تفسير السمعانيصفحات 28-36
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الزخرف

صفحات 28-36
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿لَا يعلمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَلَا الْمُسِيء قَلِيلا مَا تتذكرون (58) إِن السَّاعَة لآتية لَا ريب فِيهَا وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يُؤمنُونَ (59) وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ إِلَى قَوْله: ﴿قَلِيلا مَا تتذكرون﴾ بِالتَّاءِ، وَقُرِئَ بِالْيَاءِ، وَالْمعْنَى قريب بعضه من بعض.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن السَّاعَة لآتية لَا ريب فِيهَا﴾ أَي: لَا شكّ فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: لَا يصدقون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ قد ثَبت بِرِوَايَة نعْمَان بن بشير أَن النَّبِي قَالَ: " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة.
وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ". وَعَن ثَابت قَالَ: قلت لأنس: الدُّعَاء نصف الْعِبَادَة، قَالَ: هُوَ كل الْعِبَادَة.
وَقَوله: ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ أَي: عَن دعائي، وَيُقَال: عَن توحيدي.
وَقَوله: ﴿سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ أَي: صاغرين.
وَعَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ: أَعْطَيْت هَذِه الْأمة (ثَلَاثًا) لم يُعْط أحد من الْأُمَم: قَالَ الله تَعَالَى لكل نَبِي من الْأَنْبِيَاء السالفة: أَنْت شَاهد على أمتك، وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة: أَنْتُم شُهَدَاء على الْأُمَم، وَقَالَ الله تَعَالَى لكل نَبِي: مَا عَلَيْك فِي الدّين من حرج، وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة: ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ لكل نَبِي: ادْع أَسْتَجِب لَك، وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ .

﴿سيدخلون جَهَنَّم داخرين (60) الله الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون (61) ذَلِكُم الله ربكُم خَالق كل شَيْء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تؤفكون (62) كَذَلِك يؤفك الَّذين كَانُوا بآيَات الله يجحدون (63) الله الَّذِي جعل لكم الأَرْض قرارا وَالسَّمَاء بِنَاء وصوركم فَأحْسن صوركُمْ ورزقكم من الطَّيِّبَات ذَلِكُم الله ربكُم فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين (64) هُوَ الْحَيّ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ﴾ أَي: لتسترخوا فِيهِ من الْأَعْمَال، وَقيل: لتناموا.
وَقَوله: ﴿وَالنَّهَار مبصرا﴾ أَي: مبصرا فِيهِ، وَمَعْنَاهُ: أَن النَّاس يبصرون فِيهِ الْأَشْيَاء.
وَقَوله: ﴿إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم الله ربكُم خَالق كل شَيْء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تؤفكون﴾ قد بَينا.

وَقَوله: ﴿كَذَلِك يؤفك الَّذين كَانُوا بآيَات الله يجحدون﴾ أَي: يصرف عَن الْحق من كَانَ مُشْركًا بِاللَّه جاحدا لآياته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأَرْض قرارا﴾ أَي: تستقرون فِيهَا، ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ أَي: بناءة فَوْقكُم.
وَقَوله: ﴿وصوركم فَأحْسن صوركُمْ﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه لَا يَأْكُل بِيَدِهِ [شَيْء] سوى الْآدَمِيّين، وَلَا صُورَة على هَذِه الصُّورَة أحسن من الْآدَمِيّين.
وَقَوله: ﴿ورزقكم من الطَّيِّبَات﴾ أَي: مِمَّا تستلذوها مِمَّا هُوَ حَلَال لكم.
وَقَوله: ﴿ذَلِكُم الله ربكُم فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين﴾ وَمَعْنَاهُ: تَعَالَى وتعظم رب الْعَالمين عَمَّا يَقُول الْكفَّار.

﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادعوهُ مُخلصين لَهُ الدّين الْحَمد لله رب الْعَالمين (65) قل إِنِّي نهيت أَن أعبد الَّذين تدعون من دون الله لما جَاءَنِي الْبَينَات من رَبِّي وَأمرت أَن أسلم لرب الْعَالمين (66) هُوَ الَّذِي خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ يخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم ثمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أَََجَلًا مُسَمّى ولعلكم تعقلون (67) هُوَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت فَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادعوهُ مُخلصين لَهُ الدّين﴾ وَالدُّعَاء على الْإِخْلَاص أَلا يدعوا مَعَه سواهُ.
وَقَوله: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ روى عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: من السّنة أَن يَقُول العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله، ثمَّ يَقُول عقيبة: الْحَمد لله رب الْعَالمين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنِّي نهيت أَن أعبد الَّذين تدعون من دون الله لما جَاءَنِي الْبَينَات من رَبِّي﴾ أَي: الْحجَج الْوَاضِحَة.
وَقَوله: ﴿وَأمرت أَن أسلم لرب الْعَالمين﴾ أَي: أستسلم وأنقاد لحكمه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ يخرجكم طفْلا﴾ أَي: أطفالا، وَاحِدًا بِمَعْنى الْجمع، وَيُقَال: طفْلا طفْلا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم﴾ قد بَينا معنى الأشد.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومنكم من يتوفى من قبل﴾ أَي: من قبل أَن صَار شَيخا.
وَقَوله: ﴿ولتبلغوا أَََجَلًا مُسَمّى﴾ أَي: مَا قدر لكم من الْحَيَاة.
وَقَوله: ﴿ولعلكم تعقلون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت فَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ أَي: تكوينه الْأَشْيَاء يكون بِمرَّة وَاحِدَة، لَا بِمرَّة بعد مرّة.

((68} ألم تَرَ إِلَى الَّذين يجادلون فِي آيَات الله أَنى يصرفون (69) الَّذين كذبُوا بِالْكتاب وَبِمَا أرسلنَا بِهِ رسلنَا فَسَوف يعلمُونَ (70) إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيم ثمَّ فِي النَّار يسجرون (72) ثمَّ قيل لَهُم أَيْن مَا كُنْتُم تشركون (73) من دون الله قَالُوا ضلوا عَنَّا بل لم نَكُنْ نَدْعُو من قبل شَيْئا كَذَلِك يضل الله الْكَافرين (74) ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون)

وَقَوله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يجادلون فِي آيَات الله﴾ أَي: يجادلون فِي دفع آيَاتنَا بالتكذيب.
وَقَوله: ﴿أَنى يصرفون﴾ أَي: كَيفَ يصرفون عَن الْحق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين كذبُوا بِالْكتاب وَبِمَا أرسلنَا بِهِ رسلنَا فَسَوف يعلمُونَ﴾ وَعِيد وتهديد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل﴾ وَقُرِئَ: " والسلاسل " بِنصب اللَّام، فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع، فَمَعْنَاه: الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل، وَمن قَرَأَ بِالنّصب، فَمَعْنَاه: ويسحبون السلَاسِل.
وَقَوله: ﴿يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم﴾ أَي: يجرونَ فِي الْحَمِيم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ فِي النَّار يسجرون﴾ أَي: يوقدون فِي النَّار كَمَا توقد التنانير بالخشب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قيل لَهُم أَيْنَمَا كُنْتُم تَعْبدُونَ من دون الله قَالُوا ضلوا عَنَّا﴾ يَعْنِي: أَيْن هم لينصروكم؟ فَيَقُولُونَ: قد فاتوا وذهبوا عَنَّا.
وَقَوله: ﴿بل لم نَكُنْ نَدْعُو من قبل شَيْئا﴾ أَي: لم نَكُنْ نَدْعُو من قبل شَيْئا يدْفع عَنَّا ضرا، أَو يجلب إِلَيْنَا نفعا.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك يضل الله الْكَافرين﴾ أَي: عَن الْحق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ هَذَا دَلِيل على أَنه

((75} ادخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إِن وعد الله حق فإمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم أَو نتوفينك فإلينا يرجعُونَ (77) وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك وَمَا كَانَ لرَسُول أَن) قد يكون فَرح بِحَق.
وَقَوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُم تمرحون﴾ الْفَرح: السرُور.
والمرح والبطر والأشر.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى يبغض البذخين الفرحين المرحين، وَيُحب كل قلب حَزِين، وَيبغض الحبر السمين، وَيبغض أهل بَيت اللحمين أَي: الَّذين يكثرون أكل اللَّحْم، وَيُقَال: الَّذين يَأْكُلُون لُحُوم النَّاس بالغيبة.
وَالْخَبَر غَرِيب.

وَقَوله: ﴿فادخلوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا فبئس مثوى المتكبرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فاصبر إِن وعد الله حق﴾ إِلَى آخر الْآيَة.
ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك﴾ قَالَ السدى: بعث الله تَعَالَى ثَمَانِيَة آلَاف نَبيا: أَرْبَعَة آلَاف من بني إِسْرَائِيل، وَأَرْبَعَة آلَاف من غير بني إِسْرَائِيل.
وَفِي بعض التفاسير: أَن جَمِيع من ذكرهم الله تَعَالَى [فِي] الْقُرْآن من الْأَنْبِيَاء خَمْسَة وَعِشْرُونَ نَبيا، أَوَّلهمْ آدم، وَآخرهمْ مُحَمَّد، ذكر ثَمَانِيَة عشر مِنْهُم فِي سُورَة الْأَنْعَام، والباقين فِي غَيرهَا.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن الله تَعَالَى بعث نَبيا حَبَشِيًّا لم يذكر اسْمه فِي الْقُرْآن.
وَأما الَّذِي فِي أَفْوَاه النَّاس أَن الله تَعَالَى بعث مائَة وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألف نَبِي.

﴿يَأْتِي بِآيَة إِلَّا بِإِذن الله فَإِذا جَاءَ أَمر الله قضي بِالْحَقِّ وخسر هُنَالك المبطلون (78) الله الَّذِي جعل لكم الْأَنْعَام لتركبوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلكم فِيهَا مَنَافِع ولتبلغوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صدوركم وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون (80) ويريكم آيَاته فَأَي آيَات الله تنكرون (81) أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم﴾ وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة ضَعِيفَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لرَسُول أَن يَأْتِي إِلَّا بِإِذن الله﴾ هَذَا جَوَاب للْكفَّار، سَأَلُوا النَّبِي معْجزَة بِعَيْنِه، وَقَالُوا: افْعَل كَذَا وَكَذَا، فَرد الله عَلَيْهِم ذَلِك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لرَسُول أَن يَأْتِي بِآيَة إِلَّا بِإِذن الله﴾ . وَقَوله: ﴿فَإِذا جَاءَ أَمر الله قضى بِالْحَقِّ وخسر هُنَالك المبطلون﴾ أَي: هلك عِنْد ذَلِك المبطلون.
وَقَوله: ﴿أَمر الله﴾ أَرَادَ بِهِ الْقِيَامَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي جعل لكم الْأَنْعَام لتركبوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: الْأَنْعَام هِيَ الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم فِي اللُّغَة، إِلَّا أَنَّهَا الْإِبِل خَاصَّة فِي هَذِه الْآيَة.

وَقَوله: ﴿وَلكم فِيهَا مَنَافِع﴾ يَعْنِي: سوى الرّكُوب وَالْأكل من الرُّسُل والنسل والوبر وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿ولتبلغوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صدوركم﴾ قَالَ قَتَادَة: الِانْتِقَال من بلد إِلَى بلد.
قَالَ مُجَاهِد: أَي حَاجَة كَانَت.
وَقَوله: ﴿وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، والفلك: السَّفِينَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويريكم آيَاته فَأَي آيَات الله تنكرون﴾ يَعْنِي: مَعَ ظُهُورهَا ووضوحها.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا أَكثر مِنْهُم وَأَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض﴾ قَالَ مُجَاهِد: قَوْله: {وآثارا فِي

﴿كَانُوا أَكثر مِنْهُم وَأَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون (83) فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين﴾ الأَرْض) مَعْنَاهُ: الْمَشْي فِيهَا بأرجلهم.
وَيُقَال: الْآثَار فِي الأَرْض هِيَ العروش والزروع والأبنية.
وَقَوله: ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَي: لم يدْفع عَنْهُم كسبهم شَيْئا حِين ينزل الْعَذَاب بهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَلم يكن عِنْدهم [علم] أصلا؟ قُلْنَا: قد كَانَ فِي ظنهم أَنهم عُلَمَاء، فَسمى مَا عِنْدهم علما على ظنهم، وَكَانَ الَّذِي ظنوه أَن لَا بعث وَلَا جنَّة وَلَا نَار وَلَا حَيَاة بعد الْمَوْت.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن قَوْله: ﴿فرحوا﴾ يرجع إِلَى الرُّسُل، وَمعنى الْآيَة: فَرح الرُّسُل بِمَا عِنْدهم من الْعلم بِهَلَاك أعدائهم.
وَيُقَال: فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم أَي: رَضوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم، وَلم يطلبوا الْعلم الَّذِي أنزلهُ الله على الْأَنْبِيَاء وقنعوا بِمَا عِنْدهم، وَهُوَ كَانَ جهلا على الْحَقِيقَة.
وَقَوله: ﴿وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ أَي: نزل بهم وبال مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده﴾ قد ذكرنَا معنى الْبَأْس.
وَقَوله: ﴿وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين﴾ وَهَكَذَا جَمِيع الْكَافرين، يُؤمنُونَ عِنْد الْبَأْس، وَلَا يَنْفَعهُمْ ذَلِك.

((84} فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا سنت الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ (85))

وَقَوله: ﴿فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا﴾ وَقد اسْتثْنى مِنْهُم قوم يُونُس فِي سُورَة يُونُس، وَقد ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده﴾ أَي: مَضَت فِي عباده، وَمعنى السّنة: هُوَ إِيمَانهم وَعدم النَّفْع فِي إِيمَانهم.
وَقَوله: ﴿وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ﴾ أَي: هلك هُنَالك الْكَافِرُونَ.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ ﴿هُنَالك﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي أَلا يَكُونُوا فِي الْحَال خاسرين؟ وَالْجَوَاب: أَن الزّجاج قَالَ: كل كَافِر خاسر، إِلَّا أَنه إِذا رأى الْعَذَاب تبين لَهُ الخسران.
فَبِهَذَا الْمَعْنى قَالَ: ﴿هُنَالك﴾ وَالله أعلم.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿حم (1) تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم (2) كتاب فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ (3) بشيرا وَنَذِيرا فَأَعْرض أَكْثَرهم فهم لَا يسمعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ وَفِي آذاننا وقر﴾ تَفْسِير سُورَة حم السَّجْدَة

وَهِي مَكِّيَّة

قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿حم﴾ قد ذكرنَا مَعْنَاهُ.

وَقَوله: ﴿تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ مِنْهُم من قَالَ: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير كَأَنَّهُ: تَنْزِيل كتاب من الرَّحْمَن الرَّحِيم فصلت آيَاته.
وَقَالَ بَعضهم: فِي الْآيَة مُضْمر مَحْذُوف، والمحذوف هُوَ الْقُرْآن، وَكَأَنَّهُ قَالَ: تَنْزِيل الْقُرْآن من الرَّحْمَن الرَّحِيم.
قَالَ الزّجاج: وَقَوله: ﴿تَنْزِيل﴾ مُبْتَدأ، قَوْله: ﴿كتاب﴾ خَبره.

وَقَوله: ﴿فصلت آيَاته﴾ قَالَ مُجَاهِد: فسرت، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: فصلت بالوعد والوعيد، وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب.
وَيُقَال: فصلت بالحلال وَالْحرَام.
وَقَوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أَي: بِلِسَان الْعَرَب.
وَقَوله: ﴿لقوم يعلمُونَ﴾ أَي: يتدبرون مَا فِيهِ عَن علم.

قَوْله: ﴿بشيرا وَنَذِيرا﴾ مَعْنَاهُ: قُرْآنًا بشيرا وَنَذِيرا.
فالقرآن بشير للْمُؤْمِنين، نَذِير للْكَافِرِينَ.
وَقَوله: ﴿فَأَعْرض أَكْثَرهم فهم لَا يسمعُونَ﴾ أَي: لَا يَسْتَمِعُون إِلَى الْقُرْآن.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ﴾ أَي: فِي أغطية.
قَالَ مُجَاهِد: كالجعبة للنبل.
وَقَوله: ﴿وَفِي آذاننا وقر﴾ أَي: صمم.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل