يونس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿مسطورا (58) ﴾
وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان قَالَ: وجدت فِي كتاب ضحاك بن مُزَاحم - وَهُوَ الْكتاب المخزون - وَقد ذكر فِيهِ مَا يهْلك الله بِهِ أهل كل بَلْدَة، أما مَكَّة فيهلكها الحبشان، وَأما الْمَدِينَة فالجوع، وَأما الْبَصْرَة فَالْفرق، وَأما الْكُوفَة فعدو [سلطه] الله عَلَيْهِم، وَأما الشَّام ومصر فويل لَهَا من عدوها، وَقيل: تخربها الرِّيَاح، وَأما أصفهان وَفَارِس وكرمان فبالظلمات وَالصَّوَاعِق، وَكَذَلِكَ ذكر فِي أرمينية وأذربيجان، وَأما الرّيّ، فيغلب عَلَيْهِم عدوهم من الديلم، وَأما الهمذان فيهلكهم عَدو لَهُم فَلَا همذان بعده، وَأما النيسابور فالرعود والبروق وَالرِّيح، وَأما مرو فيغلب عَلَيْهِ الرمل وَبِهِمَا الْعلمَاء الْكثير، وَأما هراة فيمطرون حيات فتأكلهم، وَأما سجستان فتهلك بِالرِّيحِ، وَأما بَلخ فيغلب عَلَيْهِ المَاء فتهلك، وَأما بُخَارى فيغلب عَلَيْهِم التّرْك، وَأما سَمَرْقَنْد وفرغانة والشاش وإسبيجاب وخوارزم فيغلب عَلَيْهِم بَنو قنطورا بن كركرى فيهلكون عَن آخِرهم، وَالْخَبَر غَرِيب جدا.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: " ويل لأهل بَغْدَاد يخسف بهم " والأثر غَرِيب.
وَفِي بعض المسانيد عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا يهْلك الله قوما حَتَّى يظْهر فيهم الزِّنَا والربا.
وَقَوله: ﴿كَانَ ذَلِك فِي الْكتب مسطورا﴾ أَي: مَكْتُوبًا، وَمعنى الْكتاب: هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَفِي الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: وَمَا أكتب؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
يُقَال: سطر إِذا كتب.
﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ وآتينا ثَمُود النَّاقة مبصرة فظلموا بهَا وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا (59) وَإِذ قُلْنَا لَك إِن رَبك أحَاط بِالنَّاسِ وَمَا جعلنَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ الْآيَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يجوز أَلا يُرْسل الله الْآيَات لِأَن الْأَوَّلين كذبُوا بهَا؟ وَمَا وَجه الإمتناع عَن إرْسَال الْآيَات بتكذيب الْأَوَّلين؟ وَالسُّؤَال مَعْرُوف، وَهُوَ مُشكل.
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن " إِلَّا " مَحْذُوف، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
وَمَعْنَاهُ: وَمَا منعنَا من إرْسَال الْآيَات وَإِن كذب بهَا الْأَولونَ، يَعْنِي: أَن تَكْذِيب الْأَوَّلين لَا يمنعنا من إرْسَال الْآيَات.
وَالْجَوَاب الثَّانِي - وَهُوَ الْمَعْرُوف - وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ الَّتِي اقترحها الْكفَّار، فَإِنَّهُ قَالُوا للنَّبِي: اجْعَل لنا الصَّفَا ذَهَبا، أَو بعد عَنَّا هَذِه الْجبَال لنزرع الْأَرَاضِي.
وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ معنى الِاسْتِثْنَاء فِي إهلاك الْأَوَّلين حِين كذبُوا بِالْآيَاتِ المقترحة، وَقد حكمنَا أَن هَذِه الْأمة ممهلة فِي الْعَذَاب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بل السَّاعَة موعدهم والساعة أدهى وَأمر﴾ وتلخيص الْجَواب: أَن الْأَوَّلين اقترحوا الْآيَات فَلَمَّا أعْطوا كذبوها فأهلكوا، فَلَو أعطينا هَؤُلَاءِ الْآيَات المقترحة وكذبوا بهَا عاجلناهم بِالْعَذَابِ، وَقد حكمنَا بإمهالهم، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا الْجَواب أَنه قَالَ: ﴿وآتينا ثَمُود النَّاقة مبصرة﴾ أَي: آيَة نيرة مضيئة، أَو آيَة يبصر بهَا الْحق، وَقَوله: ﴿فظلموا بهَا﴾ أَي: كذبُوا بهَا، فعوجلوا بالعقوبة.
فَهَذَا هُوَ المُرَاد، وَإِن كَانَ غير مَذْكُور.
وَقَوله: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾ أَي: تحذيرا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا لَك إِن رَبك أحَاط بِالنَّاسِ﴾ قَالَ مُجَاهِد أَي هم فِي قَبضته.
قَالَ الْحسن: حَال بَينهم وَبَين أَن يَقْتُلُوك أَو يكيدوك بِغَيْر الْقَتْل.
فَهَذَا معنى الْإِحَاطَة.
﴿الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس والشجرة الملعونة فِي الْقُرْآن ونخوفهم فَمَا يزيدهم إِلَّا طغيانا كَبِيرا (60) ﴾
وَقَوله: ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن هَذِه الرُّؤْيَا هِيَ لَيْلَة الْمِعْرَاج، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَالْحسن، وَسَعِيد بن جُبَير، وَالضَّحَّاك، وَغَيرهم.
فَإِن قَالَ قَائِل: لَيْلَة الْمِعْرَاج كَانَت رُؤْيَة عين لَا رُؤْيا نوم؟ وَالْجَوَاب: أَنه قد صَحَّ عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: هِيَ رُؤْيا عين، أسرى بِالنَّبِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَة.
﴿والشجرة الملعونة﴾ هِيَ شَجَرَة الزقوم.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل أَبُو المظفر مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ: أخبرنَا أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة قَالَ: أَنا أَبُو الْحسن بن فراس، قَالَ: أَنا أَبُو جَعْفَر الديبلي، قَالَ: أَنا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه.
وَأما ذكر الرُّؤْيَا بِمَعْنى الرُّؤْيَة هَاهُنَا يجوز؛ لِأَنَّهُمَا أخذا من معنى وَاحِد.
وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ لَهُ معراجان: مِعْرَاج رُؤْيَة، ومعراج رُؤْيا.
وَأما معنى الْفِتْنَة على هَذَا القَوْل: أَن قوما من الَّذين آمنُوا ارْتَدُّوا حِين سمعُوا عَن النَّبِي هَذَا، وَفِي أصل الْآيَة قَول آخر: (وَهُوَ) أَن الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة هِيَ " أَن النَّبِي رأى فِي النّوم أَنه قد دخل مَكَّة، فاستعجل، وَسَار إِلَى مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة محرما بِالْعُمْرَةِ، وَذكر الصَّحَابَة أَنه رأى هَذِه الرُّؤْيَا، فَلَمَّا صد عَن مَكَّة حَتَّى احْتَاجَ إِلَى الرُّجُوع افْتتن بذلك قوم.
وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور، أَن عمر قَالَ لأبي بكر: أَلَيْسَ قد رأى أَنه يدْخل مَكَّة؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: هَل قَالَ: إِنَّه يدْخل الْعَام؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: سيدخلها.
. الْخَبَر إِلَى آخِره.
وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْآيَة: مَا حَكَاهُ الدمياطي فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " رأى النَّبِي فِي مَنَامه كَأَن أَوْلَاد الحكم بن أبي الْعَاصِ ينزون على منبره نزو القرود - وَفِي رِوَايَة (يتداولون منبره تداول الكرة) - فساءه ذَلِك، فَدَعَا أَبَا بكر وَعمر وأخبرهما بذلك، ثمَّ سمع أَن الحكم بن أبي الْعَاصِ يَحْكِي الرُّؤْيَا، فَلم يتهم أَبَا بكر، واتهم عمر فَدَعَاهُ، وَقَالَ لَهُ: لم أفشيت سري؟ فَقَالَ: وَالله مَا ذكرته لأحد؟ فَقَالَ رَسُول الله، كَيفَ وَالْحكم يَحْكِي هَذَا للنَّاس؟ ! فَقَالَ عمر: نَجْتَمِع ثَانِيًا حَتَّى أخْبرك من أفشاه.
قَالَ: فجَاء هُوَ وَأَبُو بكر، وقعدا مَعَ الرَّسُول فِي ذَلِك الْموضع، وَجعلُوا يذكرُونَ هَذَا، ثمَّ إِن عمر خرج مبادرا، فَإِذا هُوَ بالحكم يستمع، فَذكر ذَلِك للنَّبِي، فطرده رَسُول الله من الْمَدِينَة، وَلم يأوه أَبُو بكر وَلَا عمر، وَمَا زَالَ طريدا إِلَى زمن عُثْمَان " الْقِصَّة إِلَى آخرهَا.
هَذَا هُوَ الرُّؤْيَا الَّتِي ذكر فِي الْآيَة.
وَقد رُوِيَ " أَن النَّبِي مَا روى مستجمعا [ضَاحِكا] مُنْذُ رأى هَذِه الرُّؤْيَا إِلَى أَن مَاتَ.
وَأما الشَّجَرَة الملعونة فالأكثرون أَنَّهَا شَجَرَة الزقوم، فَإِن قيل: أَيْن لعنها فِي الْقُرْآن؟ وَالْجَوَاب: أَن المُرَاد من الشَّجَرَة الملعونة، أَي: الملعون آكلها.
وَقَالَ الزّجاج: الْعَرَب تَقول لكل طَعَام كريه: طَعَام مَلْعُون.
فعلى هَذَا تَقْدِير الْآيَة: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي
﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس قَالَ أأسجد لمن خلقت طينا (61) ﴾ أريناك) ، وَكَذَلِكَ مَا جعلنَا الشَّجَرَة الملعونة ﴿فِي الْقُرْآن﴾ إِلَّا فتْنَة للنَّاس.
وَأما الْفِتْنَة فِي شَجَرَة الزقوم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن أَبَا جهل قَالَ: إِن النَّار تَأْكُل الشّجر، وَأَن مُحَمَّدًا يزْعم أَن النَّار تنْبت الشَّجَرَة.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن عبد الله بن الزبعري قَالَ: يَا قوم، إِن مُحَمَّدًا يخوفنا بالزقوم، وَمَا نَعْرِف الزقوم إِلَّا الزّبد وَالتَّمْر، فَقَالَ أَبُو جهل: يَا جَارِيَة، هَلُمِّي فزقمينا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: فِي شَجَرَة الزقوم أَنَّهَا شَجَرَة الكشوثا الَّتِي تلتوي على الشّجر فتجففه.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن أَوْلَاد الحكم بن أبي الْعَاصِ، وَهُوَ مَرْوَان وَبَنوهُ.
ذكره سعيد بن الْمسيب، وَأنكر جمَاعَة من أهل التَّفْسِير هَذَا القَوْل، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿ونخوفهم﴾ أَي: نحذرهم ﴿فَمَا يزيدهم﴾ أَي: مَا يزيدهم التخويف ﴿إِلَّا طغيانا كَبِيرا﴾ أَي: تمردا وعتوا عَظِيما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ قد ذكرنَا معنى السُّجُود فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَاخْتِلَاف النَّاس فِيهِ.
وَقَوله: ﴿فسجوا إِلَّا إِبْلِيس قَالَ أأسجد لمن خلقت طينا﴾ مَعْنَاهُ: لمن خلقته طينا.
وَقَوله: ﴿طينا﴾ نصب على الْحَال أَي: فِي حَال طينته، وَفِي الْآيَة حذف، وَمَعْنَاهُ: أأسجد لمن خلقته من طين، وخلقتني من نَار، وللنار فضل على الطين، فَإِن النَّار تَأْكُل الطين.
وَلم يعلم الْخَبيث أَن الْجَوَاهِر كلهَا من جنس وَاحِد؛ وَالْفضل لما فَضله الله تَعَالَى.
وَفِي الطين من الْمَنَافِع مَا يقادم مَنَافِع النَّار، أَو يرقى عَلَيْهَا، وللطين من كرم الطَّبْع مَا لَيْسَ للنار.
﴿قَالَ أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ لَئِن أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إِلَّا قَلِيلا (62) ﴾ وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: أَن الله بعث إِبْلِيس حَتَّى أَخذ من الأَرْض قَبْضَة من التُّرَاب، وَكَانَ فِيهَا المالح والعذب فخلق مِنْهَا آدم، فَمن خلقه من العذب كَانَ سعيدا وَإِن كَانَ من أبوين كَافِرين، وَمن خلقه من المالح كَانَ شقيا، وَإِن كَانَ من صلب (بني آدم) . قَالَ ابْن عَبَّاس فَقَوله: ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ أَي: أأخضع لمن خلقته من طين، وَأَنا جِئْت بِهِ؟ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أرأيتك هَذَا الَّذِي﴾ قَوْله: " أَرَأَيْت " أَي: أَخْبرنِي، وَالْكَاف لتأكيد المخاطبة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ﴾ أَي: كرمته عَليّ وفضلته.
وَقَوله: ﴿لَئِن أخرتن﴾ أَي: أمهلتني ﴿إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ فطمع الْخَبيث أَن ينطر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وينجو من الْمَوْت، فَأبى الله تَعَالَى ذَلِك عَلَيْهِ، على مَا قَالَ فِي سُورَة الْحجر: ﴿فَإنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم﴾ .
وَقَوله: ﴿لأحتنكن ذُريَّته﴾ قَالُوا: لأستأصلنهم؛ يُقَال: احتنك الْجَرَاد الزَّرْع إِذا استأصله.
وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ مَأْخُوذ من حنك الدَّابَّة إِذا شدّ فِي حنكها الْأَسْفَل حبلا (رسنا) يَسُوقهَا بِهِ.
وَمَعْنَاهُ: لأسوقنهم إِلَى الْمعاصِي سوقا، ولأميلنهم إِلَيْهِ ميلًا، وَقيل: لأستولين عَلَيْهِم بالإعواء، وَقيل: لأضلنهم.
وَقَوله: ﴿ذُريَّته﴾ أَوْلَاده ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ والقليل هم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ فَإِن قيل: كَيفَ عرف إِبْلِيس أَن
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمن تبعك مِنْهُم فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا (63) واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك وأجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك وشاركهم فِي الْأَمْوَال﴾ أَكثر ذُرِّيَّة آدم يتبعونه؟ قُلْنَا: الْجَواب من وَجْهَيْن: أَنه لما رأى انقياد آدم لوسوسته طمع فِي ذُريَّته.
وَالثَّانِي: أَنه رأى ذَلِك فِي اللَّوْح مَكْتُوبًا، وَعرف كَمَا عرف الْمَلَائِكَة حِين قَالُوا: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمن تبعك مِنْهُم فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا﴾ أَي: موفرا وَمعنى موفرا أَي: مكملا وَقَالَ الشَّاعِر: (وَمن يَجْعَل الْمَعْرُوف من دون عرضه ... يفسره وَمن لَا يتق الشتم يشْتم)
قَوْله تَعَالَى: ﴿واستفزز﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي مَعْنَاهُ: وادعوهم دُعَاء تستفزهم إِلَى إجابتك، أَي: فتستخفهم.
وَقيل: استفزز بهم أَي: أسْرع بهم، وَقيل: احملهم على الإغواء.
وَقَوله: ﴿من اسْتَطَعْت مِنْهُم﴾ بَينا معنى الِاسْتِطَاعَة، وَأنْشد الشَّاعِر فِي معنى الاستفزاز:
(فَقلت لَهَا هِيَ فَلَا تستفزي ... ذَوَات الْعُيُون وَالْبَيَان المحصب)
وَقَوله: ﴿بصوتك﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْغناء وَاللَّهْو، وَقَالَ الْحسن: الدُّف والمزمار، وَقيل: كل صَوت يَدْعُو إِلَى غير طَاعَة الله، وَقيل: كل كَلَام يتَكَلَّم بِهِ فِي غير ذَات الله.
وَقَوله: ﴿وأجلب عَلَيْهِم﴾ أَي: اجْمَعْ عَلَيْهِم مكائدك وحيلك، يُقَال: جلب على الْعَدو إِذا جمع عَلَيْهِم الْجَيْش.
وَفِي الْمثل: " إِذا لم تغلب فأجلب " وَقيل مَعْنَاهُ: أجمع عَلَيْهِم جيشك وجندك.
وَقَوله: ﴿بخيلك ورجلك﴾ كل رَاكب فِي مَعْصِيّة فَهُوَ من خيل إِبْلِيس، وكل ماشي فِي مَعْصِيَته فَهُوَ فِي رجل إِبْلِيس.
وَالْخَيْل: الرَّاكِب، وَالرجل: المشاة، وَفِي الْخَبَر:
﴿وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا (64) ﴾ " يَا خيل الله، ارْكَبِي ".
وَقَوله: ﴿وشاركهم فِي الْأَمْوَال﴾ كل كسب من حرَام، وكل مَا أنْفق [فِي] مَعْصِيّة الله، فَهُوَ الَّذِي شَارك فِيهِ إِبْلِيس، وَقيل: مَا زين لَهُم من الْبحيرَة والسائبة والوصيلة والحام.
وَقَوله: ﴿وَالْأَوْلَاد﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ ابْن عَبَّاس: الموءودة.
قَالَ مُجَاهِد: أَوْلَاد الزِّنَا، وَقَالَ غَيره: هُوَ تهويدهم وتنصيرهم وتمجيسهم.
وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ: تسميتهم الْأَوْلَاد: عبد الْعُزَّى، وَعبد الدَّار، وَعبد منَاف، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَفِي بعض المسانيد عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا أَتَاهُ، وَقَالَ: إِن امْرَأَتي استيقظت، وَكَأن فِي فرجهَا شعلة نَار، قَالَ: ذَاك من وطىء الْجِنّ.
قَالَ: فَمن أَوْلَادهم؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ المخنثون.
وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد: إِن الشَّيْطَان يقْعد على ذكر الرجل؛ فَإِذا لم يسم الله أصَاب امْرَأَته مَعَه، وَأنزل فِي فرجهَا كَمَا ينزل الرجل.
وَرُوِيَ قَرِيبا من هَذَا عَن مُجَاهِد.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي قَالَ: " إِن فِيكُم مغربين.
قيل: وَمن المغربون؟ قَالَ: الَّذين شَارك فيهم الْجِنّ ".
وَقَوله: ﴿وعدهم﴾ أَي: قل لَهُم: لَا جنَّة وَلَا نَار، وَقيل: قل لَهُم: أَن لَا بعث.
وَقَوله: ﴿وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ الْغرُور: تَزْيِين الْبَاطِل بِمَا يظنّ أَنه حق.
وَفِي بعض التفاسير بِرِوَايَة أنس عَن النَّبِي: " أَن إِبْلِيس قَالَ: يَا رب، لعنتني، وأخرجتني من الْجنَّة لأجل آدم؛ فسلطني عَلَيْهِ وعَلى ذُريَّته، فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنْت مسلط، فَقَالَ: إِنِّي لَا أستطيعه إِلَّا بك فزدني، فَقَالَ: ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم﴾
﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان وَكفى بِرَبِّك وَكيلا (65) ﴾ إِلَى آخر الْآيَة.
فَقَالَ آدم: يَا رب، أَنْت سلطت إِبْلِيس عَليّ وعَلى ذريتي، وَإِنِّي لَا أستطيعه إِلَّا بك فَمَالِي، فَقَالَ: لَا يُولد لَك ولد إِلَّا وكلت بِهِ من يَحْفَظُونَهُ، فَقَالَ: زِدْنِي، فَقَالَ: الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا، والسيئة بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: زِدْنِي.
فَقَالَ: التَّوْبَة معروضة مادام الرّوح فِي الْجَسَد، فَقَالَ: زِدْنِي، فَقَالَ: ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم﴾ الْآيَة ". وَفِي هَذَا الْخَبَر " أَن إِبْلِيس قَالَ: يَا رب، بعثت أَنْبيَاء، وأنزلت كتبا، فَمَا قرآني؟ قَالَ: الشّعْر.
قَالَ: فَمَا كتابي؟ قَالَ: الوشم.
قَالَ: فَمَا طَعَامي؟ قَالَ: كل طَعَام مَا لم يذكر عَلَيْهِ اسْم الله.
قَالَ: فَمَا شرابي؟ قَالَ: كل مُسكر.
قَالَ: فَمَا حبائلي؟ قَالَ: النِّسَاء.
قَالَ: فَمَا آذَانِي؟ قَالَ المزمار.
قَالَ: فَمَا بَيْتِي؟ قَالَ: الْحمام.
قَالَ: فَمَا منتصبي؟ قَالَ: السُّوق ". وَالْخَبَر غَرِيب جدا، وَالله أعلم.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَأْمر الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَهُوَ يَقُول: ﴿إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ وَالْجَوَاب: أَن هَذَا أَمر تهديد ووعيد، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ وكالرجل يَقُول لغيره: افْعَل مَا شِئْت فسترى، وَمثل هَذَا يكثر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ قد بَينا، وَقد قيل إِن مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان فِي أَن تحملهم على ذَنْب لَا أقبل تَوْبَتهمْ مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿وَكفى بِرَبِّك وَكيلا﴾ أَي: حَافِظًا، أَو من يُوكل إِلَيْهِ الْأَمر.
﴿ربكُم الَّذِي يزجي لكم الْفلك فِي الْبَحْر لتبتغوا من فَضله إِنَّه كَانَ بكم رحِيما (66) وَإِذا مسكم الضّر فِي الْبَحْر ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم وَكَانَ الْإِنْسَان كفورا (67) أفأمنتم أَن يخسف بكم جَانب الْبر أَو يُرْسل عَلَيْكُم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ربكُم الَّذِي يزجي لكم الْفلك فِي الْبَحْر﴾ أَي: يَسُوق ويسير، قَالَ الشَّاعِر:
(يَا أَيهَا الرَّاكِب المزجى مطيته ... سَائل بني أَسد مَا هَذِه الصَّوْت)
وَقَوله: ﴿لكم الْفلك فِي الْبَحْر﴾ أَي: السَّفِينَة فِي الْبَحْر.
﴿ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: لتطلبوا من رزقه.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ بكم رحِيما﴾ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مسكم الضّر فِي الْبَحْر﴾ أَي: الشدَّة فِي الْبَحْر، وَإِنَّمَا خص الْبَحْر بِالذكر؛ لِأَن الْيَأْس عِنْد وُقُوع الشدَّة فِيهِ أغلب.
وَقَوله: ﴿ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي: بَطل وَسقط.
وَقَوله: ﴿من تدعون﴾ أَي: من تَدعُونَهُ ﴿إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي: إِلَّا الله، وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ .
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم﴾ يَعْنِي: عَن الْإِخْلَاص والالتجاء إِلَى الله.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان كفورا﴾ أَي: كَافِرًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأمنتم أَن يخسف بكم جَانب الْبر﴾ الْخَسْف بالشَّيْء: هُوَ تغييبه فِي الأَرْض، وَقيل: هُوَ ابتلاع الأَرْض إِيَّاه.
وَقَوله ﴿جَانب الْبر﴾ أَي: طرفا من الْبر.
وَقَوله: ﴿أَو يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا﴾ أَي: ريحًا ذَات حَصْبَاء، والحصباء الْحِجَارَة.
مَعْنَاهُ: ريحًا ترمي بِالْحِجَارَةِ.
﴿حاصبا ثمَّ لَا تَجدوا لكم وَكيلا (68) أم أمنتم أَن يعيدكم فِيهِ تَارَة أُخْرَى فَيُرْسل عَلَيْكُم قاصفا من الرّيح فيغرقكم بِمَا كَفرْتُمْ ثمَّ لَا تَجدوا لكم علينا بِهِ تبيعا (69) وَلَقَد كرمنا بني آدم وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر ورزقناهم من الطَّيِّبَات وفضلناهم﴾
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة الحاصب: الْبرد، وَقَالَ بَعضهم الحاصب: الثَّلج.
قَالَ الفرزدق:
(مُسْتَقْبلين شمال الرّيح بطردهم ... ذُو حاصب كنديف [الْقطن] منثور)
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا تَجدوا لكم وَكيلا﴾ أَي: من تكلون أَمركُم إِلَيْهِ فينجيكم؟ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أمنتم أَن يعيدكم فِيهِ تَارَة أُخْرَى﴾ أَي: فِي الْبَحْر كرة أُخْرَى.
وَقَوله: ﴿فَيُرْسل عَلَيْكُم قاصفا من الرّيح﴾ القاصف: هُوَ الرّيح الَّتِي تكسر كل شَيْء وصلت إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿فيغرقكم بِمَا كَفرْتُمْ﴾ أَي: بكفركم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا تَجدوا لكم علينا بِهِ تبيعا﴾ أَي: ثائرا، وَهُوَ طَالب الثأر، هَكَذَا قَالَه الْفراء، وَقيل: من يتبعنا بالإنكار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ أكلهم بِالْيَدِ، وَسَائِر الْحَيَوَانَات يَأْكُلُون بأفواههم، وَقيل: امتداد الْقَامَة وانتصابها، وَالدَّوَاب منكبة على وجوهها، وَقيل: بِالْعقلِ والتمييز، وَقيل: بِأَن سخر جَمِيع الْأَشْيَاء لَهُم، وَقيل: بِأَن جعل فيهم خير أمة أخرجت للنَّاس، وَقيل: بالخط والقلم.
وَقَوله: ﴿وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ أَي: حملناهم فِي الْبر على الدَّوَابّ، وَفِي الْبَحْر على السفن.
وَقَوله: ﴿ورزقناهم من الطَّيِّبَات﴾ الَّتِي رزقها الله تَعَالَى بني آدم فِي الدُّنْيَا مَعْلُومَة، وَقيل: الْحَلَال، وَقيل.
﴿على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا (70) يَوْم نَدْعُو كل أنَاس بإمامهم﴾
﴿وفضلناهم على كثير مِمَّن خلقنَا تَفْضِيلًا﴾ قَالَ أَبُو النَّضر مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ: على كل الْخلق سوى طَائِفَة من الْمَلَائِكَة مِنْهُم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وعزرائيل، وَفِي تَفْضِيل الْبشر على الْمَلَائِكَة أَو الْمَلَائِكَة على الْبشر كَلَام كثير لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه.
وَظَاهر الْآيَة أَنه فَضلهمْ على كثير من خلقه لَا على الْكل، وَيجوز أَن يذكر الْأَكْثَر، وَيُرَاد بِهِ الْكل، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِن الْبشر أفضل من الْمَلَائِكَة على تَفْصِيل مَعْلُوم، وَهُوَ أَن عوام الْمُؤمنِينَ الأتقياء أفضل من عوام الْمَلَائِكَة، وخواص الْمُؤمنِينَ أفضل من خَواص الْمَلَائِكَة.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة﴾ والبرية كل من خلق الله على الْعُمُوم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَوْم نَدْعُو كل أنَاس بإمامهم﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: بِنَبِيِّهِمْ، وَالْآخر: بِكِتَابِهِمْ، وَالثَّالِث: بأعمالهم، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِمَام هدى وَإِمَام ضَلَالَة، وَعَن سعيد بن الْمسيب: كل قوم يَجْتَمعُونَ إِلَى رئيسهم فِي الْخَيْر وَالشَّر.
وَفِي الْخَبَر: يُنَادى يَوْم الْقِيَامَة: قومُوا يَا متبعي مُوسَى، يَا متبعي عِيسَى، يَا متبعي مُحَمَّد، يَا متبعي شَيْطَان، يَا متبعي كَذَا وَكَذَا.
وَفِي جَامع [أبي] عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي هَذِه الْآيَة: " أَن النَّبِي قَالَ: يعْطى الْمُؤمن كِتَابه بِيَمِينِهِ، ويمد فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا، ويبيض وَجهه، وَيُوضَع على رَأسه تَاج من لُؤْلُؤ، فَيقبل إِلَى أَصْحَابه، وَيَقُول لَهُم: أَبْشِرُوا؛ فَلِكُل رجل مِنْكُم مثل هَذَا.
وَأما الْكَافِر فَيعْطى كِتَابه بِشمَالِهِ، ويمد فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا، ويسود وَجهه، وَيُوضَع على رَأسه تَاج من نَار، فَيقبل (إِلَى) أَصْحَابه وَيَقُول لَهُم: أَبْشِرُوا؛ فَلِكُل رجل مِنْكُم مثل هَذَا ".
﴿فَمن أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِك يقرءُون كِتَابهمْ وَلَا يظْلمُونَ فتيلا (71) وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا (72) وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَأُولَئِك يقرءُون كِتَابهمْ﴾ وَالْكتاب: هُوَ صحيفَة الْحَسَنَات والسيئات.
وَقَوله: ﴿وَلَا يظْلمُونَ فتيلا﴾ أَي: لَا ينقص من حَقهم بِقدر الفتيل.
والفتيل: هُوَ الَّذِي فِي شقّ النواة، وَقيل: مَا فتل بَين الْأَصَابِع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾ لَيْسَ الْعَمى هَاهُنَا هُوَ عمى الْبَصَر؛ لِأَن النَّاس يحشرون بأتم خلق مصححة الأجساد لخلود الْأَبَد.
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي قَالَ: " تحشرون يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما " وَقَوله: بهما: أَي: مصححة الأجساد للخلود.
فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى﴾ أَي: أعمى الْقلب عَن رُؤْيَة [الْحق] ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى﴾ أَي: أَشد عمى.
وَقيل مَعْنَاهُ: من كَانَ فِي هَذِه الدُّنْيَا بَعيدا عَن الْحق، فَهُوَ فِي الْآخِرَة أبعد، وَقيل: من كَانَ فِي هَذِه الدُّنْيَا أعمى من الِاعْتِبَار، فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى عَن الِاعْتِذَار.
وَقَوله: ﴿وأضل سَبِيلا﴾ أَي: أَخطَأ طَرِيقا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ مَعْنَاهُ: ليصرفونك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك.
وَسبب نزُول الْآيَة أَن الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي: اطرد هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء عَنْك حَتَّى نجلس مَعَك ونسلم؛ فهم أَن يفعل ثمَّ يَدعُوهُم من بعد، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَعَن سعيد بن جُبَير وَمُجاهد أَنَّهُمَا قَالَا: طلبُوا من النَّبِي أَن يمس آلِهَتهم حَتَّى يسلمُوا ويتبعوه، فَقَالَ النَّبِي فِي نَفسه: وَمَا عَليّ أَن أفعل ذَلِك إِذا علم الله مني أَنِّي كَارِه لَهُ، وَكَانَ ذَلِك خاطر قلب، وَلم يكن عزما - فَأنْزل
﴿الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك لتفتري علينا غَيره وَإِذا لاتخذوك خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا (74) ﴾ الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة " وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن أهل الطَّائِف لما جَاءُوا إِلَى النَّبِي ليسلموا، وَكَانَ استصعب عَلَيْهِ أَمرهم، وحاصرهم بضع عشرَة لَيْلَة، وَلم يفتح، فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا للنَّبِي: نسلم بِشَرْط أَن لَا نركع، وَأَن تَمَتعنَا بِاللات سنة من غير أَن نعبدها، وَذكروا غير هَذَا، فَقَالَ: " أما ترك الرُّكُوع فَلَا خير فِي دين لَا رُكُوع فِيهِ، وَأما اللات فَلَا أترك وثنا بَين الْمُسلمين؛ فراجعوه فِي أَمر اللات، وَقَالُوا: لتتحدث الْعَرَب زِيَادَة كرامتنا عَلَيْك، فَسكت النَّبِي، فطمع الْقَوْم عِنْد سُكُوته، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة " وَهَذَا قَول مَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿لتفتري علينا غَيره﴾ أَي: تَقول علينا غير مَا أَنزَلْنَاهُ عَلَيْك.
وَقَوله: ﴿وَإِذا لاتخذوك خَلِيلًا﴾ أَي: صاحبا ووديدا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إلَيْهِنَّ شَيْئا قَلِيلا﴾ معنى كَاد أَي: قرب، وكدت أَي: قربت من الْفِعْل.
وَقَوله: ﴿شَيْئا قَلِيلا﴾ فِي مَوضِع الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ: لقد كدت تركن إِلَيْهِم ركونا.
فَإِن قيل: النَّبِي كَانَ مَعْصُوما من الشّرك والكبائر، فَكيف يجوز أَن يقرب مِمَّا طلبوه مِنْهُ؛ وَالَّذِي طلبوه مِنْهُ كفر؟
الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنا نعتقد أَن الرَّسُول مَعْصُوم من الشّرك والكبائر، ونحمل على أَن مَا وجد مِنْهُ كَانَ هما من غير عزم، وَقد قَالَ النَّبِي: " إِن الله تَعَالَى وضع عَن أمتِي مَا حدثت بِهِ نَفسهَا مَا لم تَتَكَلَّم بِهِ أَو تعْمل " وَفِي الْجُمْلَة الله
﴿إِذا لأذقناك ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات ثمَّ لَا تَجِد لَك علينا نَصِيرًا (75) ﴾ أعلم بِرَسُولِهِ من غَيره، وَقد قَالَ قَتَادَة: لما وَقع هَذَا كَانَ رَسُول الله يَقُول بعد ذَلِك: " اللَّهُمَّ، لَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين ". وَالْجَوَاب الثَّانِي: وَهُوَ أَنه قَالَ: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن﴾ وَقد ثبته وَلم يركن، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ وَقد تفضل الله، ورحم، وَلم يتبعوا الشَّيْطَان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا لأذقناك ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: ضعف عَذَاب الْحَيَاة، وَضعف عَذَاب الْمَمَات.
وَقيل: ضعف عَذَاب الدُّنْيَا، وَضعف عَذَاب الْآخِرَة، وَقيل: إِن الضعْف بِمَعْنى الْعَذَاب، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لأذقناك عَذَاب الْحَيَاة وَعَذَاب الْمَمَات، وَإِنَّمَا سمي الْعَذَاب ضعفا لتضاعف الْأَلَم فِيهِ.
فَإِن قيل: لم يُضَاعف الْعَذَاب لَهُ؟ قُلْنَا: لعلو مرتبته كَمَا يُضَاعف الثَّوَاب لَهُ عِنْد الطَّاعَة.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ وَالْمعْنَى مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا تَجِد لَك علينا نَصِيرًا﴾ أَي: لَا تَجِد من يمنعنا من عذابك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَادُوا ليستفزونك من الأَرْض ليخرجوك مِنْهَا﴾ الاستفزاز: هُوَ الإزعاج بِسُرْعَة.
وَاخْتلفُوا فِي معنى هَذِه الْآيَة، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَسبب نُزُولهَا أَن يهود قُرَيْظَة وَالنضير وَبني قينقاع أَتَوا النَّبِي، وَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم، قد علمت أَن بِلَاد الْأَنْبِيَاء هِيَ الشَّام وَهِي الأَرْض المقدسة، وَمَتى سَمِعت
﴿وَإِن كَادُوا ليستفزونك من الأَرْض ليخرجوك مِنْهَا وَإِذا لَا يلبثُونَ خِلافك إِلَّا قَلِيلا (76) سنة من قد أرسلنَا قبلك من رسلنَا وَلَا تَجِد لسنتنا تحويلا (77) ﴾ بِنَبِي من تهَامَة؟ ! فَاخْرُج مَعنا إِلَى الشَّام نؤمن بك وننصرك؛ فهم النَّبِي بِالْخرُوجِ مَعَهم، وَضرب بقبته على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة ليخرج؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَالْأَرْض هَاهُنَا هِيَ الْمَدِينَة، وَهَذَا قَول مَعْرُوف.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْآيَة مَكِّيَّة، وَمعنى الأَرْض: أَرض مَكَّة، وَكَانَ الْمُشْركُونَ قد هموا أَن يخرجوه مِنْهَا أَو يقتلوه، فَأمره الله تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ، وَأَن يخرج بِنَفسِهِ.
وَقيل: الأَرْض جَمِيع الأَرْض، والإخراج مِنْهَا هُوَ الْقَتْل.
وَقَوله: ﴿وَإِذا لَا يلبثُونَ خَلفك﴾ وقرىء: " خِلافك " وَمَعْنَاهُ: بعْدك ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ وَمعنى الْقَلِيل على القَوْل الثَّانِي: مَا بَين خُرُوج رَسُول الله إِلَى أَن قتلوا ببدر، وعَلى القَوْل الأول مُدَّة الْحَيَاة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سنة من قد أَرْسَلْنَاك قبلك من رسلنَا﴾ الْآيَة.
[انتصبت] السّنة؛ لِأَن مَعْنَاهُ: [هَذِه] السّنة كَسنة من قد أرسلنَا، ثمَّ حذفت الْكَاف فانتصبت السّنة، وَمعنى سنة الله هُوَ استئصال الْقَوْم بِالْهَلَاكِ إِذا أخرجُوا الرَّسُول أَو قَتَلُوهُ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجِد لسنتنا تحويلا﴾ أَي: تبديلا، وَقيل: لعادتنا، وَمَعْنَاهُ: مَا أجْرى الله تَعَالَى من الْعَادة فِي خلقه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ اخْتلفُوا فِي الدلوك: قَالَ ابْن [مَسْعُود] : هُوَ الْغُرُوب، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الزَّوَال، وَقد حُكيَ عَنْهُمَا كلا الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ اخْتلف التابعون فِي هَذَا.
وأصل الدلوك من الْميل، وَالشَّمْس تميل إِذا زَالَت أَو غربت، وَقيل: من الدَّلْك، وَالْإِنْسَان عِنْد الزَّوَال يدلك عَيْنَيْهِ لشدَّة ضوء
﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس إِلَى غسق اللَّيْل وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا (78) ﴾ الشَّمْس، ويدلك عَيْنَيْهِ عِنْد الْغُرُوب، فَتبين الشَّمْس لمعْرِفَة جرمها.
قَالَ الشَّاعِر:
(مصابيح لَيست باللواتي تقودها ... نُجُوم وَلَا بالآفلات الدوالك)
تَقول الْعَرَب: طَرِيق دوالك إِذا كَانَت ذَات شعب.
وَأولى الْقَوْلَيْنِ أَن يحمل على الزَّوَال لِكَثْرَة الْقَائِلين بِهِ، فَإِن أَكثر التَّابِعين حملوه عَلَيْهِ، ولأنا إِذا حملنَا عَلَيْهِ تناولت الْآيَة جَمِيع الصَّلَوَات الْخمس، فَإِن قَوْله: ﴿لدلوك الشَّمْس﴾ يتَنَاوَل الظّهْر وَالْعصر.
وَقَوله: ﴿إِلَى غسق اللَّيْل﴾ يتَنَاوَل الْمغرب وَالْعشَاء.
وغسق اللَّيْل: ظُهُور ظلمته، وَقيل: اجْتِمَاع سوَاده.
وقله: ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ أَي: صَلَاة الْفجْر، وَاسْتدلَّ الْعلمَاء بِهَذَا على وجوب الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة حَيْثُ سمى الصَّلَاة قُرْآنًا.
وَقَوله: ﴿إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ أَي: تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار.
وَمعنى تشهده: تحضره.
وَقد صَحَّ بِرِوَايَة الْأَعْمَش رَحمَه الله عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: " إِن قُرْآن الْفجْر - صَلَاة الْفجْر - تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار ". وَقيل معنى قَوْله: ﴿مشهودا﴾ أَي: أَمر النَّاس بشهودها ليصلوها جمَاعَة.
وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ﴾ يُقَال: تهجد إِذا قَامَ بعد النّوم للصَّلَاة، وهجد إِذا نَام.
قَالَ الْأَزْهَرِي: التَّهَجُّد: إِلْقَاء الهجور، وَهُوَ النّوم، وَعَن عَلْقَمَة وَالْأسود وَغَيرهمَا: أَنه لَا يكون التَّهَجُّد إِلَّا بعد النّوم.
وَقَوله: ﴿نَافِلَة لَك﴾ أَي: زِيَادَة لَك، قيل: هِيَ زِيَادَة لكل أحد فَمَا معنى
﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا (79) ﴾ تَخْصِيص النَّبِي بذلك؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ هِيَ تَكْفِير الذُّنُوب لغيره وَزِيَادَة لَهُ، لِأَن ذنُوبه مغفورة، وَقيل: نَافِلَة لَك أَي: فَرِيضَة عَلَيْك، وَقد كَانَ عَلَيْهِ الْقيام بِاللَّيْلِ فَرِيضَة، وَقيل: نَافِلَة لَك أَي: فَضِيلَة لَك، وَخص بِالذكر، ليَكُون لَهُ السَّبق فِي هَذِه الْفَضِيلَة؛ وليقتدي النَّاس بِهِ فِيهَا.
وَقَوله: ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ أجمع الْمُفَسِّرُونَ أَن هَذَا مقَام الشَّفَاعَة، وَقد ثَبت هَذَا عَن النَّبِي.
وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَرَأَ قَوْله: ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ قَالَ: " هُوَ الْمقَام الَّذِي أشفع فِيهِ لأمتي " وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: " أَنا سيد الْأَنْبِيَاء إِذا بعثوا، وَأَنا وافدهم إِذا تكلمُوا، وَأَنا مبشرهم إِذا أبلسوا، وَأَنا إمَامهمْ إِذا سجدوا؛ أَقُول فليسمع، وأشفع فأشفع، وأسأل فَأعْطِي ".
وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: يجلسه على الْعَرْش، وَعَن غَيره: يقعده على الْكُرْسِيّ بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ بَعضهم: يقيمه عَن يَمِين الْعَرْش.
وَعَن حُذَيْفَة أَنه قَالَ: يجمع الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي صَعِيد وَاحِد يسمعهم الدَّاعِي، وَينْفذهُمْ الْبَصَر، وهم حُفَاة عُرَاة قيام، لَا يسمع مِنْهُم حس، فَيَقُول الله تَعَالَى: يَا مُحَمَّد، فَيَقُول: لبيْك وَسَعْديك وَالْخَيْر فِي يَديك، والمهتدى من هديت، تَبَارَكت وَتَعَالَيْت، لَا ملْجأ وَلَا منجا مِنْك إِلَّا إِلَيْك، وَأَنا عَبدك بَين يَديك.
قَالَ: فَهَذَا
﴿وَقل رب أدخلني مدْخل صدق وأخرجني مخرج صدق وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا (80) ﴾ هُوَ الْمقَام الْمَحْمُود.
وَعَن بَعضهم أَن الْمقَام الْمَحْمُود: هُوَ لِوَاء الْحَمد الَّذِي يعْطى النَّبِي وَقد ثَبت عَن النَّبِي، أَنه قَالَ: " شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي ". وَقَالَ: " إِن لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، وَإِنِّي ادخرت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة ". وَعنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ: " لَا أَزَال أشفع حَتَّى يسلم إِلَيّ صكاك بأسماء قوم وَجَبت لَهُم النَّار، وَحَتَّى يَقُول مَالك خَازِن النَّار: مَا تركت للنار فِي أمتك من نقمة ". وَالْأَخْبَار فِي الشَّفَاعَة كَثِيرَة، وَأول من أنكرها عَمْرو بن عبيد، وَهُوَ ضال مُبْتَدع بِإِجْمَاع أهل السّنة.