تفسير السمعانيصفحات 174-186
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النمل

صفحات 174-186
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعذب من يَشَاء وَيرْحَم من يَشَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَعَن بَعضهم: يعذب من يَشَاء بالحرص، وَيرْحَم من يَشَاء بالقناعة.
وَقيل: يعذب من يَشَاء بِسوء الْخلق، وَيرْحَم من يَشَاء بِحسن الْخلق، وَيُقَال: يعذب من يَشَاء بِبَعْض النَّاس لَهُ، وَيرْحَم من يَشَاء بمحبة النَّاس لَهُ.

﴿تقلبون (21) وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير (22) وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله ولقائه أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم (23) فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَو حرقوه فأنجاه الله من﴾ وَيُقَال: يعذب من يَشَاء بِقبُول الْبِدْعَة، وَيرْحَم من يَشَاء بملازمة السّنة.
وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ تقلبون﴾ أَي: تردون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ (أَي: بمعجز الله عَن عذابكم، وَمَعْنَاهُ: أَنكُمْ لَا تفوتونه كَمَا يفوت عَن الْإِنْسَان مَا يعجز، فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿وَلَا فِي السَّمَاء﴾ وَالْخطاب مَعَ الْآدَمِيّين، وَلَيْسوا فِي السَّمَاء، فَكيف يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض، وَلَا فِي السَّمَاء معجز.
قَالَ الْفراء: وَهَذَا من غامض الْعَرَبيَّة.
قَالَ حسان بن ثَابت شعرًا: (وَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ... ويمدحه وينصره سَوَاء) أَي: وَمن يمدحه وينصره مِنْكُم سَوَاء، وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاء﴾ أَي: لَو كُنْتُم فِي السَّمَاء لم تعجزوه أَيْضا كَالرّجلِ يَقُول: مَا أَنْت هَاهُنَا بمعجزي وَلَا بِالْبَصْرَةِ أَي: وَلَو كنت بِالْبَصْرَةِ لم تعجزني أَيْضا.
وَقَوله: ﴿وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير﴾ أَي: من وَال وَلَا مَانع.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله ولقائه﴾ قَالَ قَتَادَة: ذمّ الله أَقْوَامًا هانوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: موجع مؤلم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا﴾ اعْلَم أَن الْآيَات الَّتِي تقدّمت مُعْتَرضَة من قصَّة إِبْرَاهِيم ودعائه قومه إِلَى الله وجوابهم لَهُ، وَتلك الْآيَات فِي النَّبِي وحجاجه مَعَ الْمُشْركين، ثمَّ وَقع الْعود فِي هَذِه الْآيَة إِلَى جَوَاب قوم إِبْرَاهِيم لَهُ.

﴿النَّار إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ثمَّ يَوْم الْقِيَامَة يكفر بَعْضكُم بِبَعْض ويلعن بَعْضكُم بَعْضًا ومأواكم النَّار وَمَا لكم من ناصرين (25) فآين لَهُ لوط وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَجَعَلنَا فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب﴾ وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَو حرقوه فأنجاه الله من لنار﴾ قَالَ مُجَاهِد: حرقت النَّار وثَاقه وَلم تحرقه.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا﴾ أَي: أصناما، وَقَوله: ﴿مَوَدَّة بَيْنكُم﴾ أَي: هِيَ مَوَدَّة (بَيْنكُم) ، أَو تِلْكَ مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: أَن تواخيكم وتوادكم فِي الدُّنْيَا خَاصَّة، وَيَنْقَطِع إِذا جَاءَت الْآخِرَة، وَقيل: إِن كل خلة تَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا خلة الْمُتَّقِينَ.
وَقُرِئَ: " مَوَدَّة بَيْنكُم " بِالنّصب بإيقاع الْفِعْل عَلَيْهِ أَي: اتخذتموها للمودة، وَقُرِئَ على غير هَذَا، والمعاني مُتَقَارِبَة.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يَوْم الْقِيَامَة يكفر بَعضهم بِبَعْض ويلعن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ وَمعنى الْجمع: هُوَ وُقُوع التبرؤ بَين القادة والأتباع.
وَقَوله: ﴿ومأواكم النَّار وَمَا لكم من ناصرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَآمن لَهُ لوط﴾ وَقد تُقَام اللَّام مقَام الْبَاء.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي﴾ أَي: مُتَوَجّه إِلَى رَبِّي أطلب رِضَاهُ.
وَقد بَينا أَن هجرته كَانَت من كوثى إِلَى الشَّام، وكوثى قَرْيَة من سَواد الْكُوفَة.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه هَاجر بعد أَن مَضَت [خمس] وَسَبْعُونَ سنة من عمره؛ وَهَاجَر مَعَه لوط وَسَارة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب فِي أمره ﴿الْحَكِيم﴾ فِي تَدْبيره.

﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين (27) ولوطا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُم لتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين (28) أئنكم لتأتون الرِّجَال وتقطعون السَّبِيل وتأتون فِي ناديكم الْمُنكر فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا أئتنا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَجَعَلنَا فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب﴾ يُقَال: إِن الله تَعَالَى لم يبْعَث نَبيا بعد إِبْرَاهِيم إِلَّا من نَسْله، فَإِن قيل: كَيفَ لم يذكر إِسْمَاعِيل، وَذكر إِسْحَاق وَيَعْقُوب، وَقد كَانَ إِسْمَاعِيل نَبيا مثل إِسْحَاق؟ قُلْنَا: قد دخل إِسْمَاعِيل فِي قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب﴾ وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى يذكر الْبَعْض، وَيتْرك الْبَعْض اختصارا وإيجازا، وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي الْكل وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وآتينا أجره فِي الدُّنْيَا﴾ أَي: الثَّنَاء الْحسن.
وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ قبُول كل أهل الْأَدْيَان لَهُ ورضاهم بِهِ.
وَقَالَ السدى: هُوَ الْوَلَد الصَّالح.
وَقيل: هُوَ أَنه أرِي مَكَانَهُ فِي الْجنَّة، وَقيل: إِنَّه جعل الْأَنْبِيَاء من أَوْلَاده.
وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ أَي: فِي زمرة الصَّالِحين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُم لتأتون الْفَاحِشَة مَا سبقكم بهَا من أحد من الْعَالمين﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط،

قَوْله تَعَالَى: ﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال وتقطعون السَّبِيل﴾ أَي: لتأتون الرِّجَال بالفاحشة، وتقطعون السَّبِيل: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: تقطعون سَبِيل النَّسْل بإيثار الرِّجَال على النِّسَاء.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وتقطعون السَّبِيل أَي: الطَّرِيق، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ الغرباء والمسافرين ويرتكبون مِنْهُم الْفَاحِشَة.
وَقَوله: ﴿وتأتون فِي ناديكم الْمُنكر﴾ النادي هُوَ الْمجْلس، وَأما الْمُنكر الَّذِي أَتَوا بِهِ فَفِيهِ أَقْوَال: أَحدهمَا: هُوَ ارْتِكَاب الْفَاحِشَة من الرِّجَال فِي مجَالِسهمْ، قَالَه مُجَاهِد.
وَعَن عَائِشَة قَالَت: كَانُوا يتضارطون فِيمَا بَينهم.
وَعَن عبد الله بن سَلام: كَانَ بَعضهم يبزق على بعض.
وَفِي بعض الْأَخْبَار مُسْندًا إِلَى النَّبِي: " أَنهم كَانُوا

﴿بِعَذَاب الله إِن كنت من الصَّادِقين (29) قَالَ رب انصرني على الْقَوْم المفسدين (30) وَلما جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى قَالُوا إِنَّا مهلكوا أهل هَذِه الْقرْيَة إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين (31) قَالَ إِن فِيهَا لوطا قَالُوا نَحن أعلم بِمن فِيهَا لننجينه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته﴾ يَجْلِسُونَ على الطَّرِيق، ويخذفون النَّاس ويسخرون مِنْهُم ". وَعَن بَعضهم هُوَ لصفير وَالرَّمْي بالجلاهق، واللعب بالحمام، وبالشرك فِي الطَّرِيق، وَحل الْإِزَار.
وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا ائتنا بِعَذَاب الله إِن كنت من لصادقين﴾ أَي: فِيمَا تَقوله

قَوْله: ﴿قَالَ رب انصرني على الْقَوْم المفسدين﴾ وفسادهم كَمَا بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى﴾ قد بَينا معنى الْبُشْرَى فِي سُورَة هود.
وَقَوله: ﴿إِنَّا مهلكوا أهل هَذِه الْقرى﴾ أَي: سدوم، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ وَبَين يَدي كل وَاحِد مِنْهُم قَعْب فِيهِ حَصى فَإِذا مر بهم إِنْسَان خذفه كل وَاحِد مِنْهُم بحصاة، فَمن أَصَابَهُ كَانَ أولى بِهِ، فَكَانَ يَأْخُذ مَا مَعَه وينكحه ويغرمه ثَلَاث دَرَاهِم، وَلَهُم قَاض يقْضِي بذلك.
وَقَوله: ﴿إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ قد بَينا ظلمهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن فِيهَا لوطا قَالُوا نَحن أعلم بِمن فِيهَا﴾ أَي: قَالَت الْمَلَائِكَة نَحن أعلم بِمن فِيهَا.
وَقَوله: ﴿لننجينه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته كَانَت من الغابرين﴾ أَي: البَاقِينَ فِي الْعَذَاب.

﴿كَانَت من الغابرين (32) وَلما أَن جَاءَت رسلنَا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وَقَالُوا لَا تخف وَلَا تحزن إِنَّا منجوك وَأهْلك إِلَّا امْرَأَتك كَانَت من الغابرين (33) إِنَّا منزلون على أهل هَذِه الْقرْيَة رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقون (34) وَلَقَد تركنَا مِنْهَا آيَة بَيِّنَة﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما أَن جَاءَت رسلنَا لوطا سيء بهم﴾ أَي: سيء بِالْمَلَائِكَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنه سَاءَهُ مَجِيء الْمَلَائِكَة أضيافا لما علم من خبث قومه.
وَقَوله: ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ أَي: ضَاقَ ذرعا بمجيئهم.
يُقَال: ضَاقَ فلَان ذرعا بِكَذَا إِذا كرهه.
وَقَوله: ﴿قَالُوا لَا تخف وَلَا تحزن﴾ لَا تخف من قَوْمك علينا، وَلَا تحزن بإهلاكنا إيَّاهُم.
وَقَوله: ﴿إِنَّا منجوك وَأهْلك إِلَّا امْرَأَتك كَانَت من الغابرين﴾ أَي: البَاقِينَ فِي الْعَذَاب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا منزلون على أهل هَذِه الْقرْيَة﴾ أَي: سدوم.
وَقَوله: ﴿رجزا من السَّمَاء﴾ أَي: عذَابا من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿بِمَا كَانَ يفسقون﴾ أَي: يعصون.

قَوْله: ﴿وَلَقَد تركنَا مِنْهَا آيَة بَيِّنَة﴾ أَي: من قريات قوم لوط.
قَالَ قَتَادَة: الْآيَة الْبَيِّنَة (هِيَ [الْأَحْجَار] الَّتِي أهلكوا بهَا، وَقد كَانَ قد بَقِي بَعْضهَا حَتَّى أَدْرَكته أَوَائِل هَذِه الْأمة.
وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَة الْبَيِّنَة) : ظُهُور المَاء الْأسود من قراهم.
وَقَوله: ﴿لقوم يعْقلُونَ﴾ أَي: يتدبرون الْآيَات تدبر ذَوي الْعُقُول.

﴿لقوم يعْقلُونَ (35) وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله وارجوا الْيَوْم الآخر وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين (36) فَكَذبُوهُ فَأَخَذتهم الرجفة فَأَصْبحُوا فِي دَارهم جاثمين (37) وعادا وَثَمُود وَقد تبين لكم من مساكنهم وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل وَكَانُوا مستبصرين (38) وَقَارُون وَفرْعَوْن وهامان وَلَقَد جَاءَهُم﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا﴾ مَعْنَاهُ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله وارجوا الْيَوْم الآخر﴾ أَي: وخشوا الْيَوْم الآخر، وَيُقَال: الرَّجَاء على حَقِيقَته، وَهُوَ الأمل.
وَقَوله: ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ أَي: لَا تفسدوا فِي الأَرْض.
[والعيث] أَشد الْفساد.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَكَذبُوهُ فَأَخَذتهم الرجفة﴾ الرجفة: زعزعة تُؤدِّي إِلَى الْهَلَاك.
وَقَوله: ﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ أَي: ميتين، وَقيل: خامدين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعادا وَثَمُود﴾ أَي: وأهلكنا عادا وَثَمُود.
وَقَوله: ﴿وَقد تبين لكم من مساكنهم﴾ أَي: الْمنَازل الَّتِي سكنوها.
وَقَوله: ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل﴾ أَي: صدهم عَن سَبِيل الْحق.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا مستبصرين﴾ أَي: ارتكبوا مَا ارتكبوا وَقد علمُوا أَن عَاقِبَة أَمرهم بوار.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَارُون وَفرْعَوْن وهامان﴾ أَي: وأهلكنا قَارون وَفرْعَوْن وهامان.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن فِرْعَوْن كَانَ يَبِيع الْبِطِّيخ فِي ابْتِدَاء أمره، وهامان كَانَ طيانا.

﴿مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فاستكبروا فِي الأَرْض وَمَا كَانُوا سابقين (39) فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ (40) مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت لَو﴾ وَقَوله: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات.
قَوْله: ﴿فاستكبروا فِي الأَرْض وَمَا كَانُوا سابقين﴾ أَي: فائتين عَن عذابنا، كالسابق على الشَّيْء فَيكون قد فَاتَهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ أَي: أَخذنَا كل هَؤُلَاءِ بذنبهم.
وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا﴾ الحاصب هِيَ الرّيح الَّتِي تحمل الْحَصْبَاء، والحصباء: الْحَصَى (الصغار) ، وَالَّذين أهلكوا بالحصباء قوم لوط.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة﴾ يَعْنِي: قوم صَالح، وهم ثَمُود.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض﴾ أَي: قَارون.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ أَي: قوم نوح وَقوم فِرْعَوْن.
وَقَوله: ﴿ [وَمَا] كَانَ الله ليظلمهم﴾ أَي: مَا ظلمهم الله ﴿وَلَكِن هم اللَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله﴾ الْمثل: كَلَام سَائِر يتَضَمَّن تَشْبِيه حَال الآخر بِالْأولِ.
وَقَوله: ﴿أَوْلِيَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿كَمثل العنكبوت﴾ العنكبوت: دَابَّة [أَعْطَاهَا] الله تَعَالَى آلَة تنسج

﴿كَانُوا يعلمُونَ (41) إِن الله يعلم مَا يدعونَ من دونه من شَيْء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (42) وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ (43) خلق الله السَّمَوَات﴾ بهَا بَيْتا تأوي إِلَيْهِ، (وبيته) فِي غَايَة الضعْف والوهاء، وَإِنَّمَا مثل عبَادَة الْأَصْنَام بِبَيْت العنكبوت؛ لِأَن بَيت العنكبوت لَا يقي حرا وَلَا بردا، وَكَذَلِكَ عبَادَة الْأَصْنَام لَا تجلب نفعا، وَلَا تدفع ضرا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي أَنه قَالَ: " العنكبوت شَيْطَان مسخ فَاقْتُلُوهُ " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه أَمر أَلا يتْرك نَسِيج العنكبوت فِي الْبَيْت، وَقَالَ: تَركه يُورث الْفقر.
وَقد بَينا أَن الله تَعَالَى جعل العنكبوت جند النَّبِي فِي الْغَار.
وَقَوله: ﴿وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: لَو كَانُوا يعلمُونَ أَن عبَادَة الْأَصْنَام لَا تغني شَيْئا، كَمَا علمُوا أَن بَيت العنكبوت لَا يدْفع شَيْئا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يعلم مَا يدعونَ من دونه من شَيْء﴾ أَي: يعلم مَا يدعونَ من دونه من الْأَصْنَام وَغَيرهَا.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز بالانتقام من أعدائه، الْحَكِيم فِي تَدْبِير خلقه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس﴾ أَي: الْأَشْبَاه الَّتِي يَقع بهَا التَّمْثِيل.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ (أَي: الْعَالمُونَ بمعاني كَلَامي، وَعَن بعض السّلف قَالَ: يسْتَحبّ أَن يقف عِنْد كل مثل فِي الْقُرْآن، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ .

﴿وَالْأَرْض بِالْحَقِّ إِن فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين (44) اتل مَا أُوحِي إِلَيْك من الْكتاب وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلذكر الله أكبر وَالله يعلم مَا تَصْنَعُونَ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَي: بالحكمة.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك (لآيَة﴾ للْمُؤْمِنين) أَي: لعبرة للْمُؤْمِنين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿اتل مَا أوحى إِلَيْك من الْكتاب﴾ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ الْفَحْشَاء كل قَبِيح من الْأَفْعَال، وَالْمُنكر كل مَا يُنكره الشَّرْع، (فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ وَقد رَأينَا من يُصَلِّي وَلَا يَنْتَهِي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر؟ قُلْنَا: رُوِيَ عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر مَا دَامَ فِي الصَّلَاة، وَعَن غَيره: تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر) فِيهَا وَبعدهَا.
وَمعنى النَّهْي على هَذَا القَوْل أَنه يقْرَأ الْقُرْآن وَالْقِرَاءَة، تنهاه عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر.
وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَا صَلَاة لمن لم يطع الصَّلَاة.
وَفِي هَذَا اللَّفْظ إِشَارَة إِلَى مَا بَينا.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من لم تَنْهَهُ صلَاته عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر لم يَزْدَدْ من الله إِلَّا بعدا ".

( ﴿45) وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمنا﴾ وَعَن الْحسن وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: من صلى وَلم ينْتَه عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر، فَصلَاته وبال عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلذكر الله أفضل من كل الطَّاعَات، وَرُوِيَ عَن ثَابت الْبنانِيّ أَن رجلا أعتق أَربع رِقَاب، وَجعل آخر يذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثمَّ سُئِلَ عَن ذَلِك جمَاعَة من أهل الْعلم، فَقَالُوا: ذكر الله تَعَالَى أفضل؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ . وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: وَلذكر الله إيَّاكُمْ أكبر من ذكركُمْ إِيَّاه، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ إِن رجلا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: إِن فلَانا (يَقُول) فِي قَوْله: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ : إِن مَعْنَاهُ: إِذا ذكره وانْتهى عَن مَعَاصيه، فَقَالَ: هَذَا كَلَام حسن.
وَلَيْسَ بِمَعْنى الْآيَة؛ وَإِنَّمَا معنى الْآيَة مَا ذكرنَا عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: وَلذكر الله إيَّاكُمْ أكبر من ذكركُمْ إِيَّاه.
وَمِنْهُم من قَالَ: وَلذكر الله فِي الثَّوَاب أكبر من ذكركُمْ فِي الطَّاعَة.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم مَا تَصْنَعُونَ﴾ أَي: تَفْعَلُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب الَّذين قبلوا الْجِزْيَة إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن، وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ المُرَاد بهم على هَذَا القَوْل أهل الْحَرْب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ مِنْهُم، وَمعنى النَّهْي عَن المجادلة مَعَهم بعد إِيمَانهم، هُوَ أَنهم كَانُوا يخبرون عَن أَشْيَاء فِي كتبهمْ لم يعلمهَا الْمُؤْمِنُونَ، [فَنهى] عَن مجادلتهم فِيهَا، فلعلها صَحِيحَة.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم﴾ هم الَّذين لم يُؤمنُوا.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْآيَة

@ ﴿بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُم الْكتاب يُؤمنُونَ بِهِ وَمن هَؤُلَاءِ من يُؤمن بِهِ وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب وَلَا تخطه بيمينك﴾ مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف.
وَقَوله: ﴿وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم﴾ (رُوِيَ عَن النَّبِي هم أَنه قَالَ: " إِذا أخْبركُم أهل الْكتاب بِشَيْء لم تعرفوه فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم، وَلَكِن قُولُوا: ﴿آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم﴾ وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ ") ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب﴾ أَي: كَمَا بعثناك بِالْحَقِّ أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب.
وَقَوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُم الْكتاب يُؤمنُونَ بِهِ﴾ أَي: يصدقون بِهِ، وَقَوله: ﴿وَمن هَؤُلَاءِ من يُؤمن بِهِ﴾ أَي: وَمن الْمُشْركين من يصدق بِهِ، فَقَوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إِشَارَة إِلَى الْمُشْركين الَّذين كَانُوا بِمَكَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب﴾ أَي: من قبل بعثنَا إياك، وإنزال الْقُرْآن عَلَيْك.
وَقَوله: ﴿وَلَا تخطه بيمينك﴾ أَي: لم تكن تقْرَأ وَلَا تكْتب.
وَقَوله: ﴿إِذا لارتاب المبطلون﴾ أَي: إِذا لشك الْكَافِرُونَ لَو قَرَأت وكتبت، أما أهل الشّرك وَكَانُوا يَزْعمُونَ أَنه قَرَأَ من كتب الْأَوَّلين وانتسخ مِنْهَا، وَأما أهل الْكتاب فقد

﴿إِذا لارتاب المبطلون (48) بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَات من ربه قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله﴾ كَانَ من نَعته فِي كتبهمْ أَنه أُمِّي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب، فَلَو قَرَأَ وَكتب وَقع لَهُم الشَّك.
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: لم يخرج النَّبِي من الدُّنْيَا حَتَّى كتب وَقَرَأَ.
وَهُوَ قَول ضَعِيف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ، [وأظن] أَنه لَا يَصح عَن الشّعبِيّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَالما كَبِيرا.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل