النور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
{فِرْعَوْن وَقَومه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتنَا مبصرة قَالُوا هَذَا سحر مُبين (13) وجحدوا بهَا واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين (14) وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُد وَسليمَان علما وَقَالا الْحَمد لله الَّذِي
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتنَا مبصرة﴾ أَي: بنية وَاضِحَة.
قَوْله: ﴿قَالُوا هَذَا سحر مُبين﴾ أى: سحر ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وجحدوا بهَا﴾ أَي: جحدوها، وَالْبَاء صلَة، وَقيل: جَحَدُوا بِالدّلَالَةِ الَّتِي ظَهرت مِنْهُمَا.
وَقَوله: ﴿واستيقنتها أنفسهم﴾ يَعْنِي: وَقد علمُوا أَنَّهَا من قبل الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿ظلما وعلوا﴾ أَي: شركا وتكبرا.
وَقَوله: ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُد وَسليمَان علما﴾ أَي: علم الْقَضَاء وَعلم منطق الطير ومنطق الدَّوَابّ، وَعَن بَعضهم: علم الكيمياء، وَهُوَ قَول شَاذ.
وَقَوله: ﴿وَقَالا الْحَمد لله الَّذِي فضلنَا على كثير من عباده الْمُؤمنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ وراثة المَال، وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ إِرْث الْملك والنبوة، وَكَانَ دَاوُد ملكا نَبيا، [وَكَذَلِكَ] سُلَيْمَان ملكا نَبيا، وَأعْطى سُلَيْمَان مَا أعْطى دَاوُد من الْملك، وَزيد لَهُ تسخير الرّيح، وَلم يكن هَذَا لِأَبِيهِ، وَكَذَلِكَ تسخير الشَّيَاطِين.
قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ لداود تِسْعَة عشر ولدا ذكرا، وَورث ملكه ونبوته سُلَيْمَان من بَينهم.
وَفِي بعض المسانيد: عَن أبي هُرَيْرَة أَن الله تَعَالَى أَمر دَاوُد أَن يسْأَل سُلَيْمَان عَن عشر مسَائِل: فَإِن أجَاب فَهُوَ خَلِيفَته.
وروى أَن الله تَعَالَى بعث إِلَى دَاوُد
﴿فضلنَا على كثير من عباده الْمُؤمنِينَ (15) وَورث سُلَيْمَان دَاوُد وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس بِصَحِيفَة مختومة فِيهَا جَوَاب الْمسَائِل فَجمع دَاوُد الْأَحْبَار والرهبان، وأحضر سُلَيْمَان وَسَأَلَهُ عَن الْمسَائِل، وَكَانَت الْمسَائِل الْعشْر أَن دَاوُد سَأَلَ سُلَيْمَان - صلوَات الله عَلَيْهِمَا - فَقَالَ: مَا أقرب الْأَشْيَاء؟ وَمَا أبعد الْأَشْيَاء؟ وَمَا آنس الْأَشْيَاء؟ وَمَا أوحش الْأَشْيَاء؟ وَمَا الشيئان القائمان؟ وَمَا الشيئان المختلفان؟ وَمَا الشيئان المتباغضان؟ [وَمَا الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء حمد فِي آخِره؟] وَمَا الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء ذمّ فِي آخِره؟ فَقَالَ: أما أقرب الْأَشْيَاء فالآخرة، وَأما أبعد الْأَشْيَاء فَالَّذِي فاتك من الدُّنْيَا، وَأما آنس الْأَشْيَاء فجسد فِيهِ روحه، وَأما أوحش الْأَشْيَاء فجسد لَا روح فِيهِ، وَأما الشيئان القائمان فالسماء وَالْأَرْض، وَأما الشيئان المختلفان فالليل وَالنَّهَار، وَأما الشيئان المتباغضان فالحياة وَالْمَوْت، وَأما الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء حمد فِي آخِره، فالحلم عِنْد الْغَضَب، وَأما الَّذِي إِذا اسْتعْمل فِي أول الشَّيْء ذمّ فِي آخِره فالحدة عِنْد الْغَضَب، فَلَمَّا أجَاب سُلَيْمَان بِهَذِهِ الْأَجْوِبَة، فك الْخَتْم عَن الصَّحِيفَة الَّتِي بعثها الله تَعَالَى، فَإِذا الْأَجْوِبَة على وفْق مَا قَالَ سُلَيْمَان صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَفِي هَذَا الْخَبَر: أَن سُلَيْمَان لما أجَاب بِهَذِهِ الْأَجْوِبَة سَأَلته الْأَحْبَار عَن مَسْأَلَة أُخْرَى فَقَالُوا: مَا الشَّيْء الَّذِي إِذا صلح صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فسد فسد الْجَسَد كُله؟ فَقَالَ: هُوَ الْقلب.
فَقَالَت الْأَحْبَار لَهُ: حق لَك الْخلَافَة يَا سُلَيْمَان، فَحِينَئِذٍ اسْتَخْلَفَهُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام.
فَإِن قيل: إِذا كَانَ دَاوُد اسْتَخْلَفَهُ، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله تَعَالَى: {وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ ؟ قُلْنَا: المُرَاد من الْإِرْث هَاهُنَا هُوَ قِيَامه مقَام دَاوُد فِي الْملك والنبوة وَالْعلم، وَلَيْسَ المُرَاد من الْإِرْث الَّذِي يعلم فِي الْأَمْوَال، وَهَذَا مثل قَوْلهم: الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَالْمرَاد مِنْهُ مَا بَينا.
﴿علمنَا منطق الطير
وَقَوله: {وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس علمنَا منطق الطير﴾ سمى صَوته منطقا لحُصُول الْفَهم بِمَعْنَاهُ، كَمَا يفهم معنى كَلَام النَّاس، إِلَّا أَن صَوت الطير على صِيغَة وَاحِدَة، وأصوات النَّاس على صِيغ مُخْتَلفَة، وَيحْتَمل أَن ذَلِك فِي زمَان سُلَيْمَان خَاصَّة معْجزَة لَهُ أَنه جعل لأصواتهم مَعَاني مفهومة كَمَا يفهم النَّاس بَعضهم من بعض.
وَقد روى نَافِع، عَن ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ: " الديك الْأَبْيَض صديقي، وصديق صديقي وعدو عدوى، فَقيل: يَا رَسُول الله، وماذا يَقُول؟ قَالَ: يَقُول اذْكروا الله يَا غافلين ". وَهَذَا خبر غَرِيب.
وَفِي بعض المسانيد: أَن جمَاعَة من الْيَهُود أَتَوا عبد الله بن عَبَّاس: فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا سائلوك عَن أَشْيَاء فَإِن أجبتنا أسلمنَا، فَقَالَ: سلوا تفقها، وَلَا تسألوا تعنتا، فَقَالُوا: مَاذَا يَقُول القس فِي صفيره؟ والديك فِي صقيعه؟ والضفدع فِي نقيقه؟ وَالْحمار فِي نهيقه؟ وَالْفرس فِي صهيله؟ وماذا يَقُول الزرزور أَو الدراج؟ فَقَالَ: أما القس يَقُول: اللَّهُمَّ الْعَن مبغضي مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، وَأما الديك يَقُول: اذْكروا الله يَا غافلين، وَأما الضفدع يَقُول: سُبْحَانَ المعبود فِي لجج الْبحار، وَأما الْحمار فَيَقُول: اللَّهُمَّ الْعَن العشارين، وَأما الْفرس إِذا حمحم عِنْد التقاء الصفين فَإِنَّهُ يَقُول: سبوح قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح، وَأما الزرزور فَإِنَّهُ يَقُول: اللَّهُمَّ أَسأَلك قوت يَوْم بِيَوْم يارزاق، وَأما
﴿وأوتينا من كل شَيْء إِن هَذَا لَهو الْفضل الْمُبين (16) وَحشر لِسُلَيْمَان جُنُوده من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالطير فهم يُوزعُونَ (17) الدراج فَيَقُول: الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى، قَالَ: فَأسلم الْيَهُود.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي الْحمار: " إِذا نهق فَإِنَّهُ قد رأى شَيْطَانا ".
وَقَوله: {وأوتينا من كل شَيْء﴾ أَي: من كل شَيْء يُؤْتى الْأَنْبِيَاء والملوك، وَقيل: إِنَّه قَالَ هَذَا على طَرِيق الْكَثْرَة وَالْمُبَالغَة، مثل قَول الْقَائِل: كلمت كل أحد فِي حَاجَتك.
وَقَوله: ﴿إِن هَذَا لَهو الْفضل الْمُبين﴾ أَي: الزِّيَادَة الظَّاهِرَة على جَمِيع الْخلق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحشر لِسُلَيْمَان جُنُوده﴾ قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: كَانَ مُعَسْكَره مائَة فَرسَخ: خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للإنس، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للجن، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للوحوش، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا للطيور.
وَعَن سعيد بن جُبَير: كَانَ يوضع لِسُلَيْمَان سِتّمائَة ألف كرْسِي، يجلس الْإِنْس فِيمَا يَلِيهِ، ثمَّ يليهن الْجِنّ، ثمَّ تظلهم الطير ثمَّ تقلهم الرّيح.
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس، أخبرنَا الديبلي، أخبرنَا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن سَلام، عَن سعيد بن جُبَير ... الْأَثر.
وَقَوله: ﴿فهم يُوزعُونَ﴾ أَي: يساقون، وَقيل: يجمعُونَ، وَالْقَوْل الْمَعْرُوف: يكفون، وَمَعْنَاهُ: يكف أَوَّلهمْ حَتَّى يلْحق آخِرهم، قَالَ الشَّاعِر:
(على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا ... فَقلت ألما أصح والشيب وازع)
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لابد للنَّاس من وزعة.
قَالَ هَذَا حِين ولى الْقَضَاء، وازدحم عَلَيْهِ النَّاس.
وَعَن عُثْمَان قَالَ: مَا يَزع السُّلْطَان أَكثر مِمَّا يَزع الْقُرْآن.
وَمَعْنَاهُ: مَا يمْتَنع النَّاس مِنْهُ خوفًا من السُّلْطَان أَكثر مِمَّا يمْتَنع النَّاس مِنْهُ خوفًا من الْقُرْآن.
{حَتَّى إِذا أَتَوا على وَاد النَّمْل قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل أدخلُوا مَسَاكِنكُمْ
وَعَن بَعضهم فِي الْفرق بَين عمر وَعُثْمَان: أَن عمر أَسَاءَ الظَّن فَشدد فِي الْأَمر فصلحت رَعيته، وَعُثْمَان أحسن الظَّن فساهل الْأَمر ففسدت رَعيته.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ على كل صنف من الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير وَالدَّوَاب لِسُلَيْمَان صلوَات الله عَلَيْهِ، وزعة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا أَتَوا على وَاد النَّمْل﴾ يُقَال: هُوَ وَاد بِالشَّام، وَقَالَ كَعْب: وَاد بِالطَّائِف.
وَقَالَ بَعضهم: وَاد كَانَ سكنه الْجِنّ، وَأُولَئِكَ النَّمْل مراكبهم وَهِي كالذئاب.
وَقيل: كالبخاتي، وَالْمَشْهُور أَنه النَّمْل الصَّغِير، وَسميت نملا لتنملها أَي: لِكَثْرَة حركتها.
وَعَن عدي بن حَاتِم انه كَانَ يفت الْخبز للنمل.
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهِ أَبُو على الشَّافِعِي بذلك الْإِسْنَاد، وَالَّذِي بَينا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن مَسْعُود، عَن رجل، عَن عدي بن حَاتِم.
وَقَوله: ﴿قَالَت نملة﴾ يحْتَمل أَن الله تَعَالَى خلق للنمل فِي ذَلِك الْوَقْت كلَاما مفهوما، والنمل عِنْد الْعَرَب من الحكل، والحكل مَالا صَوت لَهُ، قَالَ الشَّاعِر:
(علم سُلَيْمَان الحكل)
وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ﴾ وَلم يقل: ادخلي، وَحقّ اللُّغَة أَن يَقُول: ادخلي، وَإِنَّمَا يُقَال: ادخُلُوا لبني آدم، لكِنهمْ لما تكلمُوا بِمثل كَلَام الْآدَمِيّين خوطبوا مثل خطاب الْآدَمِيّين.
وَقَوله: ﴿لَا يحطمنكم﴾ أَي: لَا يسكرنكم كسر الْهَلَاك , ﴿سُلَيْمَان وَجُنُوده﴾ (وَقيل: لَا يطأنكم، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَإِنَّمَا الرّيح كَانَت تحمل سُلَيْمَان
﴿لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وَجُنُوده وهم لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا من قَوْلهَا وَجُنُوده﴾ ? فَإِنَّهُ روى أَن سُلَيْمَان وَجُنُوده كَانُوا يَجْتَمعُونَ على بِسَاط، وَالرِّيح تحمل الْبسَاط؛ وَالْجَوَاب: يحْتَمل أَنه كَانَ فيهم مشَاة، وَكَانَت الأَرْض تطوى لَهُم، وَيحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل تسخير الرّيح لِسُلَيْمَان وَالله أعلم.
فَإِن قيل: لم يكن النَّمْل من الطير، وَهُوَ كَانَ تعلم منطق الطير؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ الشّعبِيّ: كَانَت نملا لَهَا أَجْنِحَة فَيكون طيراً.
وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: علم النَّمْل أَن سُلَيْمَان ملك لَيْسَ لَهُ جبرية وظلم، وَمعنى الْآيَة: أَنكُمْ لَو لم تدْخلُوا المساكن وطئوكم، وَلم يشعروا بكم، وَلَو عرفُوا لم يطئوا، وَفِي الْقِصَّة [أَيْضا] : أَن سُلَيْمَان لما بلغ وَادي النَّمْل حبس جنده حَتَّى دخل النَّمْل بُيُوتهم، وَفِي الْقِصَّة أَيْضا: أَن سُلَيْمَان سمع كَلَام النَّمْل على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَ الله تَعَالَى أَمر الرّيح أَن تَأتيه بِكُل خبر وكل كَلَام، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن النَّمْل يكره قَتلهَا، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ قَالَ: هم الَّذين لَا يؤدون الذَّر، وَهُوَ صغَار النَّمْل.
فَإِن قيل: كَيفَ يَصح أَن يثبت للنمل مثل هَذَا الْعلم؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: يجوز أَن يخلق الله تَعَالَى فِيهِ هَذَا النَّوْع من الْفَهم وَالْعلم، وَيُقَال: إِنَّه أسْرع جسة إدراكا، وَهُوَ إِذا أَخذ الْحبَّة من الْحِنْطَة قطعهَا بنصفين لِئَلَّا تنْبت، وَإِذا أَخذ الكزبرة قطعهَا أَربع قطع؛ لِأَن الكزبرة إِذا قطعت قطعتين تنْبت، فَإِذا قطعت أَربع قطع لم تنْبت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا من قَوْلهَا﴾ قَالَ الزّجاج: ضحك الْأَنْبِيَاء التبسم.
وَقَوله: ﴿ضَاحِكا﴾ أَي: مُتَبَسِّمًا، وَيُقَال: كَانَ أَوله التبسم وَآخره الضحك، فَإِن قيل: لم ضحك؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: فَرحا بثناء النملة عَلَيْهِ، وَالْآخر: سمع عجبا، وَمن سمع عجبا يضْحك، وَرُبمَا يغلب فِي ذَلِك.
﴿وَقَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين (19) وتفقد الطير فَقَالَ مَا
وَقَوله: {وَقَالَ رب أوزعني﴾ أَي: ألهمني.
وَقَوله: ﴿أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت على﴾ يُقَال: الشُّكْر انفتاح الْقلب لرؤية الْمِنَّة، وَيُقَال: هُوَ الثَّنَاء على الله تَعَالَى بإنعامه.
قَوْله: ﴿وعَلى وَالِدي﴾ أَي: أَبَاهُ دَاوُد وَأمه آيسا.
وَقَوله: ﴿وَأَن أعمل صَالحا ترضاه﴾ أَي: من طَاعَتك.
وَقَوله: ﴿وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين﴾ أَي: مَعَ عِبَادك الصَّالِحين الْجنَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتفقد الطير﴾ التفقد هُوَ طلب مَا قد فقد.
وَقَوله: ﴿مَا لي لَا أرى الهدهد﴾ الهدهد طير مَعْرُوف، فَإِن قيل: لم طلبه؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الطير كَانَت تظل سُلَيْمَان وجنده من الشَّمْس، فَنظر فَرَأى مَوضِع الهدهد خَالِيا تصبيه الشَّمْس مِنْهُ، فَطلب لهَذَا، وَالثَّانِي: مَا روى عَن ابْن عَبَّاس أَن الهدهد كَانَ يعرف مَوضِع المَاء فِي الأَرْض، وَكَانَ يبصر المَاء فِيهَا كَمَا يبصر فِي الزجاجة، وَكَانَ يذكر قدر قرب المَاء وَبعده، فَاحْتَاجَ سُلَيْمَان إِلَى المَاء فِي مسيره، فَطلب الهدهد لذَلِك.
فروى أَن نَافِع بن الْأَزْرَق كَانَ عِنْد ابْن عَبَّاس وَهُوَ يذكر هَذَا فَقَالَ: يَا وصاف انْظُر مَا تَقول، فَإِن الصَّبِي منا يضع الفخ ويحثو عَلَيْهِ التُّرَاب، فيجئ الهدهد فَيَقَع فِي الفخ.
فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: إِن الْقدر يحول دون الْبَصَر، وروى أَنه قَالَ: إِذا جَاءَ الْقَضَاء وَالْقدر ذهب اللب وَالْبَصَر.
وَقَوله: ﴿أم كَانَ من الغائبين﴾ يَعْنِي: أَكَانَ من الغائبين؟ وَالْمِيم فِيهِ صلَة، كَأَنَّهُ أعرض عَن الْكَلَام الأول، وَذكر هَذَا على طَرِيق الِاسْتِفْهَام، وَيُقَال: إِنَّه لما قَالَ: ﴿مَالِي لَا أرى الهدهد﴾ دخله شكّ، فَقَالَ: أحاضر هُوَ أم غَائِب؟ .
{لي لَا أرى الهدهد أم كَانَ من الغائبين (20) لأعذبنه عذَابا شَدِيدا أَو لأذبحنه أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين (21) فَمَكثَ غير بعيد فَقَالَ أحطت بِمَا لم تحط بِهِ وجئتك
قَوْله تَعَالَى: ﴿لأعذبنه عذَابا شَدِيدا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا - وَهُوَ الْأَشْهر - أَنه نتف ريشه وإلقاؤه فِي الشَّمْس فيأكله النَّمْل، وَيُقَال: هُوَ حَبسه مَعَ الضِّدّ، وَيُقَال: إِخْرَاجه من جنسه إِلَى غير جنسه، فَهُوَ الْعَذَاب الشَّديد.
وَقَوله: ﴿أَو لأذبحنه﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: بِعُذْر ظَاهر، وَيُقَال: بِحجَّة بَيِّنَة، وَفِي الْقِصَّة: أَن أَمِير الطير كَانَ هُوَ الكركر، فَسَأَلَهُ سُلَيْمَان عِنْد الهدهد أَنه حَاضر أم غَائِب؟ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَكثَ غير بعيد﴾ أَي: غير طَوِيل.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ فِيهِ حذف، وَمَعْنَاهُ: أَن الهدهد جَاءَ وَسَأَلَهُ سُلَيْمَان - عَلَيْهِ السَّلَام - عَن غيبته فَقَالَ: ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ .
وَفِي الْقِصَّة: أَن الهدهد قَالَ لما أخبر بمقالة سُلَيْمَان: ﴿لأعذبنه عذَابا شَدِيدا أَو لأذبحنه﴾ قَالَ الهدهد: هَل اسْتثْنى نَبِي الله؟ قَالُوا: نعم، قد قَالَ: (أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين) قَالَ: فنجوت إِذا.
فَإِن قَالَ قَائِل: التعذيب إِنَّمَا يكون بعد التَّكْلِيف، والهدهد لم يكن مُكَلّفا، وَإِذا لم يكن مُكَلّفا لم يكن عَاصِيا بالغيبة، وَإِذا لم يكن عصيا لَا يسْتَحق الْعَذَاب؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: يحْتَمل أَن الطير أَعْطَاهَا الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْوَقْت مَا يعْقلُونَ بِهِ الْأَمر، فصح نهيهم عَن الْغَيْبَة والإخلال بمركز الْخدمَة، فَإِذا غبن استحققن الْعَذَاب.
وَأما قَوْله: ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ﴾ الْإِحَاطَة هُوَ الْعلم بالشَّيْء من جَمِيع جهاته.
وَقَوله: ﴿وجئتك من سبأ﴾ وَقُرِئَ: " سبأ " بِغَيْر صرف، فَمن صرف سبأ صرفه على أَنه اسْم رجل، وَفِي بعض التفاسير: عَن النَّبِي أَنه سُئِلَ عَن سبأ فَقَالَ: " هُوَ
﴿من سبأ بِنَبَأٍ يَقِين (22) إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم رجل ولد عشرَة من الْبَنِينَ تيامن مِنْهُم سِتَّة وتشاءم مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأَما الَّذِي تيامنوا فهم كِنْدَة، والأشعر، والأزد، وحمير، ومذحج، وأنمار، وَأما الَّذين تشاءموا فهم: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان ". وَمن لم يصرفهُ جعله اسْما للبقعة، وَاعْلَم أَن الْعَرَب قد صرفت سبأ مرّة وَلم تصرفه مرّة، قَالَ الشَّاعِر فِي صرف سبأ: (الواردون وتيم فِي ذرى سبأ ... قد عض أَعْنَاقهم جلد الجواميس﴾ وَقَالَ آخر: فِي ترك صرفه: (من سبأ الْحَاضِرين مأرب إِذْ ... يبنون من دون سيله العرما) وَقَوله: ﴿بِنَبَأٍ يَقِين﴾ أَي: بِخَبَر حق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم﴾ هَذِه الْمَرْأَة هِيَ بلقيس بنت شرَاحِيل.
قَالَ مُجَاهِد: وَلَدهَا أَرْبَعُونَ ملكا، آخِرهم أَبوهَا.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: كَانَ أحد أَبَوَيْهَا من الْجِنّ.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: ولوا أَمرهم علجة يضطرب ثدياها.
وَقد ثَبت عَنهُ بِرِوَايَة أبي بكرَة حِين بلغه أَن الْعَجم ولوا عَلَيْهِم بنت كسْرَى،
﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء وَلها عرش عَظِيم (23) وَجدتهَا وقومها يَسْجُدُونَ للشمس من دون الله وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل فهم لَا يَهْتَدُونَ فَقَالَ: " لَا يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة ".﴾ ) .
وَعَن خَالِد بن صَفْوَان فِي ذمّ الْيمن: هم من بَين دابغ جلد , وسايس قرد , وحائك برد , ملكتهم امْرَأَة , وَدلّ عليم هدهد وغرقتهم فَأْرَة.
وَاعْلَم أَن أهل الْيمن ممدوحون على لِسَان النَّبِي، وَإِنَّمَا الذَّم الَّذِي ذكرنَا لأهل الشّرك مِنْهُم.
وَقَوله: ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ أَي: من كل شَيْء يُؤْتى مثلهَا.
وَقَوله: ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ أَي: سَرِير ضخم، وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ طول السرير [ثَمَانِينَ] ذِرَاعا فِي عرض ثَمَانِينَ، وَقيل: أقل من ذَلِك، وَالله أعلم.
قَالُوا: وَكَانَ مكللا بالجواهر واليواقيت والزبرجد، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَجدتهَا وقومها يَسْجُدُونَ للشمس من دون الله وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل﴾ أَي: عَن سَبِيل الْإِسْلَام.
وَقَوله: ﴿فهم لَا يَهْتَدُونَ﴾ أَي: الطَّرِيق الْحق.