تفسير السمعانيالمجادلة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المجادلة

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿كَذَلِك قَالَ رَبك إِنَّه هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم (30) قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين (32) لنرسل عَلَيْهِم حِجَارَة من طين (33) مسومة عِنْد رَبك للمسرفين (34) فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ (35) فَمَا وجدنَا فِيهَا﴾ صَارَت عجوزا عقيما، وَقد ذكرنَا سنّهَا، أَنَّهَا كَانَت بنت تسع وَتِسْعين سنة.

وَقَوله: ﴿قَالُوا كَذَلِك قَالَ رَبك إِنَّه هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم﴾ أَي: الْحَكِيم فِيمَا يدبر، الْعَلِيم بِأُمُور خلقه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ﴾ أَي: مَا شَأْنكُمْ؟ ولأي شَيْء أرسلتم؟

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين﴾ أَي: كَافِرين، وَقيل: ذَوي جرم.

وَقَوله: ﴿لنرسل عَلَيْهِم حِجَارَة من طين مسومة﴾ أَي: معلمة، وَيُقَال: العلامات هِيَ اخواتيم على الْأَحْجَار، وَقيل: كَانَ اسْم كل من يهْلك بذلك الْحجر من الْكفَّار مَكْتُوبًا على ذَلِك الْحجر.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ﴿مسومة﴾ أَي: حمرَة فِي بَيَاض.
وَيُقَال: مخططة.
وَقَوله: ﴿عِنْد رَبك للمسرفين﴾ أَي: الْمُشْركين، وهم الَّذين أَسْرفُوا فِي الْمعاصِي، وكل مُشْرك مُسْرِف فِي الْمعْصِيَة.
فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿حِجَارَة من طين﴾ وَكَيف تكون الْحِجَارَة من طين؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن كَانَ فِي الأَصْل طينا فاستحجر بشروق الشَّمْس عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنه كَانَ مطبوخا من طين كَمَا يطْبخ الْآجر.
وَالثَّالِث: أَن قَوْله: ﴿جَارة من طين﴾ ذكر الطين هَاهُنَا لكَي يعلم أَنه لم يرد بِهِ الْبرد، وَالْعرب تسمي الْبرد النَّازِل من السَّمَاء حِجَارَة.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ فِيهِ دَلِيل لمن قَالَ: إِن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَاحِد، وَقد بَينا من قبل.
وَعَن

﴿غير بَيت من الْمُسلمين (36) وَتَركنَا فِيهَا آيَة للَّذين يخَافُونَ الْعَذَاب الْأَلِيم (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أرسلناه إِلَى فِرْعَوْن بسُلْطَان مُبين (38) ﴾ قَتَادَة أَنه قَالَ: لَو كَانَ فِي قريات لوط بَيت من الْمُسلمين غير بَيت لوط لم يُهْلِكهُمْ الله تَعَالَى؛ ليعرف قدر الْإِيمَان عِنْد الله تَعَالَى.
وَاخْتلف القَوْل أَنه هَل كَانَ آمن بلوط عَلَيْهِ السَّلَام أحد.
فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه كَانَ آمن بِهِ بضع [عشرَة] نفسا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه لم يكن آمن بِهِ أحد إِلَّا ابنتاه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَركنَا فِيهَا آيَة للَّذين يخَافُونَ الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ أَي: عِبْرَة، وَالْعبْرَة فِي قريات لوط بَيِّنَة لمن مر بهَا، فَإِنَّهَا أَرض سَوْدَاء (مبيئة) . وَيُقَال: معنى الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي قريات لوط هُوَ مَا بَقِي من الْحِجَارَة فِيهَا.
وَفِي الْقِصَّة عَن ابْن عَبَّاس: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَدخل جنَاحه تَحت الأَرْض السَّابِعَة، واقتلع مَدَائِن قوم لوط من أَصْلهَا، ورفعها حَتَّى بلغ بهَا السَّمَاء الدُّنْيَا، وَحَتَّى تسمع أهل السَّمَاء الدُّنْيَا نباح الْكلاب وَصَوت الديكة مِنْهَا، ثمَّ قَلبهَا وَأرْسل الله تَعَالَى حِجَارَة على مَا بَينا، وَيُقَال: أرسل الْحِجَارَة على الشذاذ والمسافرين مِنْهُم حَتَّى أهلكهم كلهم.
وَفِي الْقِصَّة أَيْضا: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أصبح جَالِسا فِي مَسْجده بعد أَن ذهبت الْمَلَائِكَة مَكَثُوا عِنْد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى قَالُوا قيلولة، ثمَّ راحوا إِلَى مَدَائِن لوط، وَكَانَ بَين قَرْيَة إِبْرَاهِيم وَمَدَائِن لوط أَرْبَعَة فراسخ فَلَمَّا اصبح إِبْرَاهِيم رأى دخانا ساطعا فِي السَّمَاء من مَدَائِن لوط، فَعرف أَنهم قد عذبُوا.

قَوْله: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أرسلناه إِلَى فِرْعَوْن بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: وَفِي إرْسَال مُوسَى آيَة وعبرة.
وَقَوله: ﴿بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: بِحجَّة بَيِّنَة.

﴿فَتَوَلّى بركنه وَقَالَ سَاحر أَو مَجْنُون (39) فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم وَهُوَ مليم (40) وَفِي عَاد إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم (41) ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَوَلّى بركنه﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بجمعه وَجُنُوده.
وَعَن قَتَادَة: بقوته فِي نَفسه.
وَعَن بَعضهم: برهطه الَّذين يتقوى بهم.
وركن الشَّيْء مَا يتقوى بِهِ الشَّيْء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن لوط عَلَيْهِ السَّلَام ﴿أَو آوى إِلَى ركن شَدِيد﴾ أَي: إِلَى رَهْط وَقوم أتقوى بهم، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا أَيْضا مَعْنَاهُ: أعرض مُعْتَمدًا على رهطه وَقَومه الَّذين يتقوى بهم، وَقيل: تولى بركنه أَي: نأى بجانبه.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ سَاحر أَو مَجْنُون﴾ قَالَ أهل الْعلم: هَذَا تنَاقض؛ لِأَن السحر لَا يكون إِلَّا بعقل كَامِل، وَالْمَجْنُون هُوَ الَّذِي لَا عقل لَهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأخذناهم وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم﴾ أَي: (طرحناهم) وألقيناهم فِي الْبَحْر.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ مليم﴾ يُقَال: ألام الرجل فَهُوَ مليم، إِذْ أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي عَاد إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم﴾ الرّيح الْعَقِيم هِيَ الرّيح الَّتِي لَا خير فِيهَا أصلا، كَأَنَّهَا لَا تلقح شَجرا، وَلَا تثير سحابا، وَلَا تَأتي بمطر.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الرّيح الْعَقِيم ريح محبوسة تَحت الأَرْض السَّابِعَة أرسل مِنْهَا على مِقْدَار منخر ثَوْر، حَتَّى أهلكت عَاد ودمرتهم، ثمَّ ردهَا إِلَى مَوضِع حَبسهَا.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نصرت بالصبا وأهلكت عَاد بالدبور ". وَعَن سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ: أَنهم أهلكوا بالجنوب، فَقيل لسَعِيد: إِن الْجنُوب تَأتي بِالرَّحْمَةِ، فَقَالَ: إِن الله يصرفهَا كَيفَ يَشَاء.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: الرّيح الْعَقِيم هِيَ النكباء.

﴿مَا تذر من شَيْء أَنْت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم (42) وَفِي ثَمُود إِذْ قيل لَهُم تمَتَّعُوا حَتَّى حِين (43) فَعَتَوْا عَن أَمر رَبهم فَأَخَذتهم الصاعقة وهم ينظرُونَ (4) فَمَا اسْتَطَاعُوا من قيام وَمَا كَانُوا منتصرين (45) وَقوم نوح من قبل إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين (46) ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا تذر من شَيْء أَنْت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ قَالَ السدى: كالتراب.
وَعَن مؤرج قَالَ: كالرماد بلغه حَضرمَوْت.
وَيُقَال: كالعظم الْبَالِي المنسجق وَمِنْه الرمة.
وَيُقَال كالنبت الَّذِي يبس وديس بِالرجلِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي ثَمُود إِذْ قيل لَهُم تمتوا حَتَّى حِين﴾ أَي: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وَقد بَينا هَذَا من قبل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فعنتوا عَن أَمر رَبهم﴾ أَي: عصوا، وَيُقَال: خالفوا أَمر رَبهم.
وَقَوله: ﴿فَأَخَذتهم الصاعقة﴾ وَقُرِئَ: " الصعقة " وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَيُقَال: الصعقة الصَّيْحَة، والصاعقة فاعلة من الصعقة.
وَقَوله: ﴿وهم ينظرُونَ﴾ أَي: نَهَارا جهارا، وهم يرَوْنَ نزُول الْعَذَاب، وَمَعْنَاهُ: أَنه لم يكن بلَيْل وهم نيام وَلم يشعروا بِهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا من قيام﴾ أَي: وَقَعُوا وقوعا لم يستطيعوا بعده الْقيام.
وَيُقَال: لم يستطيعوا أَن يدفعوا عَن أنفسهم الْعَذَاب أَي: أَن يقومُوا بِالدفع.
يَقُول الرجل: أَنا لَا أَسْتَطِيع أَن أقوم بِهَذَا الْأَمر أَي: لَا أَسْتَطِيع دفع هَذَا الْأَمر عَن نَفسِي.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا منتصرين﴾ أَي: ممتنعين من نزُول الْعَذَاب بهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقوم نوح من قبل إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ أَي: خَارِجين عَن طَاعَة الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿من قبل﴾ أَي: من قبل عَاد وَثَمُود، أهلكناهم كَمَا أهلكنا عادا وَثَمُود.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ أَي: بِقُوَّة وقدرة.

﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد وَإِنَّا لموسعون (47) وَالْأَرْض فرشناها فَنعم الماهدون (48) وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ﴾ وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لموسعون﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ يسع قدرتنا أَن تخلق سَمَاء مثلهَا، وَيُقَال: ﴿وَإِنَّا لموسعون﴾ أَي: فِي وسعنا خلق مَا هُوَ أحكم وَأَرْفَع من هَذِه السَّمَاء الَّتِي ترونها، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن هَذَا الَّذِي خلقنَا لَيْسَ هُوَ جهد قدرتنا، فَإِن فِي وسعنا أَن نخلق أَمْثَال هَذَا وأضعافه.
وَيُقَال: وَإِنَّا لموسعون أَي: فِي رزق الْعباد.
وَيُقَال: فِي تَدْبِير أَمر الْعباد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض فرشناها﴾ أَي: بسطناها.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَنَّهَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام.
وَقَوله: ﴿فنغم الماهدون﴾ أَي: الباسطون، وَالْمعْنَى: أَنا بسطنا الأَرْض على الْهَيْئَة الَّتِي يسْتَقرّ عَلَيْهَا الْعباد، وَلَا تنكفئ بهم على مَا يبسط الْإِنْسَان فرشا يمهد بِهِ لغيره مَوضِع اسْتِقْرَار وَسُكُون.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل