هود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الْإِنْسَان أإذا مَا مت﴾ قَالُوا: نزلت الْآيَة فِي أبي بن خلف.
وَقَوله: ﴿لسوف أخرج حَيا﴾ أَي: أسوف أخرج حَيا؟
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَولا يذكر﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " أَولا يتَذَكَّر الْإِنْسَان " وَمَعْنَاهُ: أَولا يتفكر، وَلَا ينظر ﴿الْإِنْسَان﴾ . وَقَوله: ﴿أَنا خلقناه من قبل وَلم [يَك] شَيْئا﴾ . وَمَعْنَاهُ: أَنا لما قَدرنَا على إنْشَاء خلقهمْ، فَنحْن على الْإِعَادَة أقدر.
﴿وَالشَّيَاطِين ثمَّ لنحضرنهم حول جَهَنَّم جثيا (68) ثمَّ لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد على الرَّحْمَن عتيا (69) ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صليا (70) وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فوربك لنحشرنهم وَالشَّيَاطِين﴾ . فِي الْخَبَر: أَنه يحْشر كل كَافِر مسلسلا مَعَ شَيْطَان.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لنحضرنهم حول جَهَنَّم جثيا﴾ أَي: جاثين على الركب.
قَالَ السّديّ: قاعين على الركب من ضيق الْمَكَان، " وحول جَهَنَّم " هُوَ عين جَهَنَّم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لننزعن من كل شيعَة﴾ أَي: لنستخرجن ونأخذن من كل شيعَة، أَي: من كل أمة وَأهل دين من الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿أَيهمْ أَشد على الرَّحْمَن عتيا﴾ أَي: الأعتى فالأعتى، وَمعنى الْآيَة: أَنا نقدم فِي إِدْخَال النَّار من هُوَ أَكثر جرما، وَأَشد أمرا، وَقَالَ أهل اللُّغَة: وَقَوله: ﴿عتيا﴾ أَي: افتراء بلغَة تَمِيم.
وَيُقَال: هَؤُلَاءِ هم قادة الْكفْر ورؤساؤه، وَفِي بعض الْآثَار: أَنهم يحْضرُون جَمِيعًا حول جَهَنَّم مسلسلين مغلولين، ثمَّ يقدم الأكفر فالأكفر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صليا﴾ أَي: أَحَق دُخُولا.
وَيُقَال: الَّذين هم أَشد عنوا أولى بهَا صليا، فَهَذَا تَقْدِير الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا مِنْكُم إِلَّا واردها.
وَاخْتلفُوا فِيمَا ينْصَرف إِلَيْهِ قَوْله: ﴿واردها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ النَّار، قَالَ: والورود هُوَ الدُّخُول، وَقَالَ: يدخلهَا الْبر والفاجر، ثمَّ ينجو الْبر، وَيبقى الْفَاجِر.
وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: تمارا ابْن عَبَّاس وَنَافِع بن الْأَزْرَق فِي الْوُرُود، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الدُّخُول، وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ ثمَّ قَالَ: يَا نَافِع، أَنا وَأَنت داخلها، وَأَرْجُو أَن ينجيني الله مِنْهَا، وَلَا
ينجيك مِنْهَا، لِأَنَّك كذبت بِهِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ: أخبرنَا أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن بن [فراس] قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المقرىء قَالَ: حَدثنَا جدي مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد، عَن سُفْيَان.
وروى قُرَّة عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّاس يردون النَّار، ويصدر الْمُؤْمِنُونَ عَنْهَا بأعمالهم، فأولهم كلمح الْبَصَر، ثمَّ كَالرِّيحِ ثمَّ كحضر الْفرس، ثمَّ كشد الرجل، ثمَّ كالماشي.
وَعَن ابْن ميسرَة أَنه كَانَ يدْخل دَاره فيبكي، فَيُقَال لَهُ: مَا يبكيك؟ فَيَقُول: الله تَعَالَى أَنبأَنَا أَنا نرد النَّار، وَلم ينبئنا أَنا صادرون عَنْهَا.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: " حق لِابْنِ آدم أَن يبكي ... وَذكر نَحوا من هَذَا ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة هم الْكفَّار.
هَذَا قَول عِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير.
وقرىء فِي الشاذ: " وَإِن مِنْهُم إِلَّا واردها ". وعَلى هَذَا كثير من أهل الْعلم، وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم من الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا﴾ .
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد من الْوُرُود هُوَ الْحُضُور والرؤية دون الدُّخُول.
وَهَذَا قَول الْحسن وَقَتَادَة، وَقد يذكر الْوُرُود بِمَعْنى الْحُضُور، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلما ورد مَاء مَدين﴾ أَي: حضر.
وَقَالَ زُهَيْر شعرًا:
(وَلما وردن المَاء زرقا جمامه ... تركن عصي الْحَاضِر المتخيم)
وَالْقَوْل الرَّابِع، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها: الْقِيَامَة.
وَقد استحسنوا هَذَا القَوْل لتقدم ذكر الْقِيَامَة.
وَالْقَوْل الْخَامِس: أَن الصِّرَاط.
وَفِي الْآيَة قَول سادس: رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: وُرُود النَّار هُوَ الْحمى فِي الدُّنْيَا.
وَفِي بعض المسانيد عَن النَّبِي أَنه عَاد رجلا من وعك - أبي: الْحمى - بِهِ، فَقَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: هِيَ نَارِي أُسَلِّطهَا على من شِئْت من الْمُؤمنِينَ، ليَكُون حَظه من نَار جَهَنَّم ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " الْحمى (كي) من جَهَنَّم، وَهِي حَظّ الْمُؤمن من النَّار ".
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْحمى من فيح جَهَنَّم، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ".
وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من قدم من الْوَلَد لم يلج النَّار، إِلَّا تَحِلَّة الْقسم ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَنَّهَا تستعر على الْكفَّار، وتخمد تَحت أَقْدَام الْمُؤمنِينَ ".
روى خَالِد بن معدان عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يدْخل الله قوما من الْمُؤمنِينَ الْجنَّة،
﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا (71) ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا (72) وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما وَأحسن نديا (73) وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) قل من كَانَ﴾ فَيَقُولُونَ: ألم تعدنا رَبنَا أَن ندخل النَّار؟ فَقَالَ لَهُم: قد وردتموها وَهِي خامدة ". وَقَوله: ﴿كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ أَي: لَازِما يُصِيب بِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا﴾ اسْتدلَّ بِهَذَا من قَالَ: إِن الْوُرُود هُوَ الدُّخُول؛ لِأَن التنجية إِنَّمَا تكون بعد الدُّخُول.
وَقَالَ أَيْضا: ﴿وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الْكل قد دخلوها، وَأما من قَالَ: إِن الْوُرُود هُوَ الْحُضُور قَالَ: يجوز أَن تذكر التنجية لأجل الإشراف على الْهَلَاك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات﴾ مَعْنَاهُ: واضحات.
وَقَوله: ﴿قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما﴾ أَي: مَكَانا.
وَقَوله: ﴿وَأحسن نديا﴾ قَالَ ثَعْلَب: مَجْلِسا، قَالَ الْكسَائي: الندي والنادي بِمَعْنى وَاحِد، وَمِنْه دَار الندوة؛ لأَنهم كَانُوا يَجْتَمعُونَ فِيهَا.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ لفقراء الْمُؤمنِينَ: نَحن أعز مَجْلِسا، وَأحسن مَكَانا، وَأكْثر مَالا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَالْمقَام: مَوضِع الْإِقَامَة، وَالْمقَام: فعل الْإِقَامَة.
قَالَ الشَّاعِر:
(ومقام حسن فرقته ... بحسامي ولساني وجدل)
(لَو يكون الْفِيل أَو فياله ... زل عَن مثل مقَامي ورحل)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ وقرىء: " وريا " بِغَيْر همز، وَفِي الشاذ: " وزيا " بالزاء، حُكيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير.
أما قَوْله
﴿فِي الضَّلَالَة فليمدد لَهُ الرَّحْمَن مدا حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون إِمَّا الْعَذَاب وَإِمَّا السَّاعَة فسيعلمون من هُوَ شَرّ مَكَانا وأضعف جندا (75) وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى والباقيات الصَّالِحَات خير عِنْد رَبك ثَوابًا وَخير مردا (76) أفرءيت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا﴾ ﴿ورئيا﴾ بِالْهَمْز هُوَ المنظرة، وَأما بِغَيْر الْهَمْز هُوَ من النِّعْمَة.
وَأما الزي هُوَ الهيأة.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: [وَأحسن رئيا] هُوَ حسن الصُّورَة.
وَقيل: الرّيّ من الارتواء، والمتنعم يظْهر فِيهِ ارتواء النِّعْمَة، وَالْفَقِير يظْهر عَلَيْهِ ذبول الْبُؤْس والفقر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من كَانَ فِي الضَّلَالَة فليمدد لَهُ الرَّحْمَن مدا﴾ هَذَا أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى يتركهم فِي الْكفْر، ويمهلهم فِيهِ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون إِمَّا الْعَذَاب وَإِمَّا السَّاعَة﴾ الْعَذَاب: هُوَ الْقَتْل والأسر فِي الدُّنْيَا، والساعة: الْقِيَامَة.
وَمَعْنَاهُ: لَو نصر عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا فَقتلُوا وأسروا، أَو جَاءَتْهُم السَّاعَة، فأدخلوا النَّار ﴿فسيعلمون﴾ عِنْد ذَلِك ﴿من هُوَ شَرّ مَكَانا﴾ أَي: منزلا ﴿وأضعف جندا﴾ أَي: ناصرا.
وَقَوله: ﴿وأضعف جندا﴾ يرجع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَوله: ﴿شَرّ مَكَانا﴾ يرجع إِلَى الْآخِرَة.
﴿وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى﴾ يَعْنِي: يَقِينا على يقينهم، ورشدا على رشدهم.
وَقَوله: ﴿والباقيات الصَّالِحَات﴾ قيل: إِنَّهَا الصَّلَوَات الْخمس، وَقيل: هِيَ الْأَذْكَار الَّتِي قلناها، وَقد بَينا.
وَقَوله: ﴿خير عِنْد رَبك ثَوابًا﴾ أَي: جَزَاء ﴿وَخير مردا﴾ أَي: مرجعا.
وَنقل الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس [أَن] زِيَادَة الْهدى هوالإيمان بالناسخ والمنسوخ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَولدا﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى مَسْرُوق عَن خباب [بن] الْأَرَت قَالَ: " كنت قينا وحدادا بِمَكَّة، فَعمِلت للعاص بن وَائِل السَّهْمِي، فاجتمعت لي عَلَيْهِ دَرَاهِم، فَجِئْته أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا
﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَولدا (77) أطلع الْغَيْب أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا (78) كلا﴾ أقضيك حَتَّى تكفر بِمُحَمد، فَقلت: لَا أكفر حَتَّى تَمُوت ثمَّ تبْعَث.
فَقَالَ الْعَاصِ: أَو مَبْعُوث أَنا؟ ! فَقلت: نعم.
قَالَ: فَإِذا بعثت فَيكون لي هُنَاكَ مَال وَولد، فَأَقْضِيك حَقك؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا جدي أَبُو اللَّيْث، قَالَ الْفربرِي، قَالَ: ثَنَا البُخَارِيّ، قَالَ: ثَنَا الْحميدِي، عَن سُفْيَان، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي الضُّحَى، عَن مَسْرُوق ... الحَدِيث.
وَقَوله: ﴿أطلع الْغَيْب﴾ أَي: اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَقيل: علم الْغَيْب، فَعلم أَن لَهُ مَالا وَولدا بِعلم الْغَيْب؟ .
وَقَوله: ﴿أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ قَالَ سُفْيَان: عملا صَالحا، وَقَالَ غَيره: لَا إِلَه إِلَّا الله.
وروى الْأسود بن يزِيد، عَن عبد الله بن مَسْعُود، أَنه قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله تَعَالَى: " من كَانَ لَهُ عِنْدِي عهد (فَليقمْ) . فَقيل: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، وَمَا ذَلِك الْعَهْد؟ فَعلمنَا، فَقَالَ: قَالَ: " أَيعْجزُ أحدكُم أَن يتَّخذ كل صباح وَمَسَاء عهدا؟ قَالُوا: وَكَيف؟ قَالَ: يَقُول: اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، إِنِّي أَتَّخِذ عنْدك عهدا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَإنَّك إِن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تقربني من الشَّرّ، وَتُبَاعِدنِي من الْخَيْر، وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك، فاحفظ عهدي تُؤَدِّيه إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّك لَا تخلف الميعاد ".
﴿سنكتب مَا يَقُول ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا (79) ونرثه مَا يَقُول ويأتينا فَردا (80) وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة ليكونوا لَهُم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم وَيَكُونُونَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا سنكتب مَا يَقُول﴾ قَوْله: ﴿كلا﴾ يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر على مَا زعم الْعَاصِ بن وَائِل، ثمَّ قَالَ: ﴿سنكتب مَا يَقُول﴾ أَي: يَأْمر الْمَلَائِكَة حَتَّى يكتبوا.
وَقَوله: ﴿ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا﴾ أَي: نطيل مُدَّة عَذَابه.
وَقَوله: ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " ونرثه مَا عِنْده " فَإِن قيل: القَوْل كَيفَ يُورث وَالْمَعْرُوف ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ ؟ ! وَالْجَوَاب عَنهُ قَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ: ونرثه مَا زعم أَن لَهُ مَالا وَولدا، أَي: لَا يُعْطِيهِ، وَيُعْطِي غَيره، فَيكون الْإِرْث رَاجعا إِلَى مَا تَحت القَوْل، لَا إِلَى نفس القَوْل.
وَيجوز أَن يكون معنى قَوْله: ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ أَي: ونرثه مَا عِنْده، على مَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ أَي: نَحْفَظ مَا يَقُول حَتَّى يجاز بِهِ.
وَقَوله: ﴿ويأتينا فَردا﴾ أَي: فَردا لَا أنصار لَهُ، وَلَا أعوان، وَقيل: هُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾ الْآيَة وَحَقِيقَته: أَنه يأتينا وَلَا مَال لَهُ وَلَا ولد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة﴾ يَعْنِي: آلِهَة يعبدونها.
وَقَوله: ﴿ليكونوا لَهُم عزا﴾ أَي: مَنْعَة، وَمعنى المنعة: أَنهم يمتنعون بهَا من الْعَذَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا زَعَمُوا.
وَقَوله: ﴿سيكفرون بعبادتهم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْأَصْنَام وَالْمَلَائِكَة
﴿عَلَيْهِم ضدا (82) ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا (83) فَلَا تعجل عَلَيْهِم إِنَّمَا نعد لَهُم عدا (84) يجحدون عِبَادَتهم، وَالْقَوْل الآخر: أَن الْمُشْركين يُنكرُونَ عبَادَة الْأَصْنَام وَالْمَلَائِكَة.
فَإِن قيل: مَا عرف فِي الْمُشْركين أحد كَانَ يعبد الْمَلَائِكَة؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ كَانَ بطن من الْعَرَب يسمون: بني الْمليح، كَانُوا يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِم ضدا﴾ أَي: بلَاء.
وَقيل: أَعدَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين﴾ فَإِن قيل: أتقولون: إِن الشَّيَاطِين مرسلون، وَالله قَالَ: ﴿وَسَلام على الْمُرْسلين﴾ فَإِذا كَانُوا مرسلين وَجب أَن يدخلُوا فِي جُمْلَتهمْ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه لَيْسَ معنى الْإِرْسَال هَاهُنَا هُوَ الْإِرْسَال الَّذِي يؤجد فِي الْأَنْبِيَاء، وَلَكِن معنى الْإِرْسَال هَاهُنَا أحد الشَّيْئَيْنِ: إِمَّا التَّخْلِيَة بَينهم وَبَين الْكفَّار، وَإِمَّا التسليط على الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿تؤزهم أزا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: تزعجهم إزعاجا، كَأَنَّهُ يحركهم ويحثهم وَيَقُول: اقدموا على الْكفْر.
والهز والأز: هُوَ التحريك، وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي كَانَ يُصَلِّي، وبجوفه أزيز كأزيز الْمرجل " أَي: حَرَكَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعجل عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: لَا تعجل بِطَلَب عقوبتهم.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا نعد لَهُم عدا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ عد الْأَيَّام.
وَقَالَ غَيره: عد السَّاعَات.
وَعَن الْحسن: عد الأنفاس.
وَقيل لبَعض الصَّالِحين: إِنَّمَا أيامك أنفاس مَعْدُودَة، فَقَالَ: من صِحَة الْعدَد أَخَاف.
وروى الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه أَنه قَالَ: رَأَيْت رجلا على بَاب الْبَصْرَة أَيَّام الطَّاعُون يعد
﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا (85) ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا (86) لَا﴾ الْمَوْتَى، وقدامه كوز، كلما مر عَلَيْهِ بميت، يلقِي فِيهِ حَصى.
فعد فِي الْيَوْم الأول ثَمَانِينَ ألفا، وَفِي الْيَوْم الثَّانِي مائَة وَعشْرين ألفا.
قَالَ: فمررنا عَلَيْهِ بِجنَازَة، ثمَّ عدنا، فَإِذا عِنْد الْكوز غَيره.
قُلْنَا لَهُ: أَيْن ذهب الرجل؟ قَالَ: وَقع فِي الْكوز.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا﴾ الْحَشْر: جمع الأقوام من كل (صقع) فِي مَوضِع وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَفْدًا﴾ مَعْنَاهُ: ركبانا، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة، وَقَالَ: يُؤْتونَ بِنُوق من نُوق الْجنَّة عَلَيْهَا أرحلة من الذَّهَب، وَلها أزمة من الزبرجد، فيركبون عَلَيْهَا حَتَّى يقرعُوا بَاب الْجنَّة.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " يحْشر الْأَنْبِيَاء على دَوَاب فِي الْجنَّة، وأحشر على الْبراق، ويحشر الْحسن وَالْحُسَيْن على العضباء والقصواء، ويحشر بِلَال على نَاقَة من نُوق الْجنَّة فَيُؤذن، فَإِذا بلغ قَوْله: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، شهد بهَا جَمِيع الْخلق، قبل مِمَّن قبل، ورد على من رد ".
وَقيل: ﴿وَفْدًا﴾ أَي: مكرمين.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " أَن الْمُؤمن إِذا بعث يُؤْتى بِعَمَلِهِ على أحسن صُورَة، فَيَقُول: من أَنْت؟ فَيَقُول: أَنا عَمَلك الصَّالح طالما ركبتك فاركبني الْيَوْم.
وَأما الْكَافِر يُؤْتى بِعَمَلِهِ على أقبح صُورَة، فَيَقُول: من أَنْت؟ فَيَقُول: أَنا عَمَلك الْخَبيث، قَالَ: طالما ركبتني، وَأَنا أركبك الْيَوْم ".
وَقَوله: ﴿ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا﴾ أَي: مشَاة.
وَقيل: عطاشا.
﴿يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا (87) وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا (88) لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا (89) تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا (90) أَن دعوا للرحمن ولدا (91) وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا (92) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ قَالَ بعض أهل التَّفْسِير: هَذَا رَاجع إِلَى الْمَلَائِكَة.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ رَاجع إِلَى الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ يَعْنِي: لَا يشفعون إِلَّا لمن اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا، فالعهد هُوَ " لَا إِلَه إِلَّا الله ". وَيُقَال: لَا يشفع إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا يَعْنِي: لَا يشفع إِلَّا مُؤمن.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا﴾ أَي: مُنْكرا عَظِيما، (والإد) والاتخاذ إعداد الشَّيْء لأمر فِي الْعَاقِبَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ﴾ الانفطار: الانشقاق، وتكاد أَي: تقرب، وَفِي التَّفْسِير: أَن الْكَافرين لما قَالُوا: اتخذ الله ولدا غضِبت السَّمَوَات وَالْأَرْض، وتسعرت جَهَنَّم، فَطلب الْجَمِيع أَن ينتقموا من الْقَائِلين بِهَذَا القَوْل، فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وتنشق الأَرْض﴾ أَي: تخسف بهم، أما الانفطار فِي السَّمَاء فَمَعْنَاه على هَذَا: أَن [تسْقط] عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿وتخر الْجبَال هدا﴾ أَي: تنكسر انكسارا، وَمَعْنَاهُ على مَا ذكرنَا أَي: تنطبق عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿أَن دعوا للرحمن ولدا﴾ أَي: حِين دعوا للرحمن ولدا.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا﴾ قد بَينا.
﴿إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا (95) إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ﴾
وَقَوله: ﴿إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: مَا كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿إِلَّا آتٍ الرَّحْمَن عبدا﴾
وَقد أجمع أهل الْعلم أَن الْبُنُوَّة مَعَ الْعُبُودِيَّة لَا يَجْتَمِعَانِ، وَمن اشْترى ابْنه يعْتق عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يصلح أَن يكون ابْنا وعبدا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدا﴾ أَي: يعلمهُمْ، وَعلم عَددهمْ.
وَقَوله: ﴿وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ قد بَينا.