الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿أَكْثَرهم شاكرين (17) قَالَ اخْرُج مِنْهَا مذءوما مَدْحُورًا لمن تبعك مِنْهُم لأملأن جَهَنَّم مِنْكُم أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين (19) فوسوس لَهما الشَّيْطَان ليبدي لَهما مَا﴾ ﴿وَلَا تَجِد أَكْثَرهم شاكرين﴾ أَي: مُؤمنين فَإِن قيل: بأيش علم الْخَبيث أَنه لَا يجد أَكْثَرهم شاكرين؟ قيل: قَرَأَ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَقيل: قَالَ ذَلِك ظنا؛ فَأجَاب كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد صدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنّه﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ اخْرُج مِنْهَا مذءوما﴾ وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " مذموما "، وَالْمَعْرُوف.
مذءوما من الذأم: وَهُوَ الْعَيْب، وَقيل: مَعْنَاهُ مقيتا من المقت.
﴿مَدْحُورًا﴾ أَي: مطرودا ﴿لمن تبعك مِنْهُم لأملان جَهَنَّم مِنْكُم أَجْمَعِينَ﴾ اللَّام فِيهِ للقسم، يَعْنِي: أقسم لمن تبعك مِنْهُم لأملأن جَهَنَّم مِنْكُم أَجْمَعِينَ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ وَقد بَينا هَذَا ﴿فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾ وَقد بَينا على قَول ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا كَانَت شَجَرَة السنبلة، وَقيل: شَجَرَة التِّين، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب: كَانَت شَجَرَة الكافور، وَقيل: كَانَت شَجَرَة تَأْكُل مِنْهَا الْمَلَائِكَة تسمى: شَجَرَة الْخلد.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فوسوس لَهما الشَّيْطَان﴾ الوسوسة: حَدِيث يلقيه الشَّيْطَان فِي قلب الْإِنْسَان، وَاخْتلفُوا كَيفَ وسوس لَهما وهما فِي الْجنَّة، وَهُوَ فِي الأَرْض؟
فَقيل: وسوس لَهما من الأَرْض؛ لِأَن الله - تَعَالَى - أعطَاهُ قُوَّة بذلك حَتَّى وسوس لَهما بِتِلْكَ الْقُوَّة من الأَرْض إِلَى الْجنَّة، وَقيل: حِين وسوس لَهما كَانَ فِي السَّمَاء؛ فَالْتَقَيَا على بَاب الْجنَّة هُوَ وآدَم، فوسوس، وَقيل: إِن الْحَيَّة خبأته فِي [أنيابها] وأدخلته الْجنَّة، فوسوس من بَين [أنيابها] ؛ فمسحت الْحَيَّة، وأخرجت من الْجنَّة.
﴿ليبدي لَهما مَا ووري عَنْهُمَا من سوءاتهما﴾ اللَّام فِيهِ لَام الْعَاقِبَة؛ فَإِنَّهُ لم
﴿ووري عَنْهُمَا من سوءاتهما وَقَالَ مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين (20) وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور﴾ يوسوس لهَذَا، لَكِن عَاقِبَة أَمرهم فِي وسوسته أَنه أبدى لَهما مَا ستر من عورتيهما.
﴿وَقَالَ مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين﴾ وَهَذِه كَانَت وسوسته؛ وَقَرَأَ يحيى بن أبي كثير وَالضَّحَّاك: " إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ " بِكَسْر اللَّام، وَالْمَعْرُوف: " ملكَيْنِ " بِفَتْح اللَّام، قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لم يكن فِي الْجنَّة ملك لغير الله حَتَّى يَقُول: ملكَيْنِ من الْملك، وَكَانَ فِيهَا الْمَلَائِكَة، وَمَعْنَاهُ: مَا نهاكما الله عَن أكل هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أنكما إِذا اكلتما صرتما ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين.
﴿وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ وسوس لَهما، وَحلف عَلَيْهِ، وَهُوَ أول من حلف بِاللَّه كَاذِبًا، فَكل من حلف بِاللَّه كَاذِبًا؛ فَهُوَ من أَتبَاع إِبْلِيس، وَفِي الحَدِيث:
" إِن الْمُؤمن يخدع بِاللَّه " فَلَمَّا حلف إِبْلِيس على مَا وسوسه بِهِ؛ ظن آدم أَنه لَا يحلف أحد بِاللَّه إِلَّا صَادِقا؛ من سَلامَة قلبه، فاغتر بِهِ.
وَفِيه قَول آخر: أَن قَوْله: ﴿وقاسمهما﴾ من الْقِسْمَة، كَأَن إِبْلِيس قَالَ لَهما: كلا من هَذِه الشَّجَرَة، فَمَا كَانَ من خير فلكما، وَمَا كَانَ من شَرّ وَسُوء فعلي.
وَقَوله: ﴿إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ يَعْنِي: المرشدين، المريدين للخير.
فَإِن قَالَ قَائِل: قَوْله: ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ﴾ دَلِيل على أَن الْمَلَائِكَة أفضل من الْآدَمِيّين، قيل: مَعْنَاهُ - وَالله أعلم -: أَنَّهُمَا رَأيا الْمَلَائِكَة فِي أحسن صُورَة، وَأَرْفَع منزلَة، وَفِي تَسْبِيح دَائِم من غير تَعب وَلَا شَهْوَة؛ فتمنيا أَن يصلا إِلَى تِلْكَ الْمنزلَة لَو أكلا من تِلْكَ الشَّجَرَة، ويتخلصا من التَّعَب، وَمن شَهْوَة البشرية، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل على أَن الْملك أفضل من الْآدَمِيّ.
وَقَوله: ﴿فدلاهما بغرور﴾ أَي: حطهما من منزلَة الطَّاعَة إِلَى حَالَة الْمعْصِيَة، قَالَ
﴿فَلَمَّا ذاقا الشَّجَرَة بَدَت لَهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة وَأَقل لَكمَا إِن الشَّيْطَان لَكمَا عَدو مُبين (22) قَالَا﴾ الشَّاعِر:
(ويوسف إِذْ دلاه أَوْلَاد عِلّة ... فَأصْبح فِي قَعْر البريكة ثاويا)
وَأما الْغرُور: فَهُوَ إِظْهَار النصح مَعَ إبطان الْغِشّ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا ذاقا الشَّجَرَة بَدَت لَهما سوءاتهما﴾ فِي هَذَا دَلِيل على أَنَّهُمَا لم يمتعا فِي الْأكل، قَالَ ابْن عَبَّاس: قيل: إِن إزدادا؛ أخذتهما الْعقُوبَة، وَكَانَت عقوبتهما أَن تهافت عَنْهُمَا لباسهما، وبدت عورتهما.
﴿وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة﴾ قَالَ ثَعْلَب: جعلا يلصقان بعض الْوَرق بِالْبَعْضِ، ويستران الْعَوْرَة بِهِ، وَيُقَال: خصف النَّعْل؛ إِذا جعل طبقًا على طبق، وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك الْوَرق، قَالَ ابْن عَبَّاس - وَبِه قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين -: إِنَّه ورق التِّين وَالزَّيْتُون، وَقيل: كَانَ ورق الموز.
﴿وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة﴾ يَعْنِي: عَن الْأكل مِنْهَا ﴿وَأَقل لَكمَا إِن الشَّيْطَان لَكمَا عَدو مُبين﴾ أَي: بَين الْعَدَاوَة، ويحكى عَن أبي بن كَعْب، وَيذكر عَن عَطاء أَيْضا، أَنَّهُمَا قَالَا: لما بَدَت سوتهما فِي الْجنَّة، هرب آدم فِي الْجنَّة؛ فتعلقت شَجَرَة بِشعرِهِ، وناداه الرب: أفرارا مني يَا آدم؟ فَقَالَ: لَا بل حَيَاء مِنْك يَا رب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ اعْترف آدم بالذنب، وَسَأَلَ الْمَغْفِرَة، وَهَذَا هُوَ الْفرق بَين معصيتة ومعصية إِبْلِيس، أَن إِبْلِيس عصى وأصر على الْمعْصِيَة، وآدَم عصى وَتَابَ عَن الْمعْصِيَة، وَأَن إِبْلِيس كَانَ مُتَعَمدا، وآدَم كَانَ سَاهِيا، وَاخْتلفُوا فِي أَن آدم هَل عرف عِنْد الْأكل أَنه مَعْصِيّة؟ قَالَ بَعضهم: عرف ذَلِك، لَكِن الله غفر لَهُ، وَتَابَ عَلَيْهِ، وَقيل: دخل عَلَيْهِ شُبْهَة من وَسْوَسَة إِبْلِيس، وَلم يكن مُتَعَمدا؛ إِذْ كَانَ مَعْصُوما نَبيا.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: ألم يكن
﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قَالَ اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين (24) قَالَ فِيهَا تحيون وفيهَا تموتون وَمِنْهَا تخرجُونَ (25) يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوءاتكم﴾ خَاطب إِبْلِيس بالهبوط من قبل، فَمَا معنى هَذِه الْإِعَادَة؟ قيل: إِن هَذَا الثَّانِي خطاب لآدَم وحواء والحية، قَالَه أَبُو صَالح، وإبليس خَارج من الْخطاب، وَقيل: الْخطاب للْكُلّ؛ لأَنهم وَإِن اقترفوا فِي وَقت الْإِخْرَاج والإنزال، (لَكِن) لما اجْتَمعُوا فِي الْإِنْزَال جمع بَينهم فِي الْخطاب، وَالْأول خَاص لإبليس، وَالْخطاب الثَّانِي عَام للْكُلّ.
﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين﴾ وَفِي الْقَصَص: أَن آدم وَقع بِأَرْض الْهِنْد، وحواء بجدة، والحية بِمَيْسَان، وإبليس بأيلة، وَقيل: بمداد، وَقيل: وَقع إِبْلِيس بِأَرْض الْبَصْرَة، ثمَّ خرج إِلَى أَرض مصر وباض وفرخ فِيهِ.
وَعَن ابْن عمر أَنه قَالَ: لما أخرج الله - تَعَالَى - إِبْلِيس إِلَى الأَرْض، قَالَ: يَا رب، أَيْن مسكني؟ قَالَ: الحمامات؛ فَقَالَ: أَيْن مجلسي؟ قَالَ: الْأَسْوَاق، فَقَالَ: وأيش مطعمي؟ قَالَ: كل طَعَام لم يذكر عَلَيْهِ اسْمِي، فَقَالَ: وماذا شرابي؟ فَقَالَ: كل مُسكر.
قَالَ: وَمَا حبالتي؟ فَقَالَ: النِّسَاء، فَقَالَ: وَمَا كتابتي؟ قَالَ: الوشم، فَقَالَ: وَمن رُسُلِي؟ قَالَ: الكهنة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ فِيهَا تحيون وفيهَا تموتون وَمِنْهَا تخرجُونَ﴾ يَعْنِي: الأَرْض فِيهَا حَيَاتكُم وموتكم، وَمِنْهَا بعثكم.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوءاتكم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: أنزلنَا.
وَلم ينزل اللبَاس من السَّمَاء؟ قيل: قد أنزل الْمَطَر، وكل نَبَات من الْمَطَر؛ فَكَأَنَّهُ أنزلهُ، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن كل مَا فِي الأَرْض فَهُوَ من بَرَكَات السَّمَاء؛ فَيكون كالمنزل من السَّمَاء، وعَلى هَذَا معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد﴾ وَإِنَّمَا يسْتَخْرج من الأَرْض، لَكِن نسبه إِلَى السَّمَاء، كَذَا هَذَا.
﴿وريشا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير ذَلِك من آيَات الله لَعَلَّهُم يذكرُونَ (26) يَا بني آدم لَا﴾
وَسبب نزُول الْآيَة: أَنهم فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانُوا يطوفون بِالْبَيْتِ عُرَاة، وَيَقُولُونَ لَا نطوف فِي (أَثوَاب) عصينا الله - تَعَالَى - فِيهَا، وَكَانَ الرِّجَال يطوفون عُرَاة بِالنَّهَارِ، وَالنِّسَاء بِاللَّيْلِ؛ فَنزلت الْآيَة فِي الْمَنْع عَن ذَلِك.
قَالَ الزُّهْرِيّ: كَانَت الْعَرَب يطوفون كَذَلِك عُرَاة إِلَّا الحمس، وهم قُرَيْش وأحلاف قُرَيْش، كَانُوا يطوفون فِي ثِيَابهمْ، وَسموا حمسا؛ بشدتهم فِي دينهم، وَمِنْه الحماسة لشدتها، وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَت النِّسَاء يطفن وعليهن رهاط، والرهط: قِطْعَة من صوف لَا تستتر تَمام الْعَوْرَة، وَرُبمَا كَانَت من سيورة، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الْمَرْأَة مِنْهُم تَطوف تضع يَدهَا على فرجهَا تستر بهَا عورتها، وَتقول:
(الْيَوْم يَبْدُو بعضه أَو كُله ... وَمَا بدا مِنْهُ فَلَا أحله)
فَقَوله: ﴿قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوءاتكم﴾ مَعْنَاهُ: قد أنزلنَا عَلَيْكُم مَا تسترون بِهِ عورتكم؛ فَلَا تطوفوا بِالْبَيْتِ عُرَاة، وَقَوله: ﴿وريشا﴾ وَقُرِئَ: " ورياشا " مِنْهُم من فرق بَينهمَا.
قَالَ مُجَاهِد: الريش: المَال، وَقَالَ الْكسَائي: الريش: اللبَاس.
وَأما الرياش: قيل: هُوَ المعاش، يُقَال: تريش فلَان إِذا وجد مَا يعِيش بِهِ، وَقيل: الرياش: أثاث الْبَيْت، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الريش والرياش وَاحِد، وَهُوَ مَا يَبْدُو من اللبَاس، والشعرة وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ:
(وريشي مِنْكُم وهواي فِيكُم ... وَإِن كَانَت زيارتكم لماما)
أَي: قَلِيلا، وَقَوله: ﴿ولباس التَّقْوَى﴾ يقْرَأ بِالنّصب، (يَعْنِي) : وأنزلنا عَلَيْكُم لِبَاس التَّقْوَى، وَيقْرَأ: " ولباس التَّقْوَى " بِالرَّفْع، يَعْنِي: هُوَ لِبَاس التَّقْوَى.
﴿يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوءاتهما﴾
قَالَ القتيبي: يَعْنِي: الثِّيَاب لِبَاس التَّقْوَى؛ فَإِن من اتَّقى الله يطوف لابسا لَا عَارِيا، وَفِي الحَدِيث: " إِن لِبَاس التَّقْوَى هُوَ الْحيَاء " لِأَنَّهُ يبْعَث على التَّقْوَى، وَهُوَ قَول الْحسن،
قَالَ الشَّاعِر:
(إِنِّي كَأَنِّي أرى من لَا حَيَاء لَهُ ... وَلَا أَمَانَة وسط النَّاس عُريَانا)
قَالَ عِكْرِمَة: الْحيَاء وَالْإِيمَان فِي قرن وَاحِد، فَإِذا ذهب أَحدهمَا؛ تبعه الآخر، وَقَالَ قَتَادَة: لِبَاس التَّقْوَى: هوالإيمان، وَقَالَ عُثْمَان بن عَفَّان: لِبَاس التَّقْوَى: هُوَ السمت الْحسن، وَقَالَ عُرْوَة: هُوَ خشيَة الله، وَقيل: لِبَاس التَّقْوَى هَا هُنَا: لِبَاس الصُّوف، وَالثَّوْب (الخشن) الَّذِي يلْبسهُ أهل الْوَرع، وَقيل: هُوَ الْعَمَل الصَّالح.
﴿ذَلِك خير﴾ قيل: " ذَلِك " حِيلَة وَتَقْدِيره: ولباس التَّقْوَى خير، وَهَكَذَا قَرَأَهُ الْأَعْمَش، وَقيل: " ذَلِك " فِي مَوْضِعه، وَمَعْنَاهُ: ذَلِك الَّذِي ذكر من اللبَاس والريش، وكل مَا ذكر خير ﴿ذَلِك من آيَات الله لَعَلَّهُم يذكرُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا بني آدم لَا يفتنتكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة﴾ أَي: لَا يضلنكم الشَّيْطَان، كَمَا فتن أبويكم فأخرجهما من الْجنَّة.
﴿ينْزع عَنْهُمَا لباسهما ليريهما سوءاتهما﴾ هُوَ مَا ذكرنَا من تهافت اللبَاس عِنْد أكلهَا من الشَّجَرَة، وَفِيه دَلِيل على أَنَّهُمَا مَا كَانَا يريان عورتهما من قبل؛ حَيْثُ قَالَ: ليريهما سوءاتهما وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك اللبَاس الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمَا مَا هُوَ؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: لباسهما كَانَ من الظفر؛ كَأَن الله - تَعَالَى - ألبسهما من جنس ظفرهما، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: كَانَ لباسا من النُّور.
﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ (27) وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ (28) قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد وادعوه مُخلصين لَهُ الدّين كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ (29) فريقا هدى﴾ ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله﴾ أَي: وَجُنُوده ﴿من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ يَعْنِي: أَن الشَّيْطَان وَجُنُوده يرونكم، وَأَنْتُم لَا ترونهم ﴿إِنَّا جعلنَا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء للَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ يَعْنِي: أَن الشَّيَاطِين يوالون الْكفَّار، وَهَذَا قَوْله: ﴿أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة﴾ قيل: الْفَاحِشَة هَا هُنَا هِيَ طوافهم عُرَاة، وَقيل: هِيَ الشّرك ( ﴿قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا﴾ قل) يَا مُحَمَّد: ﴿إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ وَهِي كل فعل قَبِيح بلغ النِّهَايَة فِي الْقبْح ﴿أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ والصدق ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا أَن مَعْنَاهُ: أقِيمُوا الصَّلَاة فِي كل مَسْجِد تدرككم فِيهِ الصَّلَاة، وَلَا تَقولُوا نؤخرها إِلَى مَسْجِدنَا، وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: استقبلوا الْقبْلَة بوجوهكم فِي كل صَلَاة، وَالثَّالِث مَعْنَاهُ: أَخْلصُوا صَلَاتكُمْ وعبادتكم لله - تَعَالَى -. ﴿وادعوه مُخلصين لَهُ الدّين كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ يَعْنِي: تعودُونَ فُرَادَى بِلَا أهل وَلَا مَال، كَمَا خَلقكُم فُرَادَى بِلَا أهل وَلَا مَال، وَهَذَا معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾ قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: إِن إعادتكم أَحيَاء كخلقكم ابْتِدَاء، كِلَاهُمَا عَليّ هَين، وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بِهِ: انه كَمَا خَلقكُم أشقياء وسعداء، ومؤمنين وكافرين، تعودُونَ كَذَلِك؛ وَعَلِيهِ دلّ
قَوْله - تَعَالَى -: {فريقا
﴿وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة إِنَّهُم اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون (30) يَا بني آدم خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا إِنَّه﴾ هدى وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة) أَي: فريقا هدَاهُم الله، وفريقا أضلهم الله [تَعَالَى] ؛ فَوَجَبت عَلَيْهِم الضَّلَالَة، وَقد صَحَّ الحَدِيث عَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " حَدثنِي الصَّادِق المصدوق - يَعْنِي رَسُول الله -: أَن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَين الْجنَّة إِلَّا ذِرَاعا؛ فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب، فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار؛ فَيدْخل النَّار، وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار، حَتَّى لَا يبْقى بَينه وَبَين النَّار إِلَّا ذِرَاع، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب، فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة؛ فَيدْخل الْجنَّة ". ﴿إِنَّهُم اتَّخذُوا الشَّيَاطِين أَوْلِيَاء من دون الله وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن المستبصر بالْكفْر الَّذِي يحْسب أَنه على الْحق مثل المعاند سَوَاء.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا بني آدم خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾ هُوَ فِي الْأَمر بِالطّوافِ وَالصَّلَاة لابسا، وَفِي شواذ التفاسير: أَنه الْمشْط، وَلبس النَّعْل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: السكينَة، وَالْوَقار، وَذَلِكَ معنى مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " إِذا أتيتم الصَّلَاة فَلَا تأتوها وَأَنْتُم تسعون وَلَكِن ائتوها وَأَنْتُم تمشون، وَعَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار ". ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا﴾ قَالَ الْفراء: إِنَّمَا أَمرهم بِالْأَكْلِ وَالشرب؛ لأَنهم كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يتركون أكل اللَّحْم وَالدَّسم فِي وَقت الْمَوْسِم، كَمَا يتركون اللبَاس عِنْد الطّواف وَيَقُولُونَ: نَتْرُك اللَّحْم وَالدَّسم لله - تَعَالَى -. ﴿وَلَا تسرفوا﴾ أَي: بتحليل مَا حرم الله، وبتحريم مَا أحل الله، وكل مَال أنْفق
﴿لَا يحب المسرفين (31) قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق قل هِيَ للَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ (32) قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ (33) ﴾ فِي مَعْصِيّة الله؛ فَهُوَ سرف، وأصل الْإِسْرَاف: هُوَ مُجَاوزَة الْحَد بغلو أَو تَقْصِير ﴿إِنَّه لَا يحب المسرفين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ﴾ يَعْنِي: اللبَاس عِنْد الطّواف ﴿والطيبات من الرزق﴾ يَعْنِي: مَا حرمُوا على أنفسهم من أكل اللَّحْم فِي أَيَّام الْمَوْسِم، مَعَ سَائِر مَا حرمُوا من الْبحيرَة، والسائبة وَنَحْوهَا.
﴿قل هِيَ للَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين - وَهُوَ قَول الضَّحَّاك -: فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره: هِيَ للَّذين آمنُوا وللمشركين فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، خَالِصَة للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة: وَقيل: مَعْنَاهُ: خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة من التنغيص وَالْغَم، فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنْيَا مَعَ التنغيص وَالْغَم.
﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ قَالَ قَتَادَة: هِيَ الزِّنَا سرا وعلنا، وَقَالَ غَيره: مَا ظهر مِنْهَا: نِكَاح الْمَحَارِم، وَمَا بطن: الزِّنَا ﴿وَالْإِثْم وَالْبَغي يُغير الْحق﴾ أما الْإِثْم فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: قَالَ الْفراء: كل مَا دون الْحَد، وَقيل: هُوَ كل الْمعاصِي، وَقيل: الْإِثْم الْخمر، وَقد ورد ذَلِك فِي الشّعْر: (شربت (الْإِثْم) حَتَّى ضل عَقْلِي ... كَذَاك الْإِثْم يذهب بالعقول) وَأما الْبَغي، قيل: هُوَ الاستطالة على النَّاس، وَقيل هُوَ الْفساد، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ أَن يَقع فِي النَّاس بِغَيْر الْحق ﴿وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه﴾ وَتَقْدِيره: وَحرم أَن تُشْرِكُوا بِاللَّه ﴿مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ لأَنهم كَانُوا
﴿وَلكُل أمة اجل فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بني آدم إِمَّا يَأْتينكُمْ رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي فَمن اتَّقى وَأصْلح فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم﴾ ينسبون كل مَا ارتكبوا من الْفَوَاحِش والإشراك إِلَى الله - تَعَالَى - وَيَقُولُونَ: نفعله بِأَمْر الله؛ فَهَذَا قَوْلهم على الله مَا لَا يعلمُونَ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلكُل أمة أجل﴾ يَعْنِي: مُدَّة الْعُمر ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَإِن قيل: لم خص السَّاعَة، وهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ دون السَّاعَة، وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ؟ قيل: إِنَّمَا خصها لِأَنَّهَا أقل الْأَوْقَات الْمَعْلُومَة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا بني آدم إِمَّا يَأْتينكُمْ﴾ فَقَوله: " إِمَّا " كلمتان: " إِن " و " مَا " فأدغمت إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى، وَمَعْنَاهُ: مَتى يأتكم، وَإِن يأتكم ﴿رسل مِنْكُم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ رَسُولنَا خَاصَّة، وَقيل: كل الرُّسُل ﴿يقصون عَلَيْكُم آياتي فَمن اتَّقى وَأصْلح﴾ أَي: اتَّقى الشّرك، وَأصْلح مَا بَينه وَبَين ربه ﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عَنْهَا﴾ وَإِنَّمَا ذكر الاستكبار؛ لِأَن كل مكذب وكل كَافِر مستكبر، وَإِنَّمَا كذب وَكفر تكبرا، قَالَ الله - تَعَالَى - ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَي: استكبروا عَن الْإِقْرَار بالوحدانية ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته﴾ وَقد بَينا هَذَا الافتراء ﴿أُولَئِكَ ينالهم نصِيبهم من الْكتاب﴾ فِيهِ خَمْسَة أَقْوَال:
أَحدهَا - وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس: ينالهم مَا قدر لَهُم من خير وَشر.
وَالثَّانِي: قَول مُجَاهِد: ينالهم مَا وعدوا من خير وَشر.
وَالثَّالِث: قَول سعيد بن جُبَير: ينالهم مَا قضى لَهُم من الشقاوة والسعادة.
وَالرَّابِع: قَول مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: أَرَادَ بِهِ: الْأَجَل وَالْعَمَل والرزق.
﴿يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (36) فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته أُولَئِكَ ينالهم نصِيبهم من الْكتاب حَتَّى إِذا جَاءَتْهُم رسلنَا يتوفونهم قَالُوا أَيْن مَا كُنْتُم تدعون من دون الله قَالُوا ضلوا عَنَّا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين (37) قَالَ ادخُلُوا فِي أُمَم قد خلت من قبلكُمْ من الْجِنّ وَالْإِنْس فِي النَّار كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا حَتَّى إِذا﴾
وَفِيه قَول خَامِس مَعْرُوف: ينالهم نصِيبهم من الْعَذَاب الْمَذْكُور فِي الْكتاب؛ فَإِنَّهُ ذكر فِي الْكتاب عَذَاب الْفرق من الْكفَّار مثل: الْمُنَافِقين وَالْيَهُود، وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكين.
﴿حَتَّى إِذا جَاءَتْهُم رسلنَا يتوفونهم﴾ يَعْنِي: ملك الْمَوْت وأعوانه ﴿يتوفونهم﴾ أَي: يتوفون عدد آجالهم ﴿قَالُوا أَيْن مَا كُنْتُم تدعون من دون الله﴾ يَعْنِي: الرُّسُل يَقُولُونَ للْكفَّار: أَيْن الَّذين كُنْتُم تدعون من دون الله من الْأَصْنَام؟ ﴿قَالُوا ضلوا عَنَّا﴾ أَي: ذَهَبُوا وفاتوا عَنَّا ﴿وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ ادخُلُوا فِي أُمَم﴾ يَعْنِي: مَعَ أُمَم، وَهُوَ مثل قَول امْرِئ الْقَيْس:
(وَهل ينعمن من كَانَ أقرب عَهده ... ثَلَاثِينَ شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال)
أَي: مَعَ ثَلَاثَة أَحْوَال: وَقيل: مَعْنَاهُ: ادخُلُوا بَين أُمَم (قد خلت) أَي: مَضَت ﴿من قبلكُمْ من الْجِنّ وَالْإِنْس فِي النَّار﴾ وَفِيه دَلِيل على أَن الْجِنّ يموتون كالإنس؛ خلافًا لقَوْل الْحسن، حَيْثُ قَالَ: لَا يموتون.
﴿كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا﴾ قَالَ الْفراء: يَعْنِي: أُخْتهَا فِي الدّين لَا فِي النّسَب، يَعْنِي: يلعن الْيَهُود الْيَهُود، وَالنَّصَارَى النَّصَارَى.
﴿حَتَّى إِذا اداركوا﴾ أَي: تداركوا وتتابعوا واجتمعوا ﴿فِيهَا جَمِيعًا قَالَت أخراهم لأولاهم﴾ أَرَادَ بِهِ: أُخْرَى كل أمة، وَأولى كل أمة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: آخِرهم دُخُولا، وأولهم دُخُولا، وهم القادة مَعَ الأتباع؛ فَإِن القادة يدْخلُونَ أَولا.
﴿فضل فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكسبون (39) إِن الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عَنْهَا لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط وَكَذَلِكَ نجزي الْمُجْرمين (40) لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش وَكَذَلِكَ نجزي الظَّالِمين﴾ ﴿رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا﴾ يَعْنِي: القادة أضلونا ﴿فآتهم عذَابا ضعفا من النَّار﴾ أَي: ضاعف لَهُم الْعَذَاب ﴿قَالَ لكل ضعف وَلَكِن لَا تعلمُونَ﴾ بِالتَّاءِ فَقَوله ﴿وَلَكِن لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: أَيهَا النَّاس لَا تعلمُونَ، أما من قَرَأَ بِالْيَاءِ فَمَعْنَاه: لَا يعلم القادة مَا للأتباع وَلَا الأتباع الأتباع مَا للقادة.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَت أولاهم﴾ يَعْنِي: القادة ﴿لأخراهم﴾ يَعْنِي: الأتباع ﴿فَمَا كَانَ لكم علينا من فضل﴾ قَالَ السّديّ: مَعْنَاهُ: أَنكُمْ كَفرْتُمْ، كَمَا كفرنا، وجحدتم كَمَا جحدنا، فَلَيْسَ لكم علينا من فضل، وَقيل: مَعْنَاهُ: مَا كَانَ لكم علينا من فضل فِي تَخْفيف الْعَذَاب ﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكسبون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عَنْهَا لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء﴾ اعْلَم أَن أَبْوَاب السَّمَاء تفتح لثَلَاثَة: للأعمال، والأدعية، والأرواح، وَفِي الْخَبَر.
" أَن الْملك يصعد بِروح الْمُؤمن، وَلها ريح طيبَة؛ فتفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء، ويصعد بِروح الْكَافِر، وَلها ريح مُنْتِنَة؛ فتغلق لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء، وَيُؤمر بطرحها فِي السجين فَذَلِك قَوْله - تَعَالَى -: ( ﴿كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين﴾ كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين) " وَمعنى الْآيَة: أَنه لَا تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لأعمال الْكفَّار وأدعيتهم وأرواحهم.
( ﴿41) وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة﴾
وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب الْجنَّة، لَكِن عبر عَنْهَا بِأَبْوَاب السَّمَاء؛ لِأَن أَبْوَاب الْجنَّة فِي السَّمَاء.
﴿وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " يلج الْجمل " بِرَفْع الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم، وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير: " حَتَّى يلج الْجمل " بِرَفْع الْجِيم مُخَفّفَة الْمِيم، وَقَرَأَ ابْن سِيرِين: " فِي سم الْخياط " بِرَفْع السِّين، وَالْمَعْرُوف ﴿حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ وَهُوَ الْجمل الْمَعْرُوف، وَسُئِلَ ابْن مَسْعُود عَن هَذَا الْجمل فَقَالَ: هُوَ زوج النَّاقة، كَأَنَّهُ استحمق السَّائِل حِين سَأَلَهُ عَمَّا لَا يخفى، ويحكى عَن الْحسن أَنه قَالَ: هُوَ الأشطر الَّذِي عَلَيْهِ جولقان أسودان، وَأما الْجمل الَّذِي قَرَأَهُ ابْن مَسْعُود: فَهُوَ قلس السَّفِينَة، وَأما الْجمل بِالتَّخْفِيفِ، قيل: هُوَ أَيْضا قلس السَّفِينَة، وَقيل: هُوَ حَبل السَّفِينَة، وَأما السم والسم وَاحِد، وَهُوَ ثقبة الْمخيط، وَالْمرَاد بِالْآيَةِ: تَأْكِيد منع دُخُولهمْ الْجنَّة، وَذَلِكَ سَائِر فِي كَلَام الْعَرَب، وَهُوَ مثل قَوْلهم: لَا أفعل كَذَا حَتَّى يشيب الْغُرَاب، وَحَتَّى يبيض القار، وَقَالَ الشَّاعِر:
(إِذا شَاب الْغُرَاب أتيت أَهلِي ... وَصَارَ القار كاللبن الحليب)
والقار والقير: شَيْء أسود، يضْرب بِهِ الْمثل، يُقَال: شَيْء كالقير والقار فِي السوَاد ﴿وَكَذَلِكَ نجزي الْمُجْرمين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد﴾ أَي: فرش ﴿وَمن فَوْقهم غواش﴾ أَي: لحف وَهَذَا مثل قَوْله: ﴿لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار وَمن تَحْتهم ظلل﴾ . قَالَ سِيبَوَيْهٍ - رَحمَه الله -: التَّنْوِين فِي قَوْله ﴿غواش﴾ غير أُصَلِّي، وَإِنَّمَا هُوَ بدل عَن الْيَاء وَأَصله: " غواشي " وَمثله كثير ( ﴿وَكَذَلِكَ نجزي الظَّالِمين﴾ وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا) أَي: طاقتها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
﴿هم فِيهَا خَالدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله لقد جَاءَت رسل رَبنَا﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صدروهم من غل تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار﴾ . الغل الْغِشّ والحقد، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أَرْجُو أَن أكون أَنا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر من الَّذين قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صدروهم من غل﴾ . وروى مُسلم فِي الصَّحِيح بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِذا خلص الْمُؤْمِنُونَ عَن الصِّرَاط حبسوا على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار، فيقتص بَعضهم من بعض، حَتَّى إِذا نقوا وهذبوا، أذن لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة؛ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ، لأَحَدهم أهْدى إِلَى منزله فِي الْجنَّة مِنْهُ إِلَى منزله فِي الدُّنْيَا ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن على بَاب الْجنَّة عينا يشرب مِنْهَا أهل الْجنَّة ويغتسلون؛ فَيذْهب الغل والحقد من قُلُوبهم، ثمَّ يدْخلُونَ الْجنَّة ". ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾ ، وَفِي هَذَا دَلِيل على الْقَدَرِيَّة ﴿لقد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ تِلْكَ تَأْنِيث ذَلِك، وَمعنى الْآيَة: كَأَنَّهُمْ إِذا رَأَوْا الْجنَّة من بعيد نُودُوا: أَن تلكم الْجنَّة، وَقيل: هَذَا النداء يكون فِي الْجنَّة، فينادون: هَذِه الْجنَّة الَّتِي أورثتموها، وَفِي الْخَبَر: " أَن لكل وَاحِد منزلا فِي الْجنَّة ومنزلا فِي النَّار، ثمَّ يَرث الْمُؤمن من الْكَافِر منزله فِي الْجنَّة، وَيَرِث الْكَافِر من الْمُؤمن منزله فِي النَّار ".