تفسير السمعانيصفحات 511-531
أهل الأثرالأرشيف العلمي

طه

صفحات 511-531
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا تلقونه بألسنتكم﴾ أَي: يلقيه بَعْضكُم، وَيَرْوِيه بَعْضكُم عَن بعض، وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَرَأت: " إِذْ تلقونه بألسنتكم الْكَذِب " وَيُقَال: هُوَ الْإِسْرَاع فِي

﴿يعظكم الله أَن تعودوا لمثله أبدا إِن كُنْتُم مُؤمنين (17) وَيبين الله لكم الْآيَات وَالله عليم حَكِيم (18) إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا لَهُم عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ (19) وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله رءوف رَحِيم (20) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا﴾ الْكَذِب.
وَقَوله: ﴿وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هينا﴾ أَي: خَفِيفا.
﴿وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾ أَي: كَبِير.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه﴾ وَمَعْنَاهُ: هلا إِذْ سمعتموه.
﴿قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ الْبُهْتَان هُوَ الْكَذِب على المكابرة، يُقَال: بَهته إِذا أخْبرته بكذبه، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن أم أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَت لأبي أَيُّوب: أما بلغك كَذَا، وَهُوَ مَا نسب إِلَى عَائِشَة؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: مَا كَانَ لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم، قَالَ هَذَا قبل أَن تنزل الْآيَة، ثمَّ نزلت الْآيَة على وفْق قَوْله.

قَوْله: ﴿يعظكم الله أَن تعودوا لمثله أبدا﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَنْهَاكُم الله أَن تعودا لمثله أبدا.
﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين وَيبين لكم الْآيَات﴾ : أَي: الدلالات.
﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ عليم بخلقه، حَكِيم فِي فعله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة﴾ يَعْنِي: أَن تذيع وتشتهر.
﴿فِي الَّذين آمنُوا﴾ أَي: عَائِشَة وَصَفوَان وَآل أبي بكر، وَكَانَت إشاعتهم أَن بَعضهم كَانَ يلقى بَعْضًا فَيَقُول لَهُ: أما بلغك كَذَا وَكَذَا من خبر عَائِشَة.
وَقَوله: ﴿لَهُم عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا هُوَ الْحَد، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة هُوَ النَّار.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: بَرَاءَة عَائِشَة وَأَنه خلقهَا طيبَة طَاهِرَة

﴿تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان وَمن يتبع خطوَات الشَّيْطَان فَإِنَّهُ يَأْمر بالفحشاء وَالْمُنكر وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء وَالله سميع عليم (21) وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ من الْفَوَاحِش.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله رءوف رَحِيم﴾ مَحْذُوف الْجَواب، وَجَوَابه: لنالكم الْعَذَاب الشَّديد فِي الْحَال.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: خَطَايَا الشَّيْطَان، وَقيل: آثاره، وَيُقَال: تخطيه من الْحَلَال إِلَى الْحَرَام، وَمن الطَّاعَة إِلَى الْمعْصِيَة.
وَقَوله: ﴿وَمن يتبع خطوَات الشَّيْطَان فَإِنَّهُ يَأْمر بالفحشاء﴾ أَي: القبائح من الْأَفْعَال.
﴿وَالْمُنكر﴾ أَي: كل مَا يكرههُ الله.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا﴾ أَي: مَا صلح مِنْكُم من أحد أبدا.
﴿وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ أَي: يصلح من يَشَاء.
قَالَ الشَّاعِر: (إِنَّمَا نَحن كشيء فَاسد ... فَإِذا أصلحه الله صلح) وَقَوله: ﴿وَالله سميع عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ هُوَ مَأْخُوذ من الألية، والألية الْيَمين.
قَالَ الشَّاعِر: (قَلِيل الألايا حَافظ ليمينه ... وَإِن بدرت مِنْهُ الألية برت) نزلت الْآيَة فِي شَأْن أبي بكر ومسطح، وَكَانَ ابْن خَالَة أبي بكر وَفِي نَفَقَته، وَهُوَ

﴿أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين فِي سَبِيل الله وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم وَالله غَفُور رَحِيم (22) إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب﴾ رجل من أهل بدر من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، فَلَمَّا ذكر فِي عَائِشَة مَا ذكر أنزل الله تَعَالَى براءتها من السَّمَاء، حلف أَبُو بكر أَلا ينْفق عَلَيْهِ، وَكَانَ مِسْكينا لَا شَيْء لَهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وقرىء: " وَلَا يتأل " (قَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر) ، فالأكثرون أَن معنى قَوْله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ مَا بَينا، وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ: لَا يقصر من قَول الْقَائِل: لَا آلوا فِي أَمركُم كَذَا أَي: لَا أقصر، وَقَوله: ﴿أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ أَي: الْغنى وَالسعَة.
وَقَوله: ﴿أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين﴾ هُوَ مسطح، فَإِنَّهُ كَانَ قريب أبي بكر، وَكَانَ مِسْكينا وَمن الْمُهَاجِرين، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع؟ قُلْنَا: يجوز مثل هَذَا فِي اللُّغَة، وَيجوز أَنه أَرَادَهُ وَأَرَادَ غَيره.
وَقَوله: ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ أَي: ليعفوا عَن أفعالهم، وليصفحوا عَن أَقْوَالهم.
وَقَوله: ﴿أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ هَذَا خطاب لأبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَرُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة، وقرئت عَلَيْهِ قَالَ: بلَى وَالله نحب أَن يغْفر لنا.
وَقَوله: ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ أَي: ستور صفوح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات﴾ أَي: الْغَافِلَات عَن الْفَوَاحِش، والغافلة عَن الْفَاحِشَة أَن لَا يَقع فِي قَلبهَا فعل الْفَاحِشَة، وَكَانَت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - هَكَذَا.

﴿عَظِيم (23) يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (24) يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق ويعلمون أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين (25) الخبيثات للخبيثين﴾ وَقَوله: ﴿لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ رُوِيَ عَن خصيف قَالَ: قلت لمجاهد: من قذف مُؤمنَة لَعنه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؟ فَقَالَ: ذَاك لعَائِشَة.
وَيُقَال: هَذَا فِي جَمِيع أَزوَاج النَّبِي.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ قد بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تشهد عَلَيْهِم ألسنتهم﴾ شَهَادَة الْأَلْسِنَة يَوْم الْقِيَامَة بنطقها من غير اخْتِيَار الْإِنْسَان.
وَقَوله: ﴿وأيديهم وأرجلهم﴾ يُقَال: تختم الأفواه ثمَّ تَتَكَلَّم الْأَيْدِي والأرجل.
﴿بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق﴾ أَي: حسابهم الْعدْل.
وَقَوله: ﴿ويعلمون أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين﴾ أَي: الْعَادِل الْمظهر لعدله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ فِي الْآيَة قَولَانِ معروفان: أَحدهمَا: الخبيثات من الْكَلَام للخبيثين من الرِّجَال، والخبيثون من الرِّجَال للخبيثات من الْكَلَام، والطيبون والطيبات هَكَذَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: الخبيثات من النِّسَاء للخبيثين من الرِّجَال، والخبيثون من الرِّجَال للخبيثات من النِّسَاء، وَهَكَذَا الطَّيِّبَات والطيبون، والخبيث من الرِّجَال عبد الله بن أبي بن سلول ودونه، والخبيثات من النِّسَاء أهل بَيته، وَيُقَال: كَلَامه فِي عَائِشَة، والطيبات هِيَ عَائِشَة من النِّسَاء وأمثالها، والطيبون للنَّبِي وَقَومه.
وَاعْلَم أَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - كَانَت تفتخر بأَشْيَاء مِنْهَا: " أَن جِبْرِيل - عَلَيْهِ

﴿والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أُولَئِكَ مبرءون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مغْفرَة ورزق كريم (26) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا وتسلموا على أَهلهَا ذَلِك خير لكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ السَّلَام - أَتَى بصورتها فِي سَرقَة (من) حَرِير أَي: قِطْعَة، وَقَالَ: هَذِه زَوجك، (وَذَلِكَ) بعد وَفَاة خَدِيجَة، وَيُقَال: أَتَى بصورتها فِي كَفه، وَمِنْهَا أَن النَّبِي لم يتَزَوَّج بعذراء إِلَّا بهَا، وَمِنْهَا أَن النَّبِي قبض وَرَأسه فِي حجرها، وَدفن فِي بَيتهَا، وَمِنْهَا أَنه نزل براءتها من السَّمَاء، وَمِنْهَا أَنَّهَا بنت خَليفَة رَسُول الله، وَأَنَّهَا صديقَة ". وَكَانَ مَسْرُوق إِذا روى عَن عَائِشَة يَقُول: حَدَّثتنِي الصديقة بنت الصّديق حَبِيبَة رَسُول الله المبرأة من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ مبرءون مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أَي: مطهرون بِمَا يَقُولُونَ.
وَقَوله: ﴿لَهُم مغْفرَة ورزق كريم﴾ الْمَغْفِرَة هُوَ الْعَفو عَن الذُّنُوب، والرزق الْكَرِيم هُوَ الْجنَّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بُيُوتًا غير بُيُوتكُمْ حَتَّى تستأنسوا﴾ . قَرَأَ ابْن عَبَّاس: " حَتَّى تستأذنوا " قَالَ: تستأنسوا غلط من الْكَاتِب، وَالْمَعْرُوف تستأنسوا، وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال: أشهرها: " تستأذنوا " فالاستئناس بِمَعْنى الاسْتِئْذَان، وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ " التنحنح " قَالَه مُجَاهِد، وَالْقَوْل الثَّالِث: " حَتَّى تستأنسوا " هُوَ التعرف والاستعلام حَتَّى يُؤذن لَهُ أَو لَا يُؤذن.

( ﴿27) فَإِن لم تَجدوا فِيهَا أحدا فَلَا تدخلوها حَتَّى يُؤذن لكم وَإِن قيل لكم﴾ وَقَوله: ﴿وتسلموا على أَهلهَا﴾ . السّنة إِذا بلغ الْإِنْسَان بَاب دَار يَقُول: أَدخل؟ وَقَالَ بَعضهم: إِذا وَقع الْعين على الْعين يقدم السَّلَام، وَإِذا لم تقع الْعين على الْعين قدم الاسْتِئْذَان.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع " فَروِيَ أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَتَى بَاب عمر، وَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَرجع، فَقَالَ عمر: أَلَيْسَ قد سَمِعت صَوت عبد الله بن قيس؟ قَالُوا: اسْتَأْذن ثَلَاثًا وَرجع، فَدَعَاهُ وَقَالَ: لم رجعت؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله يَقُول كَذَا، فَقَالَ: لتَأْتِيني بِمن يشْهد لَك، وَإِلَّا لأعلونك بِالدرةِ، فجَاء أبي بن كَعْب وَذكر لَهُ ذَلِك، فجَاء وَشهد لَهُ، وَقيل: غَيره شهد لَهُ.
قَالَ الْحسن: الأول إِعْلَام، وَالثَّانِي (مُؤَامَرَة) ، وَالثَّالِث اسْتِئْذَان بِالرُّجُوعِ.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: إِذا لم يُؤذن لَهُ لَا يقْعد على الْبَاب، فَإِن للنَّاس حاجات.
وَقَالَ بَعضهم: إِن كَانَ طَرِيقا يجوز أَن يقف وَيقْعد، وَإِن كَانَ فنَاء بَيته لَا يقْعد إِلَّا بِإِذْنِهِ.
قَالُوا: وَإِن كَانَ الْبَاب مردودا فَلَا ينظر إِلَى الدَّار من شقّ الْبَاب، وَإِن كَانَ الْبَاب مَفْتُوحًا فَلَا بَأْس أَن ينظر؛ لِأَنَّهُ لما فتح الْبَاب فقد أذن.

﴿ارْجعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أزكى لكم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عليم (28) لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تدْخلُوا بُيُوتًا غير مسكونة فِيهَا مَتَاع لكم وَالله يعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون﴾

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم تَجدوا فِيهَا أحدا فَلَا تدخلوها حَتَّى يُؤذن لكم﴾ أَي: لَا تدخلوها بِغَيْر إِذن الْمَالِك.
وَقَوله: ﴿وَإِن قيل لكم ارْجعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أزكى لكم﴾ يَعْنِي: إِذا كَانَ فِي الْبَيْت قوم وَقَالُوا: ارْجع، فَليرْجع، وَالسّنة أَن لَا يتَغَيَّر أذن أَو رد لِأَنَّهُ رُبمَا يكون للْقَوْم معاذير، وَكَانَ ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنهُ - يَأْتِي بَاب الْأنْصَارِيّ لطلب الحَدِيث، فيقعد على الْبَاب حَتَّى يخرج وَلَا يسْتَأْذن، فَيخرج ذَلِك الرجل وَيَقُول: يَا ابْن عَم رَسُول الله، لَو أَخْبَرتنِي؟ فَيَقُول: هَكَذَا أمرنَا أَن نطلب الْعلم.
وَقَوله: ﴿هُوَ أزكى لكم﴾ يَعْنِي: هُوَ أصلح لكم.
وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تدْخلُوا بُيُوتًا غير مسكونة﴾ . فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا الْمنَازل فِي طَرِيق الْمُسَافِرين، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا حوانيت التُّجَّار، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا الْمنَازل الخربة، وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنَّهَا الْخَانَات والمنازل فِي الطّرق، فَهُوَ الدُّخُول فِيهَا وَالنُّزُول، وَأما فِي حوانيت التُّجَّار فالمنفعة هُوَ البيع وَالشِّرَاء، وَأما فِي الخرابات فالبول وَالْغَائِط.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَرُوِيَ عَن شُعَيْب بن الحبحاب قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَالِيَة يأتيني وَأَنا فِي دكانتي، فيستأذن ثمَّ يدْخل، فَأَقُول لَهُ: إِنَّمَا هُوَ الْحَانُوت، فَيَقُول لي: الْإِنْسَان يَخْلُو فِي حانوته بِحِسَابِهِ ودراهمه، وَأما الاسْتِئْذَان على الْمَحَارِم فَإِن كَانُوا فِي دَار مُنْفَرِدَة يسْتَأْذن، وَإِن كَانُوا فِي دَار وَاحِدَة فَإِذا دخل عَلَيْهَا يَتَنَحْنَح، ويتحرك أدنى حَرَكَة، وَقيل لِقَتَادَة: لَا

( ﴿29) قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذَلِك أزكى لَهُم إِن الله خَبِير بِمَا يصنعون (30) ﴾ أَسْتَأْذن على أُمِّي؟ فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَن ترى عورتها؟ قَالَ: لَا، قَالَ: اسْتَأْذن.
وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: لَيْسَ على حوانيت السُّوق إِذن.
وَعَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ إِذا جَاءَ إِلَى حَانُوت السُّوق يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم أَدخل؟ ثمَّ يلج.
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَحُذَيْفَة أَنه يسْتَأْذن على ذَوَات الْمَحَارِم، وَمثله عَن الْحسن الْبَصْرِيّ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ الْآيَة.
من صلَة وَمَعْنَاهُ: يغضوا أَبْصَارهم، حُكيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَقَالَ بَعضهم: من هَا هُنَا للتَّبْعِيض، وَإِنَّمَا ذكر من هَا هُنَا؛ لِأَن غض الْبَصَر إِنَّمَا يجب عَن الْحَرَام، وَلَا يجب عَن الْحَلَال.
وَقَوله: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ هَذَا أَمر بالتعفف.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: حفظ الْفرج فِي كل الْقُرْآن بِمَعْنى الِامْتِنَاع من الْحَرَام، وَأما هَا هُنَا فَإِنَّهُ بِمَعْنى السّتْر.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ لعَلي - رَضِي الله عَنهُ - " إِن لَك فِي الْجنَّة كنزا، وَإنَّك ذُو قرنيها، فَلَا تتبع النظرة النظرة؛ فَإِن الأولى لَك، وَالثَّانيَِة عَلَيْك " رَوَاهُ على نَفسه، وَعَن بعض السّلف قَالَ: إِن النّظر يزرع الشَّهْوَة فِي الْقلب، وَرب شَهْوَة أورثت حزنا طَويلا.
وَعَن خَالِد بن أبي عمرَان أَنه قَالَ: إِن الرجل لينْظر نظرة فينغل قلبه، كَمَا ينغل الْأَدِيم، فَيفْسد قلبه حَتَّى لَا ينْتَفع بِهِ.
وروى أَبُو أُمَامَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من نظر إِلَى محَاسِن امْرَأَة وغض بَصَره

﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ عَنْهَا أعطَاهُ الله عبَادَة يجد حلاوتها ". وَقَوله: ﴿ذَلِك أزكى لَهُم﴾ أَي: أطهر لَهُم.
وَقَوله: ﴿إِن الله خَبِير بِمَا يصنعون﴾ أَي: عليم بِمَا يصنعون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ وَرُوِيَ أَن ابْن أم مَكْتُوم أقبل إِلَى النَّبِي وَعِنْده أم سَلمَة ومَيْمُونَة فَقَالَ لَهما رَسُول الله: " احتجبا.
فَقَالَتَا: إِنَّه أعمى، فَقَالَ: أعمياوان أَنْتُمَا ". وَقَوله: ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ الزِّينَة: كل مَا تتزين [بِهِ] الْمَرْأَة من الْحلِيّ وَالثيَاب.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا: قَالَ ابْن مَسْعُود: هِيَ الثِّيَاب وَهَذَا اخْتِيَار أبي عبيد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْكحل.
وَحكى الْكَلْبِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: الْكحل والخاتم والخضاب، وَعنهُ أَنه قَالَ: الْوَجْه والكفان.
وَاعْلَم أَن المُرَاد بالزينة

﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن أَو آبائهن أَو آبَاء بعولتهن أَو أبنائهن أَو أَبنَاء بعولتهن أَو إخوانهن أَو بني إخوانهن أَو بني﴾ مَوضِع الزِّينَة هَا هُنَا فعلى هَذَا يجوز النّظر إِلَى وَجه الْمَرْأَة وكفيها من غير شَهْوَة، وَإِن خَافَ الشَّهْوَة غض الْبَصَر، وَاعْلَم أَن الزِّينَة زينتان: زِينَة ظَاهِرَة، زِينَة باطنة، فالزينة الظَّاهِرَة هِيَ الْكحل والفتخة والخضاب إِذا كَانَ فِي الْكَفّ، وَأما الخضاب فِي الْقدَم فَهُوَ الزِّينَة الباطنية، وَأما السوار فِي الْيَد، فَعَن عَائِشَة أَنه من الزِّينَة الظَّاهِرَة، وَالأَصَح أَنه من الزِّينَة الْبَاطِنَة، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَأما الدملج [والمخنقة] والقلادة، وَمَا أشبه ذَلِك فَهُوَ من الزِّينَة الْبَاطِنَة، فَمَا كَانَ من الزِّينَة الظَّاهِرَة يجوز للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَيْهِ من غير شَهْوَة، وَمَا كَانَ من الزِّينَة الْبَاطِنَة لَا يجوز للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَيْهَا، وَأما الزَّوْج ينظر ويتلذذ، وَأما الْمَحَارِم ينظرُونَ من غير تلذذ.
وَقَوله: ﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾ يَعْنِي: بمقانعهن على جُيُوبهنَّ، وَكَانَ النِّسَاء فِي ذَلِك الْوَقْت يسدلن خمرهن من ورائهن فتبدوا صدورهن ونحورهن، فَأمر الله تَعَالَى أَن يضربن بالمقانع على جُيُوبهنَّ؛ لِئَلَّا تظهر صدورهن وَلَا نحورهن، وروت صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة عمد نسَاء الْأَنْصَار إِلَى حجور مناطقهن، فقطعن مِنْهَا قِطْعَة، وتخمرن، فَأَصْبَحْنَ وَكَأن على رُؤْسهنَّ الْغرْبَان.
وَقَوله: ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ المُرَاد من هَذِه الزِّينَة الباطنية.
وَقَوله: ﴿إِلَّا لبعولتهن﴾ أَي: أَزوَاجهنَّ.
وَقَوله: ﴿أَو آبائهن أَو آبَاء بعولتهن أَو أبنائهن أَو أَبنَاء بعولتهن أَو إخْوَانهمْ أَو بني إخْوَانهمْ أَو بني أخواتهن﴾ . فَيجوز لهَؤُلَاء أَن ينْظرُوا إِلَى الزِّينَة الْبَاطِنَة، إِلَّا أَنهم لَا ينظرُونَ إِلَى مَا بَين السُّرَّة إِلَى (الرّكْبَة) ، وَيحل للزَّوْج النّظر إِلَيْهِ، وَأما نفس الْفرج

﴿أخواتهن أَو نسائهن أَو مَا ملكت أيمانهن أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من﴾ فِيهِ وَجْهَان على مَا عرف فِي الْفِقْه، وَقد ورد عَن عَائِشَة مَا يدل على أَنه يكره النّظر إِلَى الْفرج، وَقيل: إِنَّه يُورث الْعَمى.
وَقَوله: ﴿أَو نسائهن﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِهن النِّسَاء المسلمات، فعلى هَذَا لَا يجوز للمسلمة أَن تبدي محاسنها عِنْد الْيَهُودِيَّة وَلَا النَّصْرَانِيَّة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿نسائهن﴾ عَام فِي جَمِيع النِّسَاء، فَيجوز للْمَرْأَة أَن تنظر إِلَى الْمَرْأَة إِلَّا مَا بَين السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة.
وَقَوله: ﴿أَو مَا ملكت أيمانهن﴾ . اخْتلف القَوْل فِي هَذَا، فَروِيَ عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة أَنَّهُمَا قَالَت: المُرَاد مِنْهُ العبيد، فَيجوز للْعَبد أَن ينظر إِلَى مولاته مَا ينظر ذُو الرَّحِم المرحم من غير شَهْوَة، وَهَذَا إِذا كَانَ العَبْد عفيفا، وَالْقَوْل الثَّانِي قَول سعيد بن الْمسيب وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: لَا يجوز للْعَبد أَن ينظر إِلَى مولاته إِلَّا مَا ينظر الْأَجْنَبِيّ إِلَى الْأَجْنَبِيّ، فعلى هَذَا تحمل الْآيَة على الْإِمَاء، وَالْقَوْل الأول أظهر فِي معنى الْآيَة، لِأَنَّهُ قد سبق قَوْله: ﴿أَو نسائهن﴾ فَدخل فِيهِ الْحَرَائِر وَالْإِمَاء، وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَنه يجوز [أَن ينظر] العَبْد إِلَى مولاته مَا يظْهر عِنْد البذلة والمهنة، مثل الساعدين والقدمين والعنق وَلَا ينظر إِلَى مَا سوى ذَلِك، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ يشق ستر هَذَا مَعَ العبيد، وَأما مَعَ الْأَجَانِب لَا يشق، وَعَن أم سَلمَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّهَا كاتبت عبدا لَهَا يُقَال لَهُ نَبهَان، فَكَانَت لَا تحتجب عَنهُ، ثمَّ قَالَت لَهُ يَوْمًا: يَا نَبهَان، مَا بَقِي من كتابتك، فَقَالَ ألفا دِرْهَم، فَقَالَت: أدها إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي أُميَّة وَالسَّلَام عَلَيْك، وَأرْسلت حجابها.
وَقَوله: ﴿أَو التَّابِعين غير أولي الإربة﴾ اخْتلف القَوْل فِيهِ: قَالَ مُجَاهِد: هُوَ

﴿الرِّجَال أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن﴾ الصَّغِير، وَقَالَ عِكْرِمَة: هُوَ الْعنين، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الشَّيْخ الْهَرم، وَعَن بَعضهم: أَنه الْمَجْبُوب، وَمن الْمَعْرُوف فِي التفاسير: أَنهم الَّذين يتبعُون الرِّجَال، وَلَيْسَ لَهُم همة إِلَّا بطونهم، وَلَا يعْرفُونَ أَمر النِّسَاء، وَيُقَال: إِنَّه المخنث الَّذِي لَيْسَ لَهُ حَاجَة إِلَى النِّسَاء، وَعَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن مخنثا يُقَال لَهُ: هيت كَانَ يدْخل على أَزوَاج النَّبِي قَالَت: وَكُنَّا نظن أَنه من غير أولي الإربة، يَعْنِي: أَنه لَا يعرف أَمر النِّسَاء شَيْئا فوصف يَوْمًا امْرَأَة فَقَالَ: إِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع، وتدبر بثمان، فَسمع النَّبِي ذَلِك، فَقَالَ: " مَا ظَنَنْت أَنه يعرف هَذَا، وَأمر بِإِخْرَاجِهِ ". وَأما الإربة هِيَ الْحَاجة، مَأْخُوذ من الإرب، وَمن هَذَا حَدِيث عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - " أَن النَّبِي كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم، وَكَانَ أملككم لإربه " وَمن قَالَ: لَا، فقد أَخطَأ.
وَقَوله: ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا﴾ أَي: الْأَطْفَال الَّذين لم يظهروا، وَاحِد بِمَعْنى الْجمع.
وَقَوله: ﴿لم يظهروا على عورات النِّسَاء﴾ أَي: لم يطيقوا أَمر النِّسَاء، وَيُقَال: " لم يظهروا على عورات النِّسَاء " أَي: لم يعرفوا الْعَوْرَة من غير الْعَوْرَة فَلم يميزوا، وَقيل: لم يبلغُوا حد الشَّهْوَة.

﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون (31) وَأنْكحُوا الْأَيَامَى﴾ وَقَوله: ﴿وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن﴾ رُوِيَ أَن الْمَرْأَة كَانَت تمر على الرِّجَال، وَفِي رجلهَا الخلخال، وَكَانَت تضرب برجلها؛ لتسمعهم صَوت خلْخَالهَا، فنهين عَن ذَلِك، فَإِن قَالَ قَائِل: أيش فِي ضرب الخلخال مَا يُوجب النَّهْي؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فِيهِ استدعاء الْميل وتحريك الشَّهْوَة.
وَقَوله: ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ التَّوْبَة من الصَّغَائِر؛ لِأَنَّهُ لمَم جَمِيع الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا الصَّغَائِر تُوجد من جَمِيع الْمُؤمنِينَ، فَأَما الْكَبَائِر فَلَا، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا بل الْآيَة عَامَّة فِي الصَّغَائِر والكبائر، وَالتَّوْبَة هِيَ النَّدَم على [مَا] سلف، والإقلاع فِي الْحَال، والعزيمة على ترك الْعود، وَهَذَا هُوَ معنى النصوح المقرون بِالتَّوْبَةِ الْمَذْكُور فِي غير هَذَا الْموضع، وَذكر بَعضهم أَن الله تَعَالَى أَمر الْمُشْركين بِنَفس التَّوْبَة مُطلقًا فَقَالَ: ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ ، وَأمر الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالتَّوْبَةِ والإصلاح وَالْبَيَان؛ وَهُوَ بَيَان صفة النَّبِي فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا﴾ ، وَأمر الْمُنَافِقين بِالتَّوْبَةِ والإصلاح والاعتصام وَالْإِخْلَاص فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا واعتصموا بِاللَّه وَأَخْلصُوا دينهم لله﴾ ، وَقد بَينا معنى ذَلِك من قبل، وَأمر جَمِيع الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِي هَذِه الْآيَة، وَلَا بُد لكل إِنْسَان أَن يَتُوب إِمَّا من صَغِيرَة أَو كَبِيرَة، وَقد ثَبت بِرِوَايَة الْأَغَر الْمُزنِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " أَيهَا النَّاس، تُوبُوا إِلَى الله فَإِنِّي أَتُوب كل يَوْم مائَة مرّة " خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.

﴿مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ أَي: تسعدون وتفوزون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ . أَي: زوجوا الْأَيَامَى مِنْكُم، والأيم اسْم لكل امْرَأَة لَا زوج لَهَا ثَيِّبًا كَانَت أَو بكرا، قَالَ الشَّاعِر: (فَإِن تنكحي أنكح وَإِن تتأيمي ... مدى الدَّهْر مَا لم تنكحي أتأيم) وَقد ذهب دَاوُد وَأَصْحَاب الظَّاهِر أَن النِّكَاح وَاجِب وَاسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَة، وَأما عندنَا هُوَ مُبَاح فِي وَقت، سنة فِي وَقت، مُبَاح إِذا كَانَت نَفسه لَا تتوق إِلَى النِّسَاء، سنة إِذا تاقت نَفسه إِلَى النِّسَاء، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أحب فِطْرَتِي فَليَسْتَنَّ بِسنتي، وَمن سنتي النِّكَاح ". وَثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج، فَإِنَّهُ أَغضّ لِلْبَصَرِ، وَأحْصن لِلْفَرجِ، وَمن لم يسْتَطع فليصم، فَإِن الصَّوْم لَهُ وَجَاء ". وَعَن بعض السّلف أَنه قَالَ: من غلبت عَلَيْهِ الشَّهْوَة وَعِنْده مَال فليتزوج، وَإِن لم يكن عِنْده مَال فليدم النّظر إِلَى السَّمَاء، فَإِن شَهْوَته تذْهب.
وَقَوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ . قرئَ فِي الشاذ: " من عبيدكم وَإِمَائِكُمْ " زوجوا الْأَيَامَى من الْحَرَائِر، وزوجوا الصَّالِحين من العبيد وَالْإِمَاء، وَالْمرَاد من الْعباد: العبيد.
وَقَوله: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يغنيهم الله من فَضله﴾ رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ: عجبت

﴿وَالله وَاسع عليم (32) وليستعفف الَّذين لَا يَجدونَ نِكَاحا حَتَّى يغنيهم الله من فَضله وَالَّذين يَبْتَغُونَ الْكتاب مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم﴾ لمن يطْلب الْغنى بِغَيْر النِّكَاح، وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ . وَعَن بَعضهم: أَن الله تَعَالَى وعد الْغنى بِالنِّكَاحِ، ووعد الْغنى بالتفرق، فَقَالَ فِي النِّكَاح: ﴿يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ أَي: من الله، وَقَالَ فِي الْفِرَاق: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغني الله كلا من سعته﴾ وَيُقَال: إِن الْغنى هَا هُنَا هُوَ الْغنى بالقناعة، وَقيل: باجتماع الرزقين، وَقيل فِي قَوْله: ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ أَي: بِمَال خَدِيجَة.
وَقَوله: ﴿وَالله وَاسع عليم﴾ أَي: وَاسع الْغنى، عليم بأحوال الْعباد، وَعَن الْحسن بن عَليّ - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه كَانَ ينْكح وَيُطلق كثيرا، وَيَقُول: إِنَّمَا أَبْتَغِي الْغنى من النِّكَاح وَالطَّلَاق، وَيَتْلُو هَاتين الْآيَتَيْنِ، وَقد ذكر بَعضهم: أَن الأيم كَمَا ينْطَلق على الْمَرْأَة ينْطَلق على الرجل، يُقَال: رجل أيم إِذا لم يكن لَهُ زَوْجَة، وَامْرَأَة أيم إِذا لم يكن لَهَا زوج، وَالشعر الَّذِي أنشدنا دَلِيل عَلَيْهِ، وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي نهى عَن الأيمة " أَي: الْعزبَة.
وَعَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ: أمرنَا بقتل الأيم أَي: الْحَيَّة.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ﴾ أَي: بالصالحين.
وَقَوله: ﴿من عبادكُمْ﴾ أَي: من رجالكم، ثمَّ أَمر من بعد بتزويج الْإِمَاء، وَالْقَوْل الأول الَّذِي سبق أظهر.

قَوْله: ﴿وليستعفف الَّذين لَا يَجدونَ نِكَاحا﴾ أَي: ليطلب الْعِفَّة الَّذين لَا يَجدونَ مَا لَا ينْكحُونَ بِهِ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى يغنيهم الله من فَضله﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن يَجدوا مَالا يقدرُونَ بِهِ على النِّكَاح، وَالْآخر: أَن يوفقهم الله للصبر عَن النِّكَاح، وَعَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: إِذا رأى الرجل امْرَأَة واشتهاها فَإِن كَانَ لَهُ امْرَأَة فليصبها، وَإِن لم يكن لَهُ امْرَأَة فَلْينْظر فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض.

﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ وَقَوله: ﴿وَالَّذين يَبْتَغُونَ الْكتاب مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم﴾ أَي: يطْلبُونَ الْكِتَابَة مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم، أَي: من العبيد وَالْإِمَاء، وَالْكِتَابَة هِيَ أَن يعْقد مَعَ عَبده عقدا على مَال بِشَرْط أَنه إِذا أدّى عتق، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة: أَنه كَانَ لحويطب بن عبد الْعُزَّى غُلَام، وَطلب مِنْهُ أَن يكاتبه، فَأبى فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿فكاتبوهم﴾ أَكثر أهل الْعلم على أَنه أَمر ندب لَا حتم، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنه أَمر حتم إِذا كَانَ للْعَبد مَال يُؤدى، فروى (أَبُو مُحَمَّد بن سِيرِين) : كَانَ عبدا لأنس بن مَالك، وَطلب من أنس أَن يكاتبه، فَأبى فَذكر ذَلِك سِيرِين لعمر، فَقَالَ لأنس: كَاتبه، فَأبى، فعلاه الدرة حَتَّى كَاتبه.
وَعَن ابْن جريج قَالَ: قلت لعطاء: أيجب على الْمولى أَن يُكَاتب عَبده إِذا طلب؟ قَالَ: نعم، وَمثله عَن الضَّحَّاك قَالَا: وَهَذَا إِذا كَانَ عِنْد (العقد) مَال، فَإِن لم يكن عِنْده مَال لم يجب، وَرُوِيَ أَن عبدا لسلمان قَالَ لَهُ: كاتبني، قَالَ: عنْدك مَال؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَتُرِيدُ أَن تطعمني أوساخ النَّاس؟ وَلم يكاتبه.
وَقَوله: ﴿إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ أَي: مَالا، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَمثله قَوْله: ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ أَي: لحب المَال.
قَالَ الشَّاعِر: (مَاذَا ترجى النُّفُوس من طلب ... الْخَيْر وَحب الْحَيَاة كاربها) أَي: المَال، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: ﴿إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ أَي: دينا

﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَأَمَانَة، وَقَالَ النَّخعِيّ: وَفَاء وصدقا، وَعَن بَعضهم: قدرَة على كسب المَال.
وَقَالَ الزّجاج: لَو أَرَادَ بِالْخَيرِ المَال لقَالَ: إِن علمْتُم لَهُم خيرا، فَلَمَّا قَالَ: ﴿فيهم خيرا﴾ دلّ أَنه أَرَادَ بِهِ الْوَفَاء والصدق.
وَقَوله: ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ فِيهِ أَقْوَال: روى عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَنه قَالَ: هُوَ حث النَّاس على مَعُونَة الْكَاتِبين.
فعلى هَذَا تتَنَاوَل الْآيَة الْمولى وَغير الْمولى.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد مِنْهُ سهم الرّقاب، وَقد جعل الله تَعَالَى للمكاتبين سَهْما فِي الصَّدقَات، وَالْقَوْل الثَّالِث: هُوَ أَن قَوْله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ خطاب للموالي خَاصَّة.
وَقَوله: ﴿من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ هُوَ بدل الْكِتَابَة، رُوِيَ هَذَا عَن عُثْمَان وَعلي وَالزُّبَيْر، ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم: يُعينهُ بِمَال الْكِتَابَة، وَقَالَ بَعضهم: يحط عَنهُ من مَال الْكِتَابَة، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه يحط عَنهُ الرّبع، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه يحط عَنهُ الثُّلُث، وَعَن بَعضهم: أَنه يحط شَيْئا من غير تَحْدِيد، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي، وَاخْتلفُوا أَنه على طَرِيق النّدب أم على طَرِيق الْإِيجَاب؟ فَعِنْدَ بعض الصَّحَابَة الَّذِي ذكرنَا أَنه ندب، وَعند بَعضهم: أَنه وَاجِب، وَالْوُجُوب أظهر.
وَقَوله: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ يَعْنِي: على الزِّنَا.
نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن أبي بن سلول وَقوم من الْمُنَافِقين، كَانُوا يكْرهُونَ إماءهم على الزِّنَا طلبا للأجعال، فَروِيَ أَن عبد الله بن أبي بن سلول كَانَ لَهُ أمة يُقَال لَهَا: مثلَة، فَأمرهَا بِالزِّنَا فَجَاءَت بِبرد، ثمَّ أمرهَا بِالزِّنَا فَأَبت، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ أَي: تعففا، فَإِن قيل: الْآيَة تَقْتَضِي أَنَّهَا إِذا لم ترد التحصن يجوز إكراهها على الزِّنَا؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه إِنَّمَا ذكر قَوْله: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ لِأَن الْإِكْرَاه إِنَّمَا يُوجد فِي هَذِه الْحَالة، فَإِذا لم ترد التحصن بَغت بالطوع.

﴿وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم (33) وَلَقَد أنزلنَا إِلَيْكُم آيَات مبينات ومثلا من الَّذين خلوا من قبلكُمْ وموعظة لِلْمُتقين (34) الله نور﴾ وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ منصرف إِلَى الْآيَة السَّابِقَة، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ إِن أردن تَحَصُّنًا.
وَقَوله: ﴿لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: لتطلبوا من أَمْوَال الدُّنْيَا، وَفِي بعض الْآثَار: الدُّنْيَا عرض حَاضر، يَأْكُل مِنْهَا الْبر والفاجر، وَالْآخِرَة وعد صَادِق، يحكم فِيهَا ملك قَادر، فكونوا من أَبنَاء الْآخِرَة، وَلَا تَكُونُوا من أَبنَاء الدُّنْيَا ". وَقَوله: ﴿وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ أَي: لَهُنَّ، وَهَكَذَا رُوِيَ فِي قِرَاءَة ابْن عَبَّاس: " فَإِن الله من بعد إكراههن لَهُنَّ غَفُور رَحِيم ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أنزلنَا إِلَيْكُم آيَات مبينات﴾ أَي: للْحَلَال وَالْحرَام، وَقَوله: ﴿مبينات﴾ أَي: واضحات لَا لبس فِيهَا.
وَقَوله: ﴿ومثلا من الَّذين خلوا من قبلكُمْ﴾ مَعْنَاهُ: تَشْبِيها لحالكم بحالهم، حَتَّى لَا تَفعلُوا مثل مَا فعلوا، فيصيبكم مثل مَا أَصَابَهُم.
وَقَوله: ﴿وموعظة لِلْمُتقين﴾ أَي: تذكيرا وتخويفا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هادي أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض، (وَعنهُ أَنه قَالَ: ضِيَاء السَّمَوَات وَالْأَرْض) وَعَن قَتَادَة وَغَيره: منور السَّمَوَات وَالْأَرْض.
فليقال: نور السَّمَوَات بِالْمَلَائِكَةِ، وَالْأَرْض بالأنبياء.
وَيُقَال: نور السَّمَوَات بالنجوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر، وَنور الأَرْض بالنبات والزهر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿مثل نوره﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " مثل نور الْمُؤمن "، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ: " مثل نوره فِي قلب الْمُؤمن " (وَمن الْمَعْرُوف ﴿مثل نوره﴾ وَفِيه أَقْوَال: ﴿السَّمَوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري﴾ أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ: مثل نور الله فِي قلب الْمُؤمن) وَهُوَ النُّور الَّذِي يهتدى بِهِ، وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُوَ على نور من ربه﴾ ، وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿مثل نوره﴾ أَي: نور قلب الْمُؤمن بِالْإِيمَان، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه نور مُحَمَّد، وَمِنْهُم من أول على الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿كمشكاة﴾ الْمشكاة هِيَ الكوة الَّتِي لَيْسَ لَهُ منفذ، وَمِنْهُم من قَالَ: الْمشكاة هِيَ الحديدة الَّتِي يعلق بهَا الْقنْدِيل، وَهِي السلسلة، وَقيل: الْموضع الَّذِي تُوضَع فِيهِ الفتيلة، وَهُوَ كالأنبوب.
وَالْأول أظهر الْأَقَاوِيل وَأولى، وَمعنى الْمشكاة هَاهُنَا: الصَّدْر، قَالَه أبي بن كَعْب.
وَقَوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاح﴾ أَي: شعلة نَار.
وَقَوله: ﴿الْمِصْبَاح فِي زجاجة﴾ الزجاجة شَيْء مَعْلُوم، وَهُوَ جَوْهَر لَهُ ضِيَاء، فَإِن قيل: لم خص الزجاجة بِالذكر؟ قُلْنَا: قَالَ أبي بن كَعْب: الْمشكاة الصَّدْر، والزجاجة الْقلب، والمصباح الْإِيمَان، فَإِنَّمَا ذكر الزجاجة؛ لِأَن الْمِصْبَاح فِيهَا أضواء، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الزجاجة؛ لِأَنَّهَا إِذا انْكَسَرت لَا ينْتَفع مِنْهَا بِشَيْء، كَذَلِك الْقلب إِذا فسد لَا ينْتَفع مِنْهُ بِشَيْء.
وَقَوله: ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري﴾ شبه الزجاجة بالكوكب، قَالَ بَعضهم: هَذَا الْكَوْكَب هُوَ الزهرة فَإِنَّهَا أضوء كَوْكَب فِي السَّمَاء، وَقَالَ بَعضهم: الْكَوَاكِب الْخَمْسَة زحل ومشتري والمريخ وَعُطَارِد وزهرة، فَإِن قيل: لم لم يشبه بالشمس وَالْقَمَر؟ قُلْنَا: لِأَن الشَّمْس وَالْقَمَر يلحقهما الْكُسُوف، والنجوم لَا يلْحقهَا الْكُسُوف، وَأما قَوْله: ﴿كَوْكَب دري﴾ مَنْسُوب إِلَى الدّرّ، وَنسبه إِلَى الدّرّ لصفائه ولونه، وقرىء: " درىء " بِكَسْر الدَّال والهمز وَالْمدّ، وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه مَأْخُوذ من الدراء،

﴿يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية﴾ والدراء هُوَ الدّفع، والكوكب يدْفع الشَّيَاطِين عَن السَّمَاء، فَإِن قيل: لم شبه بِهِ فِي حَالَة الدّفع؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالة يكون أصفى، وَالْقَوْل الثَّانِي: " درىء ". أَي طالع، يُقَال: دَرأ علينا فلَان أَي: طلع وَظهر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وَهَذَا قَول حسن، وقرىء: " درىء " بِرَفْع الدَّال مهموزا، قَرَأَهُ حَمْزَة وَأَبُو بكر، وَأهل النَّحْو يخطؤنه فِي هَذِه الْقِرَاءَة، وَقَالُوا: لَا يُوجد فعيل فِي اللُّغَة، والشاذ: " دري " بِفَتْح الدَّال.
وَقَوله: ﴿يُوقد﴾ أَي: الزجاجة، وَمَعْنَاهُ: نَار الزجاجة، فَحذف النَّار، وقرىء: " يُوقد " بِالْيَاءِ أَي: الْمِصْبَاح، وقرىء: " توقد " أَي: تتوقد، وَفِي الشاذ: " يُوقد " أَي: يُوقد الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿من شَجَرَة مباركة﴾ أَي: من زَيْت شَجَرَة مباركة، والشجرة الْمُبَارَكَة هَاهُنَا هِيَ الزَّيْتُون، وفيهَا من الْخَيْر مَا لَيْسَ فِي سَائِر الْأَشْجَار، فَإِنَّهُ دهن وإدام وَفَاكِهَة تُؤْكَل ويستصبح بِهِ، وبفضله يغسل بِهِ الثِّيَاب وَهِي شَجَرَة تورق من رَأسهَا إِلَى أَسْفَلهَا، واستخراج الدّهن مِنْهُ لَا يحْتَاج إِلَى عصار كَغَيْرِهِ، بل يَسْتَخْرِجهُ من شَاءَ من غير عسر، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " ائتدموا بالزيت، وادهنوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ من شَجَرَة مباركة " رَوَاهُ معمر، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه، عَن عمر الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ قَالَ الْحسن: لَيْسَ هَذَا من أَشجَار الدُّنْيَا، وَلَو كَانَت

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل