يس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نحيي الْمَوْتَى﴾ أَي: فِي الْآخِرَة، وَيُقَال: يحيي الْقُلُوب الْميتَة بِنور الْإِيمَان، وَقَوله: ﴿ونكتب مَا قدمُوا﴾ أَي: مَا عجلوا.
وَقَوله: ﴿وآثارهم﴾ أَي: ونكتب آثَارهم، وَفِي آثَارهم قَولَانِ:
﴿نحيي الْمَوْتَى ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين (12) وَاضْرِبْ لَهُم مثلا أَصْحَاب الْقرْيَة إِذْ جاءها المُرْسَلُونَ (13) إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ﴾ أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهَا مَا سنوا من سنة حَسَنَة أَو سَيِّئَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وآثارهم﴾ أَي: الخطا إِلَى الْمَسَاجِد، وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن بني سَلمَة كَانَت مَنَازِلهمْ فِي نَاحيَة من الْمَسْجِد أَي: بعيدَة؛ فأرادوا أَن يَنْتَقِلُوا إِلَى قرب الْمَسْجِد، وَقَالَ لَهُم النَّبِي: مَنَازِلكُمْ، مَنَازِلكُمْ، تكْتب آثَاركُم، فتركوا الِانْتِقَال ".
وَقد ورد فِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا ينقص من أُجُورهم شَيْء، وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَلهُ وزرها ووزر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لَا ينقص من أوزارهم شَيْء ".
وَقَوله: ﴿وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين﴾ أَي: جمعناه فِي كتاب مُبين، وَالْإِمَام الْمُبين هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مثلا﴾ ضرب الْمثل هُوَ تَمْثِيل الْمثل، وَمعنى الْآيَة: وَاذْكُر لَهُم مثل حَالهم من قصَّة أَصْحَاب الْقرْيَة.
وَأما الْقرْيَة: فَأكْثر أهل التَّفْسِير أَن الْقرْيَة هِيَ أنطاكية، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ بلد من بِلَاد الرّوم، وَقَوله: ﴿إِذْ جاءها المُرْسَلُونَ﴾ فِي الْقِصَّة: أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بعث إِلَيْهِم برجلَيْن من الحواريين، ثمَّ بعث بثالث بعدهمَا، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى:
(فكذبوهما فعززنا بثالث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مرسلون (14) قَالُوا مَا أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا وَمَا أنزل الرَّحْمَن من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا تكذبون (15) قَالُوا رَبنَا يعلم إِنَّا إِلَيْكُم لمرسلون (16) وَمَا علينا إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين (17) قَالُوا إِنَّا تطيرنا بكم لَئِن لم تنتهوا لنرجمنكم)
﴿إِذا أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ وَالثَّالِث كَانَ اسْمه شَمْعُون رَأس الحواريين، وَقَوله: ﴿عززنا﴾ أَي: شددنا وقوينا، وَقَرَأَ عَاصِم وَحده: " فعززنا " بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ فِي معنى الأول.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الْقَوْم كذبُوا الرسولين الْأَوَّلين وهموا بِقَتْلِهِمَا، فجَاء هَذَا الثَّالِث وتلطف الدُّخُول على الْملك، وَكَانَت قد توفيت ابْنَته ودفنت، فَقَالَ للْملك: اطلب من [هذَيْن] الرجلَيْن أَن يحييا ابْنَتك، فَإِن أحيياها فهما [صادقان] فَطلب مِنْهُمَا الْملك ذَلِك؛ فقاما وصليا [ودعيا] الله تَعَالَى، ودعا شَمْعُون مَعَهُمَا فِي السِّرّ، فأحيا الله تَعَالَى الْمَرْأَة، وَانْشَقَّ الْقرب عَنْهَا وَخرجت، وَقَالَت للْقَوْم: أَسْلمُوا، فَإِنَّهُمَا صادقان، وَلَا أظنكم تسلمون، ثمَّ طلبت من الرسولين أَن يرادها إِلَى مَكَانهَا، فذريا تُرَابا على رَأسهَا، وعادت إِلَى قبرها كَمَا كَانَت، وَلم يُؤمن الْقَوْم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا وَمَا أنزل الرَّحْمَن من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا تكذبون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبنَا يعلم إِنَّا إِلَيْكُم لمرسلون﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يكون علم الله تَعَالَى أَنهم رسل الله حجَّة عَلَيْهِم؟ الْجَواب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ: رَبنَا يعلم إِنَّا إِلَيْكُم لمرسلون بِمَا أظهر على أَيْدِينَا من الْآيَات والمعجزات؛ فَصَارَت الْحجَّة قَائِمَة بِالْآيَاتِ والمعجزات، لَا بِنَفس الْعلم.
وَقَوله: ﴿وَمَا علينا إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ أَي: الإبلاغ الْبَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا تطيرنا بكم﴾ أَي: تشاءمنا بكم، وَفِي التَّفْسِير: أَنه كَانَ
﴿وليمسنكم منا عَذَاب أَلِيم (18) قَالُوا طائركم مَعكُمْ أئن ذكرْتُمْ بل أَنْتُم قوم مسرفون (19) وَجَاء من أقصا الْمَدِينَة رجل يسْعَى قَالَ يَا قوم اتبعُوا الْمُرْسلين (20) اتبعُوا من﴾ حبس عَنْهُم الْمَطَر حِين جَاءَهُم هَؤُلَاءِ الرُّسُل.
وَاخْتلف القَوْل فِي أَنهم كَانُوا رسل الله أَو رسل عِيسَى، فأحد الْقَوْلَيْنِ: انهم كَانُوا رسل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا بَينا، وَالْقَوْل الآخر: أَنهم كَانُوا رسل الله.
قَوْله: ﴿لَئِن لم تنتهوا لنرجمنكم﴾ أَي: [لنقتلنكم] بِالْحِجَارَةِ، وَقيل: نشتمنكم، وَالْأول أولى.
وَقَوله: ﴿وليمسنكم منا عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم، والمؤلم هُوَ الموجع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا طائركم مَعكُمْ﴾ أَي: شؤمكم مَعكُمْ بكفركم وتكذيبكم الرُّسُل.
وَقيل: طائركم مَعكُمْ أَي: أقداركم وَأَعْمَالكُمْ تَابِعَة إيَّاكُمْ، تَقول الْعَرَب: طَار بِمَعْنى صَار قَالَ الشَّاعِر:
(تطير غدائر الْإِشْرَاك شفعا ... ووترا والزعامة للغلام)
وَقيل: طائركم مَعكُمْ أَي: مَا طَار لكم من عمل خير أَو شَرّ فَهُوَ مَعكُمْ ولازم إيَّاكُمْ.
وَقَوله: ﴿أئن ذكرْتُمْ﴾ مَعْنَاهُ: أئن ذكرْتُمْ بِاللَّه تطيرتم، وَقُرِئَ " أَن ذكرْتُمْ " أَي: لِأَن ذكرْتُمْ تطيرتم.
وَقَوله: ﴿بل أَنْتُم قوم مسرفون﴾ أَي: مجاوزون الْحَد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء من أقْصَى الْمَدِينَة رجل يسْعَى﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين أَنه كَانَ رجل يُسمى حبيب النجار، وَقَالَ السّديّ: كَانَ قصارا.
وَعَن بَعضهم: أَنه كَانَ إسكافا قَالَ قَتَادَة: كَانَ رجلا يعبد الله فِي غَار؛ فَسمع بِخَبَر الرُّسُل فَجَاءَهُمْ، وَقَالَ: أتطلبون جعلا على رسالتكم؛ قَالُوا: لَا؛ فَأقبل على قومه، وَقَالَ لَهُم مَا قَالَ الله، وَهُوَ قَوْله: ﴿يَا قوم اتبعُوا الْمُرْسلين﴾ وَالْمَدينَة: هِيَ الْقرْيَة الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَهِي الأنطاكية.
وَقَوله: ﴿اتبعُوا من لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَعَن بَعضهم أَنه قَالَ: مسكن الْأَشْرَاف الْأَطْرَاف، وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة، وَهُوَ قَوْله:
﴿لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وَمَا لي لَا أعبد الَّذِي فطرني وَإِلَيْهِ ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلِهَة إِن يردن الرَّحْمَن بضر لَا تغن عني شفاعتهم شَيْئا وَلَا ينقذون (23) إِنِّي إِذا لفي ضلال مُبين (24) إِنِّي آمَنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الْجنَّة قَالَ يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ (26) بِمَا غفر لي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين (27) ﴾ ﴿وَجَاء من أقْصَى الْمَدِينَة رجل يسْعَى﴾ أَي: من أبعد مَوضِع بِالْمَدِينَةِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا لي لَا أعبد الَّذِي فطرني﴾ مَعْنَاهُ: وَلم لَا أعبد الَّذِي فطرني ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ . فَإِن قيل: كَيفَ أضَاف الْفطْرَة إِلَى نَفسه وَالرُّجُوع إِلَيْهِم؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه أضَاف الْفطْرَة إِلَى نَفسه؛ لِأَن النِّعْمَة كَانَت عَلَيْهِ أظهر، وأضاف الرُّجُوع إِلَيْهِم؛ لِأَن الزّجر كَانَ بهم أَحَق، وَفِي ذكر الرُّجُوع معنى الزّجر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أأتخذ من دونه آلِهَة﴾ اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار أَي: لَا أَتَّخِذ، وَقَوله: ﴿إِن يردن الرَّحْمَن بضر﴾ أَي: بِسوء ومكروه، وَقَوله: ﴿لَا تغن عني شفاعتهم شَيْئا﴾ أَي: لَا تغني عني الْأَصْنَام شَيْئا؛ لِأَنَّهُ لَا شَفَاعَة لَهُنَّ، وَقد كَانُوا يَزْعمُونَ الْكفَّار أَنَّهَا تشفع لَهُم يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وَلَا ينقذون﴾ أَي: لَا ينقذونني من الْعَذَاب لَو عذبني الله.
قَوْله: ﴿إِنِّي إِذا لفي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي خطأ ظَاهر لَو فعلت هَذَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي آمَنت بربكم فاسمعون﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مجازه فَاسْمَعُوا مني،
قَوْله: ﴿قيل ادخل الْجنَّة﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه لما قَالَ هَذَا القَوْل وثب الْقَوْم عَلَيْهِ وثبة وَاحِدَة فوطئوه بأرجلهم حَتَّى قَتَلُوهُ، وَحكى هَذَا عَن ابْن مَسْعُود، وَيُقَال: وطئوه حَتَّى خرج قصبه من دبره؛ فَأدْخلهُ الله الْجنَّة، فَهُوَ ثمَّ حَيّ يرْزق، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿قيل ادخل الْجنَّة﴾ . وَقَوله: ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي﴾ أَي: بمغفرة رَبِّي لي، قَالَ قَتَادَة:
﴿وَمَا أنزلنَا على قومه من بعده من جند من السَّمَاء وَمَا كُنَّا منزلين (28) إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون (29) يَا حسرة على الْعباد مَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا﴾ نصحهمْ حَيا وَمَيتًا، وَقَوله: ﴿وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين﴾ أَي: مِمَّن دخل الْجنَّة، وَمن أَدخل الْجنَّة فقد أكْرم، وَمن أَدخل النَّار فقد أهين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنزلنَا على قومه من بعده من جند من السَّمَاء﴾ أَي: من مَلَائِكَة، وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا منزلين﴾ أَي: وَمَا كُنَّا لنفعل هَذَا، بل الْأَمر فِي هلاكهم كَانَ أيسر مِمَّا تظنون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ أَي: مَا كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة.
وَفِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَ ووقف على بَاب الْمَدِينَة وَصَاح بهم صَيْحَة فَخَروا ميتين كَأَن لم يَكُونُوا، وصاروا كرماد خامدين هامدين.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ لما أسلم اسْتَأْذن من رَسُول الله أَن يذهب لى قومه وهم ثَقِيف ويدعوهم إِلَى الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُول الله: " إِنِّي أخْشَى أَن يَقْتُلُوك، فَقَالَ: لَو كنت نَائِما مَا أيقظوني، ثمَّ إِنَّه ذهب إِلَيْهِم ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام، فَرَمَاهُ رجل بِسَهْم فَأصَاب أكحله وَمَات، فَبلغ النَّبِي فَقَالَ: هُوَ فِي هَذِه الْأمة مثل صَاحب يس، وَهُوَ حبيب النجار ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم نِدَاء الْحَسْرَة، وَالْحَسْرَة لَا تعقل شَيْئا؟ وَأَيْضًا كَيفَ يتحسر الله تَعَالَى على الْعباد الَّذين أهلكهم،
﴿كَانُوا بِهِ يستهزءون (30) ألم يرَوا كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ (31) وَإِن كل لما جَمِيع لدينا محضرون (32) وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة أحييناها﴾ وَلَا يجوز عَلَيْهِ هَذِه الصّفة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَول الْقَائِل يَا حسرة مثل قَوْله: يَا عجبا، وَكَذَلِكَ قَوْله: يَا حسرتاه، مثل قَوْله: يَا عجباه، وَالْعرب تَقول هَذَا على طَرِيق الْمُبَالغَة، والنداء عِنْدهم بِمَعْنى التَّنْبِيه، فيستقيم فِيمَن يعقل وفيمن لَا يعقل، وَقَوله: يَا عجباه أبلغ من قَوْلهم: أَنا أتعجب من كَذَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَيهَا الْعجب هَذَا وقتك، وأيها الْحَسْرَة هَذَا زَمَانك، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن هَذَا الزَّمَان زمَان الْحَسْرَة والتعجب.
وَأما قَوْله: إِن الْحَسْرَة على الله لَا تجوز، قُلْنَا: نعم، وَمعنى الْآيَة: يَا حسرة على الْعباد من أنفسهم؛ وَكَأَنَّهُم يتحسرون على أنفسهم غَايَة الْحَسْرَة، وَالْحَسْرَة هِيَ التلهف على أَمر فَائت بأبلغ وجوهه حَتَّى يبْقى الرجل حسيرا مُنْقَطِعًا من شدته، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " يَا حسرة الْعباد " وَجَوَاب آخر: أَنه تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ لأَنهم صَارُوا بِمَنْزِلَة يتحسر عَلَيْهِم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: يَا حسرة الرُّسُل وَالْمَلَائِكَة على الْعباد، وَالْجَوَاب الأول أحسن الْأَجْوِبَة.
وَقَوله: ﴿مَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزءون﴾ أَي: استهزاء التَّكْذِيب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود " ألم يرَوا من أهلكنا "، وَالْمَعْرُوف كم أهلكنا، وَهُوَ للتكثير.
وَقَوله: ﴿قبلهم من الْقُرُون﴾ اخْتلفُوا فِي مُدَّة الْقرن، وَقد بَينا من قبل، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي: أَنه قَالَ لعبد الله بن بسر الْمَازِني: " إِنَّك تعيش قرنا؛ فَعَاشَ مائَة سنة "، وَقَوله: ﴿أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ﴾ أَي: لَا يرجعُونَ إِلَى الدُّنْيَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كل لما﴾ " إِن " هَا هُنَا بِمَعْنى: مَا، و " لما " بِمَعْنى: إِلَّا، فَمَعْنَى الْآيَة: وَمَا كل إِلَّا جَمِيع لدينا محضرون، وَفِي مصحف أبي بن كَعْب على هَذَا الْوَجْه.
﴿وأخرجنا مِنْهَا حبا فَمِنْهُ يَأْكُلُون (33) وَجَعَلنَا فِيهَا جنَّات من نخيل وأعناب وفجرنا فِيهَا من الْعُيُون (34) ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم أَفلا يشكرون (35) سُبْحَانَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة﴾ وَقُرِئَ: " الْميتَة " بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَوله: ﴿أحييناها﴾ أَي: بالمطر.
وَقَوله: ﴿وأخرجنا مِنْهَا حبا﴾ أَي: الْحِنْطَة وَالشعِير وَمَا أشبه هَذَا، وَقَوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُون﴾ أَي: من الْحبّ يَأْكُلُون.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا جنَّات من نخيل وأعناب﴾ أَي: فِي الأَرْض جنَّات من نخيل وأعناب.
وَقَوله: ﴿وفجرنا فِيهَا من الْعُيُون ليأكلوا من ثمره﴾ أَي: وفجرنا فِيهَا الْمِيَاه من الْعُيُون؛ ليأكلوا من الثَّمر الْحَاصِل بِالْمَاءِ.
وَقَوله: ﴿وَمَا عملته أَيْديهم﴾ أَي: وليأكلوا مِمَّا عملته أَيْديهم مِمَّا يحرثون ويزرعون ويغرسون، وَقُرِئَ: " وَمَا عملت أَيْديهم " بِمَعْنى الأول.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن " مَا " للنَّفْي هَا هُنَا، وَمَعْنَاهُ: أَنا رَزَقْنَاهُمْ مِمَّا لم تعمله أَيْديهم.
وَقَوله: ﴿أَفلا يشكرون﴾ يَعْنِي: هَذِه النعم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الله الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا﴾ أى: الْأَصْنَاف كلهَا.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ أَي: سبحوا الله الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا.
وَقَوله: ﴿مِمَّا تنْبت الأَرْض وَمن أنفسهم وَمِمَّا لَا يعلمُونَ﴾ أَي: من النَّبَات، وَالْحَيَوَان الَّذِي لَا يعلمونه.
وَذكر بعض أهل التَّفْسِير: أَن مَا لَا يعلمُونَ هَا هُنَا هُوَ الرّوح، وَالله تَعَالَى خلق الرّوح فِي النَّفس وَلَا يُعلمهُ أحد، وَذكر بَعضهم أَن قَوْله: ﴿وَمَا عملته أَيْديهم﴾ رَاجع إِلَى الْعُيُون، وَمن الْعُيُون والأنهار مَا لم تعلمهَا أَيدي الْخلق مثل: دجلة،
﴿الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا مِمَّا تنْبت الأَرْض وَمن أنفسهم وَمِمَّا لَا يعلمُونَ (36) وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون (37) وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا ذَلِك﴾ والفرات، والنيل، وسيحان، وجيجان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار﴾ أَي: نكشط ونزيل، وَمَعْنَاهُ: نَذْهَب بِالنَّهَارِ، وَنَجِيء بِاللَّيْلِ، فَكَأَنَّهُ استخرج مِنْهُ، وَقَوله: ﴿فَإِذا هم مظلمون﴾ أَي: داخلون فِي الظلمَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا " وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا " أَي: تسير وتجري أبدا من غير قَرَار وَلَا وقُوف.
وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة " لمستقر لَهَا " وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مستقرها هُوَ نِهَايَة دورانها إِذا قَامَت السَّاعَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مستقرها نِهَايَة ارتفاعها فِي السَّمَاء فِي الصَّيف، وَنِهَايَة هبوطها فِي الشتَاء، وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أَبِيه، عَن أبي ذَر أَنه قَالَ: " كنت عِنْد النَّبِي حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَر، أَتَدْرِي أَيْن تذْهب؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم، فَقَالَ: إِنَّهَا تذْهب وتستأذن فِي السُّجُود ". وَفِي رِوَايَة: " تذْهب إِلَى تَحت الْعَرْش وتستأذن فِي السُّجُود؛ فَيُؤذن لَهَا فِي السُّجُود، وَيُقَال لَهَا: اطلعِي من حَيْثُ كنت تطلعين، وَكَأَنَّهَا قد قيل لَهَا يَوْمًا يَا أَبَا ذَر: اطلعِي من حَيْثُ جِئْت؛ فَتَطلع من مغْرِبهَا، ثمَّ قَرَأَ النَّبِي قَوْله تَعَالَى: " وَذَلِكَ مُسْتَقر لَهَا ". قَالَ: وَفِي هَذَا الْخَبَر أَنه كَذَلِك فِي قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الْخَبَر عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الطَّحَّان، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس بن مَحْبُوب، أخبرنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ، أخبرنَا
﴿تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم (38) وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم (39) لَا﴾ [هناد بن السّري، أخبرنَا] أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، عَن الْأَعْمَش.
. الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَذكر البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح بِرِوَايَة أبي ذَر أَيْضا: " أَنه سَأَلَ النَّبِي عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ قَالَ: مستقرها تَحت الْعَرْش ".
وَذكر الْأَزْهَرِي فِي قَوْله: ﴿تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ أَي: تجْرِي للأجل الَّذِي أجل لَهَا، وَالتَّقْدِير الَّذِي قدر لَهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ قرئَ بِالرَّفْع، وَقُرِئَ بِالنّصب، فَأَما بِالنّصب: وقدرنا الْقَمَر منَازِل، وَأما بِالرَّفْع فَمَعْنَاه: وَآيَة لَهُم الْقَمَر قدرناه منَازِل.
وروى أَن سعيد بن الْمسيب سمع رجلا ينشد:
(وَغَابَ قمير كنت أَرْجُو أفوله ... وروح رعيان ونوم سمر)
فَقَالَ: قَاتله الله، لقد صغر مَا عظمه الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ .
وَقَوله: ﴿حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم﴾ قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد: كعذق النَّخْلَة الْقَدِيمَة، وَالْأَكْثَرُونَ أَن العرجون هُوَ عود الكباسة إِذا دق ويبس وتقوس.
وَقَوله: ﴿الْقَدِيم﴾ هُوَ البال، وَيُقَال الْقَدِيم هُوَ الَّذِي مضى عَلَيْهِ حول.
وَأما منَازِل الْقَمَر فَهِيَ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا: السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة،
﴿الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار وكل فِي فلك يسبحون (40) ﴾ والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، وَالْقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وَسعد الذَّابِح، وَسعد بلع وَسعد السُّعُود، وَسعد الأخبية، وفزع الدَّلْو الْمُقدم وفزع الدَّلْو الْمُؤخر، وبطن الْحُوت.
فَهَذِهِ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا للقمر ينزل كل لَيْلَة منزلا مِنْهَا، وَيكون أَرْبَعَة عشر مِنْهَا أبدا ظَاهِرَة، وَأَرْبَعَة عشر مِنْهَا غَائِبَة، كلما طلع منزل غَابَ منزل، وَيُقَال: الَّذِي يغرب رَقِيب الَّذِي يطلع، وَاثنا عشر مِنْهَا تكون فِي سَواد اللَّيْل من وَقت غرُوب الشَّمْس إِلَى وَقت طُلُوع الصُّبْح، وَاثْنَانِ مِنْهَا من عِنْد طُلُوع الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر﴾ أَي: لَا يدْخل اللَّيْل على النَّهَار قبل انقضائه، وَلَا يدْخل النَّهَار على اللَّيْل قبل انقضائه.
قَوْله: ﴿وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ أَي: يتعاقبان بِحِسَاب مَعْلُوم إِلَى أَن تَنْقَضِي الدُّنْيَا، وَيَقُول: لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر، يَعْنِي: لَا تطلع الشَّمْس بِاللَّيْلِ، وَلَا يطلع الْقَمَر بِالنَّهَارِ، وَيكون لَهُ ضوء، فَلَا يدْخل وَاحِد مِنْهُمَا فِي سُلْطَان الآخر.
وَقيل: لَا يذهب وَاحِد مِنْهُمَا بِمَعْنى الآخر، وَذكر يحيى بن سَلام أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر﴾ هَذَا لَيْلَة الْبَدْر خَاصَّة؛ فَإِن الشَّمْس لَا تطلع إِلَّا وَقد غَابَ الْقَمَر، فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي رُؤْيَة الْعين، وَيُقَال: لَا تُدْرِكهُ أَي: لَا يجْتَمع مَعَه فِي فلك وَاحِد؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الشَّمْس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة، وَالْقَمَر فِي السَّمَاء الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ أَي: لَا يتَّصل ليل بلَيْل لَا يكون بَينهمَا نَهَار فاصل.
وَقَوله: ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ أَي: يجرونَ ويدورون.
﴿وَآيَة لَهُم أَنا حملنَا ذُرِّيتهمْ فِي الْفلك المشحون (41) وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون (42) وَإِن نَشأ نغرقهم فَلَا صريخ لَهُم وَلَا هم ينقذون (43) إِلَّا رَحْمَة منا ومتاعا إِلَى حِين (44) وَإِذا قيل لَهُم اتَّقوا مَا بَين أَيْدِيكُم وَمَا خلفكم لَعَلَّكُمْ ترحمون (45) وَمَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم أَنا حملنَا ذُرِّيتهمْ﴾ أَي: آبَاءَهُم، هَكَذَا قَالَه ثَعْلَب وَغَيره، وَاسم الذُّرِّيَّة كَمَا يَقع على الْأَبْنَاء يَقع على الْآبَاء.
وَقَوله: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ أَي: الموفر، وَقيل: الممتلئ، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: المُرَاد بِالْآيَةِ أَنا حملناهم فِي بطُون الْأُمَّهَات، وَشبه بطُون الْأُمَّهَات بالسفن المشحونة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِهِ الزواريق الصغار والسفن الَّتِي تجْرِي فِي الْأَنْهَار، فَهِيَ فِي الْأَنْهَار كالسفن الْكِبَار فِي الْبَحْر، وَهَذَا القَوْل قَول قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيرهمَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى قَوْله: ﴿وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون﴾ أَي: الْإِبِل، الْإِبِل فِي الْبَوَادِي كالسفن فِي الْبحار.