تفسير السمعانيصفحات 393-397
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحجر

صفحات 393-397
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا إِنَّه من الصَّالِحين (75) ونوحا إِذْ نَادَى من قبل فاستجبنا لَهُ فنجيناه وَأَهله من الكرب الْعَظِيم (76) ونصرناه من الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ (77) وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما﴾ وَقَوله: ﴿ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث﴾ الْقرْيَة: هِيَ سدوم، وَأما الْخَبَائِث قيل: إتيانهم الذُّكُور، وَيُقَال هُوَ: [التضارط] فِي الأندية.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا إِنَّه من الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ونوحا إِذْ نَادَى من قبل﴾ نداؤه هُوَ قَوْله: ﴿أَنِّي مغلوب فانتصر﴾ ، (وَقيل هُوَ قَوْله:) ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ . وَقَوله: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أَي: أجبناه.
وَقَوله: ﴿فنجيناه وَقَومه من الكرب الْعَظِيم﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ أطول الْأَنْبِيَاء عمرا، وَأَشد الْأَنْبِيَاء بلَاء، وَرُوِيَ أَنه كَانَ يضْرب فِي الْيَوْم سبعين مرّة.
وَقَوله: ﴿من الكرب الْعَظِيم﴾ أَي: من الْغَرق، وَقيل: من الْغم والضيق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ونصرناه من الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: منعناه وحفظناه.
﴿إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث﴾ اخْتلف القَوْل فِي الْحَرْث:

﴿يحكمان فِي الْحَرْث إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين (78) ففهمناها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ كرما قد بَدَت عناقيده، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ زرعا، وَأما الْقِصَّة فِيهِ: فَروِيَ أَنه كَانَ رجلَانِ لأَحَدهمَا حرث وَللْآخر غنم، فَدخل الْغنم فِي حرث صَاحبه لَيْلًا، فَأكلت وأفسدت، حَتَّى لم يبْق شَيْء - وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم﴾ والنفش هُوَ الرَّعْي لَيْلًا، والهمل هُوَ الرَّعْي نَهَارا - فَلَمَّا أصبحا جَاءَ صَاحب الْحَرْث يُخَاصم صَاحب الْغنم عِنْد دَاوُد، فَقَالَ دَاوُد: خُذ بِرَقَبَة الأغنام فَهِيَ لَك بدل حرثك، وَكَانَ سُلَيْمَان ثمَّ فَقَالَ: يَا نَبِي الله، أَو غير ذَلِك؟ هَذَا قَول ابْن مَسْعُود، أَن سُلَيْمَان ثمه.
وَقَالَ غَيره: أَنَّهُمَا خرجا فمرا على سُلَيْمَان، وذكرا لَهُ حكم دَاوُد، فَقَالَ: قد كَانَ هَا هُنَا حكم هُوَ أرْفق بِالرجلَيْنِ، فَذكر ذَلِك لِأَبِيهِ دَاوُد، فَدَعَاهُ وَسَأَلَهُ بِحَق الْأُبُوَّة، فَقَالَ: تسلم الْغنم إِلَى صَاحب الْحَرْث، ينْتَفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتسلم الْحَرْث إِلَى صَاحب الْغنم يقوم عَلَيْهِ، حَتَّى إِذا عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَيْلَة نفشت فِيهِ الْغنم سلمت الْحَرْث إِلَى صَاحبه؛ فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ وَأخذ دَاوُد بذلك.
وَأما قَوْله: ﴿وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين﴾ أَي: لم يغب عَنَّا حكمهمَا جَمِيعًا، وَكَانَ بعلمنا ومرامنا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
وَاخْتلف الْعلمَاء أَن دَاوُد حكم مَا حكم بِالِاجْتِهَادِ أَو بِالْوَحْي؟ وَكَذَلِكَ سُلَيْمَان، فَقَالَ بَعضهم: إنَّهُمَا فعلا بِالِاجْتِهَادِ، وَقَالُوا: يجوز الِاجْتِهَاد للأنبياء؛ ليدركوا ثَوَاب الْمُجْتَهدين، إِلَّا أَن دَاوُد أَخطَأ، وَسليمَان أصَاب، وَالْخَطَأ يجوز على الْأَنْبِيَاء إِلَّا أَنهم لَا يقرونَ عَلَيْهِ، وَاخْتلفُوا [فِي] أَنه هَل يجوز على نَبينَا الْخَطَأ فِي الحكم كَمَا يجوز على سَائِر الْأَنْبِيَاء؟ قَالَ أَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة: لَا يجوز؛ لِأَن شَرِيعَته ناسخة، وَلَيْسَ

بعده نَبِي، وَقَالَ غَيره: يجوز كَمَا يجوز على سَائِر الْأَنْبِيَاء.
وَقد رُوِيَ " أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي وَقَالَت: إِن زَوجي توفّي فَأَيْنَ أَعْتَد؟ فَقَالَ لَهَا: اعْتدي أَيْن شِئْت، فَلَمَّا ولت دَعَاهَا وَقَالَ: سُبْحَانَ الله امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَرُوِيَ أَن رجلا أَتَى النَّبِي وَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت إِن قتلت صَابِرًا محتسبا، هَل يحجزني من الْجنَّة شَيْء؟ قَالَ: لَا، ثمَّ دَعَاهُ وَقَالَ: " إِلَّا الدّين، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيل " وَهُوَ خبر مَعْرُوف، والخبران يدلان على أَنه يجوز أَنه يُخطئ، إِلَّا أَنه لَا يُقرر عَلَيْهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أصل الْحُكُومَة: هُوَ أَن دَاوُد وَسليمَان - عَلَيْهِمَا السَّلَام - حكما بِالْوَحْي، إِلَّا أَن مَا حكم بِهِ دَاوُد كَانَ مَنْسُوخا، وَالَّذِي حكم بِهِ سُلَيْمَان كَانَ نَاسِخا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم: لَا يجوز للنَّبِي أَن يجْتَهد فِي الْحَوَادِث؛ لِأَنَّهُ مستغن بِالْوَحْي عَن الِاجْتِهَاد، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ ، وَالْأول هُوَ الْأَصَح.
وَأما حكم هَذِه الْمَسْأَلَة فِي شريعتنا: فَاعْلَم أَن مَا أفسدت الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ عندنَا مَضْمُون على صَاحبهَا، وَمَا أفسدت بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَان، وَالْحجّة فِيهِ مَا روى الزُّهْرِيّ، عَن حرَام بن محيصة عَن أَبِيه: " أَن نَاقَة الْبَراء بن عَازِب دخلت حرث قوم فأفسدته، فَارْتَفعُوا إِلَى النَّبِي فَقضى بِأَن حفظ الْمَاشِيَة على أَرْبَابهَا لَيْلًا، وَأَن حفظ الْحَرْث على أَرْبَابهَا نَهَارا " وَهَذَا أحسن حكم يكون؛ لِأَن الْعَادة جرت أَن الْمَوَاشِي تحفظ

﴿سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ وَالطير وَكُنَّا فاعلين﴾ بِاللَّيْلِ، وتسيب بِالنَّهَارِ، وَأما الحروث والزروع تحفظ بِالنَّهَارِ، ويتعذر حفظهَا بِاللَّيْلِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث القَاضِي الإِمَام الْوَالِد، قَالَ: نَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن الْبَزَّار، قَالَ: أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا العذافري، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرِي قَالَ: [حَدثنَا] عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ ... . الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وَقد بَينا.
فَإِن قيل: قد كَانَ دَاوُد حكم بِمَا حكم بِهِ، والحادثة إِذا جرى فِيهَا حكم الْحَاكِم لَا يجوز أَن تنقض بِغَيْرِهِ، فَكيف وَجه هَذَا؟ وَالْجَوَاب: يحْتَمل أَنه كَانَ طُولِبَ بالحكم، وَلم يحكم بعد، إِلَّا أَنه ذكر وَجه الحكم، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه كَانَ حكم بِالِاجْتِهَادِ، فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَان مَا قَالَ، نزل الْوَحْي أَن الحكم مَا قَالَ.
وَقَوله: ﴿وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ وَالطير﴾ قيل: تسبيحها صلَاتهَا، وَقيل: تسبيحها هُوَ الثَّنَاء على الله بِالطَّهَارَةِ وَالتَّقْدِيس، وَقد رُوِيَ أَن الْجبَال كَانَت تجاوب دَاوُد بالتسبيح، وَرُوِيَ أَنه كَانَ إِذا قَرَأَ سَمعه الله تَسْبِيح الْجبَال وَالطير؛ لينشط فِي التَّسْبِيح، ويشتاق إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا فاعلين﴾ . أَي: قَادِرين على مَا نُرِيد، وَقيل مَعْنَاهُ: فعلنَا مَا فعلنَا بِالتَّدْبِيرِ الصَّحِيح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾ اللبوس هَا هُنَا هُوَ الدرْع، وَفِي اللُّغَة: اللبوس مَا يلبس، قَالَ قَتَادَة: لم يسْرد الدرْع، وَلم يحلقه أحد قبل دَاوُد، وَكَانَ قبله

( ﴿79) وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فَهَل أَنْتُم شاكرون (80) ولسليمان الرّيح عَاصِفَة تجْرِي بأَمْره إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا وَكُنَّا بِكُل شَيْء عَالمين (81) وَمن الشَّيَاطِين من يغوصون لَهُ ويعملون عملا دون ذَلِك وَكُنَّا لَهُم حافظين (82) ﴾ يتَّخذ الدرْع من صَفَائِح، فَلَمَّا عمل هُوَ الدرْع جمع الخفة والحصانة.
وَقَوله: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ أَي: من بَأْس عَدوكُمْ.
وَقَوله: ﴿لتحصنكم﴾ قرئَ بقراءات: بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَالنُّون، أما الْيَاء فَمَعْنَاه: ليحصنكم اللبوس، وَقيل: ليحصنكم الله، وَأما التَّاء فَمَعْنَاه: لتحصنكم الصَّنْعَة، وَأما بالنُّون ينْصَرف إِلَى الله.
وَقَوله: ﴿فَهَل أَنْتُم شاكرون﴾ يَعْنِي: يَا دود وَأهل بَيته، هَل أَنْتُم شاكرون؟ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولسليمان الرّيح عَاصِفَة﴾ الرّيح الْعَاصِفَة هِيَ الَّتِي يشْتَد هبوبها، فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿رخاء حَيْثُ أصَاب﴾ والرخاء: اللين؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن تشتد اشتدت، وَإِذا أَرَادَ أَن تلين لانت.
وَقَوله: ﴿تجْرِي بأَمْره إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ يسير من الشَّام إِلَى اصطخر تحمله الرّيح غدْوَة، ويسير من اصطخر إِلَى الشَّام تحمله الرّيح عَشِيَّة.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا بِكُل شَيْء عَالمين﴾ يَعْنِي: أَنه مَا غَابَ عَنَّا شَيْء من الْأَشْيَاء.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل