الزمر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا فليذوقوه حميم وغساق﴾ يُقَال: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير
﴿من شكله أَزوَاج (58) هَذَا فَوْج مقتحم مَعكُمْ لَا مرْحَبًا بهم إِنَّهُم صالوا النَّار (59) ﴾ وَمَعْنَاهُ: هَذَا حميم وغساق فليذوقوه، وَأما معنى الْحَمِيم فقد بَينا، وَهُوَ المَاء الْحَار الَّذِي انْتهى فِي الْحَرَارَة، وَأما الغساق فَهُوَ الْقَيْح الَّذِي يسيل من جُلُودهمْ، وَعَن السّديّ قَالَ: الدُّمُوع الَّتِي تسيل من أَعينهم، وَحكى بَعضهم عَن ابْن عَبَّاس: أَنه الزَّمْهَرِير يحرقهم بِبرْدِهِ، وَحكى النقاش: أَن الغساق هُوَ المنتن بالتركية، فعرب، وَقد قرئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، فبعضهم قَالَ: لَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى، وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا بِبَعْض الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأخر من شكله أَزوَاج﴾ وَقُرِئَ: " وَآخر من شكله "، فَقَوله: ﴿وَأخر﴾ يتَنَاوَل الْعدَد وَقَوله: ﴿وَأخر﴾ بِالْمدِّ يتَنَاوَل الْوَاحِد.
وَقَوله: ﴿من شكله﴾ أَي: مثله، وَقَوله: ﴿أَزوَاج﴾ أَي: أَصْنَاف، وَقيل: أَنْوَاع.
قَالَ الشَّاعِر:
(لما اكتست من ضرب كل شكل ... حمرا وخضرا كاخضرار البقل)
وَمعنى الْآيَة: أَن لأهل النَّار أنواعا أخر من الْعَذَاب على شكل مَا سبق ذكره يَعْنِي: فِي الشدَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا فَوْج مقتحم مَعكُمْ﴾ أَي: فَوْج مقتحم مَعكُمْ بعد الفوج الأول، والاقتحام هُوَ الدُّخُول، وَاخْتلف القَوْل فِي الفوج الأول والفوج الثَّانِي.
فأحد الْقَوْلَيْنِ: الفوج الأول هم بَنو إِسْرَائِيل، والفوج الثَّانِي هم بَنو آدم، وَيُقَال: الفوج الأول هم الرؤساء والقادة، والفوج الثَّانِي هم الأتباع.
وَقَوله: ﴿لَا مرْحَبًا بهم﴾ الرحب هُوَ السعَة، وَقَول الْقَائِل: لَا مرْحَبًا بفلان أَي: لَا رَحبَتْ أَي: لَا اتسعت عَلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا جِئْت بوابا لَهُ قَالَ مرْحَبًا ... أَلا مرْحَبًا ناديك غير مضيق)
﴿قَالُوا بل أَنْتُم لَا مرْحَبًا بكم أَنْتُم قدمتموه لنا فبئس الْقَرار (60) قَالُوا رَبنَا من قدم لنا هَذَا فزده عذَابا ضعفا فِي النَّار (61) وَقَالُوا مَا لنا لَا نرى رجَالًا كُنَّا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار (63) إِن ذَلِك لحق تخاصم أهل النَّار﴾ وَقَوله: ﴿إِنَّهُم صالوا النَّار﴾ أَي: داخلوا النَّار مَعكُمْ،
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا بل أَنْتُم لَا مرْحَبًا بكم﴾ يَعْنِي: قَالَ الأتباع للقادة بل أَنْتُم لَا مرْحَبًا بكم.
وَقَوله: ﴿أَنْتُم قدمتموه لنا﴾ أَي: قدمتم هَذَا الْعَذَاب لنا بدعائكم إيانا إِلَى الضَّلَالَة وَالْكفْر، وَقَوله: ﴿فبئس الْقَرار﴾ أَي: فبئس دَار الْقَرار النَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبنَا من قدم لنا هَذَا﴾ أَي: قَالَ الأتباع: رَبنَا من قدم لنا هَذَا؟ وَقَوله: ﴿فزده عذَابا ضعفا فِي النَّار﴾ أَي: ضاعف عَلَيْهِ الْعَذَاب فِي النَّار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا لنا لَا نرى رجَالًا كُنَّا نعدهم من الأشرار﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَقُول أَبُو جهل وذووه حِين يدْخلُونَ النَّار: أَيْن بِلَال؟ أَيْن عمار؟ أَيْن خباب؟ وَفُلَان وَفُلَان؟
وَعَن بَعضهم قَالَ: أهل النَّار يَقُولُونَ هَذَا حِين يفقدون أهل الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿كُنَّا نعدهم من الأشرار﴾ قَالَ بَعضهم: من الأرذال، وَقَالَ بَعضهم: كُنَّا نعدهم من شرار قَومنَا؛ لأَنهم قد تركُوا دين آبَائِهِم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اتخذناهم سخريا﴾ أَي: كُنَّا سنخر مِنْهُم، وَقُرِئَ: " أتخذناهم سخريا " على الِاسْتِفْهَام، قَالَ أهل الْمعَانِي: وَالْقِرَاءَة الأولى أولى، لأَنهم قد علمُوا حَقِيقَة الْأُمُور فِي الْقِيَامَة، فَلَا يتَصَوَّر مِنْهُم الِاسْتِفْهَام، وَقَالَ الْفراء: الْألف فِي قَوْله: ﴿اتخذناهم﴾ ألف التوبيخ والتعجب، وَالْعرب تذكر مثل هَذِه الْألف على طَرِيق التوبيخ والتعجب.
وَقَوله: ﴿أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار﴾ أَي: مَالَتْ عَنْهُم الْأَبْصَار، وَمَعْنَاهُ: أَنهم مَعنا فِي النَّار وَلَا نراهم.
( ﴿64) قل إِنَّمَا أَنا مُنْذر وَمَا من إِلَه إِلَّا الله الْوَاحِد القهار (65) رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الْعَزِيز الْغفار (66) قل هُوَ نبأ عَظِيم (67) أَنْتُم عَنهُ معرضون (68) مَا كَانَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ذَلِك لحق تخاصم أهل النَّار﴾ أَي: مُرَاجعَة بَعضهم بَعْضًا القَوْل بِمَنْزِلَة المتخاصمين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَنما أَنا مُنْذر وَمَا من إِلَه إِلَّا الله الْوَاحِد القهار﴾ أَي: أَنا الرَّسُول الْمُنْذر، وَالله الْوَاحِد القهار [القاهر] عباده بِمَا يُرِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الْعَزِيز الْغفار﴾ أَي: المنيع فِي ملكه، الْغفار لذنوب عباده.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ نبأ عَظِيم﴾ أَي: الْقُرْآن نبأ عَظِيم، وَقيل: ذُو شَأْن عَظِيم، وَأول بَعضهم النبأ الْعَظِيم بالقيامة،
وَقَوله: ﴿انتم عَنهُ معرضون﴾ أَي: عَنهُ لاهون، وَله تاركون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لي من علم بالملأ الْأَعْلَى إِذْ يختصون﴾ ذهب أَكثر أهل التَّفْسِير إِلَى أَن المُرَاد بالملأ الْأَعْلَى هم الْمَلَائِكَة، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَغَيره.
وَقَوله: ﴿إِذْ يختصمون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ هُوَ قَوْلهم لله تَعَالَى فِي أَمر آدم: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ الْآيَة إِلَى آخرهَا.
وَأما الْمَأْثُور عَن النَّبِي فِي الْآيَة فَهُوَ مَا رَوَاهُ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ " أَن النَّبِي احْتبسَ عَنَّا ذَات غَدَاة حَتَّى كدنا نتراءى عين الشَّمْس، ثمَّ خرج سَرِيعا، وثوب بِالصَّلَاةِ، وَصلى رَكْعَتَيْنِ تجوز فيهمَا، ثمَّ قَالَ: هَل تَدْرُونَ بِمَا احْتبست عَنْكُم؟ فَقُلْنَا: لَا.
فَقَالَ: إِنِّي قُمْت من اللَّيْل وتطهرت وَصليت مَا شَاءَ الله، ثمَّ نَعَست واستثقلت،
﴿لي من علم بالملأ الْأَعْلَى إِذْ يختصمون (69) إِن يُوحى إِلَيّ إِلَّا أَنما أَنا نَذِير مُبين﴾ ) فَإِذا رَبِّي فِي أحسن صُورَة.
فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، قلت: لبيْك.
فَقَالَ: اتدري فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: لَا
فَوضع كَفه بَين كَتِفي حَتَّى وجدت برد أنامله فِي ثندوتي؛ فتجلى لي كل شَيْء، وعرفته.
ثمَّ قَالَ لي: يَا مُحَمَّد، أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟
فَقلت: نعم فِي الْكَفَّارَات، قَالَ: مَا هن؟ قلت: فِي مشي الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات، وإسباغ الْوضُوء على المكروهات، وَالْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد بعد الصَّلَاة.
قَالَ: وفيم أَيْضا؟
قلت: فِي إطْعَام الطَّعَام، ولين الْكَلَام، وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام.
فَقَالَ لي: سل يَا مُحَمَّد.
فَقلت: أَسأَلك فعل الْخيرَات، وَترك الْمُنْكَرَات، وَحب الْمَسَاكِين، وَأَن تغْفر لي وترحمني، وَأَسْأَلك حبك، وَحب من يجبك وَحب عمل يقربنِي إِلَى حبك.
ثمَّ قَالَ النَّبِي: " إنَّهُنَّ حق فادرسوهن وتعلموهن " قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَقد روى هَذَا الْخَبَر بِوُجُوه أخر، وَلم يذكر فِي بَعْضهَا النّوم، وأصحها هَذِه الرِّوَايَة، وَالله أعلم.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن الْمَلأ الْأَعْلَى هم أَشْرَاف قُرَيْش واختصامهم أَن بَعضهم قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وَبَعْضهمْ قَالُوا غير ذَلِك، فَهُوَ اختصامهم، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول.
( ﴿70) إِذْ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من طين (71) فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي فقعوا لَهُ ساجدين (72) فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيس استكبر وَكَانَ من الْكَافرين (74) قَالَ يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) قَالَ أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ واختصام الْمَلَائِكَة هُوَ كَلَامهم فِي هَذِه الْأَعْمَال، وأقدار المثوبة فِيهَا، وَزِيَادَة بعض الْأَعْمَال على الْبَعْض فِي الثَّوَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يُوحى إِلَيّ إِلَّا أَنما أَنا نَذِير مُبين﴾ أَي: مَا يُوحى إِلَيّ إِلَّا أَنما أَنا نَذِير مُبين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من طين﴾ يَعْنِي: آدم صلوَات الله عَلَيْهِ
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا سويته﴾ أَي: جمعت خلقه وأتممته.
وَقَوله: ﴿ونفخت فِيهِ من روحي فقعوا لَهُ ساجدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس استكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾ قد بَينا،
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿أستكبرت﴾ أَي: تعظمت، وَقَوله: ﴿أم كنت من العالين﴾ أَي: من الْقَوْم المتكبرين، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ إِبْلِيس من أَشْرَاف الْمَلَائِكَة، وَكَانَ خَازِن الْجنان، وَأمين السَّمَاء الدُّنْيَا، فَأَعْجَبتهُ نَفسه، وَرَأى أَن لَهُ فضلا على غَيره، فَلَمَّا أمره الله تَعَالَى بِالسُّجُود لآدَم امْتنع لذَلِك الَّذِي كَانَ فِي نَفسه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ وَإِنَّمَا قَالَ إِبْلِيس هَذَا لِأَنَّهُ [ظن] أَن الدُّنْيَا فضلا على الطين، وَلم يكن على مَا ظن، بل الْفضل لمن أعطَاهُ الله الْفضل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم﴾ أَي: مرجوم، والمرجوم: هُوَ المبعد
( ﴿76) قَالَ فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم (77) وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّين (78) قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون (79) قَالَ فَإنَّك من المنظرين (80) إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم (81) قَالَ فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين (83) قَالَ فَالْحق وَالْحق أَقُول (84) لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ (85) قل﴾ باللعنة،