الإنسان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن المصدقين والمصدقات﴾ قرئَ: بتَشْديد الصَّاد وتخفيفها، فعلى تَخْفيف الصَّاد يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، وعَلى تَشْدِيد الصَّاد يَعْنِي: المتصدقين.
وَقَوله: ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ قيل: لَا تكون الصَّدَقَة قرضا حسنا حَتَّى تَجْتَمِع فِيهَا خِصَال: أَولهَا: أَن تكون من حَلَال، وَأَن يُعْطِيهَا طيبَة بهَا نَفسه، وَأَن لَا يتبعهَا منا وَلَا أَذَى، وَأَن يتَيَمَّم الْجيد من مَاله لَا الْخَبيث والرديء، وَأَن يُعْطِيهَا ابْتِغَاء وَجه الله لَا مراءاة لِلْخلقِ، وَأَن يخرج الأحب من مَاله إِلَى الله تَعَالَى، وَأَن يتَصَدَّق وَهُوَ صَحِيح يأمل الْعَيْش ويخشى الْفقر، وَأَن لَا يستكثر مَا فعله بل يستقله، وَأَن يتَصَدَّق بالكثير.
وَقَوله: ﴿يُضَاعف لَهُم وَلَهُم أجر كريم﴾ أَي: كثير حسن.
﴿لَهُم أجرهم ونورهم وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم (19) اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو وزينة وتفاخر بَيْنكُم وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد كَمثل غيث أعجب الْكفَّار نَبَاته ثمَّ يهيج فتراه مصفرا ثمَّ يكون حطاما وَفِي الْآخِرَة﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون﴾ الصّديق هُوَ كثير الصدْق، كالسكيت كثير السُّكُوت.
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كلكُمْ صديق وشهيد.
فَقيل لَهُ: كَيفَ يَا أيا هُرَيْرَة؟ فَقَرَأَ قَوْله فِي هَذِه الْآيَة.
وَاخْتلف القَوْل فِي قَوْله: ﴿وَالشُّهَدَاء﴾ فأحد الْأَقْوَال: أَنهم الشُّهَدَاء المعروفون، وهم الَّذين اسْتشْهدُوا فِي سَبِيل الله.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم النَّبِيُّونَ، ذكره الْفراء.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنهم جَمِيع الْمُؤمنِينَ.
فعلى هَذَا يكون الشُّهَدَاء مَعْطُوفًا على قَوْله: ﴿أُولَئِكَ هم الصديقون﴾ وعَلى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين تمّ الْوَقْف وَالْكَلَام على قَوْله: ﴿أُولَئِكَ هم الصديقون﴾ ، وَقَوله: ﴿وَالشُّهَدَاء عِنْد رَبهم﴾ ابْتِدَاء كَلَام.
وَفِي قَوْله: ﴿عِنْد رَبهم﴾ إِشَارَة إِلَى مَنْزِلَتهمْ ومكانتهم عِنْد الله.
وَقَوله: ﴿لَهُم أجرهم ونورهم﴾ أَي: ثوابهم وضياؤهم.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى، والجحيم مُعظم النَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو وزينة﴾ أَي: هِيَ مَا يلْعَب بِهِ ويلهي ويتزين بِهِ.
وَالْمرَاد بِهِ: كل مَا أُرِيد بِهِ غير الله، أَو كل مَا شغل عَن الدّين.
وَيُقَال: لعب وَلَهو: أكل وَشرب.
وَيُقَال: اللّعب الْأَوْلَاد، وَاللَّهْو النِّسَاء.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وتفاخر بَيْنكُم﴾ أَي: تفاخر من بَعْضكُم على بعض.
وَقَوله: ﴿وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد﴾ أَي: تطاول بِكَثْرَة الْأَوْلَاد وَالْأَمْوَال.
وَالْفرق بَين التفاخر وَالتَّكَاثُر: أَن التفاخر قد يكون مِمَّن لَهُ ولد وَمَال مَعَ من لَا ولد لَهُ
﴿عَذَاب شَدِيد ومغفرة من الله ورضوان وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور (20) سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض أعدت للَّذين آمنُوا بِاللَّه﴾ وَلَا مَال، وَأما التكاثر لَا يكون إِلَّا مِمَّن لَهُ ولد وَمَال مَعَ من لَهُ ولد وَمَال.
وَقد ورد فِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " من طلب الدُّنْيَا تعففا عَن السُّؤَال، وصيانة للْوَلَد والعيال، جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر، وَمن طلبَهَا تفاخرا وتكاثرا ورياء للنَّاس، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ.
وَقَوله: ﴿كَمثل غيث أعجب الْكفَّار نَبَاته﴾ أَي: الزراع، وَذَلِكَ حِين ينْبت وَيحسن فِي أعين النَّاس.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يهيج فتراه مصفرا﴾ أَي: ييبس ويجف.
وَقَوله: ﴿مصفرا﴾ أَي: أصفر يَابسا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يكون حطاما﴾ أَي: يتكسر ويتهشم.
وَقيل: يكون نبتا لَا قَمح فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وَفِي الْآخِرَة عَذَاب شَدِيد﴾ يَعْنِي: لمن آثر الدُّنْيَا على الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿ومغفرة من الله ورضوان﴾ يَعْنِي لمن آثر الْآخِرَة على الدُّنْيَا.
قَالَ قَتَادَة: رَجَعَ الْأَمر إِلَى هَذِه الْكَلِمَات الثَّلَاث ﴿وَفِي الْآخِرَة عَذَاب شَدِيد ومغفرة من الله ورضوان وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ ومتاع الْغرُور قد بَينا من قبل، وَهُوَ كل مَا لَا أصل لَهُ، أَو كل مَا لَا بَقَاء عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سابقوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم﴾ أَي: سارعوا، يُقَال: إِن الْمُسَابقَة بِالْإِيمَان.
وَيُقَال: بالتكبيرة الأولى والصف الأول، حُكيَ هَذَا عَن رَبَاح بن عُبَيْدَة.
وَعَن وَكِيع بن الْجراح قَالَ: كُنَّا إِذا رَأينَا الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى علمنَا أَنه لَا يفلح.
﴿وَرُسُله ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم (21) مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم وَالله لَا يحب كل مختال﴾
وَقَوله: ﴿وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ المُرَاد مِنْهُ: ألصق بعضه بِبَعْض فَمَا يبلغ عرض الْجَمِيع، فَهُوَ عرض الْجنَّة.
وَقيل: المُرَاد من الْمُسَابقَة: الْمُسَابقَة إِلَى التَّوْبَة.
وَقيل: إِلَى النَّبِي.
وَقَوله: ﴿عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ أَي: سعتها، قَالَ الشَّاعِر:
(كَأَن بِلَاد الله وَهِي عريضة ... على الْخَائِف الْمَطْلُوب كفة حابل)
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أعدت للَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ أَي: صدقُوا الله، وَصَدقُوا لَهُ رسله.
وَقَوله: ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم﴾ الْمُصِيبَة فِي الأَرْض: مَا يُصِيب الأَرْض من الجدب والقحط وهلاك الثِّمَار وَمَا أشبه ذَلِك، والمصيبة فِي الْأَنْفس هِيَ الأسقام والأمراض وَمَا يشبهها.
وَقَوله: ﴿إِلَّا فِي كتاب﴾ قد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " لما خلق الله الْقَلَم قَالَ لَهُ: اكْتُبْ.
قَالَ: وَمَا أكتب؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَالْكتاب هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَقَوله: ﴿من قبل أَن نبرأها﴾ أَي: من قبل أَن نخلقها.
وَالْكِتَابَة يجوز أَن ترجع إِلَى النقوش، وَيجوز أَن نرْجِع إِلَى الْمُصِيبَة.
وَقَوله: ﴿إِن ذَلِك على الله يسير﴾ أَي: هَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لكيلا تأسوا على مَا فاتكم﴾ الأسى: هُوَ الْحزن والتندم.
﴿فخور (23) الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل وَمن يتول فَإِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد (24) لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ﴾
وَقَوله: ﴿وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾ أَي: لَا تبطروا وَلَا تأشروا.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا من أحد إِلَّا ويحزن، وَلَكِن المُرَاد بِالْآيَةِ هُوَ أَن نشكر عِنْد النِّعْمَة، وَنَصْبِر عِنْد الْمُصِيبَة.
وَعَن بَعضهم مَعْنَاهُ: لَا يُجَاوز مَا حَده الله تَعَالَى يَعْنِي: لَا يجزع عِنْد الْمُصِيبَة جزعا يُخرجهُ إِلَى ترك الرِّضَا، وَلَا يفرح عِنْد النِّعْمَة فَرحا يُخرجهُ عَن طَاعَة الله، أَو يمْسِكهَا عَن حُقُوقهَا، وَلَكِن إِذا علم أَن الْكل بِقَضَاء الله وَقدره، وَأَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه، وَمَا أَصَابَهُ لم لكم يكن ليخطئه، هان عَلَيْهِ مَا فَاتَ، وَلم يفرح بِمَا أصَاب.
وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: إِذا اسْتَأْثر الله عَلَيْك بِشَيْء [مَا فاتك] ذَلِك عَن ترك ذكره.
وَمن الْمَعْرُوف قَول النَّبِي " لله مَا أَخذ، وَللَّه مَا أعْطى ".
وَقَوله: ﴿وَالله لَا يحب كل مختال فخور﴾ أَي: متكبر منان بِمَا أعْطى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل﴾ قَالَ أهل الْعلم: الْبُخْل حَقِيقَته هُوَ منع المَال عَن حق الله تَعَالَى.
وَقَالَ بَعضهم: إِذا وَضعه فِي غير مَوْضِعه فَهُوَ بخيل، وَإِن أعْطى وَأكْثر، وَإِذا وَضعه فِي مَوْضِعه فَلَيْسَ ببخيل وَإِن قل.
وَعَن بَعضهم أَنه قَالَ: من أدّى زَكَاة مَاله فقد برِئ من الْبُخْل.
وَفِي الْآيَة قَول آخر ذكره السدى وَغَيره: أَن الْآيَة فِي الْيَهُود؛ وبخلهم هُوَ كتمان صفة الرَّسُول، وَأمرهمْ بالبخل أَمرهم بِالْكِتْمَانِ.
وَقَوله: ﴿وَمن يتول فَإِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ أَي: الْغَنِيّ عَن طَاعَة خلقه، الحميد فِي فعاله.
وَقيل: الْغَنِيّ عَن صدقَات الْخلق، الحميد فِي إفضاله عَلَيْهِم.
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: يَبْخلُونَ أَي: لَا يتصدقون، ويأمرون النَّاس بالبخل، أَي:
﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد وَمَنَافع للنَّاس وليعلم الله من ينصره وَرُسُله بِالْغَيْبِ إِن الله قوي عَزِيز (25) وَلَقَد أرسلنَا نوحًا وَإِبْرَاهِيم وَجَعَلنَا فِي ذريتهما النُّبُوَّة وَالْكتاب﴾ بترك الصَّدَقَة.
وَالْفرق بَين الْبَخِيل والسخي: أَن السخي هُوَ الَّذِي يلتذ بالإعطاء، والبخيل هُوَ الَّذِي يلتذ بالإمساك.
وَقيل: الْبَخِيل هُوَ الَّذِي يُعْطي مَا يُعْطي وَنَفسه غير طيبَة، والسخي هُوَ الَّذِي يُعْطي مَا يُعْطي طيبَة بهَا نَفسه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب﴾ أَي: الْكتب.
وَقَوله: ﴿وَالْمِيزَان﴾ قَالَ قَتَادَة: الْعدْل.
وَقَالَ الْكَلْبِيّ: الْمِيزَان الْمَعْرُوف الَّذِي توزن بِهِ الْأَشْيَاء.
وَمَعْنَاهُ: وَضعنَا الْمِيزَان، وعَلى القَوْل الأول مَعْنَاهُ: أمرنَا بِالْعَدْلِ.
وَقَوله: ﴿ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ فِي الْمِيزَان.
وَقَوله: ﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ قَوْله: ﴿أنزلنَا الْحَدِيد﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: وخلقنا الْحَدِيد وأحدثناه.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد بِهِ هُوَ الْإِنْزَال من السَّمَاء حَقِيقَة، " وَأَن الله تَعَالَى لما أنزل آدم إِلَى الأَرْض أنزل مَعَه العلاة والكلبتين والميقعة " وَهِي المطرقة وَقيل: أنزل مَعَه الْحجر الْأسود وعصا مُوسَى من آس الْجنَّة وَمَا ذكرنَا من الْحَدِيد.
وَقَوله: ﴿فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ أَي: هُوَ سلَاح وجنة.
فالسلاح يُقَاتل بِهِ، وَالْجنَّة يتقى
وَقَوله ﴿مَنَافِع للنَّاس﴾ هِيَ مَا يتَّخذ من الْآلَات من الْحَدِيد مثل الفأس والقدوم والمنشار والمسلة والإبرة وَنَحْوهَا بهَا.
وَقَوله: ﴿وليعلم الله من ينصره وَرُسُله بِالْغَيْبِ﴾ ذكر هَاهُنَا هَذَا؛ لِأَن نصْرَة الله تَعَالَى ونصرة رسله بِالْقِتَالِ، والقتال بآلات الْحَدِيد، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ لِأَن كل مَا يَفْعَله الْعباد من الطَّاعَات إِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ بِالْغَيْبِ، على مَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .
وَقَوله: ﴿إِن الله قوي عَزِيز﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
﴿فَمنهمْ مهتد وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ (26) ثمَّ قفينا على آثَارهم برسلنا وقفينا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل وَجَعَلنَا فِي قُلُوب الَّذين اتَّبعُوهُ رأفة وَرَحْمَة ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايته فآتينا الَّذين آمنُوا مِنْهُم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا وَإِبْرَاهِيم وَجَعَلنَا فِي ذريتهما النُّبُوَّة وَالْكتاب فَمنهمْ مهتد﴾ أَي: مُسلم.
﴿وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ أَي: كافرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قفينا على آثَارهم برسلنا﴾ أَي: أتبعنا.
وَقَوله: ﴿وقفينا بِعِيسَى ابْن مَرْيَم وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل﴾ أَي: أعطيناه الْإِنْجِيل جملَة.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا فِي قُلُوب الَّذين اتَّبعُوهُ رأفة وَرَحْمَة﴾ الرأفة: أَشد الرَّحْمَة، وَالْمرَاد بهؤلاء: هم الَّذين بقوا على دين الْحق، وَلم يُغيرُوا وَلم يبدلوا بعد عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ أَي: وابتدعوها رَهْبَانِيَّة من تِلْقَاء أنفسهم، والرهبانية هِيَ مَا ابتدعوها من السياحة فِي البراري (والمفاوز) . قيل: هُوَ التفرد فِي الديار والصوامع لِلْعِبَادَةِ.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا رَهْبَانِيَّة فِي الْإِسْلَام ". وَفِي رِوَايَة قَالَ: " رَهْبَانِيَّة أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله ". وَفِي الْأَخْبَار: أَن سَبَب ابتداعهم الرهبانية أَن الْمُلُوك بعد عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بدلُوا دين عِيسَى، وَقتلُوا الْعباد والأخيار من بني إِسْرَائِيل حِين دعوهم إِلَى الْحق؛ فَقَالَ الأخيار فِيمَا بَينهم وهم الَّذين بقوا إِنَّهُم وَإِن قتلونا لَا يسعنا الْمقَام فِيمَا بَينهم وَالسُّكُوت، فلحق بَعضهم بالبراري وساحوا، وَبنى بَعضهم الصوامع وتفردوا فِيهَا لِلْعِبَادَةِ، فَكَانَ أصل الرهبانية بِهَذَا السَّبَب.
وَقَوله: ﴿مَا كتبناها عَلَيْهِم﴾ أَي: مَا فرضناها عَلَيْهِم.
﴿أجرهم وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ (27) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم (28) لِئَلَّا﴾
وَقَوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله﴾ انتصب لمَحْذُوف، والمحذوف: مَا ابتدعوها إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله.
وَقَوله: ﴿فَمَا رعوها حق رعايتها﴾ أَي: مَا قَامُوا كَمَا يجب الْقِيَامَة بهَا.
وَقَوله: ﴿فآتينا الَّذين آمنُوا مِنْهُم أجرهم﴾ أَي: ثوابهم، وهم الَّذين آمنُوا بِمُحَمد بعد أَن ترهبوا.
وَقَوله: ﴿وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ أَي: الَّذين بقوا على الْكفْر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ أَي: نَصِيبين.
وَقيل: أَجْرَيْنِ من رَحمته.
وَفِي التَّفْسِير: أَن سَبَب نزُول الْآيَة أَن الله تَعَالَى لما أنزل عَلَيْهِم قَوْله: ﴿وَإِذا يُتْلَى عَلَيْهِم قَالُوا آمنا بِهِ إِنَّه الْحق من رَبنَا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ﴾ تفاخر الَّذين آمنُوا من أهل الْكتاب على سَائِر الْمُؤمنِينَ من الصَّحَابَة، وَقَالُوا: إِنَّكُم تؤتون أجوركم مرّة، وَنحن نؤتى مرَّتَيْنِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة بِشَارَة لسَائِر الْمُؤمنِينَ.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " ثَلَاثَة يُؤْتونَ أُجُورهم مرَّتَيْنِ: رجل آمن بِالْكتاب الأول ثمَّ آمن بِالْكتاب الثَّانِي، وَرجل اشْترى جَارِيَة فأدبها وَأحسن تأديبها ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَعبد أطَاع ربه ونصح لسَيِّده ". وَقيل: قَوْله: ﴿يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ وَهُوَ أجر السِّرّ وَأجر الْعَلَانِيَة.
وَقيل: أجر أَدَاء حق الله تَعَالَى وَأَدَاء حق الْعباد.
وَقَوله: ﴿وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ﴾ هُوَ النُّور الَّذِي بَينا من قبل يضيئهم على الصِّرَاط.
وَقيل: هُوَ نور الْإِسْلَام.
وَقَوله: ﴿تمشون بِهِ﴾ أَي: تسلكون طَرِيق الْإِسْلَام بنوره.
﴿يعلم أهل الْكتاب أَلا يقدرُونَ على شَيْء من فضل الله وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم (29) .﴾ وَقَوله: ﴿وَيغْفر لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب﴾ وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ تَفْسِير الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة.
وَقد قَالَ الْأَخْفَش وَالْفراء وَغَيرهمَا: إِن " لَا " صلَة هَاهُنَا، وَهُوَ مثل قَول الشَّاعِر:
(وَلَا ألزم الْبيض أَن لَا تسحرُوا ... )
أَي: أَن تسحرُوا.
وَقَوله: ﴿أَلا يقدرُونَ على شَيْء من فضل الله﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّا أعطينا مَا أعطينا من الكفلين من الرَّحْمَة للْمُؤْمِنين؛ ليعلم أهل الْكتاب أَن لَيْسَ بِأَيْدِيهِم إِيصَال فضل الله الْوَاحِد، وَيعلم الْمُؤْمِنُونَ أَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء﴾ أَي: يُعْطِيهِ من يَشَاء، وَقيل معنى الْآيَة: ليعلم أهل الْكتاب أَن من لم يُؤمن بِمُحَمد لَيْسَ لَهُ نصيب من فضل الله يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿أَلا يقدرُونَ على شَيْء من فضل الله﴾ أَي: لَا يصلونَ إِلَى شَيْء من فضل الله حِين لم يُؤمنُوا بِمُحَمد، وَالْفضل بيد الله يوصله إِلَى الْمُؤمنِينَ بِمُحَمد بمشيئته، وَالْفضل هَاهُنَا هُوَ الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ أَي: لَهُ الْفضل الْعَظِيم، وَهُوَ الْقَادِر على إِيصَال الْفضل الْعَظِيم يَعْنِي: إِلَى من يَشَاء من عباده وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله وَالله يسمع تحاوركما إِن﴾ تَفْسِير سُورَة المجادلة
وَهِي مَدَنِيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله﴾ نزلت الْآيَة فِي خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة، وَهِي امْرَأَة أَوْس بن الصَّامِت، وَيُقَال: خَوْلَة بنت خويلد.
وَقيل: خَوْلَة بنت الصَّامِت، وَالأَصَح هُوَ الأول، وَعَلِيهِ أَكثر أهل التَّفْسِير مِنْهُم: مُجَاهِد، وَقَتَادَة، وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ، وَغَيرهم.
وَكَانَ أَوْس بن الصَّامِت ظَاهر مِنْهَا.
وَفِي رِوَايَة عَن خَوْلَة أَنَّهَا قَالَت: " كَانَ بأوس بن الصَّامِت لمَم، فراجعته فِي بعض الْأَمر فَظَاهر منى ". قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: أَتَت خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة رَسُول الله وَقَالَت: إِن أَوْس بن الصَّامِت زَوجي وَابْن عمي وَأحب النَّاس إِلَيّ وَقد ظَاهر مني، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " مَا أَرَاك إِلَّا وَقد حرمت عَلَيْهِ "، فَجعلت تَشْتَكِي وَتقول: أَبُو وَلَدي وَزَوْجي وَلَا أَسْتَطِيع فِرَاقه، وَرَسُول الله يَقُول: " مَا أَرَاك إِلَّا وَقد حرمت عَلَيْهِ "، وَهِي تراجعه مرّة بعد أُخْرَى، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: (قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا) " قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: سُبْحَانَ الَّذِي وسع سَمعه الْأَصْوَات، كنت فِي جَانب الْبَيْت وَلَا أسمع مَا تَقوله خَوْلَة، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ .
وَقَوله: ﴿وتشتكي إِلَى الله﴾ اشْتَكَى وشكا بِمَعْنى وَاحِد
وَقَوله ﴿وَالله يسمع تحاوركما﴾ أَي: تراجعكما.
وَقَوله: ﴿إِن الله سميع بَصِير﴾ ظَاهر.
﴿الله سميع بَصِير (1) الَّذين يظاهرون مِنْكُم من نِسَائِهِم مَا هن أمهاتهم إِن أمهاتهم إِلَّا اللائي ولدنهم وَإِنَّهُم ليقولون مُنْكرا من القَوْل وزورا وَإِن الله لعفو غَفُور (2) وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا ذَلِكُم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يظاهرون مِنْكُم من نِسَائِهِم مَا هن أمهاتهم﴾ أَي: لَيْسَ هن بأمهاتهم، وَالْمعْنَى: أَنه لَيْسَ أَزوَاجهنَّ كَمَا قَالُوا: إِن ظهورهن كَظهر أمهاتهم.
وَقَوله: ﴿إِن أمهاتهم إِلَّا اللائي ولدنهم وَإِنَّهُم ليقولون مُنْكرا من القَوْل وزورا﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: كذبا.
وَالْكذب هُوَ قَوْله لَهَا: أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي.
وَقَوله: ﴿وَإِن الله لعفو غَفُور﴾ أَي: لمن نَدم على قَوْله،
وَهَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير﴾ قَالَ الْحسن وَطَاوُس وَالزهْرِيّ: الْعود هُوَ الْوَطْء، وَهَذَا قَول مَالك.
وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن ينْدَم على مَا قَالَ وَيرجع إِلَى الألفة.
وَمذهب الشَّافِعِي فِي الْعود أَنه يمْسِكهَا على النِّكَاح عقيب الظِّهَار وَلَا يطلقهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا يكون هَذَا عودا؛ لِأَن الظِّهَار قصد التَّحْرِيم، فَإِذا مضى وَقت عقيب الظِّهَار، وَلم يحرمها على نَفسه بِالطَّلَاق، فَهُوَ عَائِد عَمَّا قَالَ.
وَيجوز أَن يكون على هَذَا قَول ابْن عَبَّاس الَّذِي ذكرنَا.
وَأما مَذْهَب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ قَالَ: الْعود هُوَ أَن يعزم على إِِمْسَاكهَا، فَإِذا فعل ذَلِك فقد تحقق الْعود.
وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين قَول الشَّافِعِي أَنه إِذا مضى عقيب الظِّهَار وَقت يُمكنهُ أَن يطلقهَا فِيهِ وَلم يُطلق فَهُوَ عَائِد، وَإِن لم يعزم على إِِمْسَاكهَا.
وَعند أبي حنيفَة مَا لم يعزم على إِِمْسَاكهَا لَا يكون عَائِدًا.
وَفِي الْآيَة قَول رَابِع، وَهُوَ قَول أبي الْعَالِيَة وَبُكَيْر بن عبد الله الْأَشَج: أَن الْعود هُوَ أَن يُكَرر لفظ الظِّهَار وأولا الْعود لما قَالُوا بِهَذَا.
وَقَالَ القتيبي: ثَبت الظِّهَار بِنَفس القَوْل وَتجب الْكَفَّارَة.
وَمعنى الْعود فِي هَذَا هُوَ الْعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة من فعل
﴿توعظون بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (3) فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا ذَلِك لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وَتلك حُدُود﴾ الظِّهَار، وَكَأَنَّهُ قَالَ: " ويعودون لما قَالُوا " يَعْنِي: إِلَى مَا قَالَه أهل الْجَاهِلِيَّة.
وَقَالَ الْأَخْفَش سعيد بن مسْعدَة: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وتقديرها: وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون فَتَحْرِير رَقَبَة بِمَا قَالُوا.
وَقَوله: ﴿من قبل أَن يتماسا﴾ يَعْنِي: الْوَطْء، وَأما اللَّمْس فِيمَا دون الْفرج اخْتلفُوا فِيهِ، فحكي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: يجوز.
وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا يجوز، وَالأَصَح أَنه لَا يجوز حَتَّى يكفر.
وَقَوله: ﴿ذَلِكُم توعظون بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مُؤمنَة.
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: رَقَبَة قد صلت وَعرفت الْإِيمَان.
وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي دَعَا أَوْس بن الصَّامِت وَقَالَ: " اعْتِقْ رَقَبَة.
فَقَالَ: لَا أَجدهَا.
فَقَالَ: صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ: لَا أَسْتَطِيع وَكَانَ شَيخا قد أسن وَكبر فَقَالَ: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، فَقَالَ: " نعم ". وَرُوِيَ أَنه قَالَ: " لَا أجد إِلَّا أَن تعينني، فأعانه رَسُول الله بفرق من تمر، وأعانته الْمَرْأَة بفرق من تمر ". وَفِي رِوَايَة: " أَنه لما أعطَاهُ رَسُول الله التَّمْر قَالَ: لَيْسَ فِي الْمَدِينَة أحد أحْوج إِلَيْهِ مني، فَقَالَ: كُله أَنْت وَعِيَالك ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا﴾ قد بَينا.
وَعَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: إِذا أفطر بِعُذْر يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا يسْتَقْبل.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: يسْتَقْبل.
وَعَلِيهِ أَكثر الْفُقَهَاء.
﴿الله وللكافرين عَذَاب أَلِيم (4) إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله كبتوا كَمَا كبت الَّذين من قبلهم وَقد أنزلنَا آيَات بَيِّنَات وللكافرين عَذَاب مهين (5) يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا فينبئهم بِمَا عمِلُوا أَحْصَاهُ الله ونسوه وَالله على كل شَيْء شَهِيد (6) ألم تَرَ أَن الله﴾
وَقَوله: ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ قد بَينا، وَالأَصَح أَنه يطعم مدا مدا، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: ﴿ذَلِك لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وَتلك حُدُود الله﴾ أَي: سنة الله، وَيُقَال: أوَامِر الله.
وَقَوله: ﴿وللكافرين عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله﴾ أَي: يكونُونَ فِي حد غير حد الْمُؤمنِينَ.
وَيُقَال: إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله أَي: يعادون الله وَرَسُوله.
وَقَوله فِي مَوضِع آخر: ﴿وَمن يُشَاقق الله وَرَسُوله﴾ أَي: يكون فِي شقّ غير شقّ الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿كبتوا﴾ أَي: أخزوا، قَالَه قَتَادَة.
وَيُقَال: أهلكوا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَيُقَال: لعنُوا، قَالَه السدى.
وَقَوله: ﴿كَمَا كبت الَّذين من قبلهم﴾ أَي: كَمَا أخزى وَأهْلك وَلعن الَّذين من قبلهم.
وَقَوله: ﴿وَقد أنزلنَا آيَات بَيِّنَات وللكافرين عَذَاب مهين﴾ أَي: يهينهم، وَهُوَ من الهوان، وَمن عذبه الله فقد أهانه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا فينبئهم بِمَا عمِلُوا﴾ أَي: يُخْبِرهُمْ.
وَقَوله: ﴿أَحْصَاهُ الله ونسوه﴾ أَي: أحَاط بِهِ علم الله، ونسوه أَي: نَسيَه من عمل بِهِ.
وَقَوله: ﴿وَالله على كل شَيْء شَهِيد﴾ أَي: شَاهد.
قَوْله تَعَالَى: {ألم تَرَ أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض مَا يكون من نجوى