تفسير السمعانيصفحات 461-472
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإسراء

صفحات 461-472
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ (1) ﴾ تَفْسِير سُورَة الْمُؤمنِينَ وَهِي مَكِّيَّة

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

قَوْله تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح

روى عبد الرَّزَّاق، عَن يُونُس بن سليم، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي، عَن عمر بن الْخطاب - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: " كُنَّا إِذا نزل الْوَحْي على رَسُول الله سمع عِنْد وَجهه دوِي كَدَوِيِّ النَّحْل، فَأنْزل عَلَيْهِ مرّة فَمَكثْنَا سَاعَة، فَلَمَّا سري عَنهُ، اسْتقْبل الْقبْلَة وَقَالَ: اللَّهُمَّ أكرمنا وَلَا تهنا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمنَا، وارضنا وَارْضَ عَنَّا، وَآثرنَا وَلَا تُؤثر علينا، ثمَّ قَالَ: لقد أنزل عَليّ عشر آيَات من أَقَامَهُنَّ دخل الْجنَّة، وَقَرَأَ: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ إِلَى آخر الْعشْر ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سراج قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْبُوب قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عِيسَى بن سُورَة أخبرنَا عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق.
الحَدِيث.
وَقَوله: ﴿قد أَفْلح﴾ أَي: فقد سعد وفاز وظفر، وَقَالَ بَعضهم: نَالَ الْبَقَاء الدَّائِم وَالْبركَة.
قَالَ الشَّاعِر: (نحل بلادا كلهَا حل قبلنَا ... ونرجوا الصّلاح بعد عَاد وحميرا)

﴿الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون (2) ﴾ وَقُرِئَ " " قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ " أَي: اصيروا إِلَى مَا فِيهِ الصّلاح.
وَقَالَ لبيد شعرًا: (فاعقلي إِن كنت (مِمَّا تعقلي) وَلَقَد أَفْلح من كَانَ عقل) وَقَالَ غَيره: (لَو كَانَ حَيّ مدرك الْفَلاح ... أدْركهُ ملاعب الرماح) قَالَ ابْن عَبَّاس: نالوا مَا إِيَّاه طلبُوا، ونجوا مِمَّا عَنهُ هربوا.
وَقَوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ المصدقون.

وَقَوله: ﴿الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ أَي: خاضعون خائفون، يُقَال: الْخُشُوع خوف الْقلب، وَحَقِيقَته هُوَ الإقبال فِي الصَّلَاة على معبوده، والتذلل بَين يَدَيْهِ، وَيُقَال: هُوَ جمع الهمة، وَدفع الْعَوَارِض عَن الصَّلَاة، وتدبر مَا يجْرِي على لِسَانه من الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح والتهليل وَالتَّكْبِير، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: الْخُشُوع أَن لَا يلْتَفت عَن يَمِينه وَلَا عَن شِمَاله فِي الصَّلَاة.
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة، فَلَمَّا نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ رموا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى مَوَاضِع السُّجُود، وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: هُوَ السكن فِي الصَّلَاة.

﴿وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون (3) وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون (4) وَالَّذين هم لفروجهم حافظون (5) إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين﴾

وَقَوله: ﴿وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الشَّك، وَقَالَ الْحسن: الْمعاصِي كلهَا.
ذكر الزّجاج أَن اللَّغْو هُوَ كل كَلَام بَاطِل مطرح، وَيُقَال: إِن اللَّغْو هَا هُنَا هُوَ مُعَارضَة الْكفَّار بالسب والشتم، وَهَذَا قَول حسن؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما﴾ أَي: إِذا سمعُوا الْكَلَام الْقَبِيح أكْرمُوا أنفسهم عَن الدُّخُول فِيهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون﴾ أَي: مؤدون.
قَالَ الشّعبِيّ: هِيَ زَكَاة الْفطر، وَقَالَ بَعضهم: الزَّكَاة هَا هُنَا هِيَ الْعَمَل الصَّالح فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذين هم للْعَمَل الصَّالح فاعلون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون﴾ حفظ الْفرج هُوَ التعفف عَن الْحَرَام.

وَقَوله: ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم﴾ يُقَال: إِن الْآيَة فِي الرِّجَال بِدَلِيل أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ وَالْمَرْأَة لَا يجوز لَهَا أَن تستمتع بِملك يَمِينهَا، وَقيل: إِن أول الْآيَة فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا، وَقَوله: ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ إِلَى الرِّجَال دون النِّسَاء ﴿فَإِنَّهُم غير ملومين﴾ أَي: غير معاتبين، فَإِن قيل: إِذا أصَاب امْرَأَته فِي حَال الْحيض أَو النّفاس وَمَا أشبهه، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَة فقد أَتَى حَرَامًا، وَإِن كَانَ قد حفظ فرجه عَن غير زَوجته وَملك يَمِينه وَيكون ملوما؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن تَقْدِير الْآيَة فِي هَذَا: وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم على وَجه يجوز فِي الشَّرْع فَإِنَّهُم غير ملومين، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَول من اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة فِي جَوَاز إتْيَان الْمَرْأَة فِي غير مأتاها أَو الْجَارِيَة.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾ (أَي: سوى ذَلِك،

( ﴿6) فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون (7) وَالَّذين هم لآماناتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذين هم على صلواتهم يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هم﴾ وابتغى أَي: طلب، وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك هم العادون﴾ أَي: الظَّالِمُونَ المتجاوزون عَن الْحَلَال إِلَى الْحَرَام، وَاسْتدلَّ الْعلمَاء بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الاستمناء بِالْيَدِ حرَام، وَعَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ: هُوَ نائك نَفسه، وَعَن ابْن جريج أَنه قَالَ: سَأَلت عَطاء عَنهُ فَقَالَ: هُوَ مَكْرُوه، فَقلت أفيه حد؟ فَقَالَ: مَا سَمِعت.
وَعَن سَالم بن عبد الله بن عمر أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الْفِعْل فَقَالَ: " أُفٍّ أُفٍّ! سَمِعت أَن قوما يحشرون وأيديهم حبالى، فأظن أَنهم هَؤُلَاءِ.
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: عذب الله أمة من الْأُمَم كَانُوا يعبثون بمذاكيرهم.
وَكَرِهَهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَحكى أَبُو عَاصِم النَّبِيل عَن أبي حنيفَة أَنه كرهه، فَإِن جعل بَين يَدَيْهِ وَبَين ذكره حريرة قَالَ: لَا بَأْس بِهِ، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ: أُولَئِكَ أَقوام لَا خلاق لَهُم.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم لآمانتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ﴾ يُقَال: رعى كَذَا إِذا قَامَ بِالْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَمِنْه قَوْله: " وكلكم رَاع، وكلكم مسئول عَن رَعيته "، وَيُقَال للوالي: هُوَ رَاع؛ لِأَنَّهُ يقوم بمصلحة الرّعية، وَمعنى قَوْله: ﴿رَاعُونَ﴾ هَا هُنَا أَدَاء الْأَمَانَة وَالْوَفَاء بالعهد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم على صلَاتهم يُحَافِظُونَ﴾ قد بَينا معنى الْمُحَافظَة، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن الْمُحَافظَة فَقَالَ: حفظ الْوَقْت، فَقيل لَهُ: فَمن تَركهَا أصلا؟ قَالَ: ذَلِك الْكفْر.
وَأعَاد ذكر الصَّلَاة هَا هُنَا؛ ليبين أَن الْمُحَافظَة وَاجِبَة كَمَا أَن الْخُشُوع وَاجِب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هم الوارثون الَّذين يَرِثُونَ الفردوس﴾ رُوِيَ الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " مَا من أحد إِلَّا وَله منزل فِي الْجنَّة ومنزل فِي النَّار، فَإِذا دخل النَّار ورث أهل الْجنَّة منزله ".

وَعَن مُجَاهِد قَالَ: إِذا دخل الْجنَّة هدم منزله فِي النَّار، وَعنهُ أَنه قَالَ: إِن الله غرس جنَّة عدن بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ وأغلق عَلَيْهَا، فَلَا يدخلهَا إِلَّا من شَاءَ الله، وَيفتح بَابهَا فِي كل سحر، وَكَانُوا يرَوْنَ أَن نسيم السحر مِنْهُ.
وَفِي بعض المسانيد: عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي: " إِن الله خلق جنَّة عدن، وَخلق فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر، ثمَّ قَالَ لَهَا: تكلمي فَقَالَت: ﴿قلد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَنا مُحرمَة على كل بخيل ومرائي ". وَفِي رِوَايَة: " أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي لَا يجاورني فِيك بخيل ". وَفِي بعض المسانيد أَيْضا عَن النَّبِي قَالَ: " إِن الله تَعَالَى خلق آدم بِيَدِهِ، وغرس جنَّة عدن بِيَدِهِ، وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ لجنة عدن وَعِزَّتِي لَا يسكنك بخيل وَلَا ديوث ". وَفِي بعض التفاسير: أَن النَّبِي قَالَ: " أَن الله تَعَالَى خلق الفردوس وَجعل لَهَا

﴿الوارثون (10) الَّذين يَرِثُونَ الفردوس هم فِيهَا خَالدُونَ (11) وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين (12) ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين (13) ثمَّ خلقنَا﴾ لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة (وحبالها) الْمسك الأفر "، وَالْأَخْبَار كلهَا غرائب.
﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون لَا يظعنون أبدا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ قَالَ أهل اللُّغَة: السلالة صفوة المَاء المسلول من الصلب، وَقَوله: ﴿من طين﴾ الطين هَا هُنَا هُوَ آدم، وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ، وَالْمرَاد من الْإِنْسَان وَلَده، وَمِنْهُم من قَالَ: المُرَاد من الْإِنْسَان هُوَ آدم.
وَقَوله: ﴿من سلالة﴾ أَي: سل من كل تربة، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: السلالة هَا هُنَا هُوَ الطين الَّذِي إِذا قبض عَلَيْهِ الْإِنْسَان خرج المَاء من جَانِبي يَده، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: هُوَ منى بني آدم.
قَالَ الشَّاعِر: (وَهل هِنْد إِلَّا مهرَة عَرَبِيَّة ... [سليلة] أَفْرَاس تجللها بغل) (فَإِن نتجت مهْرا [فَللَّه درها ... وَإِن ولدت بغلا فجَاء بِهِ الْبَغْل] )

وَقَوله: ﴿ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾ أَي: فِي مَكَان اسْتَقر فِيهِ، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: مَا من نُطْفَة إِلَّا ويذر عَلَيْهَا من التربة الَّتِي خلق مِنْهَا.

وَقَوله: ﴿ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة﴾ الْعلقَة هِيَ الْقطعَة من الدَّم.

﴿النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ (14) ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون﴾ وَقَوله: ﴿فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة﴾ المضغة هِيَ الْقطعَة من اللَّحْم.
وَقَوله: ﴿فخلقنا المضغة عظما﴾ وقري: " عظاما "، وَالْمعْنَى وَاحِد.
قَالَ الشَّاعِر: (فِي حلقهم عظم وَقد شجينا ... ) أَي: فِي حُلُوقهمْ عِظَام.
وَيُقَال: إِن بَين كل خلقين أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَقَوله: ﴿فكسونا الْعِظَام لَحْمًا﴾ أَي: ألبسنا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن المُرَاد مِنْهُ نفخ الرّوح فِيهِ، وَقَالَ الضَّحَّاك: اسْتِوَاء الشَّبَاب، وَعَن قَتَادَة قَالَ: نبت الْأَسْنَان، وَعَن الْحسن: ذكرا أَو أُنْثَى.
وَفِي بعض التفاسير أَن الله ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد أَرْبَعَة أشهر وَعشرا من يَوْم وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم، وَلِهَذَا تقدرت عدَّة الْوَفَاة بِهَذَا الْقدر من الزَّمَان.
وَقَوله: ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ رُوِيَ أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - لما سمع هَذِه الْآيَة (قَالَ: فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ فَقَالَ النَّبِي: " هَكَذَا أنزل ". فَإِن قيل: هَذِه الْآيَة) تدل على أَنا نخلق أفعالنا؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ ، فَذكر الْخَالِقِينَ على وَجه الْجمع؟ الْجَواب أَن مَعْنَاهُ: أحسن المقدرين، وَقد ورد الْخلق بِمَعْنى التَّقْدِير، قَالَ الشَّاعِر: (ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري)

( ﴿15) ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون (16) وَلَقَد خلقنَا فَوْقكُم سبع طرائق وَمَا كُنَّا عَن الْخلق غافلين (17) وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر فأسكناه فِي الأَرْض وَإِنَّا على ذهَاب بِهِ لقادرون (18) فأنشأنا لكم بِهِ جنَّات من نخيل وأعناب لكم فِيهَا فواكه﴾ [أَي] : يقدر.
وَيُقَال: إِن مَعْنَاهُ: يصنعون وأصنع، وَأَنا أحسن الصانعين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون﴾ قَالَ بَعضهم: الْمَيِّت وَالْمَيِّت (وَاحِد، وَقَالَ بَعضهم: الْمَيِّت هُوَ الَّذِي قد مَاتَ، وَالْمَيِّت هُوَ الَّذِي يَمُوت فِي الْمُسْتَقْبل، وَمثله المائت، وَهَذَا كَمَا قَالُوا: سيد وسائد هُوَ الَّذِي يسود فِي الْمُسْتَقْبل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون﴾ الْبَعْث هُوَ الْإِطْلَاق فكأنهم حبسوا مُدَّة ثمَّ أطْلقُوا.

قَوْله: ﴿وَلَقَد خلقنَا فَوْقكُم سبع طرائق﴾ الطرائق هَا هُنَا هِيَ السَّمَوَات، وَفِي تَسْمِيَتهَا طرائق وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنَّهَا سميت طرائق؛ لِأَن بَعْضهَا فَوق بعض، يُقَال: طارقت النَّعْل إِذا جعلت بَعْضهَا فَوق بعض.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّهَا سميت طرائق؛ لِأَنَّهَا طرائق الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَن الْخلق غافلين﴾ أَي: نَحن حافظون لَهُم، يُقَال: حفظنا السَّمَاء أَن تقع عَلَيْهِم، وَيُقَال: مَا تركناهم سدى بِغَيْر أَمر وَلَا نهي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر﴾ فِي الْخَبَر: " أَن الله تَعَالَى أنزل أَرْبَعَة أَنهَار من الْجنَّة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات ". وَرُوِيَ أَنه أنزل خَمْسَة أَنهَار من عين فِي الْجنَّة، وَذكر مَعَ الْأَرْبَعَة الَّتِي ذَكرنَاهَا نيل مصر، وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن الله أودعها الْجبَال ثمَّ أجراها لمَنْفَعَة الْعباد، وَفِي هَذَا الْخَبَر أَيْضا: " أَنه إِذا كَانَ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج رفع الله الْقُرْآن والكعبة والركن وَالْمقَام وتابوت مُوسَى والأنهار الْخَمْسَة فَلَا يبْقى شَيْء من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ قَوْله تَعَالَى:

﴿كَثِيرَة وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنْبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) ﴾ ﴿وَإِنَّا على ذهَاب بِهِ لقادرون﴾ ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنشأنا لكم بِهِ جنَّات من نخيل وأعناب لكم فِيهَا فواكه كَثِيرَة وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَخص النخيل وَالْأَعْنَاب بِالذكر؛ لِأَنَّهُمَا كَانَتَا أَكثر فواكه الْعَرَب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء﴾ ، مَعْنَاهُ: وأنشأنا شَجَرَة تخرج من طور سيناء، وَهِي شَجَرَة الزَّيْتُون، وَإِنَّمَا خصها بِالذكر؛ لِأَنَّهَا لَا تحْتَاج إِلَى معاهد، فالمنة فِيهَا أَكثر؛ وَلِأَنَّهَا مَأْكُول (ومستصبح) بهَا، وَقَوله: ﴿سيناء﴾ بالحبشية هُوَ الْحسن، وَأما الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد من سيناء هُوَ الْبركَة وَمَعْنَاهُ: جبل الْبركَة، وَالْآخر: أَن مَعْنَاهُ الشّجر، يَعْنِي الْجَبَل المشجر، أوردهُ الْكَلْبِيّ.
وَقَوله: ﴿تنْبت بالدهن﴾ . وَقُرِئَ " تنْبت " وَاخْتلفُوا فِي هَذَا: مِنْهُم من قَالَ: أنبت وَنبت بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر: (رَأَيْت ذَوي الْحَاجَات حول بُيُوتهم ... قطينا لَهُم حَتَّى إِذا أنبت البقل) يَعْنِي: حَتَّى إِذا نبت البقل، فَالْمَعْنى على هَذَا تنْبت بالدهن أَي: وَمَعَهَا الدّهن، أَو فِيهَا الدّهن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْبَاء زَائِدَة، فَالْمَعْنى على هَذَا: تنْبت ثَمَر الدّهن.
وَأما من فرق بَين تَنبت وتُنبت، فَقَالَ مَعْنَاهُ: تُنبت ثَمَرهَا بالدهن، وتَنبت ثَمَر الدّهن.
وأنشدوا فِي زِيَادَة الْبَاء شعرًا:

﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونها وَلكم فِيهَا مَنَافِع كَثِيرَة وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون (22) وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ (سود المحاجر لَا يقْرَأن بالسور ... ) أَي: لَا يقْرَأن السُّور.
وَقَوله: ﴿وصبغ للآكلين﴾ . وَقُرِئَ: " وصباغ للآكلين "، وَهُوَ فِي الشاذ، مثل لبس ولباس، وَمَعْنَاهُ: (وإدام) للآكلين، فَإِن الْخبز إِذا غمس فِيهِ أَي: فِي الزَّيْت انصبغ بِهِ بِمَعْنى تلون، والإدام كل مَا يُؤْكَل مَعَ الْخَبَر عَادَة، سَوَاء انصبغ بِهِ الْخَبَر أَو لم ينصبغ، رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه أَخذ لقْمَة وَتَمْرَة، وَقَالَ: " هَذِه إدام هَذِه ". وَعنهُ أَنه قَالَ: " سيد إدام أهل الْجنَّة اللَّحْم ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة﴾ يَعْنِي الْآيَة: تعتبرون بهَا.
وَقَوله: ﴿نسقيكم مِمَّا فِي بطونها﴾ أَي: اللَّبن.
وَقَوله: ﴿وَلكم فِيهَا مَنَافِع كَثِيرَة وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي: من لحومها

﴿وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره أَفلا تَتَّقُون (23) فَقَالَ الْمَلأ الَّذين كفرُوا من قومه مَا هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ يُرِيد أَن يتفضل عَلَيْكُم وَلَو شَاءَ الله لأنزل مَلَائِكَة مَا سمعنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلين (24) إِن هُوَ إِلَّا رجل بِهِ جنَّة فتربصوا بِهِ حَتَّى حِين (25) قَالَ رب انصرني بِمَا كذبون (26) فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله﴾ أَي: وحدوا الله.
﴿مَا لكم من إِلَه غَيره﴾ أَي: معبود سواهُ.
وَقَوله: ﴿أَفلا تَتَّقُون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تخافون عُقُوبَته إِذا عَبدْتُمْ غَيره.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذين كفرُوا من قومه مَا هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ قد ذكرنَا معنى الْمَلأ، وَذكرنَا إنكارهم إرْسَال الْبشر.
وَقَوله: ﴿يُرِيد أَن يتفضل عَلَيْكُم﴾ يتفضل أَي: يظْهر الْفضل، وَلَا فضل لَهُ، كَمَا يُقَال: فلَان يتحلم أَي: يظْهر الْحلم، وَلَا حلم لَهُ، ويتظرف أَي: يظْهر الظرافة، وَلَا ظرافة لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَلَو شَاءَ الله لأنزل مَلَائِكَة﴾ يَعْنِي: بإبلاغ الْوَحْي، وَقَوله: ﴿مَا سمعنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلين﴾ . أَي: بإرسال بشر رَسُولا، وَقيل: بدعوة مثل دَعوته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ إِلَّا رجل بِهِ جنَّة﴾ أَي: جُنُون.
وَقَوله: ﴿فتربصوا بِهِ حَتَّى حِين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: إِلَى وَقت مَا، وَيُقَال: إِلَى أَن يَمُوت.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب انصرني بِمَا كذبون﴾ يَعْنِي: أهلكهم نصْرَة لي جَزَاء تكذيبهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك بأعيينا ووحينا﴾ . قد بَينا من قبل، وَيُقَال: غرس الشّجر أَرْبَعِينَ سنة، وجففه أَرْبَعِينَ سنة.
وَقَوله: ﴿فَإِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور﴾ المُرَاد من الْأَمر هَاهُنَا: وَقت إغراقهم، والتنور تنور الخابزة، وَقد بَينا غير هَذَا.
وَقَوله: ﴿فاسلك فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ: من كل صنف

﴿بأعيننا ووحينا فَإِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور فاسلك فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل مِنْهُم وَلَا تخاطبني فِي الَّذين ظلمُوا إِنَّهُم مغرقون (27) فَإِذا استويت أَنْت وَمن مَعَك على الْفلك فَقل الْحَمد لله الَّذِي نجانا من الْقَوْم الظَّالِمين (28) وَقل رب أنزلني منزلا مُبَارَكًا وَأَنت خير المنزلين (29) إِن فِي﴾ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
وَقَوله: ﴿وَأهْلك إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل مِنْهُم﴾ أَي: سبق عَلَيْهِ الحكم بإهلاكه، وَهُوَ ابْن نوح.
قَالَ الْحسن: كَانُوا سَبْعَة وثامنهم نوح، وَقيل: سِتَّة وسابعهم نوح.
وَقَوله: ﴿وَلَا تخاطبني فِي الَّذين ظلمُوا إِنَّهُم مغرقون﴾ قد بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا استويت أَنْت وَمن مَعَك على الْفلك﴾ أَي: استقررت وَجَلَست، وَقد يكون الاسْتوَاء بِمَعْنى الِارْتفَاع، قَالَ الْخَلِيل: دَخَلنَا على أبي ربيعَة الْأَعرَابِي، (فَقَالَ لنا: اسْتَووا) أَي: ارتفعوا.
وَقَوله: ﴿فَقل الْحَمد لله الَّذِي نجانا من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: الْكَافرين، وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مثل أهل بَيْتِي كَمثل سفينة نوح من ركبهَا سلم، وَمن لم يركبهَا (هلك) ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل رب أنزلني منزلا مُبَارَكًا﴾ وقرىء: " منزلا "، فالمنزل مَوضِع النُّزُول، والمنزل بِمَعْنى الْإِنْزَال، وَفِي مَوضِع النُّزُول قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه السَّفِينَة بعد الرّكُوب، وَالْآخر: أَنه الأَرْض بعد النُّزُول من السَّفِينَة، وَالْبركَة بعد النُّزُول هُوَ كَثْرَة النَّسْل من أَوْلَاده الثَّلَاثَة، وَالْبركَة قبل النُّزُول هُوَ النجَاة.
وَفِي بعض أَخْبَار النَّبِي: " من نزل منزلا فَقَالَ: رب أنزلني منزلا مُبَارَكًا وَأَنت خير المنزلين، كَانَ ضمانا على الله أَن يحفظه من كل شَيْء يهوله، وَإِن توفّي فِي ذَلِك الْمنزل دخل الْجنَّة ". ذكره ابْن فَارس

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل