النساء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿مُقيم (39) حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك﴾
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " وفار التَّنور " يَعْنِي: انفجر الصُّبْح؛ وَهُوَ من قَوْلهم: نور الصُّبْح تنويرا.
وَقَالَ بَعضهم: التَّنور هَاهُنَا: تنور من حِجَارَة كَانَت حَوَّاء تخبز فِيهِ فورثه نوح، وَقَالَ الله تَعَالَى لنوح: إِذا فار المَاء من آخر مَوضِع فِي دَارك فَهُوَ الْعَلامَة، وَاسم التَّنور اسْم وَافَقت الْعَرَبيَّة فِيهِ العجمية.
وَاخْتلفُوا فِي مَوضِع التَّنور:
رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: كَانَ بِالْكُوفَةِ، وَأَشَارَ إِلَى بَاب كِنْدَة لِلْمَسْجِدِ، وَمثله عَن الشّعبِيّ أَن التَّنور فار من نَاحيَة الْجَانِب الْأَيْمن من مَسْجِد الْكُوفَة.
وَحكي أَن رجلا جَاءَ إِلَى عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي اشْتريت رَاحِلَة وأعددت زادا لأذهب وأصلي فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ: بِعْ راحلتك، وكل زادك، وصل فِي هَذَا الْمَسْجِد - يَعْنِي: مَسْجِد الْكُوفَة -؛ فَإِنَّهُ صلى فِيهِ سَبْعُونَ نَبيا، وَمِنْه فار التَّنور.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ التَّنور بِالشَّام.
وَقَالَ بَعضهم كَانَ بِأَرْض الْهِنْد.
وَقَالَ بَعضهم: التَّنور عين بالجزيرة تسمى عين الوردة.
وَقَوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ " فِيهَا " ينْصَرف إِلَى الْفلك، وَاخْتلفُوا فِي قدر الْفلك:
رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: كَانَ طول السَّفِينَة ألفا وَمِائَتَيْنِ ذِرَاع، وعرضها سِتّمائَة ذِرَاع.
وَالْمَعْرُوف أَن طولهَا كَانَ ثلثمِائة ذِرَاع، وعرضها كَانَ (خمسين) ذِرَاعا، وارتفاعها إِلَى السَّمَاء كَانَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعا، وَقد قيل غير هَذَا، وَالله أعلم.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ بَابهَا فِي عرضهَا.
قَالُوا: وَكَانَت ثَلَاث طَبَقَات: الطَّبَقَة الْعليا للطير، والطبقة السُّفْلى للسباع والوحوش، وَالْوُسْطَى للنِّسَاء وَالرِّجَال، والحاجز بَين النِّسَاء وَالرِّجَال جَسَد آدم؛ فَإِنَّهُ كَانَ حمله مَعَ نَفسه فِي السَّفِينَة.
﴿إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل وَمن آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل (40) وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله﴾
وَقَوله: ﴿من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الزَّوْج كل وَاحِد لَا يَسْتَغْنِي عَن مثله، يُقَال: زوج خف، وَزوج نعل، وَالْمرَاد من الزَّوْجَيْنِ هَاهُنَا: الذّكر وَالْأُنْثَى، وَمَعْنَاهُ: من كل ذكر وَأُنْثَى اثْنَيْنِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن نوحًا - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: يَا رب، كَيفَ أحمل من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؟ فحشر الله تَعَالَى السبَاع وَالطير إِلَيْهِ، فَجعل يضْرب بيدَيْهِ فِي كل جنس، فَيَقَع الذّكر فِي يَده الْيُمْنَى وَالْأُنْثَى فِي يَده الْيُسْرَى فيحملها فِي السَّفِينَة.
وَذكر وهب بن مُنَبّه أَن النَّاس شكوا الفأر إِلَى نوح فِي السَّفِينَة، فَأمره الله تَعَالَى أَن يمسح جبهة الْأسد، فَخرج من مَنْخرَيْهِ سنوران فأكلا الفأر، وَشَكوا إِلَيْهِ أَيْضا كَثْرَة الْعذرَة فَأمره أَن يمسح على مُؤخر الْفِيل، فَخرج مِنْهُ خنزيران فأكلا الْعذرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأهْلك﴾ مَعْنَاهُ: واحمل أهلك ﴿إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل﴾ يَعْنِي: ابْنه وَامْرَأَته.
وَقَوله: ﴿وَمن آمن﴾ مَعْنَاهُ: وأحمل من آمن.
وَقَوله: ﴿وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل﴾ اخْتلفُوا فِي عَددهمْ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كَانُوا ثَمَانِينَ نَفرا.
وَعَن بَعضهم: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسبعين نَفرا.
وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانُوا سَبْعَة نفر: ثَلَاثَة بَنِينَ لنوح وهم: سَام، وَحَام، وَيَافث وَثَلَاث كنائنهم - يَعْنِي: نِسَاؤُهُم -، ونوح.
وَقَالَ قَتَادَة: كَانُوا ثَمَانِيَة نَفرا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله مجريها ومرسيها﴾ بِفَتْح الميمين، وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء العطاردي: " مجريها ومرسيها " بِالرَّفْع.
أما معنى قَوْله: ﴿مجريها ومرسيها﴾ يَعْنِي: بِسم الله إجراؤها وإرساؤها، وَمعنى مجريها ومرسيها بِالنّصب يَعْنِي: بِسم الله جريها ورسوها.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ إِذا قَالَ نوح: بِسم الله وَأَرَادَ الجري جرت، وَإِذا قَالَ: بِسم الله وَأَرَادَ الرسو رست.
وَأما مُدَّة لبث نوح فِي السَّفِينَة: قَالُوا: اسْتَقَلت السَّفِينَة على وَجه المَاء لعشر خلون من رَجَب، وَجَرت مائَة وَخمسين يَوْمًا، وأرست لعشر خلون من ذِي الْحجَّة، وهبطوا
﴿مجريها وَمرْسَاهَا إِن رَبِّي لغَفُور رَحِيم (41) وَهِي تجْرِي بهم فِي موج كالجبال ونادى نوح ابْنه وَكَانَ فِي معزل يَا بني اركب مَعنا وَلَا تكن مَعَ الْكَافرين (42) قَالَ سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء قَالَ لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم وَحَال بَينهمَا الموج﴾ يَوْم عَاشُورَاء إِلَى الأَرْض، فصَام ذَلِك الْيَوْم وَأمر الْقَوْم بصومه.
وَفِي الْقَصَص: أَن السَّفِينَة طافت جَمِيع الدُّنْيَا، وَحين وصلت إِلَى الْكَعْبَة طافت بهَا أسبوعا، وَكَانَت الْكَعْبَة قد رفعت وَبَقِي الْموضع.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي لغَفُور رَحِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهِي تجْرِي بهم فِي موج كالجبال﴾ معنى الموج: قِطْعَة من الْبَحْر ترْتَفع عِنْد شدَّة الرّيح.
وَقَوله: ﴿ونادى نوح ابْنه وَكَانَ فِي معزل﴾ قيل: فِي معزل من السَّفِينَة، وَقيل: فِي معزل من قومه.
وَقَوله: ﴿يَا بني اركب مَعنا﴾ قرىء بقراءتين: " يَا بني " و " يابني "، ومعناهما وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَلَا تكن مَعَ الْكَافرين﴾ أَي: من الْكَافرين، مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَاخْتلفُوا فِي أَنه هَل كَانَ ابْنه من صلبه أَولا؟
فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - وَعِكْرِمَة، وَسَعِيد بن جُبَير، وَالضَّحَّاك، وَجَمَاعَة أَنهم قَالُوا: كَانَ ابْنه من صلبه.
قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: مَا بَغت امْرَأَة نَبِي قطّ.
وَكَانَ عِكْرِمَة بِحلف أَنه كَانَ ابْن نوح لصلبه.
وَأما الْحسن وَمُجاهد: فَإِنَّهُمَا قَالَا: كَانَ ابْن امْرَأَته، وَلم يكن ابْنه، واستدلا بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ ، قَالَا: كَانَ يظنّ أَنه ابْنه وَلم يكن ابْنه.
وَالْأول هُوَ الْأَصَح.
وَقيل: إِن اسْمه كَانَ كنعان.
وَقيل: إِن اسْمه كَانَ " يام ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء﴾ يَعْنِي: ألتجىء إِلَى الْجَبَل يَمْنعنِي من الْغَرق.
ف ﴿قَالَ﴾ لَهُ نوح: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم﴾
﴿فَكَانَ من المغرقين (43) وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي وغيض المَاء وَقضي الْأَمر واستوت على الجودي وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين (44) ونادى نوح ربه فَقَالَ رب﴾ فَفِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن العاصم بِمَعْنى الْمَعْصُوم، وَمَعْنَاهُ: لَا مَعْصُوم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من رحم﴾ هُوَ الله تَعَالَى.
وَقَوله ﴿وَحَال بَينهمَا الموج فَكَانَ من المغرقين﴾ أَي: صَار من المغرقين.
وَفِي الْقِصَّة: أَن المَاء علا على رُءُوس الْجبَال بِقدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا.
وَقيل: دونه، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك﴾ مَعْنَاهُ: اشربي ماءك، وَيُقَال: ابلعي أَي: غيبي ماءك فِي جوفك.
وَقَوله: ﴿وَيَا سَمَاء أقلعي﴾ أَي: أمسكي.
وَقَوله: ﴿وغيض المَاء وَقضى الْأَمر﴾ مَعْنَاهُ: وَنقص المَاء ونضب.
وَقَوله: ﴿وَقضي الْأَمر﴾ أَي: فرغ من الْأَمر، وَهُوَ هَلَاك الْقَوْم.
وَقَوله: ﴿واستوت على الجودى﴾ مَعْنَاهُ: واستقرت على الجودى، قيل: إِنَّه جبل بِنَاحِيَة آمد.
وَقَالَ الْفراء: جبل بِنَاحِيَة نَصِيبين.
وَقَوله: ﴿وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: هَلَاكًا للْقَوْم الظَّالِمين.
وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ -: " وغيض المَاء واستوت على الجودي وَقضي الْأَمر ".
وَرُوِيَ أَن نوحًا - صلوَات الله عَلَيْهِ - بعث بالغراب ليَأْتِيه بِخَبَر الأَرْض، فَوَقع على جيفة وَلم يرجع، فَبعث بالحمامة فَجَاءَت بورق زيتونة فِي منقارها ولطخت رِجْلَيْهَا بالطين؛ ليعلم نوح أَن المَاء قد نضب، فَأعْطيت الطوق [وخضاب] الرجلَيْن من ذَلِك الْوَقْت.
وَهَذِه الْآيَة تعد من فصيحات الْقُرْآن، وَحكي أَنَّهَا قُرِئت عِنْد أَعْرَابِي فَقَالَ: هَذَا
﴿إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق وَأَنت أحكم الْحَاكِمين (45) قَالَ يَا نوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِنِّي أعظك أَن تكون من﴾ كَلَام قَادر.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ونادى نوح ربه فَقَالَ رب إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق وَأَنت أحكم الْحَاكِمين﴾ يَعْنِي: أَنْت وَعَدتنِي أَن تنجي أَهلِي وَأَنت أحكم الْحَاكِمين يَعْنِي: وَأَنت أحكم الْحَاكِمين بِالْعَدْلِ.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا نوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ من أهلك الَّذين وعدتك أَن أنجيهم.
وعَلى قَول الْحسن، وَمُجاهد يَعْنِي: لَيْسَ بابنك.
وَقَوله: ﴿إِنَّه عمل غير صَالح﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّه ذُو عمل غير صَالح.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن سؤالك إيَّايَ إنجاءه؛ عمل غير صَالح.
وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ - " إِنَّه عمل غير صَالح ".
﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَهَذَا يُؤَيّد الْمَعْنى الثَّانِي.
وقرىء: " إِنَّه عمل غير صَالح " وَمَعْنَاهُ: إِن ابْنك عمل غير صَالح.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن نوحًا كَانَ يظنّ أَنه مُسلم وَهُوَ يبطن الْكفْر من أَبِيه، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿لَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ بِابْن لَك على مَا ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين﴾ مَعْنَاهُ: إِنِّي أحذرك أَن تكون من الآثمين، وذنب الْمُؤمن جهل، وذنب الْكَافِر كفر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين﴾ - يَعْنِي: أَن تَدْعُو بِهَلَاك الْكفَّار ثمَّ تطلب نجاة كَافِر.
﴿الْجَاهِلين (46) قَالَ رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك مَا لَيْسَ لي بِهِ علم وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يَا نوح اهبط بِسَلام منا وبركات عَلَيْك وعَلى أُمَم مِمَّن مَعَك وأمم سنمتعهم ثمَّ يمسهم منا عَذَاب أَلِيم (48) تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك مَا كنت تعلمهَا أَنْت وَلَا قَوْمك من قبل هَذَا فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين (49) وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هودا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ﴾ أَي: قَالَ نوح: ﴿رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك﴾
غير أَنِّي أمتنع بك أَن أَسأَلك ﴿مَا لَيْسَ لي بِهِ علم﴾ وَمَعْنَاهُ: سُؤال الْعِصْمَة.
وَقَوله: ﴿وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قيل يَا نوح اهبط بِسَلام منا﴾ مَعْنَاهُ: انْزِلْ بسلامة لَك من قبلنَا.
وَقَوله: ﴿وبركات عَلَيْك﴾ الْبركَة: ثُبُوت الْخَيْر، وَمِنْه بروك الْبَعِير.
وَقيل: إِن الْبركَة هَاهُنَا هُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعله آدم الْأَصْغَر، فَأهْلك سَائِر من مَعَه من غير نسل، وَجعل النَّسْل من ذُريَّته إِلَى قيام السَّاعَة.
وَقَوله: ﴿وعَلى أُمَم مِمَّن مَعَك﴾ مَعْنَاهُ: على ذُرِّيَّة أُمَم مِمَّن مَعَك.
قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: دخل فِيهِ كل مُؤمن إِلَى قيام السَّاعَة كَانَ فِي صلب نوح.
وَقَوله ﴿وأمم سنمتعهم﴾ ابْتِدَاء كَلَام، وَمَعْنَاهُ: وأمم سنمتعهم وهم الْكفَّار.
وَقَوله ﴿ثمَّ يمسهم منا عَذَاب أَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ من أنباء الْغَيْب نوحيها إِلَيْك﴾ أَي: نلقيها إِلَيْك.
قَوْله: ﴿مَا كنت تعلمهَا أَنْت وَلَا قَوْمك من قبل هَذَا﴾ يَعْنِي: من قبل انزال الْقُرْآن.
قَوْله: ﴿فاصبر إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هودا﴾ عَاد قوم كَانُوا بالأحقاف، وَهِي رمال بَين الْيمن وَالشَّام.
وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا بِنَفس الْيمن، وَكَانُوا أعْطوا زِيَادَة فِي الْجِسْم وَالْقُوَّة على سَائِر الْخلق.
وَقَوله: ﴿أَخَاهُم﴾ يَعْنِي: أَخَاهُم فِي النّسَب لَا فِي الدّين، وَمعنى الْآيَة: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُم وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُم هودا.
﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره إِن أَنْتُم إِلَّا مفترون (50) يَا قوم لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِن أجري إِلَّا على الَّذِي فطرني أَفلا تعقلون (51) وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين (52) قَالُوا يَا هود مَا جئتنا بِبَيِّنَة وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك وَمَا نَحن لَك بمؤمنين﴾
قَوْله: ﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله.
قَوْله: ﴿مالكم من إِلَه غَيره إِن أَنْتُم إِلَّا مفترون﴾ والافتراء: الْكَذِب، وَكَانَ كذبهمْ على الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا قوم لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا﴾ أَي: ثَوابًا، يَعْنِي: لَا أَسأَلكُم على الإبلاغ أجرا.
وَقَوله: ﴿إِن أجري إِلَّا على الَّذِي فطرني﴾ مَعْنَاهُ: إِن ثوابي إِلَّا على الَّذِي فطرني، أَي: خلقني ﴿أَفلا تعقلون﴾ ظَاهر [الْمَعْنى] .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قدم الاستغفارعلى التَّوْبَة لما بَينا من الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ مَعْنَاهُ: يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا بالمطر مرّة بعد أُخْرَى فِي أَوْقَات الْحَاجة، والمدرار على طَرِيق الْمُبَالغَة، يُقَال: امْرَأَة معطار مذكار.
وَقَوله: ﴿ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى حبس عَنْهُم الْمَطَر ثَلَاث سِنِين، وأعقم أَرْحَام الْأُمَّهَات فَلم يلدن، فَمَعْنَى قَوْله: ﴿يزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم﴾ يَعْنِي: يُرْسل عَلَيْكُم الْمَطَر فتزدادون مَالا، ونعيد أَرْحَام الْأُمَّهَات إِلَى مَا كَانَ فيلدن فتزدادون قُوَّة بالأموال وَالْأَوْلَاد.
وَقيل: " ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم " أَي: شدَّة إِلَى شدتكم.
وَقيل: يزدكم قُوَّة فِي دينكُمْ إِلَى قوتكم فِي أبدانكم.
وَقَوله: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين﴾ أَي: وَلَا تعرضوا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا هود مَا جئتنا بِبَيِّنَة﴾ أَي: بِحجَّة وَاضِحَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك﴾ أَي: بِسَبَب قَوْلك: ﴿وَمَا نَحن لَك بمؤمنين﴾ أَي: بمصدقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن نقُول إِلَّا اعتراك﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا أَصَابَك، قَالَ الشَّاعِر: (أَتَيْتُك عَارِيا خلقا ثِيَابِي ... على خوف تظن بِي الظنونا)
( ﴿53) إِن نقُول إِلَّا اعتراك بعض آلِهَتنَا بِسوء قَالَ إِنِّي أشهد الله واشهدوا أَنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون (54) من دونه فكيدوني جَمِيعًا ثمَّ لَا تنْظرُون (55) إِنِّي توكلت على الله رَبِّي وربكم مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم (56) فَإِن﴾
والعاري هَاهُنَا هُوَ السَّائِل؛ سمي عَارِيا لِأَنَّهُ يطْلب الْإِصَابَة.
وَقَوله: ﴿بعض آلِهَتنَا بِسوء﴾ أَي: بلمم وخبل، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّك سببت آلِهَتنَا فانتقموا مِنْك بالتخبيل واللمم.
وَقَوله: ﴿قَالَ إِنِّي أشهد الله واشهدوا أَنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون من دونه﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ للْمُشْرِكين: ﴿واشهدوا﴾ وَلَا شَهَادَة لَهُم؟ قُلْنَا: هَذَا مَذْكُور على طَرِيق الْمُبَالغَة فِي الْحجَّة، لَا على طَرِيق إِثْبَات الشَّهَادَة لَهُم.
وَقَوله: ﴿فكيدوني جَمِيعًا ثمَّ لَا تنْظرُون﴾ الكيد: احتيال بشر.
وَهَذَا القَوْل معْجزَة لهود صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَمرهم أَن يحتالوا بِكُل حِيلَة لإيصال مَكْرُوه إِلَيْهِ، ومنعهم الله تَعَالَى عَن ذَلِك فَلم يقدروا عَلَيْهِ، وَهَذَا مثل قَول نوح فِي سُورَة يُونُس: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة ثمَّ اقضوا إِلَيّ وَلَا تنْظرُون﴾ وَقد بَينا تَفْسِيره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي توكلت على الله رَبِّي وربكم﴾ مَعْنَاهُ: اعتمدت على الله رَبِّي وربكم.
وَقَوله: ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ مَعْنَاهُ: مَا من دَابَّة إِلَّا وَهِي فِي قَبضته وتنالها قدرته، وَخص الناصية بِالذكر؛ لِأَن الإذلال والإقماء فِي أَخذ الناصية.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فِيهِ أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ: إِن رَبِّي يعْمل بِالْعَدْلِ، وَإِن كَانَ قَادِرًا على كل شَيْء، فَلَا يعْمل إِلَّا بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل.
وَالثَّانِي: ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ مَعْنَاهُ: إِن دين رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم.
وَالثَّالِث: قَوْله ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ يَعْنِي: إِنَّه على طَرِيق الْخلق أجمع.
﴿توَلّوا فقد أبلغتكم مَا أرْسلت بِهِ إِلَيْكُم ويستخلف رَبِّي قوما غَيْركُمْ وَلَا تضرونه شَيْئا إِن رَبِّي على كل شَيْء حفيظ (57) وَلما جَاءَ أمرنَا نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا ونجيناهم من عَذَاب غليظ (58) وَتلك عَاد جَحَدُوا بآيَات رَبهم وعصوا رسله وَاتبعُوا أَمر كل جَبَّار عنيد (59) وأتبعوا فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة أَلا إِن عادا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا فقد أبلغتكم مَا أرْسلت بِهِ إِلَيْكُم﴾ مَعْنَاهُ: فَإِن أَعرضُوا فقد أبلغتكم مَا أرْسلت بِهِ إِلَيْكُم.
وَقَوله: ﴿ويستخلف رَبِّي قوما غَيْركُمْ﴾ مَعْنَاهُ: إِن أعرضتم يهلككم ويستخلف قوما غَيْركُمْ هم أطوع لله مِنْكُم.
وَقَوله ﴿وَلَا تضرونه شَيْئا﴾ يَعْنِي: وَلَا تنقصونه شَيْئا.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي على كل شَيْء حفيظ﴾ أَي: حَافظ لأمور خلقه على مَا دبر وَقدر.
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما جَاءَ أمرنَا نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه﴾ الْآيَة.
قَوْله: ﴿أمرنَا﴾ أَي: عذابنا، ﴿نجينا هودا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا﴾ أَي: بِمَا هديناهم وبيناهم طَرِيق الْهدى حَتَّى آمنُوا.
وَقَوله: ﴿ونجيناهم من عَذَاب غليظ﴾ الْعَذَاب الغليظ: هُوَ الْعَذَاب الَّذِي أهلك بِهِ عادا وَقَومه وَهُوَ الرّيح الْعَقِيم، فَكَانَت الرّيح تدخل فِي مناخرهم وأفواههم، وَتخرج من أدبارهم فتقطعهم تقطيعا أَي: قِطْعَة قِطْعَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَتلك عَاد جَحَدُوا بآيَات رَبهم﴾ مَعْنَاهُ: أَنْكَرُوا آيَات رَبهم.
وَقَوله: ﴿وعصوا رسله﴾ أَي: بالتكذيب.
وَقَوله: ﴿وَاتبعُوا أَمر كل جَبَّار عنيد﴾ قيل: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل على الْغَضَب، والعنيد هم هُوَ المعاند.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِنِّي لشيخ لَا أُطِيق العندا ... وَلَا أُطِيق البكرات الشردا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأتبعوا فِي هَذِه الدُّنْيَا لَعنه﴾ اللَّعْنَة: هِيَ الإبعاد عَن الرَّحْمَة.
قَالَ أهل الْعلم: وَلَا يجوز لعن الْبَهَائِم؛ لِأَنَّهَا غير مُسْتَحقَّة للبعد من رَحْمَة الله.
وَقد ثَبت " أَن رجلا لعن بعيره فِي سَفَره فَأمره النَّبِي أَن ينزل عَنهُ ويخليه وَقَالَ: لَا يصحبنا مَلْعُون ". وَهَذَا على طَرِيق الزّجر والردع للاعن.
وَقَوله: {وَيَوْم الْقِيَامَة أَلا إِن عادا
﴿كفرُوا رَبهم أَلا بعدا لعاد قوم هود (60) وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره هُوَ أنشأكم من الأَرْض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه ثمَّ تُوبُوا﴾ كفرُوا رَبهم) أَي: كفرُوا برَبهمْ.
وَقَوله: ﴿أَلا بعدا لعاد قوم هود﴾ مَعْنَاهُ: أَلا سحقا وخزيا وهلاكا لعاد قوم هود.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا﴾ مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا، وَقَوله: ﴿أَخَاهُم﴾ على مَا قدمنَا، وَثَمُود قوم كَانُوا بِحجر بَين الْحجاز وَالشَّام.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله ﴿مالكم من إِلَه غَيره﴾ أَي: مالكم من معبود غَيره.
وَقَوله: ﴿هُوَ أنشأكم من الأَرْض﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا أنشأكم فِي الأَرْض، وَالْآخر وَهُوَ: أَنه أنشأكم من الأَرْض؛ لِأَنَّهُ خلقهمْ من آدم، وَخلق آدم من الأَرْض.
وَقَوله ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ ] فِيهِ [قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَطَالَ عمركم فِيهَا وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يعِيش من ثلثمِائة سنه إِلَى ألف سنة، وَهَكَذَا قوم عَاد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: جعلكُمْ عمارا فِيهَا، بِبِنَاء المساكن وغرس الْأَشْجَار.
ذكره الْفراء والزجاج.
وَقَوله: ﴿فاستغفروه ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
وَقَوله: {إِن رَبِّي قريب
﴿إِلَيْهِ إِن رَبِّي قريب مُجيب (61) قَالُوا يَا صَالح قد كنت فِينَا مرجوا قبل هَذَا أتنهانا أَن نعْبد مَا يعبد آبَاؤُنَا وإننا لفي شكّ مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ مريب (62) قَالَ يَا قوم أَرَأَيْتُم إِن كنت على بَيِّنَة من رَبِّي وآتاني مِنْهُ رَحْمَة فَمن ينصرني من الله إِن عصيته فَمَا تزيدونني غير تخسير (63) وَيَا قوم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة فذروها تَأْكُل فِي أَرض الله وَلَا﴾ مُجيب) قريب من الْمُؤمنِينَ، مُجيب لدعائهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا صَالح قد كنت فِينَا مرجوا قبل هَذَا﴾ أَي: قد كُنَّا نرجوا فِيك الْخَيْر، والآن قد يئسنا من خيرك وفلاحك.
وَقَوله: ﴿أتنهانا أَن نعْبد مَا يعبد آبَاؤُنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وإننا لفي شكّ﴾ لفي ريب ﴿مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ مريب﴾ أَي: مرتاب.
وَهَذَا على طَرِيق التَّأْكِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قوم أَرَأَيْتُم إِن كنت على بَيِّنَة من رَبِّي﴾ أَي: على حجَّة من رَبِّي.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وآتاني مِنْهُ رَحْمَة﴾ الرَّحْمَة هَاهُنَا: بِمَعْنى النُّبُوَّة.
وَقَوله: ﴿فَمن ينصرني من الله إِن عصيته﴾ أَي: فَمن يمْنَع مني عَذَاب الله إِن عصيته.
وَقَوله: ﴿فَمَا تزيدونني غير تخسير﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: إِن اتبعتكم مَا كنت إِلَّا كمن يزْدَاد خسارا وهلاكا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: فَمَا تزيدونني غير تخسير لكم، وَحَقِيقَته: أَنِّي أطلب مِنْكُم الرشد، وَأَنْتُم تعطونني الخسار والهلاك، يَعْنِي: لأنفسكم.
هَذَا كُله جَوَاب عَن سُؤال من سَأَلَ فِي هَذِه الْآيَة: كَيفَ قَالَ ﴿فَمَا تزيدونني غير تخسير﴾ وَلم يَك صَالح فِي خسار؟
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة﴾ روى أَن قومه طلبُوا مِنْهُ أَن يخرج نَاقَة عشراء من هَذِه الصَّخْرَة الصماء، وأشاروا إِلَى صَخْرَة أمامهم، قَالَ: فَدَعَا صَالح ربه فتمخضت الصَّخْرَة وَسمع لَهَا أَنِين كأنين النَّاقة، ثمَّ خرجت مِنْهَا نَاقَة كأعظم مَا
﴿تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب قريب (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تمَتَّعُوا فِي داركم ثَلَاثَة أَيَّام ذَلِك وعد غير مَكْذُوب (65) فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا نجينا صَالحا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا وَمن خزي يَوْمئِذٍ إِن رَبك هُوَ الْقوي الْعَزِيز (66) وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ يكون من النوق، وَولدت فِي الْحَال ولدا مثالها، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة﴾ .
وَقَوله: ﴿فذروها تَأْكُل فِي أَرض الله﴾ أَي: فدعوها تَأْكُل فِي أَرض الله.
وَقَوله: ﴿وَلَا تمسوها بِسوء﴾ أَي: بإهلاك.
وَقَوله ﴿فيأخذكم عَذَاب قريب﴾ مَعْنَاهُ: قريب من إهلاك النَّاقة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ الْعقر هَا هُنَا: جِرَاحَة تُؤدِّي إِلَى الْهَلَاك.
وَقَوله ﴿فَقَالَ تمَتَّعُوا فِي داركم﴾ مَعْنَاهُ: عيشوا فِي داركم، وَالدَّار بِمَعْنى الديار.
وَقَوله: ﴿ثَلَاثَة أَيَّام ذَلِك وعد غير مَكْذُوب﴾ فَروِيَ أَنه قَالَ لَهُم: يأتيكم الْعَذَاب بعد ثَلَاثَة أَيَّام، فتصبحون الْيَوْم الأول ووجوهكم مصفرة، ثمَّ تُصبحُونَ الْيَوْم الثَّانِي ووجوهكم محمرة، ثمَّ تُصبحُونَ الْيَوْم الثَّالِث ووجوهكم مسودة؛ فَكَانَ كَمَا قَالَ، وأتاهم الْعَذَاب الْيَوْم الرَّابِع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا نجينا صَالحا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا﴾ فِي بعض التفاسير: أَنه آمن مَعَه أَرْبَعَة آلَاف نفر.
وَقَوله: ﴿وَمن خزي يَوْمئِذٍ﴾ مَعْنَاهُ: وَمن هَلَاك يَوْمئِذٍ.
وَقَوله: ﴿إِن رَبك هُوَ الْقوي الْعَزِيز﴾ قد بَينا معنى الْقوي والعزيز من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ الْمَعْرُوف انه صَاح بهم جِبْرِيل صَيْحَة وَاحِدَة فهلكوا عَن آخِرهم، وَقَالَ بَعضهم: خلق الله تَعَالَى صياحا فِي جَوف بعض الْحَيَوَانَات فأهلكهم، فَإِن قيل: الصَّيْحَة مُؤَنّثَة، وَقد قَالَ: ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الصَّيْحَة هَا هُنَا بِمَعْنى الصياح، وَهُوَ جَائِز فِي اللُّغَة.
﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين (67) كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَلا إِن ثَمُود كفرُوا رَبهم إِلَّا بعدا لثمود (68) وَلَقَد جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى قَالُوا سَلاما قَالَ سَلام فَمَا لبث أَن﴾
وَقَوله: ﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ أَي: ميتين.
وَيُقَال: إِنَّهُم سقطوا على وُجُوههم موتى عَن آخِرهم، وَمِنْه جثم الطَّائِر.
وَمِنْه الْخَبَر الْمَرْوِيّ: " نهى عَن الْمُجثمَة ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَأَن لم يغنوا فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: كَأَن لم يقيموا فِيهَا منعمين مسرورين.
وَقَوله: ﴿أَلا إِن ثمودا كفرُوا رَبهم﴾ أَي: برَبهمْ.
وَقَوله: ﴿أَلا بعدا لثمود﴾ مَعْنَاهُ كَمَا قدمنَا من قبل.