تفسير السمعانيصفحات 276-291
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البقرة

صفحات 276-291
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا﴾ السّلم وَالسّلم وَالسّلم: الصُّلْح، وَمَعْنَاهُ: وَإِن مالوا إِلَى الصُّلْح فمل إِلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَن الْحسن وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتوكل على الله﴾ مَعْنَاهُ: ثق بِاللَّه ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يخدعوك﴾ الخداع: أَن يظْهر خلاف مَا يبطن.
قَوْله: ﴿فَإِن حَسبك الله﴾ يَعْنِي: فَإِن كافيك هُوَ ﴿هُوَ الَّذِي أيدك بنصره﴾ هُوَ الَّذِي قواك بنصره ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: قواك بِالْمُؤْمِنِينَ

﴿وَألف بَين قُلُوبهم﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذَا فِي الْأَوْس والخزرج؛ وَقد كَانَت بَينهم إحن وتراث فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ الْقِتَال بَينهم قَائِما مائَة سنة، فألف الله بَين قُلُوبهم بِالنَّبِيِّ قَالَ الزّجاج: كَانَ الرجل مِنْهُم يلطم اللَّطْمَة فَكَانَ يُقَاتل بقوته إِلَى أَن يَسْتَفِيد مِنْهَا، فألف الله بَين قُلُوبهم بِالْإِسْلَامِ، حَتَّى صَار الرجل يُقَاتل أَخَاهُ وقريبه على الْإِسْلَام.
وَعَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: نزلت الْآيَة فِي المتحابين فِي الله.
وَفِي الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْمُؤمن مألفة، وَلَا خير فِيمَن لَا يؤلف وَلَا

﴿جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم إِنَّه عَزِيز حَكِيم (63) يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ (64) يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال إِن﴾ يألف.
وَعَن خَالِد بن معدان أَنه قَالَ: إِنَّه لله ملكا فِي السَّمَاء؛ نصفه من ثلج وَنصفه من نَار، وتسبيحه: اللَّهُمَّ كَمَا ألفت بَين الثَّلج وَالنَّار فألف بَين قُلُوب عِبَادك الصَّالِحين.
قَوْله ﴿لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم إِنَّه عَزِيز حَكِيم﴾ أَي منيع فِي ملكه، حَكِيم فِي خلقه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة الْوَالِبِي أَنه قَالَ: أسلم تِسْعَة وَثَلَاثُونَ رجلا وَثَلَاث وَعِشْرُونَ امْرَأَة، ثمَّ أسلم عمر رَضِي الله عَنهُ تَمام الْأَرْبَعين، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَفِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك﴾ أَي: يَكْفِيك الله وَيَكْفِي من اتبعك من الْمُؤمنِينَ، فَتكون " من " فِي مَوضِع النصب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿حَسبك الله﴾ وحسبك تباعك من الْمُؤمنِينَ؛ فَتكون " من " فِي مَوضِع الرّفْع، قَالَ الشَّاعِر: (إِذا كَانَت الهيجاء وانشقت الْعَصَا ... فحسبك وَالضَّحَّاك سيف مهند) وَهَذَا استشهاد لِلْقَوْلِ الأول.
وَقَرَأَ الشّعبِيّ: " حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ " وَمَعْنَاهُ قريب من الأول.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال﴾ قرئَ فِي الشاذ: " حرص

﴿يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا من الَّذين كفرُوا بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ (65) الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ بِإِذن الله وَالله مَعَ﴾ الْمُؤمنِينَ " بالصَّاد غير مُعْجمَة، وَالْمَعْرُوف بالضاد مُعْجمَة؛ والتحريض: هُوَ الْحَث على الْمُبَادرَة إِلَى الشَّيْء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا من الَّذين كفرُوا﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر، وَكَانَ الله تَعَالَى أَمر الْمُؤمنِينَ أَلا يفر الْوَاحِد مِنْهُم عَن عشرَة، وَلَا تَفِر الْمِائَة مِنْهُم عَن ألف.
فَإِن قَالَ قَائِل: أيش معنى ﴿بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ وَأي اتِّصَال لهَذَا بِمَعْنى الْآيَة؟ جَوَابه: مَعْنَاهُ: أَنهم يُقَاتلُون على جَهَالَة لَا على حسبَة وبصيرة، وَأَنْتُم تقاتلون على بَصِيرَة وحسبة، فَلَا يثبتون إِذا ثبتمْ، ثمَّ إِن الْمُسلمين سَأَلُوا الله التَّخْفِيف، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة الْأُخْرَى، وَأمر أَلا يفر الْوَاحِد من أثنين، وَالْمِائَة من الْمِائَتَيْنِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: الله تَعَالَى قَالَ: ﴿يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ وَنحن رَأينَا الْقِتَال على هَذَا الْعدَد بِلَا غَلَبَة، فَكيف يَسْتَقِيم معنى الْآيَة، وَالْخلف فِي خبر الله لَا يجوز؟ قُلْنَا: إِن معنى قَوْله: ﴿يغلبوا﴾ أَي: يقاتلوا؛ كَأَنَّهُ أَمرهم بِالْقِتَالِ على رَجَاء الظفر والنصرة من الله تَعَالَى.

وَأما قَوْله: ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم﴾ هَذِه الْآيَة ناسخة لِلْآيَةِ الأولى، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر يزِيد بن الْقَعْقَاع: " وَعلم أَن فِيكُم ضعفاء " وَالْمَعْرُوف: " ضعفا " و " ضعفا " ومعناهما وَاحِد.
﴿فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين﴾ وَبَاقِي الْآيَة مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

﴿الصابرين (66) مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم (67) لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ قرئَ: " أسرى، وأسارى ". قَالَ أهل اللُّغَة: أسرى جمع أَسِير، وأسارى جمع الْجمع.
وَحكى الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه قَالَ: الأسرى هم المأخوذون من غير شدّ، وَالْأسَارَى هم الَّذين أخذُوا وشدوا.
وَالأَصَح عِنْد أهل اللُّغَة أَنه لَا فرق بَينهمَا، قَالَه الْأَزْهَرِي.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ الْإِثْخَان: الْقَتْل، وَقيل: الْمُبَالغَة فِي التنكيل.
﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا﴾ بالإفداء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ مَعْنَاهُ: يرغبكم فِي الْآخِرَة، وَقَوله: ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ قد ذكرنَا معنى الْعَزِيز الْحَكِيم.
وَاعْلَم أَن الْآيَة نزلت فِي أُسَارَى بدر؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ: " أَن النَّبِي قتل سبعين يَوْم بدر، وَأسر سبعين من الْمُشْركين، ثمَّ إِنَّه اسْتَشَارَ أَصْحَابه فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ -: هَؤُلَاءِ قَوْمك وأسرتك وَأهْلك، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ الله أَن يهْدِيهم بك، وَخذ مِنْهُم الْفِدَاء؛ فَيكون مَعُونَة للْمُسلمين.
وَقَالَ عمر: هَؤُلَاءِ آذوك وَأَخْرَجُوك وَكَفرُوا بِمَا جِئْت بِهِ فَاضْرب أَعْنَاقهم.
فَمَال الرَّسُول إِلَى قَول أبي بكر وَأحب مَا ذكره ". وَرُوِيَ " أَنه قَالَ لأبي بكر: مثلك مثل إِبْرَاهِيم حِين قَالَ: ﴿فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ لعمر: مثلك مثل نوح حِين قَالَ: ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ " ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه: لَا يخلين أحد مِنْكُم

﴿أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا وَاتَّقوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ عَن أَسِير إِلَّا بِفِدَاء أَو بِضَرْب عُنُقه ففادوا وَكَانَ الْفِدَاء لكل أَسِير أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، الْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ درهما، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " لم تحل الْغَنَائِم لأحد سود الرُّءُوس قبلكُمْ؛ كَانَت نَار تنزل من السَّمَاء فتأكلها.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر ووقعوا فِيمَا وَقَعُوا من الْغَنَائِم فادوا الْأُسَارَى قبل أَن ينزل الْوَحْي بِالْجَوَازِ، أنزل الله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم﴾ الْآيَة ". وَفِي معنى الْآيَة أَقْوَال: أَحدهَا: لَوْلَا كتاب من الله سبق فِي تَحْلِيل الْغَنَائِم لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم.
هَذَا قَول سعيد بن جُبَير وَجَمَاعَة.
وَالثَّانِي: لَوْلَا كتاب من الله سبق من مغفرته لأهل بدر مَا صَنَعُوا؛ لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم، هَذَا قَول الْحسن الْبَصْرِيّ.
وَالثَّالِث: لَوْلَا كتاب من الله سبق أَنهم لم يقدم إِلَيْكُم أَلا تَأْخُذُوا؛ لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم؛ فَإِنَّهُ لَا يعذب من غير تقدمة.
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أريت عذابكم دون هَذِه الشَّجَرَة، وَأَشَارَ إِلَى شَجَرَة قريبَة مِنْهُ ". وَرُوِيَ أَنه قَالَ لعمر: " لَو نزل الْعَذَاب مَا نجا أحد سواك ". وَرُوِيَ أَنه قَالَ لَهُ: " كَاد يصيبنا ".

( ﴿69) يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا يُؤْتكُم خيرا مِمَّا أَخذ مِنْكُم وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم (70) وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتك فقد خانوا الله من قبل فَأمكن مِنْهُم وَالله عليم حَكِيم (71) إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا﴾ وَرُوِيَ أَنه لما نزلت الْآيَة الأولى كف أَصْحَاب رَسُول الله أَيْديهم عَمَّا أخذُوا من الْفِدَاء، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى﴾ نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، فَإِنَّهُ أسر يَوْم بدر، وَكَانَت مَعَه عشرُون أُوقِيَّة من الذَّهَب فَأخذت مِنْهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ النَّبِي: " افْدِ نَفسك وَابْني أَخِيك - يَعْنِي عقيلا ونوفلا - فَقَالَ: مَالِي شَيْء، وَقد أَخَذْتُم مَا كَانَ معي، قَالَ: أَيْن المَال الَّذِي دَفعته إِلَى أم الْفضل وَقلت: إِن أصبت فِي هَذَا الْوَجْه فلعبد الله كَذَا، وللفضل كَذَا، ولقثم كَذَا؟ فَقَالَ: وَالله مَا كَانَ مَعنا أحد، فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله؛ ثمَّ إِنَّه فَادى نَفسه وَابْني أَخِيه، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا ". قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا﴾ مَعْنَاهُ: إِن يعلم فِي قُلُوبكُمْ إِيمَانًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُؤْتكُم خير مِمَّا أَخذ مِنْكُم﴾ قَالَ الْعَبَّاس: فقد آتَانِي الله خيرا مِمَّا أَخذ مني، وَكَانَ لَهُ عشرُون عبدا يتجر كل عبد فِي عشْرين ألف دِرْهَم.
وَقَوله: ﴿وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ قَالَ الْعَبَّاس: وَأَنا أَرْجُو من الله الْمَغْفِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتك﴾ الْخِيَانَة: ضد الْأَمَانَة؛ وَمَعْنَاهُ: إِن أَرَادوا أَن يكفروا بك ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ أَي: قد كفرُوا بِاللَّه من قبل.
قَوْله: ﴿فَأمكن مِنْهُم﴾ يَعْنِي: مكن مِنْهُم ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة، الْهِجْرَة: هِيَ الْخُرُوج من الوطن إِلَى غَيره، وَقد كَانَت فرضا فِي ابْتِدَاء

﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (72) وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير (73) ﴾ الْإِسْلَام، فَلَمَّا كَانَ يَوْم فتح مَكَّة قَالَ النَّبِي: " لَا هِجْرَة بعد الْيَوْم ". وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: الْهِجْرَة قَائِمَة إِلَى قيام السَّاعَة، فعلى أهل الْبَوَادِي إِذا أَسْلمُوا أَن يهاجروا إِلَى الْأَمْصَار.
قَوْله: ﴿وَالَّذين آووا ونصروا﴾ هَؤُلَاءِ أهل الْمَدِينَة؛ وَمعنى الإيواء: ضمهم الْمُهَاجِرين إِلَى أنفسهم فِي الْأَمْوَال والمساكن.
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أُولَئِكَ أعوان بعض.
وَالْقَوْل الثَّانِي مَعْنَاهُ: يَرث بَعضهم من بعض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا﴾ قطع الْمُوَالَاة بَين الْمُسلمين وَبينهمْ حَتَّى يهاجروا، وَكَانَ المُهَاجر لَا يَرث من الْأَعرَابِي، وَلَا الْأَعرَابِي من المُهَاجر، ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر﴾ يَعْنِي: وَإِن استنصروكم الَّذين لم يهاجروا فَعَلَيْكُم النَّصْر، ثمَّ اسْتثْنى وَقَالَ: ﴿إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ أَي: موادعة، فَلَا تنصروهم عَلَيْهِم.
قَوْله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ يَعْنِي: أَن بَعضهم أعوان بعض.
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن بَعضهم يَرث من الْبَعْض.
وَقَوله ﴿إِلَّا تفعلوه﴾ يَعْنِي: إِن لم تقبلُوا هَذَا الحكم ﴿تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير﴾ الْفِتْنَة فِي الأَرْض: قُوَّة الْكفْر، وَالْفساد الْكَبِير: ضعف الْإِيمَان.

﴿وَالَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم مغْفرَة ورزق كريم (74) وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ فَأُولَئِك مِنْكُم وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله إِن الله بِكُل شَيْء عليم (75) ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا﴾ (الْآيَة) ، فَإِن قيل: أَي معنى فِي هَذَا التّكْرَار؟ قُلْنَا: الْمُهَاجِرُونَ كَانُوا على طَبَقَات، وَكَانَ بَعضهم أهل الْهِجْرَة الأولى، وهم الَّذين هَاجرُوا قبل الْحُدَيْبِيَة، وَبَعْضهمْ أهل الْهِجْرَة الثَّانِيَة، وهم الَّذين هَاجرُوا بعد الْحُدَيْبِيَة قبل فتح مَكَّة، وَكَانَ بَعضهم ذَا هجرتين، وهما الْهِجْرَة إِلَى الْحَبَشَة وَالْهجْرَة إِلَى الْمَدِينَة؛ فَالْمُرَاد من الْآيَة الأولى الْهِجْرَة الأولى، وَالْمرَاد من الثَّانِيَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ يَعْنِي: لَا مرية وَلَا ريب فِي إِيمَانهم.
قَوْله: ﴿لَهُم مغْفرَة ورزق كريم﴾ روى فِي الرزق الْكَرِيم أَن المُرَاد مِنْهُ: رزق الْجنَّة لَا يصير بخوى؛ بل يصير رشحا لَهُ ريح الْمسك.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ فَأُولَئِك مِنْكُم﴾ الْآيَة، أَرَادَ بِهِ: فَأُولَئِك مَعكُمْ، فَأنْتم مِنْهُم وهم مِنْكُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن هَذِه الْآيَة ناسخة لما سبق من إِثْبَات الْمِيرَاث بِالْهِجْرَةِ، فَنقل الْمِيرَاث من الْهِجْرَة إِلَى الْمِيرَاث بِالْقَرَابَةِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي كتاب الله﴾ أَي: فِي حكم الله.
قَوْله: ﴿إِن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ قَالَ أهل الْعلم: لَيْسَ المُرَاد من أولي الْأَرْحَام الأقرباء الَّذين لَيْسَ لَهُم عصوبة وَلَا فرض؛ وَإِنَّمَا المُرَاد من أولي الْأَرْحَام [أهل العصابات] ثمَّ مِيرَاث الأقرباء مَذْكُور فِي مَوضِع آخر، وَهُوَ آيَة الْمِيرَاث، وَالله أعلم.

تَفْسِير سُورَة التَّوْبَة

اعْلَم أَن هَذِه السُّورَة مَدَنِيَّة، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب: " أَنَّهَا آخر سُورَة أنزلت كَامِلَة " وَلها أَسمَاء كَثِيرَة.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن هَذِه السُّورَة، فَقَالَ: هِيَ الفاضحة؛ مازال ينزل قَوْله [تَعَالَى] : وَمِنْهُم، وَمِنْهُم، حَتَّى طننا أَنه لَا يتْرك منا أحدا.
وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان: هِيَ سُورَة الْعَذَاب.
وَمن الْمَعْرُوف أَنَّهَا تسمى سُورَة البحوث، وَمن أسمائها: المبعثرة، وَمن أسمائها: المنيرة، وَمن أسمائها: الحافرة، لِأَنَّهَا حفرت عَن قُلُوب الْمُنَافِقين.
وروى النقاش عَن ابْن عمر أَنَّهَا تسمى المقشقشة.
وَعَن عمرَان بن حدير أَنه قَالَ: قَرَأت هَذِه السُّورَة على أَعْرَابِي، فَقَالَ: هَذِه السُّورَة أظنها آخر مَا أنزلت، فَقلت لَهُ: وَلم؟ فَقَالَ: أرى عهودا تنبذ، وعقودا تنقض.
وَعَن سعيد بن جُبَير: أَن هَذِه السُّورَة كَانَت تعدل سُورَة الْبَقَرَة فِي الطول.
وَأما الْكَلَام فِي حذف التَّسْمِيَة: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " قلت لعُثْمَان - رَضِي الله عَنهُ -: مَا بالكم عمدتم إِلَى سُورَة التَّوْبَة وَهِي من المئين، وَإِلَى سُورَة الْأَنْفَال وَهِي من المثاني، فقرنتم بَينهمَا وَلم تكْتبُوا سطر ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ؟ فَقَالَ: " كَانَ إِذا أنزل على رَسُول الله الشَّيْء من الْقُرْآن دَعَا بعض من يكْتب، فَيَقُول لَهُ: ضَعْهُ فِي سُورَة كَذَا، ضَعْهُ فِي سُورَة كَذَا، وَكَانَت الْأَنْفَال من أول مَا أنزلت بِالْمَدِينَةِ، وَالتَّوْبَة من آخر مَا أنزلت، وَكَانَ قصتيهما شَبيهَة بَعْضهَا بِبَعْض، وَخرج رَسُول الله من الدُّنْيَا وَلم يبين لنا شَيْئا فظننا أَنَّهُمَا سُورَة وَاحِدَة؛ فَلذَلِك قرنا بَينهمَا وَلم نكتب ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ .

﴿بَرَاءَة من الله وَرَسُوله إِلَى الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين (1) فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر وَاعْلَمُوا أَنكُمْ غير معجزي الله وَأَن الله مخزي الْكَافرين (2) وأذان﴾ وَهَذَا خبر فِي " الصَّحِيح " أوردهُ مُسلم، وروى أَن الصَّحَابَة اخْتلفُوا، فَقَالَ بَعضهم: هما سورتان، وَقَالَ بَعضهم: هما سُورَة وَاحِدَة؛ فاتفقوا أَن يفصلوا ببياض بَين السورتين، وَلَا يكتبوا: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ". وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا حكى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة من الْمُتَقَدِّمين، والمبرد من الْمُتَأَخِّرين: أَن السُّورَة سُورَة نقض الْعَهْد والبراءة من الْمُشْركين؛ وَالتَّسْمِيَة أَمَان وافتتاح خير؛ فَلهَذَا لم يكتبوا " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿برآءة من الله وَرَسُوله﴾ قَوْله: ﴿بَرَاءَة﴾ هَذِه بَرَاءَة، والبراءة: نقض الْعِصْمَة، وَمعنى الْآيَة: تبرؤ من الله وَرَسُوله.
﴿إِلَى الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين﴾ وَقَالَ بَعضهم: برىء الله وَرَسُوله من الْمُشْركين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: أَقبلُوا وأدبروا واذهبوا وجيئوا ﴿أَرْبَعَة أشهر﴾ اخْتلفُوا فِي الْأَشْهر الْأَرْبَعَة: قَالَ ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَقَتَادَة: ابتداؤه من يَوْم النَّحْر، وَآخره الْعَاشِر من شهر ربيع الآخر.
وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ شَوَّال، وَذُو الْقعدَة، وَذُو الْحجَّة، وَالْمحرم.
وَالْقَوْل الأول هُوَ الصَّوَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنكُمْ غير معجزي الله﴾ أَي: غير فائتي الله، وَمَعْنَاهُ: أَنه

وَإِن أجلكم هَذِه الْمدَّة فَلَا يعجز عَن عذابكم، كَمَا يعجز من يفوتهُ الشَّيْء ﴿وَأَن الله مخزي الْكَافرين﴾ أَي: مذل الْكَافرين.
وَسبب نزُول الْآيَة: " أَنه كَانَ بَين رَسُول الله وَبَين الْمُشْركين عهود ومدد، فَلَمَّا غزا غَزْوَة تَبُوك أرجف المُنَافِقُونَ بِالنَّبِيِّ، فَجعل الْمُشْركُونَ ينقضون العهود - وَقيل: إِن هَذَا كَانَ قبل غَزْوَة تَبُوك - فَلَمَّا كَانَت سنة تسع من الْهِجْرَة بعث أَبَا بكر - رَضِي الله عَنهُ - لِلْحَجِّ بِالنَّاسِ، وَبعث عليا - رَضِي الله عَنهُ - ليقرا على النَّاس هَذِه الْآيَات من أول هَذِه السُّورَة.
ويروى أَنه بعث أَبَا بكر أَولا، ثمَّ إِنَّه بعث عليا فِي إثره، وَقَالَ: " لَا يبلغ هَذِه الْآيَات إِلَّا رجل منى " يَعْنِي: من رهطي فَكَانَ أَبُو بكر أَمِيرا على الْمَوْسِم، وَكَانَ عَليّ يُنَادي فِي النَّاس بِهَذِهِ الْآيَات.
وروى أَن عليا سُئِلَ: بِمَ بَعثك رَسُول الله؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي بأَرْبعَة أَشْيَاء: أَولهَا: من كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله عهد فمدته إِلَى أَرْبَعَة أشهر، وَالثَّانِي: لَا يَحُجن بعد هَذَا الْعَام مُشْرك، وَالثَّالِث: لَا يَطُوفَن بِالْبَيْتِ عُرْيَان، وَالرَّابِع: لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة ". فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ بعث أَبَا بكر بِهَذِهِ الْآيَات ثمَّ عَزله وَبعث عليا، وَقَالَ: " لَا يبلغ عني إِلَّا رجل مني "، فَإِن كَانَ لَا يبلغ هَذَا إِلَّا رجل من رهطه، فَكَذَلِك سَائِر الْأَشْيَاء؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر الْعلمَاء أَن رَسُول الله لم يعْزل أَبَا بكر عَن الْمَوْسِم، وَكَانَ هُوَ الْأَمِير، وَإِنَّمَا بعث عليا لينادى بِهَذِهِ الْآيَات؛ لِأَن الْعَرَب كَانُوا تعارفوا أَنه لَا يعْقد على الْقَوْم إِلَّا سيدهم، وَلَا ينْقض إِلَّا سيدهم أَو رجل من أَهله، فَبعث عليا على مَا تعارفوا؛ ليزيح الْعِلَل بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا تبقى لَهُم عِلّة، فَكَانَ الْمَعْنى هَذَا، وَالله أعلم.

﴿من الله وَرَسُوله إِلَى النَّاس يَوْم الْحَج الْأَكْبَر أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله فَإِن تبتم فَهُوَ خير لكم وَإِن توليتم فاعلموا أَنكُمْ غير معجزي الله وَبشر الَّذين﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأذان من الله وَرَسُوله﴾ مَعْنَاهُ: إِعْلَام من الله وَرَسُوله، قَالَ الْحَارِث بن حلزة: (آذنتنا بينهماأسماء ... رب ثاو يمل مِنْهُ الثواء) مَعْنَاهُ: أعلمتنا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى النَّاس يَوْم الْحَج الْأَكْبَر﴾ اخْتلفُوا فِي يَوْم الْحَج الْأَكْبَر على أَقْوَال: روى يحيى بن (الجزار) أَن عليا - رَضِي الله عَنهُ - خرج يَوْم الْعِيد على دَابَّة، فَأخذ رجل بلجام دَابَّته، وَقَالَ: مَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر؟ فَقَالَ: هُوَ الْيَوْم الَّذِي أَنْت فِيهِ، خل عَنْهَا.
وروى مثل هَذَا عَن ابْن عمر، والمغيرة بن شُعْبَة، وَعبد الله بن أبي أوفى.
وَالْقَوْل الثَّانِي: قَول ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: هُوَ يَوْم عَرَفَة.
وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَجَمَاعَة.
وَقَالَ ابْن سِيرِين - وَهُوَ القَوْل الثَّالِث -: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر هُوَ الْيَوْم الَّذِي حج فِيهِ رَسُول الله، اتّفق فِيهِ حج أهل المل كلهَا.
وَالصَّحِيح هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين.
وَاخْتلفُوا فِي الْحَج الْأَكْبَر: فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَن الْحَج الْأَكْبَر هُوَ الْقُرْآن، وَالْحج الْأَصْغَر هُوَ الْإِفْرَاد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْحَج الْأَكْبَر: هُوَ الْحَج، والأصغر هُوَ الْعمرَة.
قَوْله: ﴿أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله فَإِن تبتم فَهُوَ خير لكم وَإِن توليتم فاعلموا أَنكُمْ غير معجزي الله وَبشر الَّذين كفرُوا بِعَذَاب أَلِيم﴾ مَعْنَاهُ: وَرَسُوله بَرِيء

﴿كفرُوا بِعَذَاب أَلِيم (3) إِلَّا الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا وَلم يظاهروا عَلَيْكُم أحدا فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم﴾ أَيْضا.

﴿إِلَّا الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين﴾ وَقع الِاسْتِثْنَاء على قوم من بني ضَمرَة أَمر الله رَسُوله أَن يتم إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم، وَكَانَ قد بَقِي من مدتهم تِسْعَة أشهر؛ وَالسَّبَب فِي الْإِتْمَام: أَنهم لم ينقضوا الْعَهْد، وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا﴾ ، وَقَرَأَ عَطاء بن يسَار: " ثمَّ لم ينقضوكم شَيْئا " بالضاد الْمُعْجَمَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلم يظاهروا عَلَيْكُم أحدا﴾ وَمَعْنَاهُ: وَلم يعاونوا عَلَيْكُم أحدا ﴿فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُتَّقِينَ عَن نقض الْعَهْد.
وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ - رَحمَه الله - أَنه قَالَ: المتقي: من يدع مَالا بَأْس بِهِ حذرا مِمَّا بِهِ بَأْس.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ رُوِيَ فِي التفاسير " أَن النَّبِي أجل الْمُشْركين الَّذين كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي عهد أَرْبَعَة أشهر، وَأجل الَّذين لم يكن بَين رَسُول الله وَبينهمْ عهد بَاقِي ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وَهُوَ خَمْسُونَ لَيْلَة " فَهَذَا معنى الْآيَة.
فَإِن قيل: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم﴾ وَمَا ذكرْتُمْ بعض الْأَشْهر الْحرم.
قُلْنَا: هَذَا الْقدر كَانَ مُتَّصِلا بِمَا مضى؛ فَأطلق عَلَيْهِ اسْم الْجَمِيع، وَمَعْنَاهُ: هُوَ مضى الْمدَّة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تقع بعد انسلاخ الْأَشْهر الْحرم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
قَوْله ﴿وخذوهم﴾ ظَاهر.
أَي: خذوهم أسرا؛ وَالْعرب تسمي الْأَسير أخيذا، وَفِي الْمثل: أكذب من أخيذ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واحصروهم﴾ يَعْنِي: واحبسوهم، يَعْنِي: حولوا بَينهم وَبَين

﴿واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم إِن الله غَفُور رَحِيم (5) وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله ثمَّ أبلغه مأمنه ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعلمُونَ (6) كَيفَ يكون للْمُشْرِكين عهد عِنْد الله وَعند رَسُوله إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام فَمَا﴾ الْمَسْجِد الْحَرَام، هَذَا هُوَ معنى الْحَبْس هَاهُنَا.
وَقَوله: ﴿واقعدوا لَهُم كل مرصد﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المرصد: الطّرق.
يَعْنِي اقعدوا لَهُم بطرق مَكَّة حَتَّى لَا يصلوا إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام قَالَ الشَّاعِر: (وَلَقَد علمت [وَلَا أخالك نَاسِيا] ... أَن الْمنية للفتى بالمرصد) قَوْله: ﴿فَإِن تَابُوا﴾ يَعْنِي: آمنُوا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم﴾ يَعْنِي: خلوا سبيلهم ليصلوا إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ مَعْلُوم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره﴾ الإستجارة: طلب الْأمان.
وَمعنى الْآيَة: وَإِن أحد من الْمُشْركين طلب مِنْك الْأمان فَأَجره، أَي: أَمنه ﴿حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ يَعْنِي: فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ من الْعقَاب وَالثَّوَاب والوعد والوعيد ﴿ثمَّ أبلغه مأمنه﴾ يَعْنِي: الْموضع الَّذِي يَأْمَن فِيهِ ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعلمُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن يسمعوا كَلَام الله تَعَالَى لجهلهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ يكون للْمُشْرِكين عهد عِنْد الله وَعند رَسُوله﴾ قَالَ الْفراء: كلمة " كَيفَ " هَاهُنَا كلمة اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْجحْد، وَمَعْنَاهُ: لَا يكون للْمُشْرِكين عهد عِنْد الله وَعند رَسُوله، يَعْنِي: وَلَا عِنْد رَسُوله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ هَؤُلَاءِ قوم من بني ضَمرَة على مَا ذكرنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم﴾ يَعْنِي: إِذا وفوا بعهدكم وفوا

﴿استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ (7) كَيفَ وَإِن يظهروا عَلَيْكُم لَا يرقبوا فِيكُم إِلَّا وَلَا ذمَّة يرضونكم بأفواههم وتأبى قُلُوبهم وَأَكْثَرهم فَاسِقُونَ (8) اشْتَروا بآيَات الله ثمنا قَلِيلا فصدوا عَن سَبيله إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُوا﴾ بعهدهم ﴿إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾ قيل مَعْنَاهُ: إِن الله يحب الْمُؤمنِينَ، وَقيل: يحب الْمُتَّقِينَ نقض الْعَهْد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ وَإِن يظهروا عَلَيْكُم لَا يرقبوا فِيكُم إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ يَعْنِي: كَيفَ يكون لَهُم عهد وَإِن يظهروا عَلَيْكُم لَا يرقبوا فِيكُم إِلَّا وَلَا ذمَّة؟ اخْتلفت الْأَقْوَال فِي " إِلَّا ": رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَن " إِلَّا " هُوَ الله تَعَالَى.
وَفِي الشاذ قرئَ: " لَا يرقبوا فِيكُم إيلا وَلَا ذمَّة "، وإيل: هُوَ الله.
وَرُوِيَ عَن أبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ فِي كَلِمَات مُسَيْلمَة الْكذَّاب - لَعنه الله - حِين سمع أَنه يَقُول: يَا ضفدع نقي نقي، كم تنقين، لَا المَاء تكدرين وَلَا الشَّرَاب تمنعين.
فَقَالَ أَبُو بكر: إِن هَذَا كَلَام لم يخرج من إل يَعْنِي: من الله.
وَالْقَوْل الثَّانِي قَول أبي عُبَيْدَة: الإل هُوَ الْعَهْد، والذمة: التذمم.
وَالثَّالِث: قَول الضَّحَّاك - وَهُوَ أولى الْأَقَاوِيل وأحسنها - قَالَ: إِن الإل هُوَ الْقَرَابَة، والذمة: الْعَهْد، قَالَ حسان بن ثَابت: (لعمرك إِن إلك من قُرَيْش ... كإل السقب من رأل النعام) قَوْله تَعَالَى: ﴿يرضونكم بأفواههم وتأبى قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: يعدون الْوَفَاء بالْقَوْل، وتأبى قُلُوبهم إِلَّا الْغدر ﴿وَأَكْثَرهم فَاسِقُونَ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: هَذَا فِي الْمُشْركين وهم كلهم فَاسِقُونَ، فَكيف قَالَ: ﴿وَأَكْثَرهم﴾ ؟ قُلْنَا: الْفسق هَاهُنَا: نقض الْعَهْد، وَكَانَ فِي الْمُشْركين من وفى بعهده؛ فَلهَذَا قَالَ ﴿وَأَكْثَرهم فَاسِقُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿اشْتَروا بآيَات الله ثمنا قَلِيلا﴾ الْآيَة.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الدُّنْيَا

﴿يعْملُونَ (9) لَا يرقبون فِي مُؤمن إِلَّا وَلَا ذمَّة وَأُولَئِكَ هم المعتدون (10) فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين ونفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ (11) وَإِن نكثوا أَيْمَانهم من بعد عَهدهم وطعنوا فِي دينكُمْ فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر﴾ بحذافيرها ثمن قَلِيل.
وَمعنى الْآيَة: أَنهم اخْتَارُوا الدُّنْيَا على رضَا الله وعَلى الْإِيمَان بآيَات الله ﴿فصدوا عَن سَبيله﴾ يَعْنِي: منعُوا النَّاس عَن سَبيله ﴿إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يرقبون فِي مُؤمن إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ المراقبة: الْحِفْظ، والإل والذمة قد ذكرنَا مَعْنَاهُمَا ﴿وَأُولَئِكَ هم المعتدون﴾ المجاوزون للحدود.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين ونفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل