الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقطعناهم فِي الأَرْض أمما﴾ أَي: فرقناهم فرقا، وَمَعْنَاهُ: شتتنا أَمر الْيَهُود فَلَا يَجْتَمعُونَ على كلمة وَاحِدَة ﴿مِنْهُم الصالحون﴾ يَعْنِي: الَّذين أَسْلمُوا مِنْهُم ﴿وَمِنْهُم دون ذَلِك﴾ يَعْنِي الَّذين بقوا على الْكفْر.
﴿وبلوناهم﴾ أَي: اختبرناهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ والسيئات﴾ أَي: بِالْخصْبِ والجدب وَالْخَيْر وَالشَّر ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ .
( ﴿168) فخلف من بعدهمْ خلف ورثوا لكتاب يَأْخُذُونَ عرض هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سيغفر لنا وَإِن يَأْتهمْ عرض مثله يأخذوه ألم يُؤْخَذ عَلَيْهِم مِيثَاق الْكتاب أَن لَا يَقُولُوا على الله إِلَّا الْحق ودرسوا مَا فِيهِ وَالدَّار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون (169) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فخلف من بعدهمْ خلف﴾ اعْلَم أَن الْخلف يُقَال فِي الذَّم والمدح جَمِيعًا، لَكِن عِنْد الْإِطْلَاق الْخلف للمدح، وَالْخلف للذم، قَالَ الشَّاعِر:
(لنا لقدم الأولى إِلَيْك وخلفنا ... لأولنا فِي طَاعَة لله تَابع)
وَهَاهُنَا للذم، وَأَرَادَ بِهِ أَبنَاء الَّذين سبق ذكرهم من أَصْحَاب السبت ﴿ورثوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: انْتقل إِلَيْهِم الْكتاب ﴿يَأْخُذُونَ عرض هَذَا الْأَدْنَى﴾ أَي: حطام الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا سميت الدُّنْيَا دنيا؛ لِأَنَّهَا أدنى إِلَى الْخلق من الْآخِرَة؛ وَلذَلِك قَالَ: ( ﴿عرض هَذَا الْأَدْنَى﴾ وَيَقُولُونَ سيغفر لنا) وَهَذَا اغترار مِنْهُم بِاللَّه - تَعَالَى - وَفِي الحَدِيث: " الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت، والفاجر من أتبع نَفسه هَواهَا، وَتمنى على الله الْمَغْفِرَة " ﴿وَإِن يَأْتهمْ عرض مثله يأخذوه﴾ قَالَ مُجَاهِد: وَصفهم بالإصرار على الذَّنب، وَقيل مَعْنَاهُ: إِنَّهُم يَأْخُذُونَ أخذا بعد أَخذ لَا يبالون من حَلَال كَانَ أَو من حرَام، بل يَأْخُذُونَ من غير تفتيش.
﴿ألم يُؤْخَذ عَلَيْهِم مِيثَاق الْكتاب أَلا يَقُولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾ أَي: أَخذ عَلَيْهِم الْعَهْد أَلا يَقُولُوا على الله الْبَاطِل فِي التوارة ﴿ودسوا مَا فِيهِ﴾ أَي: علمُوا ذَلِك فِيهِ بالدرس، قَالَه الضَّحَّاك، ودرس الْكتاب: قِرَاءَته مرّة بعد أُخْرَى ﴿وَالدَّار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون﴾ .
﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة إِنَّا لَا نضيع أجر المصلحين (170) وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة وظنوا أَنه وَاقع بهم خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (171) وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ قيل: هَذَا فِي أمة مُحَمَّد وَقيل: هُوَ فِيمَن أسلم من الْيَهُود، يمسكون بِالْقُرْآنِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاة ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر المصلحين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة﴾ نتقنا أَي: رفعنَا الْجَبَل فَوْقهم، وَقد ذكر هَذَا فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿وظنوا أَنه وَاقع بهم﴾ يَعْنِي: وأيقنوا، وَالظَّن: الْيَقِين: وَقيل: غلب على ظنهم أَنه وَاقع بهم ﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَقد ذكرنَا الْقِصَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ فِي الْآيَة نوع إِشْكَال، وَشَرحهَا وتفسيرها فِي الْأَخْبَار، روى مَالك فِي الْمُوَطَّأ بِإِسْنَادِهِ عَن مُسلم بن يسَار الْجُهَنِيّ عَن عمر بن الْخطاب - رَضِي الله عَنهُ - أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: " إِن الله - تَعَالَى - مسح ظهر آدم، فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ، ثمَّ مسح ظهر آدم فاستخرج ذُرِّيَّة، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أهل النَّار، وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ، فَقيل: يَا رَسُول الله، فَفِيمَ الْعَمَل إِذا؟ فَقَالَ: إِن الله - تَعَالَى - إِذا خلق للجنة أَهلا استعملهم بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يدخلهم الْجنَّة، وَإِذا خلق للنار خلقا استعملهم بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يدخلهم النَّار " وَالْمَعْرُوف وَالَّذِي عَلَيْهِ جمَاعَة الْمُفَسّرين فِي معنى الْآيَة أَن الله - تَعَالَى -
﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين (172) أَو﴾ مسح صفحة ظهر آدم الْيُمْنَى فَأخْرج مِنْهُ ذُرِّيَّة بَيْضَاء كَهَيئَةِ الذَّر يتحركون، ثمَّ مسح صفحة ظهر آدم الْيُسْرَى فَأخْرج مِنْهُ ذُرِّيَّة سَوْدَاء كَهَيئَةِ الذَّر، فَقَالَ: يَا آدم، هَؤُلَاءِ ذريتك، ثمَّ قَالَ لَهُم: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ ؟ قَالُوا: بلَى، فَقَالَ للبيض: هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة برحمتي وَلَا أُبَالِي، وهم أَصْحَاب الْيَمين، وَقَالَ للسود: هَؤُلَاءِ فِي النَّار وَلَا أُبَالِي، وهم أَصْحَاب الشمَال، ثمَّ أعادهم جَمِيعًا فِي صلبه، فَأهل الْقُبُور محبوسون حَتَّى يخرج أهل الْمِيثَاق كلهم من أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء.
قَالَ الله تَعَالَى فِيمَن نقض الْعَهْد: ﴿وَمَا وجدنَا لأكثرهم من عهد﴾ وروى أَبُو الْعَالِيَة عَن أبي بن كَعْب فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: جمعهم الله جَمِيعًا، فجعلهم أرواحا ثمَّ صورهم، ثمَّ استنطقهم، فَقَالَ: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ ؟ قَالُوا: بلَى، شَهِدنَا أَنَّك رَبنَا وإلهنا، لَا رب لنا غَيْرك، قَالَ الله - تَعَالَى -: فَأرْسل إِلَيْكُم رُسُلِي، وَأنزل عَلَيْكُم كتبي، فَلَا تكذبوا رُسُلِي، وَصَدقُوا كَلَامي، فَإِنِّي سأنتقم مِمَّن أشرك وَلم يُؤمن بِي، فَأخذ عَهدهم وميثاقهم.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن الله استخرج ذُرِّيَّة آدم، فنثرهم بَين يَدي آدم، ثمَّ كَلمهمْ قبلا - أَي: عيَانًا - فَقَالَ: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ ؟ قَالُوا: بلَى.
وَقيل: جعل لَهُم عقولا يفهمون بهَا، وألسنة ينطقون بهَا، ثمَّ خاطبهم وألهمهم الْجَواب.
وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين عَن عُلَمَاء السّلف: إِن الْكل قَالُوا: بلَى، لَكِن الْمُؤمنِينَ قَالُوا: بلَى طَوْعًا، وَقَالَ الْكَافِرُونَ كرها، وَهَذَا معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ .
رَجعْنَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لما كَانَ الاستخراج من ظهر آدم، فَكيف قَالَ: {أَخذ رَبك من بني آدم من
﴿تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ أفتهلكنا بِمَا فعل المبطلون (173) ﴾ ظُهُورهمْ) ؟ قَالَ بعض الْعلمَاء فِي جَوَابه: إِن الله - تَعَالَى - استخرجهم من صلب آدم على التَّرْتِيب الَّذِي يُخرجهُ من بني آدم من ظُهُورهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَلذَلِك قَالَ: ﴿أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ .
وَاعْلَم أَن الْمُعْتَزلَة تأولوا هَذِه الْآيَة، فَقَالُوا: أَرَادَ بِهِ الْأَخْذ من ظُهُور بني آدم على التَّرْتِيب الَّذِي مَضَت بِهِ السّنة من لدن آدم إِلَى فنَاء الْعَالم.
وَقَوله: ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ يَعْنِي كَمَا نصب من دَلَائِل الْعُقُول الَّتِي تدل على كَونه رَبًّا، ويلجئهم إِلَى الْجَواب بقَوْلهمْ: بلَى، وأنكروا الْمِيثَاق.
وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل، وَأما أهل السّنة مقرون بِيَوْم الْمِيثَاق، وَالْآيَة على مَا سبق ذكره.
﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿شَهِدنَا﴾ قل بَعضهم: هَذَا من قَول الله وَالْمَلَائِكَة قَالُوا: شَهِدنَا، وَقيل: هُوَ قَول المخاطبين، قَالُوا: بلَى شَهِدنَا، وَقيل: فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: أَن الله تَعَالَى قَالَ للْمَلَائكَة: اشْهَدُوا، فَقَالُوا: شَهِدنَا.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة﴾ يقْرَأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء، فَمن قَرَأَ بِالْيَاءِ فتقدير الْكَلَام: وأشهدهم على أنفسهم لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة: إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين، وَمن قَرَأَ بِالتَّاءِ فتقدير الْكَلَام: أخاطبكم أَلَسْت بربكم؟ لِئَلَّا تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة: إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين.
فَإِن قَالَ قَائِل: الْحجَّة إِنَّمَا تلْزم فِي الدُّنْيَا إِذا رجعُوا عَن ذَلِك الْعَهْد الَّذِي كَانَ يَوْم الْمِيثَاق وَاحِد لَا يذكر ذَلِك الْمِيثَاق حَتَّى يكون بِالرُّجُوعِ معاندا، فَتلْزمهُ الْحجَّة، وَقيل: إِن الله - تَعَالَى - قد أوضح الدَّلَائِل ونصبها على وحدانيته، وَصدق قَوْله، وَقد أخبر عَن يَوْم الْمِيثَاق، وَهُوَ صَادِق فِي الْأَخْبَار، فَكل من نقض ذَلِك الْعَهْد كَانَ معاندا ولزقته الْحجَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو تَقولُوا إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل﴾ يَعْنِي: إِنَّمَا أخذت مَا أخذت
﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولعلهم يرجعُونَ (174) واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ﴾ من الْعَهْد والميثاق عَلَيْكُم جَمِيعًا؛ لِئَلَّا تَقولُوا: ﴿إِنَّمَا أشرك آبَاؤُنَا من قبل وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ﴾ يَعْنِي: أَن الْجِنَايَة من الْآبَاء، وَكُنَّا أتباعا لَهُم؛ فيجعلوا لأَنْفُسِهِمْ حجَّة وعذرا عِنْد الله، وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن أَوْلَاد الْكفَّار يكونُونَ مَعَ الْكفَّار.
﴿أفتهلكنا بِمَا فعل المبطلون﴾ أَي: تأخذنا بِجِنَايَة آبَائِنَا المبطلين؟ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولعلهم يرجعُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود: فِي بلعم بن باعور، وَيُقَال: بلعام بن باعر، كَانَ فِي مَدِينَة الجبارين، وَكَانَ مَعَه الِاسْم الْأَعْظَم، فَلَمَّا قصدهم مُوسَى بجنده، قَالُوا لبلعم: إِن مُوسَى رجل فِيهِ حِدة، فَادع الله حَتَّى يرد عَنَّا مُوسَى، وَقيل: إِن ملكهم دَعَاهُ إِلَى نَفسه وَقَالَ لَهُ ذَلِك، فَقَالَ بلعم: لَو فعلت ذَلِك ذهب ديني ودنياي، فألحوا عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا الله - تَعَالَى - فاستجيبت دَعوته، ورد عَنْهُم مُوسَى، وأوقعهم فِي التيه، فَلَمَّا وَقَعُوا فِي التيه، قَالَ مُوسَى: يَا رب بِمَ حبستنا فِي التيه؟ قَالَ: بِدُعَاء بلعم.
قَالَ مُوسَى: اللَّهُمَّ فَكَمَا استجبت دَعوته فِينَا فاستجب دَعْوَتِي فِيهِ، ثمَّ دَعَا الله - تَعَالَى - حَتَّى ينْزع عَنهُ اسْمه الْأَعْظَم وَالْإِيمَان، فَفعل، وَقيل: نزع الله عَنهُ الِاسْم الْأَعْظَم وَالْإِيمَان، معاقبة لَهُ على مَا دَعَا، وَلم يكن ذَلِك بدعوة مُوسَى؛ فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ .
وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: الْآيَة فِي أُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ كَانَ يطْلب الدّين قبل مبعث النَّبِي، وَكَانَ يطْمع أَن يكون نَبيا، فَلَمَّا بعث النَّبِي حسده وَكفر بِهِ، وَكَانَ أُميَّة صَاحب حِكْمَة وموعظة حَسَنَة.
وَقَالَ الْحسن: الْآيَة فِي منافقي الْيَهُود.
وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَة فِي نَبِي من الْأَنْبِيَاء بَعثه الله - تَعَالَى - إِلَى قومه، فرشاه قومه.
وَهَذَا أَضْعَف الْأَقْوَال؛ لِأَن الله تَعَالَى يعْصم أنبياءه عَن مثل ذَلِك، وَعَن ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة أُخْرَى - أَن الْآيَة فِي رجل من بني إِسْرَائِيل كَانَت لَهُ ثَلَاث دعوات مستجابة أعطَاهُ الله تَعَالَى ذَلِك، وَكَانَت لَهُ امْرَأَة
﴿مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين (175) وَلَو شِئْنَا لرفعناه وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب إِن تحمل عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تتركه يَلْهَث ذَلِك مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا فاقصص الْقَصَص لَعَلَّهُم يتفكرون (176) سَاءَ مثلا الْقَوْم الَّذين﴾ دَمِيمَة؛ فَقَالَت لَهُ: ادْع الله أَن يَجْعَلنِي من أجمل نسَاء الْعَالم، فَدَعَا الله تَعَالَى فَاسْتَجَاب دَعوته؛ فتمردت واستعصت عَلَيْهِ؛ فَدَعَا الله تَعَالَى أَن يَجْعَلهَا كلبة؛ فَجعلت، فَقَالَ لَهُ بنوها: ادْع الله أَن يردهَا، فَدَعَا الله تَعَالَى فَعَادَت كَمَا كَانَت، فَذَهَبت فِيهَا دعواته الثَّلَاثَة، وَالْقَوْلَان الْأَوَّلَانِ أظهر.
وَقَوله: ﴿فَأتبعهُ الشَّيْطَان﴾ أَي: أدْركهُ الشَّيْطَان، يُقَال: تبعه إِذا سَار فِي أَثَره، وَاتبعهُ إِذا أدْركهُ ﴿فَكَانَ من الغاوين﴾ أَي: من الضَّالّين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا﴾ أَي لرفعنا دَرَجَته ومنزلته بِتِلْكَ الْآيَات وأمتناه قبل أَن يكفر، وَقيل مَعْنَاهُ: لَو شِئْنَا [لحلنا] بَينه وَبَين الْكفْر ﴿وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض﴾ أَي: مَال إِلَى الدُّنْيَا، ﴿وَاتبع هَوَاهُ﴾ وَهَذِه أَشد آيَة فِي حق الْعلمَاء، وقلما يخلوا عَن أحد هذَيْن عَالم من الركون إِلَى الدُّنْيَا، ومتابعة الْهوى.
﴿فَمثله كَمثل الْكَلْب إِن تحمل عَلَيْهِ يَلْهَث أَو تتركه يَلْهَث﴾ ضرب لَهُ مثلا بأخس حَيَوَان فِي أخس الْحَال؛ فَإِنَّهُ ضرب لَهُ الْمثل بالكلب لاهثا، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنَّك إِن حملت على الْكَلْب وطردته يَلْهَث، وَإِن تتركه يَلْهَث، فَكَذَلِك الْكَافِر، إِن وعظته وزجرته فَهُوَ ضال، وَإِن تركته فَهُوَ ضال، واللهث: إدلاع اللِّسَان.
﴿ذَلِك مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ضرب الْمثل ثمَّ بَين أَنه مثل ذَلِك (الَّذِي) سبق ذكره، وَقيل: هَذَا كُله ضرب مثل للْكفَّار مَكَّة؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يتمنون أَن يكون مِنْهُم بني، فَلَمَّا بعث النَّبِي حسدوه وَكَفرُوا؛ فَكَانُوا كفَّارًا قبل بعثته وكفارا (بعد بعثته) ﴿فاقصص الْقَصَص لَعَلَّهُم يتفكرون﴾ .
﴿كذبُوا بِآيَاتِنَا وأنفسهم كَانُوا يظْلمُونَ (177) من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي وَمن يضلل فَأُولَئِك هم الخاسرون (178) وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا﴾
قَوْله تَعَالَى ﴿سَاءَ مثلا الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: بئس الْمثل مثلا الْقَوْم ( ﴿وأنفسهم كَانُوا يظْلمُونَ﴾ من يهد الله) أَي: من يهده الله ﴿فَهُوَ المهتد وَمن يضلل﴾ أَي: وَمن يضلله الله ﴿فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ وَهَذَا دَلِيل على الْقَدَرِيَّة؛ حَيْثُ نسب الْهِدَايَة والضلالة إِلَى فعله من غير سَبَب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ أَي: خلقنَا لِجَهَنَّم كثيرا، وَهَذَا على وفْق قَول أهل السّنة، وروت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى خلق الْجنَّة، وَخلق لَهَا أَهلا؛ خلقهمْ لَهَا وهم فِي أصلاب بائهم، وَخلق النَّار، وَخلق لَهَا أَهلهَا، خلقهمْ لَهَا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم " وَهَذَا فِي الصَّحِيح، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: " إِن الله تَعَالَى خلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وَأَسْمَاء قبائلهم، وَخلق النَّار، وَخلق لَهَا أَهلا بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وَأَسْمَاء قبائلهم - وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي الصَّحِيح - لَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص " وَقيل معنى قَوْله: ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم﴾ أَي: ذرأناهم، وعاقبة أَمرهم إِلَى جَهَنَّم، وَاللَّام لَام الْعَاقِبَة، وَهَذَا مثل قَول الْقَائِل: (يَا أم سليم فَلَا تجزء عَن ... فللموت مَا تَلد الوالدة) وَقَالَ آخر: (وللموت تغذوا الوالدات سخالها ... كَمَا لخراب الدَّهْر تبنى المساكن)
﴿يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون (179) وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ سيجزون مَا كَانُوا يعْملُونَ (180) وَمِمَّنْ خلقنَا أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ وَالْأول أصح، وَأقرب إِلَى مَذْهَب أهل السّنة، وَقَوله: ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم لما لم يفقهوا بقلوبهم مَا انتفعوا بِهِ، وَلم يبصروا بأعينهم، وَلم يسمعوا بآذانهم؛ مَا انتفعوا بِهِ؛ فكأنهم لَا يفقهُونَ وَلَا يبصرون وَلَا يسمعُونَ شَيْئا، وَهَذَا كَمَا قَالَ مِسْكين الدَّارِيّ: (أعمى إِذا مَا جارتي برزت ... حَتَّى توارى جارتي الخدر) (أَصمّ عَمَّا كَانَ بَينهمَا سَمْعِي ... وَمَا بِالسَّمْعِ من وقر) ﴿أُولَئِكَ كالأنعام﴾ يَعْنِي: فِي أَن همتهم من الدُّنْيَا الْأكل والتمتع بالشهوات ﴿بل هم أضلّ﴾ وَذَلِكَ أَن الْأَنْعَام تميز بَين المضار وَالْمَنَافِع، وَأُولَئِكَ لَا يميزون مَا يضرهم عَمَّا يَنْفَعهُمْ ﴿أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ الْأَسْمَاء الْحسنى هِيَ مَا وَردت فِي الْخَبَر، روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما - مائَة غير وَاحِد - من أحصاها دخل الْجنَّة "، وَقَوله: ﴿الْحسنى﴾ يرجع إِلَى التسميات، وَقَوله ﴿فَادعوهُ بهَا﴾ وَذَلِكَ بِأَن يَقُول: يَا عَزِيز، يَا رَحْمَن، وَنَحْو هَذَا، وَاعْلَم أَن أَسمَاء الله تَعَالَى على التَّوْقِيف؛ فَإِنَّهُ يُسمى جوادا وَلَا يُسمى سخيا، وَإِن كَانَ فِي معنى الْجواد، وَيُسمى رحِيما وَلَا يُسمى رَقِيقا، وَيُسمى عَالما وَلَا يُسمى عَاقِلا، وعَلى هَذَا لَا يُقَال: يَا خَادع، يَا مكار، وَإِن ورد فِي الْقُرْآن ( ﴿يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ ويمكرون ويمكر الله) لَكِن لما لم يرد الشَّرْع بتسميته بِهِ لم يجز ذَلِك لَهُ.
﴿وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ قَالَ يَعْقُوب بن السّكيت صَاحب الْإِصْلَاح:
﴿وَبِه يعدلُونَ (181) وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ (182) وأملي لَهُم إِن كيدي متين (183) أَو لم يتفكروا مَا بِصَاحِبِهِمْ من جنَّة إِن هُوَ إِلَّا نَذِير﴾ الْإِلْحَاد: هُوَ الْميل عَن الْحق، وَإِدْخَال مَا لَيْسَ فِي الدّين، قيل: والإلحاد فِي الْأَسْمَاء هَاهُنَا: كَانُوا يَقُولُونَ فِي مُقَابلَة اسْم الله: اللآت، وَفِي مُقَابلَة الْعَزِيز: الْعُزَّى، وَمَنَاة فِي مُقَابلَة المنان، وَقيل: هُوَ تسميتهم الْأَصْنَام آلِهَة، وَهَذَا أعظم الْإِلْحَاد فِي الْأَسْمَاء، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ سيجزون مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خلقنَا أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ روى قَتَادَة مُرْسلا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " هَؤُلَاءِ من هَذِه الْأمة، وَقد كَانَ فِيمَن قبلكُمْ " وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قوم مُوسَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن قوم مُوسَى أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي: الاستدراج: هُوَ الْأَخْذ قَلِيلا قَلِيلا، وَمِنْه درج الْكتاب، وَقيل: الاستدراج من الله هُوَ أَن العَبْد كلما ازْدَادَ مَعْصِيّة زَاده الله - تَعَالَى - نعْمَة، وَقيل: هُوَ أَن يكثر عَلَيْهِ النعم وينسيه الشُّكْر، ثمَّ يَأْخُذهُ بَغْتَة؛ فَهَذَا هُوَ الاستدراج من حَيْثُ لَا يعلمُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأملي لَهُم﴾ أَي: أمْهل لَهُم وأؤخر لَهُم ﴿إِن كيدي متين﴾ أَي: شَدِيد.
قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم يتفكروا مَا بِصَاحِبِهِمْ من جنَّة إِن هُوَ إِلَّا نَذِير مُبين﴾ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رُوِيَ: " أَن النَّبِي ذَات لَيْلَة صعد الصَّفَا، وَهُوَ يُنَادي طول اللَّيْل: يَا بني فلَان، يَا بني فلَان، إِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد، فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالُوا: إِن مُحَمَّدًا قد جن، يَصِيح طول اللَّيْل؛ فَنزلت هَذِه الْآيَة " ﴿أَو لم يتفكروا﴾ " يَعْنِي: فِي حَال مُحَمَّد أَنه لَا يَلِيق بِحَالهِ الْجُنُون.
{مُبين (184) أَو لم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ (185) من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ويذرهم فِي طغيانهم يعمهون (186) يَسْأَلُونَك عَن السَّاعَة أَيَّانَ مرْسَاها قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد رَبِّي لَا يجليها لوَقْتهَا إِلَّا هُوَ ثقلت فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حفي عَنْهَا قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (187)
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: استدلوا بهَا على وحدانية الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلق الله من شَيْء﴾ أَي: أَو لم ينْظرُوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء ﴿وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم﴾ يَعْنِي: لَعَلَّ قد اقْترب أَجلهم فيموتوا قبل أَن يُؤمنُوا ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ أَي: بِأَيّ نَبِي بعد مُحَمَّد، وَبِأَيِّ كتاب بعد كتاب مُحَمَّد يُؤمنُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿من يضلل الله﴾ أَي: من يضلله الله ﴿فَلَا هادي لَهُ ويذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ أَي: فِي غلوهم فِي الْبَاطِل ﴿يعمهون﴾ يتحيرون ويترددون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن السَّاعَة أَيَّانَ مرْسَاها﴾ أَي: مثبتها، يُقَال: أرسى، أَي: أثبت، وَمَعْنَاهُ: يَسْأَلُونَك عَن السَّاعَة مَتى قِيَامهَا ﴿قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد رَبِّي لَا يجليها لوَقْتهَا﴾ لَا يظهرها لوَقْتهَا ( ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ثقلت فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض) أَي: خَفِي علمهَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَكَأَنَّمَا ثقلت، وكل خَفِي ثقيل، وَمَعْنَاهُ: ثقيل وصفهَا على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض؛ بِمَا يكون فِيهَا من تكوير الشَّمْس وَالْقَمَر، وتكوير النُّجُوم، وتسيير الْجبَال، وطي السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَقيل مَعْنَاهُ: عظم وُقُوعهَا على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض.
﴿لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة.
﴿يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حفي عَنْهَا﴾ أَي كَأَنَّك مسرور بسؤالهم عَنْهَا، يُقَال: تحفيت فلَانا فِي الْمَسْأَلَة إِذا سَأَلته وأظهرت السرُور فِي سؤالك، فعلى هَذَا تَقْدِير الْآيَة:
﴿قل لَا أملك لنَفْسي نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر وَمَا مسني السوء إِن أَنا إِلَّا نَذِير وَبشير لقوم يُؤمنُونَ (188) هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ﴾ يَسْأَلُونَك عَنْهَا كَأَنَّك حفي بسؤالهم، وَقيل مَعْنَاهُ: يَسْأَلُونَك كَأَنَّك حفي عَنْهَا أَي: عَالم بهَا، يُقَال: أحفيت فلَانا، إِذا مَا بالغت فِي الْمَسْأَلَة عَنهُ حَتَّى علمت، فعلى هَذَا معنى الْآيَة: كَأَنَّك حفي عَنْهَا، أَي: كَأَنَّك بالغت فِي السُّؤَال عَنْهَا، حَتَّى علمت ﴿قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أملك لنَفْسي نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر وَمَا مسني السوء﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: مَعْنَاهُ: وَلَو كنت أعلم الخصب من الجدب لأعددت من الخصب للجدب وَمَا مسني الْجُوع، قَالَه ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ ابْن جريج: مَعْنَاهُ: لَو كنت أعلم مَتى أَمُوت لاستكثرت من الْخيرَات والطاعات، وَمَا مسني السوء أَي: مَا بِي جُنُون؛ لأَنهم كَانُوا نسبوه إِلَى الْجُنُون.
القَوْل الثَّالِث: مَعْنَاهُ: وَلَو كنت أعلم مَتى السَّاعَة لأخبرتكم بقيامها حَتَّى تؤمنوا، وَمَا مسني السوء يَعْنِي: بتكذيبكم ﴿إِن أَنا إِلَّا نَذِير وَبشير لقوم يُؤمنُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: آدم ﴿وَجعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ يَعْنِي: حَوَّاء ( ﴿ليسكن إِلَيْهَا﴾ فَلَمَّا تغشاها) أَي: وَطئهَا، والغشيان أحسن كِنَايَة عَن الْوَطْء، يُقَال: تغشاها وتخللها، إِذا وَطئهَا.
﴿حملت حملا خَفِيفا﴾ هُوَ أول مَا تحمل الْمَرْأَة من النُّطْفَة ﴿فمرت بِهِ﴾ وَقَرَأَ يحيى بن يعمر: " فمرت بِهِ " خَفِيفا من المرية أَي: شكت، وَقُرِئَ فِي الشواذ: " فمارت بِهِ: " أَي: تحركت بِهِ من المور، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " فاستمرت بِهِ " وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَمَعْنَاهُ: فمرت بِالْحملِ حَتَّى قَامَت وَقَعَدت وَدخلت وَخرجت، وَقيل: هُوَ مقلوب، وَتَقْدِيره فَمر الْحمل بهَا حَتَّى قَامَت وَقَعَدت ﴿فَلَمَّا أثقلت﴾ أَي: حَان
﴿فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهما﴾ وَقت الْولادَة ﴿دعوا الله ربهما﴾ .
وَفِي الْقِصَّة: أَن إِبْلِيس جَاءَ إِلَى حَوَّاء حِين حبلت، وَقَالَ لَهَا: أَتَدْرِينَ مَا فِي بَطْنك؟ قَالَت: لَا.
فَقَالَ: لَعَلَّه بَهِيمَة، وَإِنِّي أخْشَى أَن تكون لَهَا قرنان تشق بهما بَطْنك؛ فخافت حَوَّاء، وَجَلَست حزينة، ثمَّ عَاد إِلَيْهَا اللعين، وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن أَدْعُو الله تَعَالَى حَتَّى يَجعله إنْسَانا متكلما؟ قَالَت: نعم.
إِنِّي قد وسوست إلَيْكُمَا مرّة فأطيعاني حَتَّى أَدْعُو، فَقَالَت: مَاذَا نصْنَع؟ قَالَ اللعين: إِذا ولدت تسميه عبد الْحَارِث - وَكَانَ اسْم إِبْلِيس من قبل الْحَارِث - فَذكرت ذَلِك لآدَم، فتوافقا على ذَلِك، فَلَمَّا ولدت سمياه عبد الْحَارِث، وَقيل: إِنَّهَا ولدت مرّة فسمياه عبد الله فَمَاتَ، ثمَّ ولدت ولد آخر فسمياه عبد الله فَمَاتَ، فجَاء اللعين، وَقَالَ: أما علمتما أَن الله تَعَالَى لَا يدع عَبده عندكما، فَإِذا ولدت ولدا فَسَمِّيهِ عبد الْحَارِث، حَتَّى يحيا، فَلَمَّا ولدت الثَّالِث سمياه عبد الْحَارِث فَعَاشَ وَحيا.
وَفِي الْخَبَر: قَالَ النَّبِي: " خدعهما إِبْلِيس مرَّتَيْنِ: مرّة فِي الْجنَّة، وَمرَّة فِي الأَرْض " وَأَرَادَ بِهِ هَذَا ". قَوْله ﴿فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما﴾ يَعْنِي: آدم وحواء ﴿لَئِن آتيتنا صَالحا﴾ أَي: ولدا سوى الْخلق، إِذْ كَانَا [يدعوان] أَن يَجعله الله إنْسَانا مثلهمَا خوفًا من وَسْوَسَة إِبْلِيس ( ﴿لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ فَلَمَّا آتاهما صَالحا) أَي: سوى الْخلق ﴿جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ يَعْنِي سمياه عبد الْحَارِث، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَقُول: ﴿جعلا لَهُ شُرَكَاء﴾ وآدَم كَانَ نَبيا مَعْصُوما عَن الْإِشْرَاك بِاللَّه؟
قيل: لم يكن هَذَا إشراكا فِي التَّوْحِيد، وَإِنَّمَا ذَلِك إشراك فِي الِاسْم، وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي التَّوْحِيد، وَهُوَ مثل تَسْمِيَة الرجل وَلَده عبد يَغُوث وَعبد زيد وَعبد عَمْرو، وَقَول الرجل لصَاحبه: أَنا عَبدك، وعَلى ذَلِك قَول يُوسُف - صلوَات الله عَلَيْهِ -: ﴿إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ وَمثل هَذَا لَا يقْدَح، وَأما قَوْله: ﴿فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ﴾
﴿صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ (190) أيشركون مَا لَا يخلق شَيْئا وهم يخلقون (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُم نصرا وَلَا أنفسهم ينْصرُونَ (192) وَإِن تدعوهم إِلَى الْهدى لَا يتبعوكم سَوَاء عَلَيْكُم أدعوتموهم أم أَنْتُم صامتون (193) إِن الَّذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ابْتِدَاء كَلَام بعد الأول، وَأَرَادَ بِهِ: إشراك أهل مَكَّة، وَلَئِن أَرَادَ بِهِ الْإِشْرَاك الَّذِي سبق استقام الْكَلَام؛ لِأَنَّهُ كَانَ الأولى أَلا يفعل مَا أَتَى بِهِ من الْإِشْرَاك فِي الِاسْم، وَكَانَ ذَلِك زلَّة مِنْهُ، فَلذَلِك قَالَ: ﴿فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ﴾ وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن هَذَا فِي جَمِيع بني آدم.
قَالَ عِكْرِمَة: وَكَأن الله يُخَاطب بِهِ كل وَاحِد من الْخلق بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: خلق كل وَاحِد من أَبِيه ﴿وَجعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ أَي: جعل من جِنْسهَا زَوجهَا ﴿ليسكن إِلَيْهَا﴾ يَعْنِي: كل زوج إِلَى زَوجته ﴿فَلَمَّا تغشاها﴾ أَي: وَطئهَا ﴿حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ﴾ وَهَذَا قَول حسن فِي الْآيَة.
وَقيل: إِنَّمَا عبر بِآدَم وحواء عَن جَمِيع أولادهما؛ لِأَنَّهُمَا أصل الْكل، وَالْأول أشهر وَأظْهر، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَسَعِيد بن جُبَير.
وَجَمَاعَة الْمُفَسّرين كلهم قَالُوا: إِن الْآيَة فِي آدم وحواء كَمَا بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيشركون مَا لَا يخلق شَيْئا وهم يخلقون﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَام لَا يخلقون شَيْئا بل هم مخلوقون
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُم نصرا﴾ أَي: منعا ﴿وَلَا أنفسهم ينْصرُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تدعوهم إِلَى الْهدى لَا يتبعوكم﴾ هَذَا فِي قوم مخصوصين علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ ﴿سَوَاء عَلَيْكُم أدعوتموهم أم أَنْتُم صامتون﴾ أَي: سَوَاء دعوتموهم أَو لم تدعوهم لَا يُؤمنُونَ)
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ تكون الْأَصْنَام عبادا أمثالنا؟ قيل: قَالَ مقَاتل: أَرَادَ بِهِ الْمَلَائِكَة.
وَالْخطاب مَعَ قوم كَانُوا