَى يَوْم الْحساب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ أَي: أمهلني،
وَقَوله: ﴿قَالَ فَإنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم﴾ أَي: إِلَى نفخ الصُّور، وَهُوَ النفخة الأولى، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللعين أَن يُمْهل إِلَى النفخة الثَّانِيَة فينجو من الْمَوْت، فَعلم الله تَعَالَى مُرَاده، فَلم يجبهُ إِلَى مُرَاده، وأمهله إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّور للنفخة الأولى، وَيَمُوت الْخلق فَيَمُوت مَعَهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: لأضلنهم أَجْمَعِينَ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ أَي: الَّذين أخلصتهم لنَفسك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَالْحق وَالْحق أَقُول﴾ وَقُرِئَ: " فَالْحق وَالْحق أَقُول "، أما الْقِرَاءَة بِالنّصب فيهمَا فعلى معنين: أَحدهمَا: حَقًا حَقًا أَقُول: وَالْمعْنَى الثَّانِي: أَن الأول نصب على معنى أَقُول الْحق، وَالثَّانِي: نصب على الإغراء كَأَنَّهُ قَالَ: الزموا الْحق، ذكره الْأَزْهَرِي، وَأما الْقِرَاءَة الثَّانِيَة قَوْله: ﴿فَالْحق﴾ أَي: أَنا الْحق، وَقيل: مني الْحق، وَقَوله: ﴿وَالْحق﴾ أَي: أَقُول الْحق،
وَقَوله: ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر﴾ أَي: من جعل، وَقَوله: ﴿وَمَا أَنا من المتكفلين﴾ أَي: لم أقل مَا قلته من تِلْقَاء نَفسِي، وكل من قَالَ شَيْئا من تِلْقَاء نَفسه فقد تكلّف لَهُ.
﴿مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر وَمَا أَنا من المتكلفين (86) إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حِين (88) .﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ أَي: مَا هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين أَي: شرف للْعَالمين تذكير لَهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حِين﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وَيُقَال: بعد الْمَوْت، وَقيل: يَوْم بدر، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول: يَا ابْن آدم، عِنْد الْمَوْت يَأْتِيك الْخَبَر.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم (1) إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ فاعبد الله مخلصا لَهُ الدّين (2) أَلا لله الدّين الْخَالِص وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء مَا﴾ تَفْسِير سُورَة الزمر
وَيُقَال: سُورَة الغرف، وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث﴾ وَإِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم﴾ وَعَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ: من أحب أَن يعرف قَضَاء الله تَعَالَى بَين خلقه، فليقرأ سُورَة الغرف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيل الْكتاب﴾ الْآيَة.
مَعْنَاهُ: هَذَا تَنْزِيل الْكتاب، وَيُقَال: تَنْزِيل الْكتاب، مُبْتَدأ، وَخَبره " من الله "، وَقَوله: ﴿الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز فِي ملكه، الْحَكِيم فِي أمره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِمَا حق إنزاله لما حكمت بذلك فِي كتب الْمُتَقَدِّمين، وَيُقَال: بِالْحَقِّ أَي: بحقي عَلَيْك وعَلى جَمِيع خلقي.
وَقَوله ﴿فاعبد الله مخلصا لَهُ الدّين﴾ الْإِخْلَاص هُوَ التَّوْحِيد، وَيُقَال: الْإِخْلَاص هُوَ تصفية النِّيَّة فِي طَاعَة الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿أَلا لله الدّين الْخَالِص﴾ أَي: الدّين الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شرك هُوَ لله أَي: وَاقع بِرِضَاهُ، وَأما الدّين الَّذِي فِيهِ شرك فَلَيْسَ لله، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا؛ لِأَنَّهُ قد يُوجد دين وَلَا تَوْحِيد وَلَا إخلاص مِنْهُ، وَيُقَال: ﴿أَلا لله الدّين الْخَلَاص﴾ يَعْنِي: هُوَ يَنْبَغِي أَن يوحد، وَلَا يُشْرك بِهِ سواهُ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي لغيره، وَعَن قَتَادَة قَالَ: أَلا لله الدّين الْخَالِص: هُوَ قَول الْقَائِل لَا إِلَه إِلَّا الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ أَي: من دون الله أَوْلِيَاء ﴿ [مَا] نعبدهم﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس [وَابْن] مَسْعُود وَمُجاهد قَالُوا: ﴿مَا نعبدهم﴾ ، وَفِي
﴿عبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى إِن الله يحكم بَينهم فِي مَا هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِن إِن الله لَا يهدي من هُوَ كَاذِب كفار (3) لَو أَرَادَ الله أَن يتَّخذ ولدا لأصطفى مِمَّا يخلق مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ الله الْوَاحِد القهار (4) خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ يكور اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى أَلا هُوَ﴾ حرف أبي بن كَعْب: ﴿مَا نعبدكم﴾ ، وَالْمعْنَى على الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة أَي: قَالُوا مَا نعبدهم، أَو يَقُولُونَ: مَا نعبدهم أَي: مَا نعْبد الْمَلَائِكَة ﴿إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ أَي: الْقرْبَة.
وَمعنى الْآيَة: انهم يشفعون لنا عِنْد الله.
وَقَوله: ﴿إِن الله يحكم بَينهم فِيمَا هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يهدي من هُوَ كَاذِب كفار﴾ أَي: كَاذِب على الله، كفار بنعم الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أَرَادَ الله أَن يتَّخذ ولدا لاصطفى﴾ أَي لاختار ﴿مِمَّا يخلق﴾ ثمَّ نزه نَفسه، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ يَعْنِي: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يفعل، وَلَا يَلِيق بِطَهَارَتِهِ.
وَقَوله: ﴿هُوَ الله الْوَاحِد القهار﴾ أَي: الْوَاحِد فِي ذَاته، القهار لِعِبَادِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ أَي: آدم، وَقَوله: ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا﴾ أَي: حَوَّاء، وَقد بَينا أَنه خلقهَا من ضلع من أضلاعه.
وَقَوله: ﴿وَأنزل لكم من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج﴾ أَي: وَخلق لكم من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوءاتكم﴾ أَي: خلقنَا، وَمثل قَوْله: ﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ أَي:
﴿الْعَزِيز الْغفار (5) خَلقكُم من نفس وَاحِدَة ثمَّ جعل مِنْهَا زَوجهَا وَأنزل لكم من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق فِي ظلمات ثَلَاث ذَلِكُم الله ربكُم لَهُ الْملك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تصرفون (6) إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا﴾ خلقنَا، وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى خلق الْأَنْعَام فِي سَمَاء الدُّنْيَا [ثمَّ] . أنزلهَا إِلَى الأَرْض، وَهِي ثَمَانِيَة أَزوَاج: جمل وناقة، وثور وبقرة، وكبش ونعجة، وتيس وعنز.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن الله تَعَالَى أنزل على آدم المعلاة والمطرقة والكلبتين، وَكَانَ على جبل، فَرَأى قَضِيبًا ثَابتا من حَدِيد؛ فَأَخذه وَضرب بِهِ الْأَشْجَار، وَكَانَت يابسة، فتكسرت يَعْنِي: الْأَشْجَار ثمَّ أورى نَارا من الْحَدِيد وَالْحجر، وأوقد بالأشجار على الْحَدِيد حَتَّى ذاب، ثمَّ ضرب مِنْهُ مدية، ثمَّ بعد ذَلِك اتخذ مِنْهُ تنورا، وَهُوَ التَّنور الخابزة، وَذَلِكَ أول مَا اتَّخذهُ آدم.
وَقَوله: ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق﴾ أَي: نطفا ثمَّ علقا ثمَّ مضغا ثمَّ عظاما.
وَقَوله: ﴿فِي ظلمات ثَلَاث﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: ظلمَة الْبَطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة.
وَعَن بَعضهم: ظلمَة الصلب، وظلمة الرَّحِم، وظلمة الْبَطن، وَهَذَا لِأَن الْوَلَد يخلق حِين يخلق فِي الرَّحِم، ثمَّ يرْتَفع إِلَى الْبَطن.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم الله ربكُم لَهُ الْملك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تصرفون﴾ أَي: عَن الْحق،
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَا يرضى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ الْكفْر.
وَالْآخر: أَنه لَا يرضى لجَمِيع عباده الْكفْر، وعَلى هَذَا القَوْل فرق بَين الْإِرَادَة وَبَين الرِّضَا، فَقَالَ: إِن الْمعاصِي بِإِرَادَة الله تَعَالَى وَلَيْسَت بِرِضَاهُ ومحبته، وَقد نقل هَذَا
﴿يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَإِن تشكروا يرضه لكم وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور (7) وَإِذا مس الْإِنْسَان ضرّ دَعَا ربه منيبا إِلَيْهِ ثمَّ إِذا خوله نعْمَة مِنْهُ نسي مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ من قبل وَجعل لله﴾ عَن قَتَادَة، وكلا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمل.
وَالثَّانِي هُوَ الأولى وَالْأَقْرَب بِمذهب السّلف.
وَقَوله: ﴿وَإِن تشكروا يرضه لكم﴾ أَي: يخْتَار الشُّكْر لكم، وَقَوله: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ أَي: لَا يحمل على أحد ذَنْب أذنبه غَيره، وَقَوله: ﴿ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان ضرّ﴾ أَي: بلَاء وَشدَّة ﴿دَعَا ربه منيبا إِلَيْهِ﴾ رَاجعا إِلَيْهِ، وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا خوله﴾ أَي: أعطَاهُ، قَالَ الشَّاعِر: (أعْطى فَلم يبخل وَلم يبخل ... كوم الذرى من خول المخول)
وَقَوله: ﴿نعْمَة مِنْهُ﴾ أَي: عَطِيَّة مِنْهُ، وَقَوله: ﴿نسي مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ من قبل﴾ أَي: نسي دعاءه الَّذِي كَانَ يَدْعُو من قبل، وَيُقَال: نسي الله الَّذِي كَانَ يَدعُوهُ من قبل.
وَقَوله: ﴿وَجعل لله أندادا﴾ أَي: وصف الله بِالْأَنْدَادِ والأشباه، وَقَوله: ﴿ليضل عَن سَبيله﴾ أَي: عَن سَبِيل الْحق.
وَقَوله: ﴿قل تمتّع بكفرك قَلِيلا إِنَّك من أَصْحَاب النَّار﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة.
قَالَ أهل التَّفْسِير: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله المَخْزُومِي، وَقيل: فِي كل كَافِر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن هُوَ قَانِت﴾ وَقُرِئَ: " أَمن هُوَ قَانِت " أَي: مُطِيع، وَقيل: قَائِم، وَقَوله: ﴿آنَاء اللَّيْل﴾ أَي: سَاعَات اللَّيْل، وَقَوله: ﴿سَاجِدا وَقَائِمًا﴾ أَي: سَاجِدا على وَجهه، قَائِما على رجلَيْهِ كمن لَيْسَ حَاله هَذَا، وَهُوَ مَا ذكرنَا من قبل، وَقيل: أَهَذا أفضل أَو هَذَا؟ وَأما الْقِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ فَفِيهِ قَولَانِ:
﴿أندادا ليضل عَن سَبيله قل تمتّع بكفرك قَلِيلا إِنَّك من أَصْحَاب النَّار (8) أَمن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا يحذر الْآخِرَة ويرجو رَحْمَة ربه قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب (9) قل يَا عباد الَّذين آمنُوا اتَّقوا﴾
أَحدهمَا أَمن هُوَ قَانِت كمن لَيْسَ بقانت، وَالْقَوْل الآخر: مَعْنَاهُ: يَا من هُوَ قَانِت عل النداء، قَالَ الشَّاعِر: (أبني لبينى لَسْتُم بيد ... إِلَّا يدا لَيست لَهَا عضد)
أَي: يَا بني لبيني، وَاخْتلف القَوْل فِي أَن الْآيَة فِيمَن نزلت، فَعَن ابْن عمر.
أَنَّهَا نزلت فِي عُثْمَان بن عَفَّان، وَعَن الضَّحَّاك: أَنَّهَا نزلت فِي أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَحكى الْكَلْبِيّ: أَنَّهَا نزلت فِي ابْن مَسْعُود وعمار وسلمان، وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَبُو ذَر وصهيب مَعَهم.
وَقَوله: ﴿يحذر الْآخِرَة﴾ أَي: يخَاف الْآخِرَة (ويرجو رَحْمَة ربه) أَي: يطْمع فِي رَحْمَة ربه.
وَقَوله: ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ بِمَعْنى: لَا يستوون، وَيُقَال: الَّذين يعلمُونَ هم الْمُؤْمِنُونَ، وَالَّذين لَا يعلمُونَ هم الْكفَّار، وَيُقَال: الَّذين يعلمُونَ الْعلمَاء، وَالَّذين لَا يعلمُونَ الْجُهَّال.
وَحكى النقاش فِي تَفْسِيره عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقرأنه قَالَ: الَّذين يعلمُونَ محبونا وشيعتنا، وَالَّذين لَا يعلمُونَ أعداؤنا، وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب﴾ أَي: أولو الْعُقُول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا عباد الَّذين آمنُوا اتَّقوا ربكُم﴾ أَي: احْذَرُوا ربكُم وخافوه.
وَقَوله: ﴿للَّذين أَحْسنُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ أَحْسنُوا أَي: آمنُوا، وَيُقَال: أَحْسنُوا بِطَاعَة الله، وَقَوله: ﴿فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ أَي: الصِّحَّة والعافية، وَقيل: الرزق الْوَاسِع، وَيُقَال: الْعَيْش فِي طَاعَة الله.
﴿ربكُم للَّذين أَحْسنُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة وَأَرْض الله وَاسِعَة إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب (10) قل إِنِّي أمرت أَن أعبد الله مخلصا لَهُ الدّين (11) وَأمرت لِأَن أكون أول الْمُسلمين (12) قل إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم (13) قل﴾
وَقَوله: ﴿وَأَرْض الله وَاسِعَة﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: من أَمر بِالْمَعَاصِي فليهرب، وَفِي الْآيَة أَمر بِالْهِجْرَةِ عَن الْبَلَد الَّذِي تظهر فِيهِ الْمعاصِي إِلَى بلد لَا تظهر فِيهِ الْمعاصِي، وَيُقَال فِيهِ: أَرض الله وَاسِعَة أَي: الْمَدِينَة، فَأمر بالمهاجرة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَيُقَال: نزلت الْآيَة فِي جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَصْحَابه، حَيْثُ هَاجرُوا من مَكَّة إِلَى الْحَبَشَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ﴾ أَي: الغربة وَالْخُرُوج من الوطن فِرَارًا بدينهم ﴿أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ أَي: بِغَيْر تَقْدِير، وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " لما أنزل الله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ رب زد أمتِي، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل﴾ ثمَّ قَالَ: زد أمتِي؛ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ .
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كل مُطِيع يُكَال كَيْلا ويوزن وزنا إِلَّا الصَّابِرُونَ؛ فَإِنَّهُم يحثى لَهُم حثيا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنِّي أمرت أَن أعبد الله مخلصا لَهُ الدّين﴾ أَي: مخلصا لَهُ التَّوْحِيد، وإخلاص التَّوْحِيد: أَن لَا تشرك بِهِ غَيره.
وَقَوله: ﴿وَأمرت لِأَن أكون أول الْمُسلمين﴾ أَي: أول الْمُسلمين من قُرَيْش، قَوْله
﴿الله أعبد مخلصا لَهُ ديني (14) فاعبدوا مَا شِئْتُم من دونه قل إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين (15) لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار وَمن تَحْتهم ظلل ذَلِك يخوف الله بِهِ عباده يَا عباد فاتقون (16) وَالَّذين اجتنبوا الطاغوت أَن يعبدوها وأنابوا إِلَى الله لَهُم الْبُشْرَى فبشر عباد (17) الَّذين﴾
تَعَالَى ﴿قل إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ أَي: عصيت رَبِّي بالشرك.
وَقيل بالشرك وَغَيره، وَيجوز أَن يكون الْخطاب مَعَه، وَالْمرَاد بِهِ الْأمة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل الله أعبد مخلصا لَهُ ديني﴾ أَي: توحيدي،
وَقَوله: ﴿فاعبدوا مَا شِئْتُم من دونه﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد.
وَقَوله: ﴿قل إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أيش معنى خسران الأهلين؟
قُلْنَا: الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه مَا من أحد إِلَّا وباسمه أهل فِي الْجنَّة، فَإِذا كفر وَأدْخل النَّار خسر أَهله على معنى أَنه يُعْطي الَّذِي كَانَ باسمه غَيره.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن خسران النَّفس بإدخاله النَّار، وخسران الْأَهْل بِأَن يفرق بَينه وَبَين أَهله.
وَقَوله: ﴿أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾ أَي: الْبَين،
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار﴾ والظلل: جمع الظلة، والظلة: الْجَبَل، وَالْمرَاد من قَوْله: " ظلل " كَثْرَة الْعَذَاب، وَقَوله: ﴿وَمن تَحْتهم ظلل﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿ذَلِك يخوف الله بِهِ عباده﴾ أَي: يُحَذرهُمْ.
وَقَوله: ﴿يَا عباد فاتقون﴾ أَي: فاحذروا عَذَابي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اجتنبوا الطاغوت أَن يعبدوها﴾ أَي: الشَّيْطَان، وَيُقَال: الطاغوت اسْم أعجمي، وَقيل: اسْم عَرَبِيّ مُشْتَقّ من الطغيان.
وَقَوله: ﴿وأنابوا إِلَى الله﴾ أَي: رجعُوا إِلَى الله.
﴿يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب (18) أَفَمَن حق عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب أفأنت تنقذ من فِي النَّار (19) لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم غرف من فَوْقهَا غرف مَبْنِيَّة تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وعد الله لَا يخلف الله﴾
وَقَوله: ﴿لَهُم الْبُشْرَى﴾ أَي: الْبشَارَة بِالْجنَّةِ، وَقَوله: ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾ .
فِي الْآيَة أقاويل:
أَحدهَا: يَسْتَمِعُون القَوْل أَي: الْقُرْآن، فيتبعون أحْسنه، وَالْأَحْسَن هُوَ الْعَفو، والانتصار على الظَّالِم مَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَالْعَفو مَذْكُور، وَالْعَفو أحسن الْأَمريْنِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: يَسْتَمِعُون القَوْل أَي: يَسْتَمِعُون الْقُرْآن وَغير الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿فيتبعون أحْسنه﴾ أَي: الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم: يَسْتَمِعُون الرُّخص والعزائم، فيتبعون أحْسنهَا أَي: العزائم.
وَالْقَوْل الرَّابِع: يَسْتَمِعُون القَوْل أَي: الْكَلَام، فيتبعون أحْسنه أَي: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله﴾ أَي: أرشدهم الله إِلَى الْحق.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ أَي: أولُوا الْعُقُول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن حق عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب﴾ كلمة الْعَذَاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَيُقَال: كلمة الْعَذَاب: قَوْله " هَؤُلَاءِ فِي النَّار وَلَا أُبَالِي ". وَقَوله: ﴿أفأنت تنقذ من فِي النَّار﴾ أَي: لَا تنفذه،
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم غرف من فَوْقهَا غرف مَبْنِيَّة تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وعد الله لَا يخلف الله الميعاد﴾ أَي: ميعاده.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فسلكه ينابيع فِي الأَرْض﴾ أَي:
﴿الميعاد (20) ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فسلكه ينابيع فِي الأَرْض ثمَّ يخرج بِهِ زرعا مُخْتَلفا ألوانه ثمَّ يهيج فتراه مصفرا ثمَّ يَجعله حطاما إِن فِي ذَلِك لذكرى لأولي الْأَلْبَاب (21) أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه فويل للقاسية قُلُوبهم﴾ أجراه أَنهَارًا فِي الأَرْض.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يخرج بِهِ زرعا مُخْتَلفا ألوانه﴾ أَي: أصفر وأحمر وأخضر.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يهيج﴾ أَي: ييبس، يُقَال: هاج النَّبَات إِذا يبس.
وَقَوله: ﴿فتراه مصفرا﴾ أَي: ترى النَّبَات مصفرا، وَقَوله: ﴿ثمَّ يجعلهه حطاما﴾ أَي: فتاتا، وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لأولي الْأَلْبَاب﴾ ظَاهر الْمَعْنى، والذكرى هِيَ: التَّذْكِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾ أَي: وسع الله صَدره لِلْإِسْلَامِ.
وَقَوله: ﴿فَهُوَ على نور من ربه﴾ فِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا دخل النُّور فِي قلب الْمُؤمن انْشَرَحَ وأنفسح، قيل يَا رَسُول الله، وَهل لذَلِك من عَلامَة؟ قَالَ: نعم؛ التَّجَافِي عَن دَار الْغرُور، والإنابة إِلَى دَار الخلود، والاستعداد للْمَوْت قبل حُلُول الْمَوْت ".
وَقَوله: ﴿فَهُوَ على نور من ربه﴾ يحْتَمل أَن يكون النُّور قبل أَن يسلم، وَيحْتَمل أَن يكون بعد الْإِسْلَام، ثَمَرَة إِسْلَامه، وَأما شرح الصَّدْر: هُوَ التوطئة لِلْإِسْلَامِ والتمهيد لَهُ.
وَقَوله: ﴿فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله﴾ أَي: الَّذين لَا يذكرُونَ الله، وكل من ترك ذكر الله فقد قسا قلبه، قَوْله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين﴾ أَي: بَين.