الدخان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يلحدون فِي آيَاتنَا﴾ أَي: يميلون إِلَى الحجد و [التَّكْذِيب] فِي آيَاتنَا.
وكل من مَال من الْحق إِلَى الْبَاطِل، وَمن التَّوْحِيد إِلَى الشّرك فَهُوَ ملحد.
وَقَوله: ﴿لَا يخفون علينا﴾ أَي لَا يخفى كفرهم علينا.
قَوْله: ﴿أَفَمَن يلقى فِي النَّار خير أم من يَأْتِي آمنا يَوْم الْقِيَامَة﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الَّذِي يلقى فِي النَّار هُوَ أَبُو جهل، وَالَّذِي يَأْتِي آمنا هُوَ عمار، قَالَ عِكْرِمَة وَغَيره.
﴿آيَاتنَا لَا يخفون علينا أَفَمَن يلقى فِي النَّار خير أم من يَأْتِي آمنا يَوْم الْقِيَامَة اعْمَلُوا مَا شِئْتُم إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (40) إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز (41) لَا يأنيه الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد (42) مَا يُقَال﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن من يلقى فِي النَّار هُوَ أَبُو جهل، وَمن يأتى آمنا هُوَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن من يلقى فِي النَّار هُوَ كل كَافِر، وَالَّذِي يَأْتِي آمنا هُوَ الرَّسُول.
وَيُقَال: كل مُؤمن قد أَمن من الخلود فِي النَّار.
وَيُقَال: من يلقى فِي النَّار هم الَّذين يبغضون آل النَّبِي، وَمن يَأْتِي آمنا هم الَّذين يحبونهم، وَقيل: هَذَا فِي الصَّحَابَة.
وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد.
وَمَعْنَاهُ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فستقدمون عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ، وَفِيه حذف، والمحذوف، سيجازون على ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَأَنه لكتاب عَزِيز﴾ أَي: كريم على الله.
وَيُقَال: كتاب أعزه الله.
وَقَوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَا يَأْتِيهِ التَّكْذِيب من الْكتب الْمُتَقَدّمَة، وَلَا يَأْتِيهِ من بعده كتاب ينسخه وَيَرْفَعهُ، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْبَاطِل هُوَ إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يَأْتِيهِ بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان أَي: لَا سُلْطَان لَهُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَة مِنْهُمَا.
وَقَوله: ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ أَي: حَكِيم فِي فعله، مَحْمُود فِي قَوْله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُقَال لَك إِلَّا مَا قد قيل للرسل من قبلك﴾ هَذَا على طَرِيق التَّعْزِيَة والتسلية للنَّبِي، فَإِن الْكفَّار كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه كَافِر وساحر وشاعر وَمَجْنُون، فَقَالَ
﴿لَك إِلَّا مَا قد قيل للرسل من قبلك إِن رَبك لذُو مغْفرَة وَذُو عِقَاب أَلِيم (43) وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي﴾ تَعَالَى معزيا ومسليا لَهُ: ﴿مَا يُقَال لَك إِلَّا ماقد قيل للرسل من قبلك﴾ أَي: لست بِأول من قيل لَهُ هَذَا، فقد نسب الْأَنْبِيَاء من قبلك إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء.
وَقد تمّ الْكَلَام على هَذَا ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة﴾ أَي: لذنوب الْعباد، لمن أَرَادَ أَن يغْفر لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَذُو عِقَاب أَلِيم﴾ أَي: لمن أَرَادَ أَن لَا يغْفر لَهُ.
وَفِي قَوْله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ قَول آخر: وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل قبل تَمام نُزُوله فَهُوَ من بَين يَدَيْهِ.
وَقَوله: ﴿من بَين يَدَيْهِ﴾ أَي: قبل النُّزُول، فَإِن الرُّسُل بشرت بِالْقُرْآنِ، فَلَا يَأْتِيهِ مَا يدحضه ويبطله ﴿وَلَا من خَلفه﴾ أَي: بعد النُّزُول، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يَأْتِيهِ كتاب ينسخه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا﴾ أَي: بِلِسَان الْعَجم.
وَيُقَال: أعجميا أَي: غير مُبين، قَالَه الْمفضل، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور.
وَقَوله: ﴿لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته﴾ أَي: بيّنت آيَاته ﴿أأعجمي وعربي﴾ مَعْنَاهُ: أقرآن أعجمي، وَرَسُول عَرَبِيّ؟ .
وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن: " لَوْلَا فصلت آيَاته عجمي وعربي " لَا على وَجه الِاسْتِفْهَام أَي: هلا جعل بعض آيَاته عجميا، وَبَعض آيَاته عَرَبيا، وَالْمُخْتَار هِيَ الْقِرَاءَة الأولى على الْمَعْنى الأول.
والأعجمي كل من فِي لِسَانه عجمة، وَإِن كَانَ عَرَبيا، وَمِنْه زِيَادَة الأعجمي الشَّاعِر.
والعجمي هُوَ الْوَاحِد من الْعَجم، والأعرابي كل من يسكن البدو، والعربي الْوَاحِد من الْعَرَب، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلم أر مثلي هاجه صَوت مثلهَا ... وَلَا عَرَبيا هاجه صَوت أعجما.)
وَيُقَال: إِن الْآيَة نزلت فِي يسَار بن فكيهة غُلَام ابْن الْحَضْرَمِيّ، وَكَانَ يدْخل على رَسُول الله، وَكَانَ يَهُودِيّا قد قَرَأَ الْكتب، فَقَالُوا: علم مُحَمَّدًا يسَار أَبُو فكيهة،
﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد (44) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَاخْتلف فِيهِ وَلَوْلَا كلمة﴾
فَقَالَ أَبُو فكيهة: لَا، بل أَنا أتعلم مِنْهُ، وَهُوَ يعلمني.
وَقَوله: ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا﴾ أَي: الْقُرْآن ﴿هدى وشفاء﴾ أَي: هدى للأبصار، وشفاء للقلوب.
وَقَوله: ﴿وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر﴾ أَي: ثقل وصمم، كَأَنَّهُ جعلهم بِمَنْزِلَة الصم حِين لم يسمعوا سَماع قَابل.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ قَالَ الْفراء: عموا وصموا على الْقُرْآن حَيْثُ لم ينتفعوا بِهِ.
وَقيل: عميت أَبْصَارهم عَن الْقُرْآن، فالقرآن عَلَيْهِم بِمَنْزِلَة الْعَمى.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد﴾ أَي: بعيد من قُلُوبهم، حكى هَذَا عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، وَيُقَال: ينادون من مَكَان بعيد أَي: السَّمَاء، قَالَ الْفراء: تَقول الْعَرَب لمن لَا يفهم القَوْل: إِنَّه يَأْخُذهُ من مَكَان بعيد، وَإِذا كَانَ يفهم يَقُولُونَ: إِنَّه يَأْخُذهُ من مَكَان قريب.
وَذكر بعض النَّحْوِيين أَن قَوْله: ﴿أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد﴾ جَوَاب لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم﴾ وَالَّذِي ذكرنَا أَن الْجَواب مَحْذُوف هُوَ الأولى، وَقد بَينا.
أوردهُ النّحاس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَاخْتلف فِيهِ﴾ الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة، وَالِاخْتِلَاف فِيهِ أَنه آمن بِهِ بَعضهم وَكفر بَعضهم.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك﴾ أَي: تَأْخِير الْقِيَامَة إِلَى أجل مَعْلُوم عِنْده.
وَعَن عَطاء قَالَ: الْكَلِمَة الَّتِي سبقت من ربه هِيَ أَن آدم صلوَات الله عَلَيْهِ لما عطس ألهمه الله تَعَالَى حَتَّى قَالَ: الْحَمد لله، فَقَالَ الله تَعَالَى: يَرْحَمك رَبك.
فَهِيَ الْكَلِمَة الَّتِي سبقت من الله.
﴿سبقت من رَبك لقضي بَينهم وَإِنَّهُم لفي شكّ مِنْهُ مريب (45) من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا وَمَا رَبك بظلام للعبيد (46) إِلَيْهِ يرد علم السَّاعَة وَمَا تخرج من ثَمَرَات من أكمامها وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْم يناديهم أَيْن شركائي﴾
وَقَوله: ﴿لقضي بَينهم﴾ أَي: لعجل لَهُم الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّهُم لفي شكّ مِنْهُ مريب﴾ أَي: مرتاب.
وَقَوله: ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ أَي: نفع ذَلِك عَائِد إِلَى نَفسه.
وَقَوله: ﴿وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ أَي: وبال ذَلِك رَاجع إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ لِأَن مَا يَفْعَله يكون عدلا، وَلَا يكون ظلما.
وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ أَي: لَا يُعَاقب أحدا من غير جرم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يرد علم السَّاعَة﴾ مَعْنَاهُ: إِلَى الله برد علم السَّاعَة، وَهَذَا على الْعُمُوم، فَإِن كل من سُئِلَ عَن السَّاعَة يَقُول: الله أعلم.
وَقَوله: ﴿وَمَا تخرج من ثَمَرَة من أكمامها﴾ أَي: من أوعيتها وغلفها، والكم: غلافها، وَيُقَال: هُوَ جف الطّلع.
وَقَوله: ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعَمَلِهِ﴾ أَي: يعلم مُدَّة الْحمل، وَيعلم وَقت وَضعه.
وَقَوله: ﴿وَيَوْم يناديهم﴾ يَعْنِي: يُنَادي الْكفَّار ﴿أَيْن شركائ﴾ على زعمكم؟
وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى يَقُول: أَيْن الْمُلُوك؟ أَيْن الْجَبَابِرَة؟ أَيْن الْآلهَة؟ أَنا الرب، لَا رب غَيْرِي، أَنا الله، لَا إِلَه غَيْرِي، أَنا الْملك، لَا ملك غَيْرِي.
وَقَوله: ﴿قَالُوا آنذاك﴾ أَي: أعلمناك، وَمِنْه أَخذ الْأذن وَالْأَذَان والمؤذن.
وَهَذَا من قَول الْآلهَة.
قَالَ الْفراء وَغَيره: وَمَعْنَاهُ: أَن الْآلهَة تَقول: آذناك أَي: أعلمناك يَا رب تكذيبهم وكفرهم ﴿مَا منا من شَهِيد﴾ أَي: لَيْسَ منا أحد يشْهد أَن قَوْلهم حق، وزعمهم صَحِيح.
﴿قَالُوا آذناك مَا منا من شَهِيد (47) وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يدعونَ من قبل وظنوا مَا لَهُم من محيص (48) لَا يسأم الْإِنْسَان من دُعَاء الْخَيْر وَإِن مَسّه الشَّرّ فيئوس قنوط (49) وَلَئِن أذقناه رَحْمَة منا من بعد ضراء مسته ليَقُولن هَذَا لي وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة وَلَئِن﴾
وَقَوله: ﴿وضل عَنْهُم﴾ أَي: بَطل عَنْهُم وَفَاتَ عَنْهُم ﴿مَا كَانُوا يدعونَ من قبل﴾ . وَقَوله: ﴿وظنوا مَا لَهُم من محيص﴾ أَي: أيقنوا مَالهم من ملْجأ ومهرب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسأم الْإِنْسَان من دُعَاء لخير﴾ أَي: من دُعَاء المَال.
وَيُقَال: هُوَ الْغنى بعد الْفقر، والعافية بعد السقم.
وَقيل إِن الْآيَة نزلت فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة كَانَ لَا يزَال يَدْعُو بِكَثْرَة المَال، وَفِيه نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا وبنين شُهُودًا﴾ .
وَقَوله: ﴿وَإِن مَسّه الشَّرّ﴾ أَي: الْبلَاء الْفقر والشدة.
وَقَوله: ﴿فيئوس قنوط﴾ أَي: يئوس من الْخَيْر، قنوط من الرَّحْمَة.
وَقيل: قنوط: أَي: سيء الظَّن بربه، كَأَنَّهُ يَقُول: لَا يكْشف الله تَعَالَى مَا بِي من الْبلَاء والشدة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أذقناه رَحْمَة منا من بعد ضراء مسته﴾ أَي: رخاء بعد شدَّة، وغنى بعد فقر.
وَقَوله: ﴿ليَقُولن هَذَا لي﴾ أَي: باجتهادي واستحقاقي.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَظن السَّاعَة قَائِمَة﴾ أَي: آتِيَة.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن رجعت إِلَى رَبِّي﴾ أَي: رددت.
وَقَوله: ﴿إِن لي عِنْده للحسنى﴾ أَي: للخير الْكثير.
قَالَ بعض أهل الْعلم: الْكَافِر بَين منيتين باطلتين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أما فِي الدُّنْيَا يَقُول: لَئِن رجعت إِلَى رَبِّي إِن لي عِنْده للحسنى، وَأما فِي الْآخِرَة يَقُول حِين رأى مَا
﴿رجعت إِلَى رَبِّي أَن لي عِنْده للحسنى فلننبئن الَّذين كفرُوا بِمَا عمِلُوا ولنذيقنهم من عَذَاب غليظ (50) وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونأى بجانبه وَإِذا مَسّه الشَّرّ فذو دُعَاء عريض (51) قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله ثمَّ كَفرْتُمْ بِهِ من أضلّ مِمَّن هُوَ فِي﴾ قدمت يَدَاهُ: يَا لَيْتَني كنت تُرَابا.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن الْآيَة نزلت فِي شَأْن عقبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليد بن الْمُغيرَة وَأبي بن خلف وَأُميَّة بن خلف وَغَيرهم، وَقد كَانُوا يمنون أنفسهم الأباطيل.
وَقَوله: ﴿فلننبئن الَّذين كفرُوا بِمَا عمِلُوا﴾ هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد.
وَقَوله: ﴿ولنذيقهم من عَذَاب غليظ﴾ أَي: شَدِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونآى بجانبه﴾ وَقُرِئَ: " وناء بجانبه ": وَمعنى نائ بجانبه تبَاعد بجانبه.
وَقَوله: ﴿وَإِذا مَسّه الشَّرّ﴾ أَي: الشدَّة وَالْبَلَاء.
وَقَوله: ﴿فذو دُعَاء عريض﴾ أَي: كثير.
قَالَ النقاش: وَالْآيَة فِي الَّذين سبق ذكرهم.
وَعَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ: رب عبد يعرف الله فِي الرخَاء، وَلَا يعرفهُ فِي الشدَّة، وَرب عبد يعرف الله فِي الشدَّة وَلَا يعرفهُ فِي الرخَاء.
وَالْمُؤمن من يعرفهُ فِي الرخَاء والشدة جَمِيعًا.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجدهُ أمامك، تعرف إِلَى الله فِي الرخَاء، يعرفك فِي الشدَّة، إِذا سَأَلت فاسأل الله، وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه ... . ". الْخَبَر إِلَى آخِره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله﴾ مَعْنَاهُ: قل ياأيها الْكفَّار أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله؟ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿ثمَّ كَفرْتُمْ بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ.
وَقَوله: ﴿من أضلّ مِمَّن هُوَ فِي شقَاق بعيد﴾ أَي: فِي عناد للحق كَبِير، وَالْمعْنَى: أَنكُمْ أَيهَا الْكَافِرُونَ فِي الشقاق والضلال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾ الْآيَات فِي الْآفَاق آيَات
﴿شقَاق بعيد (52) سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق أَو لم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد (53) أَلا أَنهم فِي مرية من لِقَاء رَبهم أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط (54) ﴾ السَّمَوَات وَالْأَرضين، وَذَلِكَ من رفع السَّمَاء، وَخلق الْكَوَاكِب، ودوران الْفلك، وإضاءة الشَّمْس وَالْقَمَر، وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَذَلِكَ بسط الأَرْض، وَنصب الْجبَال، وتفجير الْأَنْهَار، وغرس الْأَشْجَار، إِلَى مَا لَا يُحْصى.
وَقَوله: ﴿وَفِي أنفسهم﴾ أَي: من السّمع وَالْبَصَر، وَخلق سَائِر الْجَوَارِح وَجَمِيع الْحَواس.
وَفِي بعض التفاسير: أَن من الْآيَات فِي النَّفس دُخُول الطَّعَام وَالشرَاب من مَكَان وَاحِد، وَخُرُوجه من مكانين.
وَقيل: دُخُول الْأَطْعِمَة على ألوان كَثِيرَة، وخروجها على لون وَاحِد.
وَقَالَ السدى: الْآيَات فِي الْآفَاق هِيَ فتح الْأَمْصَار، وَفِي الْأَنْفس فتح الرَّسُول مَكَّة.
وَيُقَال: الْآيَات فِي الْآفَاق هِيَ الْفتُوح الَّتِي كَانَت بعد الرَّسُول، وَفِي أنفسهم هِيَ الَّتِي كَانَت فِي زمَان الرَّسُول.
وَقيل: الْآيَات فِي الْآفَاق مَا أخبر من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وَمَا نزل بهم، والآيات فِي الْأَنْفس هِيَ مَا أَنْذرهُمْ من الْوَعيد وَالْعَذَاب.
وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَات فِي الْآفَاق هُوَ إمْسَاك الْمَطَر من السَّمَاء.
والآيات فِي الْأَنْفس هِيَ البلايا فِي الأجساد.
وَقَوله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق﴾ يَعْنِي: أَن الرَّسُول حق.
وَقيل: الْقُرْآن حق.
وَقَوله: ﴿أولم يكف بِرَبِّك﴾ يَعْنِي: أولم يكفك يَا مُحَمَّد من رَبك [أَنه] على كل شَيْء شَهِيد وَقيل مَعْنَاهُ: أَو لَيْسَ فِي شَهَادَة رَبك كِفَايَة.
وَقيل: أَو لَيْسَ فِي الدّلَالَة الَّتِي أَقَامَهَا على التَّوْحِيد كِفَايَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه على كل شَيْء شَهِيد﴾ أَي: لِأَنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد، أَو بِأَنَّهُ على كل شَيْء شَهِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُم فِي مرية من لِقَاء رَبهم﴾ أَي: فِي شكّ من الْبَعْث والنشور.
وَقَوله: ﴿أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط﴾ أَي: مُحِيط علمه بِجَمِيعِ ذَلِك.
تمت السُّورَة.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿حم (1) عسق (2) كَذَلِك يوحي إِلَيْك﴾ تَفْسِير سُورَة حم عسق
وَهِي مَكِّيَّة
(قَالَ مقَاتل) : إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك الَّذِي يبشر الله عباده الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ . بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَوْله تَعَالَى: ﴿حم عسق﴾ حكى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن الر، وحم، وَنون نظم قَوْله الرَّحْمَن، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: أَنه اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن.
وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: الْحَاء من الْحَلِيم وَالْمِيم من الْملك، وَالْعين من الْعَالم، وَالسِّين من القدوس، وَالْقَاف من الْقَادِر، وَعَن بَعضهم: أَن هَذَا قسم فَكَأَنَّهُ أقسم بحلمه وَملكه وَعلمه وسنائه وَقدرته، وَحكى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن " حم عسق " اسْم الله الْأَعْظَم، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: " حم سُقْ " بِغَيْر الْعين، وَعَن حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: مَعْنَاهُ مضى عَذَاب سَيكون وَاقعا.
وَقيل: إِن الْحَاء إِشَارَة إِلَى حَرْب سَيكون، وَالْمِيم انْتِقَال ملك من قوم إِلَى قوم، وَالْعين عَدو يغلب الْعَرَب، ثمَّ الدولة تكون للْعَرَب، وَالسِّين هُوَ [سنو] المجاعة، وَالْقَاف قدرَة الله النافذة فِي مُلُوك الأَرْض.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن حُرُوف الهجاء الَّتِي فِي أول هَذِه السُّورَة إِشَارَة إِلَى فتن تكون فِي هَذِه الْأمة، قَالَ: وَبهَا كَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ يعلمهَا وَيَقْضِي بهَا.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك﴾ فِي التَّفْسِير: أَن " حم عسق " أوحى إِلَى كل نَبِي من الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك يُوحى إِلَيْك﴾ أَي: كَمَا أوحى الله نعالى إِلَى الْأَنْبِيَاء هَذِه
﴿وَإِلَى الَّذين من قبلك الله الْعَزِيز الْحَكِيم (3) لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم (4) تكَاد السَّمَوَات يتفطرن من فوقهن وَالْمَلَائِكَة يسبحون بِحَمْد رَبهم وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض أَلا إِن الله هُوَ الغفور الرَّحِيم (5) الْكَلِمَات، كَذَلِك يوحيها إِلَيْك.
وَيُقَال: المُرَاد مِنْهُ الْوَحْي على الْجُمْلَة.
وَقَوله: {وَإِلَى الَّذين من قبلك الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ يَعْنِي: أَن الله تَعَالَى يوحي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم أَي: من صفته الْعِزَّة وَالْحكمَة، وَمَعْنَاهُ: عَزِيز فِي نصرته، حَكِيم فِي فعله، وَقُرِئَ: " كَذَلِك نوحي إِلَيْك " بالنُّون، وَمَعْنَاهُ مَعْلُوم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿تكَاد السَّمَوَات يتفطرن﴾ وَقُرِئَ: " ينفطرن " وَمَعْنَاهُ: يتشققن.
وَقَوله: ﴿من فوقهن﴾ أَي: من فَوق الْأَرْضين، وانفطارها لعَظيم مَا جَاءَ بِهِ الْكفَّار.
وَقيل: خوفًا من الله تَعَالَى.
وَيُقَال: هَيْبَة وإجلالا.
وَقيل: لِعَظَمَة الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وَالْمَلَائِكَة يسبحون بِحَمْد رَبهم﴾ أَي: يصلونَ بِحَمْد رَبهم، وَيُقَال: ينزهون رَبهم.
وَقَوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: للْمُؤْمِنين الَّذين فِي الأَرْض، وَهَذَا محكى عَن ابْن عَبَّاس، وَاللَّفْظ عَام أُرِيد بِهِ الْخَاص، وَقيل: إِن الَّذين يَسْتَغْفِرُونَ للْمُؤْمِنين حَملَة الْعَرْش خَاصَّة على مَا ذكر تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمن.
وَقيل: هم جَمِيع الْمَلَائِكَة.
وَفِي التَّفْسِير: أَن استغفارهم لمن فِي الأَرْض من الْوَقْت الَّذِي افْتتن هاروت وماروت بِالْمَرْأَةِ الَّتِي تسمى زهرَة، وفعلا مَا فعلا، واختارا عَذَاب الدُّنْيَا، وَقد كَانَت الْمَلَائِكَة من قبل يدعونَ على العصاة، فَمن ذَلِك الْوَقْت كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ للعصاة من الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿أَلا إِن الله هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ أَي: الستور لذنوب عباده.
﴿وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء الله حفيظ عَلَيْهِم وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبيا لتنذر أم الْقرى وَمن حولهَا وتنذر يَوْم الْجمع لَا ريب فِيهِ فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير (7) ﴾ وَقَوله: ﴿الرَّحِيم﴾ أَي: الرَّحِيم بهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ أَي: من دون الله أَوْلِيَاء.
وَقَوله: ﴿الله حفيظ عَلَيْهِم﴾ أَي: شَاهد لأعمالهم، حَافظ لَهَا؛ ليجازيهم بهَا.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ أَي: بمسلط، وَهَذَا قبل نزُول آيَة السَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿لتنذر أم الْقرى: أى أهل أم الْقرى.
وهى مَكَّة، وَسميت أم الْقرى، لِأَن الأَرْض دحيت من تحتهَا.
وَقَوله: {وَمن حولهَا﴾ أَي: وتنذر أهل من حولهَا.
وَقَوله: ﴿وتنذر يَوْم الْجمع﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي يجْتَمع فِيهِ أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض، وَقيل: يجْتَمع فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ.
وَمَعْنَاهُ: لتنذر بِيَوْم الْجمع.
وَقَوله: ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ أَي: لَا شكّ فِي مَجِيئه.
وَقَوله: ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ روى عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن النَّبِي خرج يَوْمًا وَفِي يَده كِتَابَانِ، ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه: " هَل تَدْرُونَ مَا فيهمَا؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم.
قَالَ للْكتاب الَّذِي فِي يَمِينه: هَذَا كتاب فِيهِ أَسمَاء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِم، قد أجمل على آخِرهم لَا يزْدَاد فيهم وَلَا ينقص، وَقَالَ للْكتاب الَّذِي فِي شِمَاله: هَذَا كتاب فِيهِ أَسمَاء أهل النَّار وَأَسْمَاء آبَائِهِم، قد أجمل على آخِرهم، لَا يُزَاد فِيهَا وَلَا ينقص، قَالُوا: فَفِيمَ نعمل إِذا؟ قَالَ: اعْمَلُوا، فَمن كَانَ من أهل الْجنَّة يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة، وَمن كَانَ من أهل النَّار يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل النَّار، وَإِن عمل
﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلهم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمون مَا لَهُم من ولي وَلَا نصير (8) أم اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء فَالله هُوَ الْوَلِيّ وَهُوَ يحيي الْمَوْتَى وَهُوَ على كل شَيْء قدير (9) وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله ذَلِكُم الله رَبِّي﴾ أَي عمل، ثمَّ قَالَ: فرغ ربكُم من خلقه، فريق فِي الْجنَّة، وفريق فِي السعير ". وَفِي التَّفْسِير: أَنهم يتفرقون فِي الْجنَّة والسعير فَلَا يَجْتَمعُونَ أبدا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلهم أمة وَاحِدَة﴾ أَي: أهل دين وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته﴾ أَي: يدْخل من يَشَاء فِي الْإِسْلَام.
وَقَوله: ﴿والظالمون مَا لَهُم من ولي وَلَا نصير﴾ أَي: ولي يشفع لَهُم، وَولي ينصرهم من الْعَذَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ أَي: بل اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء.
وَقَوله: ﴿فَالله هُوَ الْمولى﴾ أَي: هُوَ الْمُتَوَلِي للأشياء.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ يحيي الْمَوْتَى وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ اسْتدلَّ من منع الْقيَاس فِي الْحَوَادِث بِهَذِهِ الْآيَة، قَالَ: الحكم إِلَى الله لَا إِلَى رأى الرِّجَال، وَكَذَلِكَ كَانَ الْخَوَارِج يَقُولُونَ: لَا حكم إِلَّا لله، وأنكروا الْحكمَيْنِ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسد؛ لِأَن عندنَا من قَالَ بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد فَهُوَ رُجُوع إِلَى الله فِي حكمه، فَإِن أصُول المقايسات هِيَ: الْكتاب، وَالسّنة.
﴿عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب (10) فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير (11) لَهُ مقاليد﴾ وَقَوله: ﴿ذَلِكُم الله رَبِّي عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ أَي: بِهِ وثقت، وَإِلَيْهِ أرجع فِي أموري.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.
قَوْله: ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ أَي: النِّسَاء، وَقيل: " من أَنفسكُم أَزْوَاجًا " أَي: أصنافا، ذُكُورا، وإناثا.
وَقَوله: ﴿وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا﴾ أى: أصنافاً ذُكُورا وإناثاً.
وَقَوله: ﴿يذرؤكم فِيهِ﴾ قَالَ الْفراء: أَي: يكثركم بِهِ، وَقَالَ مُجَاهِد: نَسْلًا من بعد نسل من النَّاس والبهائم إِلَى قيام السَّاعَة.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿يذرؤكم فِيهِ﴾ أَي: يخلقكم فِي هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره.
وَقَوله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ قَالَ ثَعْلَب: لَيْسَ كَهُوَ شَيْء، وَزعم كثير من النَّحْوِيين أَن الْكَاف هَاهُنَا زَائِدَة، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ مثله شَيْء، وَزعم بَعضهم: أَن لُغَة تهَامَة أَنهم يَقُولُونَ: أَنا كمثلك أَو أَنْت كمثلي أَي: أَنْت مثلي وَأَنا مثلك.
وَقَالَ أهل الْمعَانِي: وَلَا يَسْتَقِيم قَول من يَقُول: لَيْسَ كمثله شَيْء أى: لَيْسَ كمثله مثل؛ لِأَن فِي هَذَا (إِثْبَات) الْمثل، وَالله تَعَالَى لَا يُوصف بِالْمثلِ، جلّ وَتَعَالَى عَن ذَلِك.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وأنشدوا على القَوْل الأول:
(سعد بن زيد إِذا أَبْصرت فَضلهمْ ... مَا إِن كمثلهم فِي النَّاس من أحد)
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فِي المقاليد قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا فارسية، وَهِي الأكاليد وَاحِدهَا إكليد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَح أَنَّهَا عَرَبِيَّة، قَالَ الشَّاعِر فِي المقاليد:
﴿السَّمَوَات وَالْأَرْض يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر إِنَّه بِكُل شَيْء عليم (12) شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى﴾
(فَتى لَو تنادى الشَّمْس أَلْقَت قناعها ... أَو الْقَمَر الساري لألقي المقالد)
وَاخْتلف القَوْل فِي معنى المقاليد، قَالَ بَعضهم: مقاليد السَّمَوَات هِيَ الأمطار، ومقاليد الأَرْض هِيَ أَنْوَاع النَّبَات.
وَقيل: مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض هِيَ الْعُيُون فِيهَا.
وَقيل: مَا يحدثه بمشيئته.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ فِي مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض: " لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، وَسُبْحَان الله وَبِحَمْدِهِ، واستغفر الله، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، هُوَ الأول وَالْآخر، وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن، بِيَدِهِ الْخَيْر يحيي وَيُمِيت، وَهُوَ على كل شَيْء قدير، فَمن قَالَهَا عصم من إِبْلِيس وَجُنُوده ".
وَقَوله: ﴿يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ أَي: يُوسع الرزق على من يَشَاء، ويضيق على من يَشَاء.
وَقَوله: ﴿إِنَّه بِكُل شَيْء عليم﴾ أَي: عَالم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿شرع لكم من الدّين﴾ أَي: بَين لكم من الدّين، وَالشَّرْع هُوَ الْبَيَان، وَيُقَال: أظهر لكم وأمركم.
وَقَوله: ﴿مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ أَي: أَمر بِهِ نوحًا، وَيُقَال: إِن نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام أول من جَاءَ بِتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات وَالْبَنَات.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ أَي: وَشرع الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك.
وَقَوله: ﴿وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى﴾ أَي: وَمَا أمرنَا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى.
وَقَوله: ﴿أَن أقِيمُوا الدّين﴾ أَي: اثبتوا على التَّوْحِيد، وَقيل: أقِيمُوا الدّين أَي: اسْتَقِيمُوا على الدّين.
وَيُقَال: أقِيمُوا الدّين هُوَ فعل الطَّاعَات وامتثال الْأَوَامِر.