الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ يَعْنِي الْوَقْت الَّذِي وَقت لَهُ على مَا بَينا ﴿كَلمه ربه﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن الله - تَعَالَى - لما استحضره بِجَانِب الطّور [و] أنزل ظلمَة على سَبْعَة فراسخ، وطرد عَنهُ الشَّيْطَان، ونحى عَنهُ الْملكَيْنِ، وَكَلمه حَتَّى أسمعهُ وأفهمه.
وَفِي الْقِصَّة: كَانَ جِبْرِيل مَعَه فَلم يسمع مَا كَلمه ربه.
﴿قَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ قَالَ الزّجاج: فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره أَرِنِي نَفسك أنظر إِلَيْك.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ سَأَلَ الرُّؤْيَة وَقد علم أَن الله عز وَجل لَا يرى فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ الْحسن: هاج بِهِ الشوق؛ فَسَأَلَ الرُّؤْيَة.
وَقيل: سَأَلَ الرُّؤْيَة ظنا مِنْهُ أَنه يجوز أَن يرى فِي الدُّنْيَا.
﴿قَالَ لن تراني﴾ يسْتَدلّ من يَنْفِي الرُّؤْيَة بِهَذِهِ الْكَلِمَة، وَلَيْسَ لَهُم فِيهَا مستدل؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يقل: إِنِّي لَا أرى؛ مَتى يكون حجَّة لَهُم؛ وَلِأَنَّهُ لم ينْسبهُ إِلَى الْجَهْل فِي سُؤال الرُّؤْيَة، كَمَا نسب إِلَيْهِ قومه بقَوْلهمْ: " اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة " لما لم يجز ذَلِك، وَأما معنى قَوْله ﴿لن تراني﴾ يَعْنِي: فِي الْحَال أَو فِي الدُّنْيَا.
﴿وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ مَعْنَاهُ: اجْعَل الْجَبَل بيني وَبَيْنك؛ فَإِنَّهُ أقوى مِنْك، فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني؛ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه يجوز أَن يرى؛ لِأَنَّهُ لم يعلق الرُّؤْيَة بِمَا يَسْتَحِيل وجوده؛ لِأَن اسْتِقْرَار الْجَبَل مَعَ تجليه لَهُ غير مُسْتَحِيل، بِأَن يَجْعَل لَهُ قُوَّة الِاسْتِقْرَار مَعَ التجلي.
﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ أَن ظهر للجبل: قيل: إِنَّه جعل للجبل بصرا وَخلق فِيهِ حَيَاة، ثمَّ تجلى لَهُ فتذكرك على نَفسه.
وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله - تَعَالَى - تجلى للجبل بِقدر أُنْمُلَة الْخِنْصر، ثمَّ وضع ثَابت إبهامه على أُنْمُلَة خِنْصره، فَقيل لَهُ: أَتَقول بِهَذَا؟ فَقَالَ: يَقُول بِهِ أنس وَرَسُول الله، وَلَا
﴿مُوسَى صعقا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى﴾ أَقُول بِهِ أَنا! : وَضرب فِي صدر الْقَائِل " وَفِي بعض الرِّوَايَات " أَنه تجلى للجبل بِقدر جنَاح بعوضة أَو أقل ".
﴿جعله دكا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: صَار تُرَابا.
وَقَالَ الْحسن وسُفْيَان: ساخ فِي الأَرْض، وَفِي بعض التفاسير: أَنه صَار سِتَّة أجبل: ثَلَاثَة بِمَكَّة: وَذَلِكَ ثَوْر وثبير وحراء، وَثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ: رضوى وَأحد وورقان، وَقيل: انقلع الْجَبَل من أَصله، وَوَقع فِي الْبَحْر، فَهُوَ يذهب فِيهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَأما من حَيْثُ اللُّغَة: قَالَ الزّجاج: معنى قَوْله: ﴿جعله دكا﴾ أَي: مدكوكا مدقوقا، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: " جعله دكاء " ممدودا، يُقَال: أَرض دكاء إِذا كَانَ فِيهَا ناتئ ومواضع مُرْتَفعَة كالقلال، والدكاوات: الرواسِي من الأَرْض، وَمَعْنَاهُ: أَنه جعله كالأرض المرتفعة، وَخرج من كَونه جبلا.
وَقَوله: ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي مَيتا، وَكَانَ قد مَاتَ تِلْكَ السَّاعَة.
وَقَالَ الْحسن وَابْن عَبَّاس: خر مغشيا عَلَيْهِ.
وَهَذَا أليق بالنظم؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ وَهَذَا التَّنْزِيه.
﴿تبت إِلَيْك﴾ يَعْنِي: من سُؤال الرُّؤْيَة قبل الْإِذْن ﴿وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي أَنا أول الْمُؤمنِينَ بِأَن من يراك متجليا فِي الدُّنْيَا لَا يسْتَقرّ مَكَانَهُ، وَقيل مَعْنَاهُ: أَنا أول الْمُؤمنِينَ بأنك لَا ترى فِي الدُّنْيَا.
﴿إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي فَخذ مَا آتيتك وَكن من الشَّاكِرِينَ (144) وكتبنا لَهُ فِي الألواح من كل شَيْء موعظة وتصفيلا لكل شَيْء فَخذهَا بِقُوَّة وَأمر قَوْمك﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد أعْطى غَيره الرسالات، فَمَا معنى قَوْله: ﴿اصفيتك على النَّاس برسالاتي﴾ ؟ قيل: لما لم يكن إِعْطَاء الرسَالَة على الْعُمُوم فِي حق النَّاس، استقام قَوْله: ﴿اصطفيتك على النَّاس برسالاتي﴾ وَإِن شَاركهُ فِيهَا غَيره، وَهَذَا مثل قَول الرجل: خصصتك بمشورتي، وَإِن شاور غَيره، لَكِن لما تكن الْمُشَاورَة على الْعُمُوم؛ استقام الْكَلَام.
﴿فَخذ مَا آتيتك وَكن من الشَّاكِرِينَ﴾ لما أَنْعَمت عَلَيْك من إِعْطَاء الرسَالَة وَالْكَلَام، وَهَذِه الْآيَة فِي تَسْلِيَة مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - حَيْثُ سَأَلَ الرُّؤْيَة فَلم يحظ بهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وكتبنا لَهُ فِي الألواح﴾ وَأَرَادَ بِهِ التَّوْرَاة، وَفِي الْخَبَر: " أَن الله - تَعَالَى - خلق آدم بِيَدِهِ، وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ، وغرس شَجَرَة طُوبَى بِيَدِهِ ".
وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ الألواح، قَالَ الْحسن: كَانَت الألواح من خشب، وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَت من زبرجد أَخْضَر، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: كَانَت من ياقوتة حَمْرَاء، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: كَانَت من برد.
وَقيل: نزلت الألواح والتوراة مَكْتُوبَة عَلَيْهَا كنقش الْخَاتم.
﴿من كل شي موعظة﴾ أَي: تذكرة، وَحَقِيقَة الموعظة: هِيَ التَّذْكِير والتحذير مِمَّا يخَاف عاقبته.
﴿وتفصيلا لكل شَيْء﴾ أَي: بَيَانا للْحَلَال وَالْحرَام وَمَا أمروا بِهِ، وَمَا نهو عَنهُ ﴿فَخذهَا بِقُوَّة﴾ أَي: بجد واجتهاد، وَقيل مَعْنَاهُ: بِقُوَّة الْقلب.
﴿وَأمر قَوْمك يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ قَالَ قطرب: أَي: بحسنها.
وَاعْلَم أَن الْأَحْسَن مَا
﴿يَأْخُذُوا بأحسنها سأريكم دَار الْفَاسِقين (145) سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا ذَلِك بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين (146) وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا ولقاء الْآخِرَة حبطت أَعْمَالهم هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا﴾ كَانَ فِيهِ من الْفَرَائِض الْمَكْتُوبَة والنوافل الْمَنْدُوب إِلَيْهَا فَإِنَّهَا الْأَحْسَن، وَأما الْحسن: مَا كَانَ مُبَاحا، وَقيل: معنى قَوْله: ﴿يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ أَي: بِأَحْسَن الْأَمريْنِ فِي كل شَيْء، كالعفو أحسن من الاقتصاص، وَالصَّبْر أحسن من الِانْتِصَار ﴿سأريكم دَار الْفَاسِقين﴾ وَقَرَأَ قسَامَة بن زُهَيْر: " سأورثكم " من التوريث، فعلى هَذَا مَعْنَاهُ: سأورثكم أَرض مصر، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة " سأريكم " قَالَ مُجَاهِد وَجَمَاعَة: سأريكم جَهَنَّم، وَقيل: أَرَادَ بِهِ مصَارِع الْكفَّار.
قَالَ قَتَادَة: دَار الْفَاسِقين أَرَادَ بهَا الشَّام؛ على معنى: أريكم فِيهَا مَا أهلكت من قرى الْكفَّار قبلكُمْ؛ لِأَن مُوسَى خرج بهم إِلَى الشَّام.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة مَعْنَاهُ: سأمنعهم فهم الْقُرْآن، قَالَ الزّجاج تَقْدِيره: سأصرفهم عَن قبُول آياتي، وَأما التكبر: هُوَ طلب الْفضل من غير اسْتِحْقَاق.
﴿وَإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا﴾ وَقَرَأَ أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن يزِيد الْمُقْرِئ: " سَبِيل الرشاد " المعدوف: " سَبِيل الرشد " وَيقْرَأ أَيْضا: " سَبِيل الرشد " والرشد والرشد وَاحِد، وَهُوَ الصّلاح.
﴿وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا﴾ يَعْنِي: سَبِيل الضَّلَالَة ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غافلين﴾ لأَنهم لما لم يتدبروا الْقُرْآن فكأنهم عَنهُ غافلين
﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا ولقاء الْآخِرَة حبطت أَعْمَالهم﴾ أَي: بطلت أَعْمَالهم ﴿هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ قوم مُوسَى من بعده من حليهم﴾ وَيقْرَأ: " من حليهم "
﴿يعْملُونَ (147) ﴾ وَاتخذ قوم مُوسَى من بعده من حليهم عجلا جسدا لَهُ خوار ألم يرَوا أَنه لَا يكلمهم وَلَا يهْدِيهم سَبِيلا اتخذوه وَكَانُوا ظالمين (148) وَلما سقط فِي يديهم) ﴿عجلا جسدا لَهُ خوار﴾ أَي: جَسَد لَهُ خوار، وَيقْرَأ فِي الشواذ: " لَهُ جؤار " وَهُوَ بِمَعْنى الخوار، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الطّور قَالَ لِقَوْمِهِ: أرجع إِلَيْكُم بعد ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا لم يرجع إِلَيْهِم بعد الثَّلَاثِينَ ظنُّوا أَنه مَاتَ، كَانَ السامري فِي بني إِسْرَائِيل مُطَاعًا بَينهم، وَكَانَ صائغا، فَقَالَ لَهُم: اجْمَعُوا لي مَا أَخَذْتُم من الْحلِيّ من آل فِرْعَوْن أصنع لكم شَيْئا، فدفعوا إِلَيْهِ مَا أخذُوا من الْحلِيّ فصاغ مِنْهُ الْعجل، قَالَ الْحسن: كَانَ السامري قد رأى جِبْرِيل يَوْم غرق فِرْعَوْن على فرس، فَأخذ قَبْضَة من أثر قدم فرسه.
قَالَ عِكْرِمَة: ألقِي فِي روعه أَنه فِي أَي شَيْء ألْقى تِلْكَ القبضة من التُّرَاب يحيا بهَا ذَلِك الشَّيْء، وَذَلِكَ أَنه رأى مَوَاضِع قدم الْفرس تحضر فِي الْحَال وتنبت، فَلَمَّا صاغ الْعجل ألقِي فِي روعه أَن يلقِي تِلْكَ القبضة فِي فَمه فألقاها فِي فَم الْعجل فحيي، فَصَارَ لَحْمًا ودما من ذهب، وَله خوار فَإِنَّهُ خار، ثمَّ قَالَ السامري: ﴿هَذَا إِلَهكُم وإله مُوسَى فنسي﴾ على مَا سَيَأْتِي فِي قصَّته فِي سُورَة طه، وَقيل: إِنَّه مَا خار إِلَّا مرّة، وَقيل كَانَ يخور كثيرا، كَمَا تخور الْبَقَرَة، وَكَانَ كلما خار سجدوا لَهُ، وَكلما سكت رفعوا رُءُوسهم.
وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: لم تنْبت فِيهِ حَيَاة أصلا، وَلم يكن لَهُ خوار حَقِيقَة، وَإِنَّمَا الَّذِي سمعُوا من الخوار كَانَ بحيلة، وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي عدد الَّذين عبدُوا الْعجل، قَالَ الْحسن: كلهم عبدوه إِلَّا هَارُون وَحده، وَقيل: - وَهُوَ الْأَصَح -: عَبده كلهم إِلَّا هَارُون وَاثنا عشر ألف رجل مِنْهُم.
﴿ألم يرَوا أَنه لَا يكلمهم وَلَا يهْدِيهم سَبِيلا﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الله مُتَكَلم لم يزل وَلَا يزَال؛ لِأَنَّهُ اسْتدلَّ بِعَدَمِ الْكَلَام من الْعجل على نفي الإلهية.
﴿وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا قَالُوا لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا وَيغْفر لنا لنكونن من الخاسرين (149) وَلما رَجَعَ مُوسَى إِلَى قومه غَضْبَان أسفا قَالَ بئْسَمَا خلفتموني من بعدِي أعجلتم أَمر ربكُم وَألقى الألواح وَأخذ بِرَأْس أَخِيه يجره إِلَيْهِ قَالَ ابْن أم إِن الْقَوْم استضعفوني﴾ ﴿وَلَا يهْدِيهم سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا ﴿اتخذوه وَكَانُوا ظالمين﴾ بِوَضْع الإلهية فِي غير موضعهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا﴾ قَالَ الْفراء: تَقول الْعَرَب: سقط فلَان فِي يَده إِذا بَقِي نَادِما متحيرا على مَا فَاتَهُ، كَأَنَّهُ حصل النَّدَم فِي يَده ﴿قَالُوا لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا وَيغْفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما رَجَعَ مُوسَى إِلَى قومه غَضْبَان أسفا﴾ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: الأسف: شَدِيد الْغَضَب، وَقيل: الأسف: أَشد الْحزن، وَكَأن مُوسَى رَجَعَ نَادِما حَزينًا يَقُول: لَيْتَني كنت فيهم فَلم يَقع لَهُم مَا وَقع.
﴿قَالَ بئْسَمَا خلفتموني من بعدِي﴾ أَي: (بئْسَمَا فَعلْتُمْ خَلْفي) ﴿أعجلتم أَمر ربكُم﴾ مَعْنَاهُ: أسبقتم أمرربكم، يَعْنِي: بفعلكم الَّذِي فَعلْتُمْ من غير أَمر ربكُم، وَقيل مَعْنَاهُ: استعجلتم وعد ربكُم.
﴿وَألقى الألواح﴾ وَكَانَ حَامِلا لَهَا، فألقاها على الأَرْض من شدَّة الْغَضَب، وَفِي التَّفْسِير: أَنه لما أَلْقَاهَا رَجَعَ بَعْضهَا إِلَى السَّمَاء وَبَقِي مِنْهَا لوحان، فَرجع مَا كَانَ فِيهِ أَخْبَار الْغَيْب، وَبَقِي مَا كَانَ فِيهِ الموعظة وَالْأَحْكَام من الْحَلَال وَالْحرَام، وَقيل: لما ألْقى الألواح انْكَسَرَ بَعْضهَا، فشدها مُوسَى بِالذَّهَب ﴿وَأخذ بِرَأْس أَخِيه﴾ يَعْنِي: هَارُون، وَفِيه حذف، وَتَقْدِيره: وَأخذ بِشعر رَأس أَخِيه ﴿يجره إِلَيْهِ قَالَ ابْن أم﴾ يَعْنِي هَارُون قَالَ لمُوسَى: ابْن ام، وَيقْرَأ بِكَسْر الْمِيم ونصبها، فَأَما بِكَسْر الْمِيم مَعْنَاهُ يَا ابْن أُمِّي، قَالَ الشَّاعِر:
﴿وكادوا يقتلونني فَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء وَلَا تجعلني مَعَ الْقَوْم لظالمين (150) قَالَ رب اغْفِر لي ولأخي وأدخلنا فِي رحمتك وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ (151) إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نجزي المفترين (152) ﴾
(يَا ابْن امي وَيَا شَقِيق نَفسِي ... أَنْت خلفتني لأمر كؤود)
واما بِنصب الْمِيم، فَوجه النصب فِيهِ أَن قَوْله: " ابْن ام " كلمتان، لكنهما ككلمة وَاحِدَة، مثل قَوْلهم: " حَضرمَوْت " و " بعلبك " ركب أحد الاسمين فِي الآخر، فَبَقيَ على النصب تبيينا.
﴿إِن الْقَوْم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن هَارُون كَانَ لما مضى مِيقَات الثَّلَاثِينَ يقوم بَينهم خَطِيبًا، فيخطب كل يَوْم ويبكي، وَيَقُول: أنْشدكُمْ بِاللَّه لَا تعبدوا الْعجل، فَإِن مُوسَى رَاجع غَدا - إِن شَاءَ الله - فَهَكَذَا كَانَ يفعل ثَلَاثَة أَيَّام، فَلَمَّا لم يرجع بعد الثَّلَاث قَالُوا: إِنَّه قد مَاتَ، فخلوه، وَأَقْبلُوا على عبَادَة الْعجل، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن الْقَوْم استضعفوني وكادوا يقتلونني فَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء﴾ والشماتة فعل مَا يسر بِهِ الْعَدو ﴿وَلَا تجعلني مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: لَا تجعلني مَعَ الْكَافرين وَمن جُمْلَتهمْ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب اغْفِر لي ولأخي﴾ يَعْنِي مَا فعلت بأخي من أَخذ شعره، وجره، وَكَانَ بَرِيئًا، قَوْله: ﴿ولأخي﴾ يعين: مَا وَقع لَهُ من تَقْصِيره إِن قصر ﴿وأدخلنا فِي رحمتك وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل﴾ فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: اتَّخذُوا الْعجل إِلَهًا ﴿سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قيل: أَرَادَ بالذلة الْجِزْيَة، وَقيل: أَرَادَ قيل بَعضهم بَعْضًا مَعَ علمهمْ أَنهم قد ضلوا ﴿وَكَذَلِكَ نجزي المفترين﴾ أَي: كل مفتر على الله، وَمن القَوْل الْمَعْرُوف فِي الْآيَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: هَذَا فِي كل مُبْتَدع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
﴿وَالَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات ثمَّ تَابُوا من بعْدهَا وآمنوا إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم (153) وَلما سكت عَن مُوسَى الْغَضَب أَخذ الألواح وَفِي نسختها هدى وَرَحْمَة للَّذين هم لرَبهم يرهبون (154) وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أخذتهم الرجفة قَالَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات ثمَّ تَابُوا من بعْدهَا وآمنوا إِن رَبك من بعْدهَا﴾ أَي: من بعد التَّوْبَة ﴿لغَفُور رَحِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سكت عَن مُوسَى الْغَضَب﴾ وَقَرَأَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة: " وَلما سكن عَن مُوسَى الْغَضَب " وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب: " وَلما سير عَن مُوسَى الْغَضَب " وَفِي مصحف حَفْصَة: " وَإِنَّمَا أسكت عَن مُوسَى الْغَضَب " وَمعنى الْكل وَاحِد أَي: سكن عَن مُوسَى الْغَضَب.
وَالسُّكُوت والإسكات مَعْرُوف، وَيُقَال: رجل سكيت إِذا كَانَ كثير السُّكُوت.
﴿أَخذ الألواح﴾ وَذَلِكَ أَنه كَانَ أَلْقَاهَا فَأَخذهَا ﴿وَفِي نسختها﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بهَا الألواح؛ وَذَلِكَ أَن لَهَا أصل نسخت مِنْهُ، وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَقيل: إِن مُوسَى لما ألْقى الألواح انْكَسَرت، فنسخ مِنْهَا نُسْخَة أُخْرَى، فَذَلِك المُرَاد بِهِ من قَوْله: ﴿وَفِي نسختها هدى وَرَحْمَة﴾ أَي: هدى من الضَّلَالَة، وَرَحْمَة من الْعَذَاب ﴿للَّذين هم لرَبهم يرهبون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه﴾ فِيهِ حذف، أَي: من قومه ﴿سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا﴾ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن كلهم لم يعبدوا الْعجل - وَهُوَ الْأَصَح - وَاخْتلفُوا أَنه لأي شَيْء اخْتَارَهُمْ؟ قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا اخْتَارَهُمْ ليعتذروا إِلَى الله من عبَادَة أُولَئِكَ الَّذين عبدُوا الْعجل، وَقيل: إِنَّمَا اخْتَارَهُمْ ليسمعوا كَلَام الله؛ فَإِنَّهُم سَأَلُوا ذَلِك مُوسَى ﴿فَلَمَّا أخذتهم الرجفة﴾ قَالَ مُجَاهِد: رجفت بهم الأَرْض؛ فماتوا، وَقيل: وَقعت رعدة وزلزلة فِي أعضائهم، حَتَّى كَاد ينْفَصل بَعْضهَا من بعض، وَقيل: إِنَّمَا أهلكهم عُقُوبَة على مَا سَأَلُوا من رُؤْيَة الله جهرة.
﴿رب لَو شِئْت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الغافرين (155) واكتب لنا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هدنا إِلَيْك قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من﴾
(قَالَ رب لَو شِئْت أهلكتهم من قبل وإياي) وَذَلِكَ أَن مُوسَى ظن أَن الله - تَعَالَى - إِنَّمَا أهلكهم بِعبَادة أُولَئِكَ الْقَوْم الْعجل، وَخَافَ أَن بني إِسْرَائِيل يَتَّهِمُونَهُ، وَيَقُولُونَ: إِن مُوسَى قَتلهمْ؛ قَالَ: ﴿رب لَو شِئْت أهلكتهم من قبل﴾ يَعْنِي: عندعبادة الْعجل قبل أَن آتِي بهم ﴿وإياي﴾ بقتل القبطي الَّذِي كَانَ مُوسَى قَتله، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْمَشِيئَة الأزلية، كَأَنَّهُ فوض إهلاكهم إِلَى مَشِيئَته، أَي: لَو شِئْت فِي الْأَزَل أهلكتهم وإياي وَمن فِي الْعَالم، فَلَا اعْتِرَاض لأحد عَلَيْك.
﴿أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا﴾ اخْتلفُوا فِيهِ أَنه كَيفَ قَالَ: أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا، وَكَانَ يعلم أَن الله - تَعَالَى - لَا يهْلك أحدا بذنب غَيره؟ فَقَالَ بَعضهم: هَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْجحْد، وَهُوَ قَول ابْن الْأَنْبَارِي أَي: لَا تُهْلِكنَا بِفعل السُّفَهَاء، وَهَذَا مثل قَول الرجل لصَاحبه: أتجهل عَليّ وَأَنا أحلم؟ ! أَي: لَا أحلم، وَيُقَال فِي الْمثل: أغدة كَغُدَّة الْبَعِير؟ وَمَوْت فِي بَيت السلولية؟ أَي: لَا يكون هَذَا قطّ، وَقَالَ الشَّاعِر:
(أتنسى حِين تصقل عارضيها ... بِعُود بشامة سقِِي البشام)
أَي: لَا تنسى، وَقيل: هُوَ اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِثْبَات، وَالْمرَاد مِنْهُ السُّؤَال، كَأَنَّهُ يسْأَله أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا؟ .
﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ أَي: بليتك ﴿تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الغافرين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿واكتب لنا﴾ أَي: أوجب لنا ﴿فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ وَهِي
﴿أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ (156) الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي﴾ النِّعْمَة والعافية ﴿وَفِي الْآخِرَة﴾ أَي: وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة، فَحذف.
﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ أَي: تبنا إِلَيْك، وَقَرَأَ أَبُو وجزة السَّعْدِيّ: " هدنا إِلَيْك " بِكَسْر الْهَاء، أَي: ملنا إِلَيْك ﴿قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء﴾ وَهَذَا على وفْق قَول أهل السّنة؛ فَإِن لله - تَعَالَى - أَن يُصِيب بعذابه من يَشَاء من عباده أذْنب أَو لم يُذنب، وصحف بعض الْقَدَرِيَّة، فَقَرَأَ: " عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَسَاءَ " من الْإِسَاءَة، وَلَيْسَ بِشَيْء.
﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾ قَالَ الْحسن وَقَتَادَة: وسعت رَحمته الْبر والفاجر فِي الدُّنْيَا، وَهِي لِلْمُتقين يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي الْآثَار: الرَّحْمَة مسجلة للبر والفاجر فِي الدُّنْيَا.
{فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ
الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي) وَهَذِه فَضِيلَة عَظِيمَة لهَذِهِ الْأمة، وَذَلِكَ أَن مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - سَأَلَ أَن يكْتب الرَّحْمَة لَهُ ولأمته، فكتبها لأمة مُحَمَّد وَفِي الْأَخْبَار: " أَن مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - قَالَ: يَا رب، إِنِّي أجد فِي التَّوْرَاة أمة يأمرون بِالْمَعْرُوفِ، وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر، ويؤمنون بِاللَّه، فاجعلهم من أمتِي، قَالَ الله - تَعَالَى -: تِلْكَ أمة أَحْمد.
فَقَالَ: يَا رب إِنِّي أجد فِي التَّوْرَاة أمة صَدَقَاتهمْ فِي بطونهم - يَعْنِي: يأكلها فقراؤهم، وَكَانَت صدقَات قومه وَمن قبلهم تأكلها النَّار - فاجعلهم من أمتِي، فَقَالَ - تَعَالَى -: تِلْكَ أمة احْمَد.
فَقَالَ: يَا رب، إِنِّي أجد فِي التَّوْرَاة أمة هم آخر النَّاس خُرُوجًا، وَأول النَّاس فِي الْجنَّة دُخُولا، فاجعلهم من أمتِي.
فَقَالَ: تِلْكَ أمة أَحْمد.
فَقَالَ: يَا رب، إِنِّي أجد فِي التَّوْرَاة أمة أَنَاجِيلهمْ فِي صُدُورهمْ، يراعون الشَّمْس والأوقات لذكرك، فاجعلهم من أمتِي.
فَقَالَ: تِلْكَ أمة أَحْمد.
فَقَالَ: يَا رب، إِنِّي أجد
﴿التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون (157) قل يَا أَيهَا﴾ فِي التَّوْرَاة أمة إِذا هم أحدهم بحسنة كتبتها لَهُ حَسَنَة، وَإِن عمل بهَا كتبتها لَهُ عشرا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، وَإِذا هم بسيئة لم تَكْتُبهَا (عَلَيْهِ) ، فَإِن عمل بهَا كتبتها عَلَيْهِ وَاحِدَة، اجعلهم من أمتِي، فَقَالَ: تِلْكَ أمة أَحْمد.
فَألْقى الألواح، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من أمة مُحَمَّد ". وَهَذَا قَول آخر، ذكر فِي سَبَب إلقائه الألواح، وَالْأول أظهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي﴾ هُوَ مُحَمَّد وَقد بَينا معنى الْأُمِّي فِيمَا سبق.
﴿الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا﴾ أَي: مَوْصُوفا ﴿عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: مَا حرمه الْكفَّار من السوائب والوصائل والبحائر والحوامي، وَنَحْو ذَلِك ﴿وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ وَذَلِكَ مثل: الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَنَحْوه ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم﴾ الإصر: كل مَا يثقل على الْإِنْسَان من قَول أَو فعل، والإصر: الْعَهْد الثقيل: وإصرهم: أَن الله - تَعَالَى - جعل تَوْبَتهمْ بِقَتْلِهِم أنفسهم ﴿والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ وَذَلِكَ مثل مَا كَانَ عَلَيْهِم من قرض مَوضِع النَّجَاسَة عَن الثَّوْب بالمقراض، وَلَا يجزئهم غسلهَا، وَأَنه كَانَ لَا تجوز صلَاتهم إِلَّا فِي الْكَنَائِس، وَأَنه لَا يجوز لَهُم أَخذ الدِّيَة عَن الْقَتِيل بل كَانَ يتَعَيَّن الْقصاص، وَكَانَ يجب عَلَيْهِم قطع الْجَوَارِح الْخَاطِئَة لَا يسعهم غير ذَلِك، فسماها أغلالا؛ لِأَنَّهَا كَانَت كالطوق فِي عنقهم.
﴿فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ﴾ أَي: بِمُحَمد ﴿وعزروه﴾ أَي: عظموه {ونصروه وَاتبعُوا
﴿النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يحيي وَيُمِيت فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يُؤمن بِاللَّه وكلماته واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون (158) وَمن قوم مُوسَى أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ (159) وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا أمما وأوحينا إِلَى مُوسَى إِذْ استسقاه قومه أَن اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ النُّور الَّذِي أنزل مَعَه) وَهُوَ الْقُرْآن ﴿أُولَئِكَ هم المفلحون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا إِلَه لَا هُوَ يحيي وَيُمِيت فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يُؤمن بِاللَّه وكلماته﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا يُؤمن بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وَيقْرَأ: " وكلمته " قيل: هِيَ الْقُرْآن أَيْضا، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ: عِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قوم مُوسَى أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ روى الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هَؤُلَاءِ قوم بأقصى الشرق وَرَاء الصين عِنْد مطلع الشَّمْس، كَانُوا على شَرِيعَة مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - إِلَى أَن بعث مُحَمَّد فَلَمَّا بعث مُحَمَّد آمنُوا بِهِ، وَكَانُوا على الْحق من لدن مُوسَى إِلَى زمَان مُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام - وَقيل: هم الَّذين أَسْلمُوا فِي زمن النَّبِي من الْيَهُود مثل (ابْن) صوريا، وَابْن سَلام، وَنَحْوهمَا، وَالْأول أظهر.
وَقَوله: ﴿وَبِه يعدلُونَ﴾ أَي: يقومُونَ بِالْحَقِّ وَالْعدْل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا أمما﴾ أَي: فرقناهم فرقا، وَقَوله: ﴿اثْنَتَيْ عشرَة﴾ يُقَال فِي اللُّغَة: اثْنَتَيْ عشرَة بِكَسْر الشين وبجزم الشين، والجائز فِي الْقُرْآن بجزم الشين، فَإِن قيل: لم لم يقل: اثْنَي عشر أسباطا على التَّذْكِير؟ قيل: إِنَّمَا ذكره على التَّأْنِيث لِأَنَّهُ يرجع إِلَى الْأُمَم.
﴿فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا قد علم كل أنَاس مشربهم وظللنا عَلَيْهِم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم وَمَا ظلمونا وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ (160) وَإِذ قيل لَهُم اسكنوا هَذِه الْقرْيَة وكلوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد الْمُحْسِنِينَ (161) فبدل الَّذين ظلمُوا مِنْهُم قولا غير الَّذِي قيل لَهُم فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يظْلمُونَ (162) ﴾
قَالُوا: وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وتقديرها.
وقطعناهم أسباطا أمما اثْنَتَيْ عشرَة، وَقيل فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة فرقة أسباطا أمما، فَيكون بَدَلا عَن الْفرْقَة، وَقد بَينا أَن الأسباط فِي بني إِسْحَاق كالقبائل فِي بني إِسْمَاعِيل، وأنشدوا فِي السبط:
(عَليّ وَالثَّلَاثَة من بنيه ... هم الأسباط لَيْسَ بهم خَفَاء)
(فسبط سبط إِيمَان وبر ... وسبط غيبته كربلاء)
أَي: كرب وبلاء.
﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى إِذْ استسقاه قومه أَن اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ وَقد بَينا هَذَا فِي سُورَة الْبَقَرَة.
﴿فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ أَي: انفجرت ﴿قد علم كل أنَاس مشربهم وظللنا عَلَيْهِم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم وَمَا ظلمونا وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ وَقد سبق تَفْسِيره فِي سُورَة الْبَقَرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قيل لَهُم اسكنوا هَذِه الْقرْيَة وكلوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا نغفر لكم خطاياكم﴾ وَيقْرَأ: " خطيئاتكم " وَكِلَاهُمَا وَاحِد ﴿سنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقد بَينا هَذَا أَيْضا فِي سُورَة الْبَقَرَة.
﴿فبدل الَّذين ظلمُوا﴾ قد بَينا معنى هَذَا التبديل {مِنْهُم قولا غير الَّذِي قيل
﴿واسئلهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يعدون فِي السبت إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا وَيَوْم لَا يسبتون لَا تأتيهم كَذَلِك نبلوهم بِمَا كَانُوا يفسقون (163) وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم عذَابا شَدِيدا قَالُوا معذرة إِلَى﴾ لَهُم فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم رجزا من السَّمَاء) أَي عذَابا من السَّمَاء ﴿بِمَا كَانُوا يظْلمُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى ﴿واسألهم عَن الْقرْيَة﴾ هَذَا سُؤال توبيخ وتقريع لَا سُؤال استعلام، وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ الْقرْيَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ الأيلة.
وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هِيَ طبرية الشَّام.
وَقيل: إِنَّهَا مَدين ﴿الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر﴾ أَي: مجاورة الْبَحْر ﴿إِذْ يعدون فِي السبت﴾ أَي: يجاوزون أَمر الله فِي السبت، وَكَانَ الله - تَعَالَى - حرم عَلَيْهِم أَن يعملوا فِي السبت عملا سوى الْعِبَادَة.
﴿إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا﴾ أَي: ظَاهِرَة، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَمِنْه الشوارع لظهورها، وَقيل: هُوَ من الشُّرُوع، وَهُوَ الدُّخُول، فَيكون مَعْنَاهُ أَن تِلْكَ الْقرْيَة كَانَ بجنبها خليج الْبَحْر، فتدخله الْحيتَان يَوْم السبت وَلَا تدخله فِي سَائِر الْأَيَّام.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا كَانَت تأتيهم مثل الكباش السمان الْبيض يَوْم السبت تشرع إِلَى أَبْوَابهم، ثمَّ لَا يرى شَيْء مِنْهَا فِي غير يَوْم السبت فَذَلِك قَوْله: ﴿وَيَوْم لَا يسبتون لَا تأتيهم﴾ وَقَرَأَ الْحسن: " لَا يسبتون " بِضَم الْيَاء، أَي: لَا يدْخلُونَ فِي السبت، وَالْمَعْرُوف: " لَا يسبتون " وَمَعْنَاهُ: لَا يعظمون السبت، يُقَال: (أسبت) إِذا دخل السبت، وسبت إِذا عظم السبت، يَعْنِي: وَيَوْم لَا يعظمون السبت ﴿لَا تأتيهم﴾ وعَلى قِرَاءَة الْحسن: وَيَوْم لَا يدْخلُونَ السبت لَا تأتيهم، وَكَانَ ذَلِك ابتلاء من الله - تَعَالَى - لَهُم كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِك نبلوهم﴾ أَي: نختبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم لم تعظون قوما﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَنهم احْتَالُوا بحيلة الِاصْطِيَاد؛ فَكَانُوا يضعون الحبال يَوْم الْجُمُعَة حَتَّى تقع فِيهَا الْحيتَان يَوْم السبت، ثمَّ يأخذونها يَوْم الْأَحَد، وَقيل: إِن الشَّيْطَان وسوس إِلَيْهِم أَن الله - تَعَالَى -
﴿ربكُم ولعلهم يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس بِمَا كَانُوا يفسقون (165) فَلَمَّا عتوا عَن مَا نهوا عَنهُ قُلْنَا لَهُم﴾ لم يَنْهَاكُم عَن الِاصْطِيَاد فِي هَذَا الْيَوْم وَإِنَّمَا نهاكم عَن الْأكل، فاصطادوا يَوْم السبت، ثمَّ افْتَرَقُوا على ثَلَاث فرق: فرقة اصطادت، وَفرْقَة نهت وَأمرت بِالْمَعْرُوفِ، وَفرْقَة سكتت؛ فَقَالَت الفرقتان للفرقة العاصية: لَا نساكنكم قَرْيَة عصيتم الله فِيهَا؛ فاعتزلنا الْقرْيَة وَخَرجُوا، فَلَمَّا أَصْبحُوا جَاءُوا إِلَى بَاب الْقرْيَة، فَلم يفتحوا لَهُم الْبَاب؛ فَجَاءُوا بسلم، فَلَمَّا صعدوا بالسلم، رَأَوْهُمْ قد مسخوا قردة، قَالَ قَتَادَة: كَانَت لَهُم أَذْنَاب يتعادون.
فَقَوله: ﴿وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم﴾ هِيَ الْفرْقَة الساكتة، قَالَت للفرقة الناهية: ﴿لم تعظون قوما﴾ يَعْنِي: الْفرْقَة العاصية ﴿الله مهلكهم أَو معذبهم عذَابا شَدِيدا قَالُوا معذرة إِلَى ربكُم﴾ أَي: موعظتنا معذرة، وَذَلِكَ أَنا قد أمرنَا بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، فنأتهم هَذَا الْأَمر وَإِن لم يقبلُوا؛ حَتَّى يكون ذَلِك لنا عذرا عِنْد الله - تَعَالَى - وَيقْرَأ " معذرة " بِالنّصب، أَي: نعتذر معذرة إِلَى ربكُم ﴿ولعلهم يَتَّقُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ﴾ أَي: تركُوا مَا ذكرُوا بِهِ، قيل: كَانُوا يصطادون سَبْعَة أَيَّام، وَقيل: كَانُوا قد اصطادوا يَوْمًا وَاحِدًا.
﴿أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء﴾ يَعْنِي: الْفرْقَة الناهية ﴿وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس﴾ يَعْنِي: الْفرْقَة العاصية، فأخذناهم بِعَذَاب بئيس على وزن فعيل.
وَبئسَ على وزن فعل، وَبئسَ على وزن فعلل، وَالْكل وَاحِد، وَمَعْنَاهُ: بِعَذَاب شَدِيد، قَالَ ابْن عَبَّاس: بِعَذَاب لَا رَحْمَة فِيهِ.
﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَدْرِي أَن الْفرْقَة العاصية قد هَلَكت، وَأَن الْفرْقَة الناهية قد نجت، وَلَا أَدْرِي مَا حَال الْفرْقَة الساكتة.
قَالَ عِكْرِمَة: مَا زلت أنزلهُ - يَعْنِي: من الْآيَات دَرَجَة دَرَجَة - وأبصره - يَعْنِي: ابْن عَبَّاس - حَتَّى قَالَ: نجت الْفرْقَة الساكتة، وكساني بذلك حلَّة.
فَإِن عِكْرِمَة كَانَ
﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ (166) وَإِذ تَأذن رَبك ليبْعَثن عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من يسومهم سوء الْعَذَاب إِن رَبك لسريع الْعقَاب وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم (167) وقطعناهم فِي الأَرْض أمما مِنْهُم الصالحون وَمِنْهُم دون ذَلِك وبلوناهم بِالْحَسَنَاتِ والسيئات لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ يكلمهُ فِي الْآيَة، ويستدل بظاهرها؛ حَتَّى ظهر الدَّلِيل لِابْنِ عَبَّاس على نجاة الْفرْقَة الساكتة، وَمن الدَّلِيل عَلَيْهِ فِي ظَاهر الْآيَة أَنه قَالَ: ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ﴾ وَتلك الْفرْقَة لم ينسوا ذَلِك، وَالثَّانِي أَنه قَالَ: ﴿أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء﴾ والفرقة الساكتة قد نهوا نهي تحذير بقَوْلهمْ: لم تعظون قوما الله مهلكهم.
وَالثَّالِث أَنه قَالَ: ﴿وأخذنا الَّذين ظلمُوا﴾ يَعْنِي: بالاصطياد يَوْم السبت؛ وهم مَا ظلمُوا بالاصطياد، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: نجت الفرقتان، وَهَلَكت وَاحِدَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا عتوا عَمَّا نهوا عَنهُ قُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ وَهَذَا أَمر تكوين، وَقَوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أَي: مبعدين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ تَأذن رَبك﴾ أَي: أعلم رَبك، قَالَ الشَّاعِر: (تَأذن إِن شَرّ النَّاس حَيّ ... يُنَادي من شعارهم يسَار) وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: تألى رَبك وَحلف ﴿ليبْعَثن عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من يسومهم سوء الْعَذَاب﴾ أَي: يذيقهم سوء الْعَذَاب، وَهُوَ الْجِزْيَة، وَقيل: هُوَ قتل بخْتنصر إيَّاهُم فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يبْعَث عَلَيْهِم الْعَذَاب، وَقد أهلكهم؟ وَقيل: أَرَادَ بِهِ على أبنائهم، وَمن يَأْتِي بعدهمْ ﴿إِن رَبك لسريع الْعقَاب وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ .