طه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي جزيتهم الْيَوْم بِمَا صَبَرُوا أَنهم هم الفائزون﴾ أَي: بصبرهم ﴿أَنهم هم الفائزون﴾ أَي: الناجون.
﴿حَتَّى أنسوكم ذكري وكنتم مِنْهُم تضحكون (110) إِنِّي جزيتهم الْيَوْم بِمَا صَبَرُوا أَنهم هم الفائزون (111) قَالَ كم لبثتم فِي الأَرْض عدد سِنِين (112) قَالُوا لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم فاسأل العادين (113) قَالَ إِن لبثتم إِلَّا قَلِيلا لَو أَنكُمْ كُنْتُم تعلمُونَ (114) أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون (115) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كم لبثتم فِي الأَرْض عدد سِنِين﴾ . يَعْنِي: قَالَ الله تَعَالَى للْكفَّار: ﴿كم لبثتم فِي الأَرْض عدد سِنِين﴾ (أَي: فِي الدُّنْيَا، وَيُقَال: فِي الْقُبُور، وقرىء: " قل كم لبثتم فِي الأَرْض عدد سِنِين ") وَمَعْنَاهُ: قل يَا أَيهَا الْكَافِر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم﴾ إِنَّمَا ذكرُوا يَوْمًا أَو بعض يَوْم؛ لأَنهم نسوا عدد مَا لَبِثُوا من هول مَا يلقاهم يَوْم الْقِيَامَة، فَإِن قَالَ قَائِل: هَذِه الْآيَة تدل على أَن عَذَاب الْقَبْر لَيْسَ بِثَابِت للْكفَّار؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ ثَابتا لم يَقُولُوا: لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه ذهب عَن قُلُوبهم عَذَاب الْقَبْر من هول مَا يلقاهم يَوْم الْقِيَامَة، وَالثَّانِي: أَن الله تَعَالَى يرفع الْعَذَاب عَن أهل الْقُبُور بَين النفختين، فينسون عَذَاب الْقَبْر، ويستريحون، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم لهَذَا.
وَقَوله: ﴿فاسأل العادين﴾ أَي: الْمَلَائِكَة الَّذين يعْرفُونَ عدد مَا لَبِثُوا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن لبثتم إِلَّا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: مَا لبثتم إِلَّا قَلِيلا ﴿لَو أَنكُمْ كُنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي: لَو تعلمُونَ عدد مَا لبثتم، وَإِنَّمَا ذكر قَلِيلا؛ لِأَن الْوَاحِد من أهل الدُّنْيَا وَإِن لبث فِي الدُّنْيَا سِنِين كَثِيرَة، فَإِنَّهُ يكون قَلِيلا فِي جنب مَا يلبث فِي الْآخِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ أَي: لتلعبوا أَو تعبثوا، وَقد سمى الله تَعَالَى جَمِيع الدُّنْيَا لعبا ولهوا فَقَالَ: ﴿اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو﴾ فالآية تدل على أَن الْآدَمِيّ لم يخلق لطلب الدُّنْيَا والاشتغال بهَا، وَإِنَّمَا خلق ليعبد الله وَيقوم بأوامره، وَعَن بَعضهم قَالَ: ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله
﴿فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم (116) وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ (117) وَقل رب﴾ تَعَالَى: ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يهمل أمره وَقَالَ بَعضهم: خلق (لهلاك) الْأَبَد أَو لملك الْأَبَد.
وَقَوله: ﴿وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم﴾ أَي: الْمُرْتَفع، وَقيل: الْحسن، وَقد بَينا معنى ﴿تَعَالَى﴾ من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ﴾ أَي: لَا بَيِّنَة وَلَا حجَّة لَهُ بِهِ، قَالَ أهل الْعلم: لَا حجَّة لأحد فِي دَعْوَى الشّرك، وَإِنَّمَا الْحجَّة عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه﴾ هَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِن علينا حسابهم﴾ ، وَرُوِيَ " أَن أَعْرَابِيًا أَتَى النَّبِي وَقَالَ: وَمن يحاسبنا يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالَ: الله.
قَالَ: نجونا وَرب الْكَعْبَة، إِن الْكَرِيم إِذا قدر غفر " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ أَي: لَا يسْعد وَلَا يفوز.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل رب اغْفِر وَارْحَمْ وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ﴾ ﴿اغْفِر﴾ اسْتُرْ ﴿وَارْحَمْ﴾ اعطف، والغفور: الستور، والرحيم هُوَ العطوف.
﴿اغْفِر وَارْحَمْ وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ (118) ﴾ قَوْله: ﴿وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ﴾ . أَي: خير من رحم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿سُورَة أنزلناها وفرضناها﴾ تَفْسِير سُورَة النُّور
وَهِي مَدَنِيَّة، وروى الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِيمَا خرجه من الزِّيَادَة على الصَّحِيحَيْنِ بِرِوَايَة شُعَيْب بن إِسْحَق، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي قَالَ فِي النِّسَاء: " لَا تسكنوهن الغرف، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة، وعلموهن الْغَزل وَسورَة النُّور ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿سُورَة أنزلناها﴾ وَقِرَاءَة الْأَعْرَج وَمُجاهد " سُورَة أنزلناها "، وَالسورَة: مَجْمُوع آيَات مِمَّا أنزل الله تَعَالَى مَعْلُوم الِابْتِدَاء والانتهاء، وَإِنَّمَا رفع سُورَة؛ لِأَن مَعْنَاهَا: هَذِه سُورَة، وَقَوله: " سُورَة " بِالنّصب فتقديره أنزلنَا سُورَة.
وَقَوله: ﴿وفرضناها﴾ قرىء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، أما بِالتَّخْفِيفِ فَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَان: أَحدهمَا: ألزمناكم الْعَمَل بِمَا فرض فِيهَا، وَالْآخر: فرضناها أَي: قَدرنَا مَا فِيهَا من الْحُدُود، وَالْفَرْض هُوَ التَّقْدِير، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ أَي: مَا قدرتم، وَأما بِالتَّشْدِيدِ فَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَان:
أَحدهمَا: فَرضنَا فرائضها، وشدد لما فِيهَا من الْكَثْرَة.
وَالْوَجْه الثَّانِي: فرضناها أَي: بيناها وفصلناها.
قَالَ مُجَاهِد: هُوَ الْأَمر بالحلال وَالنَّهْي عَن الْحَرَام.
﴿وأنزلنا فِيهَا آيَات بَيِّنَات لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (1) الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾
وَقَوله: ﴿وأنزلنا فِيهَا آيَات بَيِّنَات﴾ أَي: دلالات واضحات.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ أَي: تتعظون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ قَالَ أهل الْعلم: إِنَّمَا بَدَأَ بِالْمَرْأَةِ، لِأَن رقة الْقلب عَلَيْهِنَّ أَكثر، فَبَدَأَ بِهن لِئَلَّا يتْرك إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا، وَيكون أمرهَا لَهُم، وَمِنْهُم من قَالَ: لِأَن الشَّهْوَة فِيهِنَّ أَكثر، وَالزِّنَا نتيجة الشَّهْوَة، وَبَدَأَ فِي حد السّرقَة بِالرجلِ؛ لِأَن الْقُوَّة والجراءة فِي الرِّجَال أَكثر، وَالسَّرِقَة نتيجة الْقُوَّة والجراءة، وَهَذَا قَول حسن.
وَقَوله: ﴿فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ الْجلد: ضرب الْجلد، يُقَال: جلدته إِذا ضربت جلده، وبطنته إِذا ضربت بَطْنه، وظهرته إِذا ضربت ظَهره، وَفِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْآيَة عَامَّة فِي الْأَبْكَار وَالثَّيِّب، فتجلد الثّيّب مَعَ الرَّجْم.
رُوِيَ عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - " أَنه جلد شراحة الهمدانية يَوْم الْخَمِيس مائَة، ورجمها يَوْم الْجُمُعَة، وَقَالَ: جلدتها بِكِتَاب الله، ورجمتها بِسنة رَسُول الله ".
وَأما قَول عَامَّة الْعلمَاء فَهُوَ: أَن الْآيَة مَخْصُوصَة للأبكار، وَأَن الثّيّب يرْجم وَلَا يجلد، وَاتفقَ أهل الْعلم أَن هَذِه الْآيَة ناسخة؛ لِأَن الْمَذْكُورَة فِي الْإِمْسَاك فِي سُورَة النِّسَاء.
وَقد رُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي نزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَنحن عِنْده، وَكَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي تغير وَجهه، وصرفنا أبصارنا عَنهُ، فَلَمَّا سرى عَنهُ قَالَ: " لِتَأْخُذُوا عني فَقُلْنَا: نعم يَا رَسُول الله، فَقَالَ: قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا، الثّيّب بِالثَّيِّبِ الرَّجْم، وَالْبكْر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام ".
﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ (2) ﴾
وَذكر النقاش أَن فِي حرف أبي بن كَعْب فِي سُورَة الْأَحْزَاب، " الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم ".
وَكَانَ عمر - رَضِي الله عَنهُ - قد هم أَن يكْتب هَذَا على حَاشِيَة الْمُصحف ثمَّ ترك لِئَلَّا يلْحق بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ وقرىء: " رافة " بِغَيْر همز، وقرىء فِي الشاذ: " رآفة " يَعْنِي: رَحْمَة.
وَاعْلَم أَن الرَّحْمَة والرأفة معنى فِي الْقلب لَا ينْهَى عَنهُ؛ لِأَنَّهُ يُوجد فِي الْقلب من غير اخْتِيَار إِنْسَان، وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: اسْتِعْمَال الرَّحْمَة فِي (تَعْطِيل الْحَد) وتخفيفه.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر أَنه ضرب أمة لَهُ الْحَد، وَكَانَت قد زنت، فَجعل يضْرب رجلهَا وظهرها، فَقَالَ لَهُ سَالم ابْنه: ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ فَقَالَ: يَا بني: إِن الله لم يَأْمُرنِي بقتلها، وَلَا بِضَرْب رَأسهَا، وَقد ضربت فأوجعت.
وَقد قَالَ أهل الْعلم: يجْتَهد فِي جلدَة الزَّانِي مَا لَا يجْتَهد فِي جلدَة شَارِب الْخمر لنَصّ الْكتاب.
(وَقَوله: ﴿فِي دين الله﴾ أَي: فِي حكم الله) .
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَحَقِيقَة مَعْنَاهُ: أَن الْمُؤمن لَا تَأْخُذهُ رَحْمَة ورقة إِذا جَاءَ أَمر الرب.
وَقَوله: ﴿وليشهد عَذَابهَا طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَاحِد فَمَا فَوْقه.
وَعَن عَطاء: رجل إِلَى ألف رجل.
وَعَن سعيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة: رجلَانِ.
وَعَن الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة: ثَلَاثَة نفر.
وَقَالَ مَالك: أَرْبَعَة نفر، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَجَمَاعَة من أهل الْعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة﴾ فِي الْآيَة أَقْوَال: أَحدهمَا: أَن
﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم﴾ الْآيَة نزلت فِي امْرَأَة تسمى أم مهزول، وَكَانَت بغية، وَإِذا تزوجت بِرَجُل شرطت عَلَيْهِ أَن تنْفق عَلَيْهِ، فَأَرَادَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله أَن يتَزَوَّج بهَا، فَسَأَلَ النَّبِي [] ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة﴾ وَيُقَال: إِن اسْم الْمَرْأَة كَانَ عنَاق.
وَهَذَا قَول عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيرهمَا: " كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَغَايَا على أبوابهن رايات يعرفن بهَا، وَكن مخاصيب الرِّجَال، فَلَمَّا هَاجر أَصْحَاب رَسُول الله إِلَى الْمَدِينَة أَرَادَ نَاس من فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَن يتزوجوا بِهن لينفقن عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: معنى الْآيَة: " الزَّانِي المجلود لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة مجلودة، والزانية المجلودة لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان مجلود وَفِي بعض المسانيد: روى هَذَا القَوْل عَن النَّبِي بطرِيق أبي هُرَيْرَة.
وَالْقَوْل الرَّابِع: رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة الْوَالِبِي، عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى الْآيَة: الزَّانِي لَا يَزْنِي إِلَّا بزانية، وَمعنى النِّكَاح [هُوَ الْوَطْء] ، قَالَ الزّجاج: وَهَذَا القَوْل ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يرد فِي الْقُرْآن ذكر النِّكَاح بِمَعْنى الْوَطْء.
وَالْقَوْل الْخَامِس - وَهُوَ أحسن الْأَقَاوِيل - قَول سعيد بن الْمسيب: أَن الْآيَة مَنْسُوخَة، وَقد كَانَ فِي حكم الْإِسْلَام لَا يجوز أَن يتَزَوَّج الزَّانِي بالمزني بهَا.
قَالَ عبد الله بن مَسْعُود.
إِذا تزوج الزَّانِي بالزانية فهما زانيان أبدا.
قَالَ سعيد بن الْمسيب: ثمَّ نسخ هَذَا بقوله تَعَالَى: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ والزانية أيم، فَيجوز التَّزَوُّج بهَا للزاني وَغَيره، وَالدَّلِيل على أَن الحكم الْآن هَذَا، مَا رُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ - أَنه كَانَ جَالِسا فِي الْمَسْجِد وَعِنْده عمر، فجَاء رجل وَقد دهش، وَكَانَ بِهِ لوث، فَقَالَ أَبُو بكر: قد جَاءَ هَذَا لأمر، سَله يَا عمر، فَقَالَ لَهُ عمر: مَا شَأْنك؟ فَذكر أَنه جَاءَهُ ضيف، وَأَن الضَّيْف زنى بابنته، فَقَالَ لَهُ عمر: قبحك الله، ودق على صَدره، وَقَالَ: هلا سترت على ابْنَتك، ثمَّ دَعَا بِالرجلِ وَالْمَرْأَة، فَأمر أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - أَن يجلد الْجلد، (ثمَّ زوج الْمَرْأَة من الرجل) وَذكر أَبُو عبيد - رَحمَه الله - أَنه يكره للرجل أَن يتَزَوَّج بالفاجرة، وَإِن فجرت امْرَأَته اسْتحبَّ لَهُ طَلاقهَا، قَالَ: وَأما الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي " أَن رجلا أَتَاهُ وَقَالَ: إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس، فَقَالَ: طَلقهَا فَقَالَ: إِنِّي أحبها.
قَالَ: استمتع بهَا.
قَالَ أَبُو [عبيد] هَذَا الْخَبَر نقل
﴿ذَلِك على الْمُؤمنِينَ (3) وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم﴾ بروايتين كل وَاحِد مِنْهُمَا مُرْسل، فَلَيْسَ يثبت هَذَا عَن النَّبِي وَلَئِن يثبت فَيحْتَمل أَن قَوْله: " إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس " تنْفق مَا وَقع بِيَدِهَا وَتُعْطِي، وَكَأَنَّهُ شكا مِنْهَا الْخرق وتضييع مَاله، وَلَيْسَ المُرَاد هُوَ أَنَّهَا تَزني، فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يذكر ذَلِك عِنْد النَّبِي، ثمَّ يَأْمُرهُ بإمساكها.
وَقَوله: ﴿وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا أَن ذَلِك مَنْسُوخ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ وَالْمُحصنَات هن اللواتي أحصن أَنْفسهنَّ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ أَي: على زناهن، وَالْمرَاد من الرَّمْي الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ الْقَذْف بِالزِّنَا.
وَقَوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ أَي: اضربوهم ثَمَانِينَ سَوْطًا.
وَقَوله: ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ اخْتلف السّلف فِي هَذَا، فَروِيَ عَن شُرَيْح وَالْحسن وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَجَمَاعَة أَنهم قَالُوا: شَهَادَة الْقَاذِف لَا تقبل أبدا إِذا حد وَإِن تَابَ، وَهَذَا قَول أهل الْعرَاق.
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَجَمَاعَة: أَنه إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته، وَهَذَا قَول أهل الْحجاز.
وَقَالَ الشّعبِيّ: يقبل الله تَوْبَته، وَلَا تقبلون شَهَادَته؟ ! وَحكى سعيد بن الْمسيب أَن عمر قَالَ لأبي بكرَة: تب تقبل شهادتك، فَلم يتب، وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فَمن قَالَ: إِن شَهَادَة الْقَاذِف
﴿الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم (5) وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم فشهادة أحدهم أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الصَّادِقين (6) ﴾ تقبل بعد التَّوْبَة ذهب إِلَى أَن
قَوْله: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ ينْصَرف إِلَى الْكل سوى الْحَد، وَعَن الشّعبِيّ: أَن الْحَد يسْقط أَيْضا بِالتَّوْبَةِ، وَأما من ذهب إِلَى أَن شَهَادَة الْقَاذِف لَا تقبل بعد التَّوْبَة قَالَ: إِن قَوْله: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ ينْصَرف إِلَى قَوْله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ فَإِن قيل: إِذا قبلتم شَهَادَة الْقَاذِف بعد التَّوْبَة، فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿أبدا﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ الزّجاج فِي كِتَابه: أَبَد كل إِنْسَان مدَّته على مَا يَلِيق بِقِصَّتِهِ، فَإِذا قيل: لَا تقبل شَهَادَة الْكَافِر أبدا يُرَاد بِهِ مادام كَافِرًا، وَإِذا قيل: لَا تقبل شَهَادَة الْقَاذِف أبدا يُرَاد بِهِ مادام قَاذِفا، وَأما تَوْبَة الْقَاذِف فبإكذابه نَفسه، وَيُقَال: بندامته على مَا وجد مِنْهُ.
قَوْله: ﴿وَأَصْلحُوا﴾ أَي: استقاموا على التَّوْبَة.
وَقَوله: ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ قد بَينا من قبل.
قَوْله: ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ . يَعْنِي: يقذفون نِسَاءَهُمْ بِالزِّنَا.
وَقَوله: ﴿وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم﴾ أَي: غير أنفسهم.
وَقَوله: ﴿فشهادة أحدهم أَربع﴾ بِالرَّفْع، وقرىء بِالنّصب " أَربع "، فَأَما بِالرَّفْع فتقديره: فشهادة أحدهم الَّتِي تدرأ الْحَد أَربع، فَيكون رفعا على خبر الِابْتِدَاء، وَأما بِالنّصب فتقديره: فشهادة أحدهم أَن يشْهد أَربع.
وَقَوله: ﴿شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الصَّادِقين﴾ يَعْنِي: فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ﴾ وقرىء: " أَن لعنة الله عَلَيْهِ " بِسُكُون
﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنت الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين (7) ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين (8) وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين (9) ﴾ النُّون، وَمَعْنَاهُ: أَنه لعنة الله عَلَيْهِ، وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شعرًا:
(فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا ... أَن هَالك كل من يخفى وينتعل)
يَعْنِي: أَنه هَالك.
وَقَوله: ﴿إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ يَعْنِي: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ فِي الْعَذَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْحَد، وَالْآخر: أَنه الْحَبْس، وَتَأْويل الْحَد أظهر؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: الْحَد.
وَقَوله: ﴿أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين﴾ يَعْنِي: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ وقرىء: " أَن غضب الله عَلَيْهَا "، وقرىء: " أَن غضب الله عَلَيْهَا " بِكَسْر الضَّاد فَقَوله: ﴿أَن غضب الله عَلَيْهَا﴾ هَذَا فعل، وَقَوله: ﴿أَن غضب الله عَلَيْهَا﴾ اسْم، وَقَوله: {أَن
غضب الله) هُوَ (فعل) أَيْضا، يَعْنِي: أَنه غضب الله.
وَقَوله: ﴿إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ أَي: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا، وَسبب نزُول الْآيَة، مَا روى ابْن عَبَّاس " أَن هِلَال بن أُميَّة قذف امْرَأَته بِشريك بن سَحْمَاء عِنْد النَّبِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: الْبَيِّنَة، (وَإِلَّا) فحد فِي ظهرك فَقَالَ هِلَال: يَا رَسُول الله، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِنِّي لصَادِق، وسينزل الله مَا يبرىء ظَهْري من الْحَد، فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَدَعَا رَسُول الله هلالا وَامْرَأَته، ولاعن بَينهمَا، فَبَدَأَ هِلَال، والتعن أَربع مَرَّات، فَلَمَّا بلغ الْخَامِسَة قَالَ لَهُ النَّبِي: أمسك فَإِنَّهَا مُوجبَة.
فَقَالَ هِلَال إِن الله يعلم أَنِّي صَادِق وَشهد بالخامسة، ثمَّ قَامَت الْمَرْأَة فالتعنت أَربع مَرَّات، فَلَمَّا بلغت الْخَامِسَة قَالَ لَهَا النَّبِي: أمسكي فَإِنَّهَا مُوجبَة.
قَالَ ابْن عَبَّاس: فتلكت تلكؤا سَاعَة، حَتَّى ظننا أَنَّهَا سترجع ثمَّ قَالَت: لَا أفضح قومِي الْيَوْم، وَشهِدت بالخامسة، فَقَالَ النَّبِي: " إِن جَاءَت بِالْوَلَدِ أكحل الْعَينَيْنِ سابغ الأليتين خَدلج السَّاقَيْن، فَهُوَ لِشَرِيك بن سَحْمَاء، فَجَاءَت بِهِ على هَذَا النَّعْت، فَقَالَ النَّبِي: " لَوْلَا الْأَيْمَان لَكَانَ لي وَلها شَأْن ". وَالْخَبَر صَحِيح.
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِد لَيْلَة جُمُعَة، ومعنا رجل فَخرج منا وَدخل بَيته، فَوجدَ مَعَ امْرَأَته رجلا، فجَاء إِلَى النَّبِي، وشكا إِلَيْهِ فَقَالَ: عَلَيْك بالشهود فَقَالَ: وأنى لي بالشهود؟ فَقَالَ: قد حرت فِي هَذَا الْأَمر، فَإِن الرجل إِن قتل قَتَلْتُمُوهُ، وَإِن تكلم حددتموه، وَإِن سكت سكت على
﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله تواب حَكِيم (10) إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ غيظ، اللَّهُمَّ فاحكم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَات ". وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: أَنه لما أنزل الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بِأَرْبَع شُهَدَاء ... الْآيَة﴾ قَالَ [سعد] بن عبَادَة: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت أَنِّي وجدت لكاعا (يتفخذ) رجل، فَلَا أهيجه وَلَا أحركه حَتَّى آتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء؟ فَإلَى أَن آتِي بِالشُّهَدَاءِ قد قضى الرجل حَاجته، فَقَالَ النَّبِي: " انْظُرُوا يَا معشر الْأَنْصَار مَا يَقُول سيدكم "، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّه لرجل غيور، وَإنَّهُ مَا تزوج امْرَأَة قطّ إِلَّا عذراء، وَمَا طلق امْرَأَة فَأحب أحد منا أَن يَتَزَوَّجهَا، فَقَالَ سعد: إِنِّي أعلم أَن مَا أنزل الله حق، وَلَكِنِّي تعجبت، فَأنْزل الله تَعَالَى آيَة اللّعان " على مَا بَينا.
وَفِي الْبَاب أَخْبَار كَثِيرَة، وَفِيه حَدِيث عَاصِم بن عدي [وعويمر] الْعجْلَاني وَغَيرهمَا، وَذَلِكَ مَذْكُور فِي كتب الحَدِيث.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله تواب رَحِيم﴾ . جَوَاب الْآيَة مَحْذُوف، وَمثله قَول الرجل إِذا شَتمه إِنْسَان: أَيهَا الرجل لَوْلَا كَذَا أَي: لَوْلَا كَذَا لشتمتك، فعلى هَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم
وَرَحمته) لنال الْكَاذِب مِنْكُمَا الْعَذَاب فِي الْحَال، وَمِنْهُم من قَالَ: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ بِتَأْخِير الْعَذَاب وإمهاله لعجل عَذَابه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ هَذِه الْآيَات فِي قصَّة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - وَكَانَ سَبَب نُزُولهَا مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة وَسَعِيد بن الْمسيب وعلقمة بن وَقاص وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة كلهم عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَت: " كَانَ رَسُول الله إِذا خرج إِلَى سفر أَقرع بَين نِسَائِهِ، فَخرج إِلَى غَزْوَة غَزَاهَا، وأقرع بَين نِسَائِهِ، فَخرجت قرعتي " وَفِي رِوَايَة: أَن الْغَزْوَة كَانَت غَزْوَة مريسيع، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن الْغَزْوَة كَانَت غَزْوَة بني المصطلق، وَقَالَت: فَلَمَّا رَجعْنَا قبل الْمَدِينَة عرس رَسُول الله لَيْلَة، ثمَّ إِنَّهُم آذنوا بالرحيل، فَخرجت لحاجتي فَلَمَّا قضيت شأني رجعت فَالْتمست صَدْرِي، فَوجدت عقدا لي من جزع ظفار سقط، فَرَجَعت، وَجَاء الْقَوْم الَّذين يرحلون هودجي، وَوَضَعُوا الهودج على الْبَعِير، وظنوا أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاء إِذْ ذَاك خفافا، فَإِنَّمَا يأكلن الْعلقَة من الطَّعَام، فَرَجَعت وَقد مر الْجَيْش، فَلَا دَاع وَلَا مُجيب، وَكَانَ صَفْوَان بن الْمُعَطل السّلمِيّ كَانَ تَأَخّر عَن الْجَيْش، وَفِي رِوَايَة: أَنه كَانَ يعْتَاد التَّأَخُّر، حَتَّى إِن كَانَ سقط من أحد شَيْء، أَو ترك إِنْسَان شَيْئا يَأْخُذهُ، وَيَردهُ عَلَيْهِ، فجَاء ورائي، فَاسْتَرْجع وَمَا كلمني بِكَلِمَة وَقد استدلت جلبابي، فَأَنَاخَ بعيره ووطأه لي حَتَّى ركبته، وَجَاء يقودني حَتَّى لحقنا بالجيش، وَقد نزلُوا موغرين فِي حر الظهيرة، قَالَت: فَلَمَّا وصلنا إِلَى الْجَيْش تكلم النَّاس، وَهلك من هلك " الْخَبَر بِطُولِهِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني، أخبرنَا
جدي أَبُو الْهَيْثَم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفربرِي [أخبرنَا] مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أخبرنَا أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي عَن فليح بن سُلَيْمَان، عَن الزُّهْرِيّ ... الْخَبَر.
ويروى أَنه ... تلبث الْوَحْي [سَبْعَة] وَثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن عَائِشَة اشتكت واستأذنت رَسُول الله، وَرجعت إِلَى بَيت أَبِيهَا، وَكَانَ رَسُول الله يدْخل قبل رُجُوعهَا إِلَى بَيت أَبِيهَا، وَهِي مشتكية، فَيَقُول: " كَيفَ تيكم؟ " ثمَّ لما رجعت إِلَى بَيت أَبِيهَا عرفت الْخَبَر من قبل أم مسطح فازدادت وبقا، وَجعلت تبْكي، وَلَا يرقأ لَهَا دمع، حَتَّى كَاد الْبكاء يصدع قَلبهَا، وَذكرت لذَلِك لأمها، فَقَالَت لَهَا أمهَا: هوني عَلَيْك فقلما تكون امْرَأَة وضيئة عِنْد رجل، وَلها ضرائر إِلَّا تكلمُوا فِيهَا.
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن النَّبِي دَعَا عليا وَأُسَامَة بن زيد، واستشارهما، فَأَما عَليّ فَقَالَ يَا رَسُول الله، إِن فِي النِّسَاء كَثْرَة، وَأما أُسَامَة فَقَالَ: لَا أعلم مِنْهَا إِلَّا خيرا، وسل الْجَارِيَة - يَعْنِي: بَرِيرَة - فَسَأَلَ بَرِيرَة فَقَالَت: لَا أعلم مِنْهَا إِلَّا أَنَّهَا جَارِيَة حَدِيثَة السن تعجن، فَتدخل الدَّاجِن فتأكل عَجِينهَا.
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن النَّبِي جَاءَ إِلَى بَيت أبي بكر - رَضِي الله عَنهُ - بعد أَن مَضَت الْمدَّة الَّتِي ذَكرنَاهَا، فَقَالَ: " يَا عَائِشَة، إِن كنت أَلممْت بذنب فتوبي إِلَى الله، فَإِن الله يقبل التَّوْبَة: قَالَت: فقلص دمعي حَتَّى مَا أجد مِنْهُ قَطْرَة، ثمَّ قلت: إِن قلت أَنِّي فعلت، وَالله يعلم أَنِّي مَا فعلت ليصدقنني، وَإِن قلت: لم أفعل، وَالله يعلم أَنِّي لم أفعل ليكذبنني، وَمَا أعرف مثلي ومثلكم إِلَّا مَا قَالَ أَبُو يُوسُف، ونسيت اسْمه ﴿فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ ثمَّ تنحيت، فَأخذ رَسُول الله [] الْوَحْي، قَالَت: وَكنت أَحْقَر فِي نَفسِي أَن أَظن أَن الله ينزل فِي قُرْآنًا يُتْلَى،
﴿لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم لكل امرىء مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم (11) ﴾ وَلَكِنِّي كنت أَظن أَنه يرى رُؤْيا، فَلَمَّا تغشاه الْوَحْي لم أفزع لما علمت أَنِّي بريئة، وَالله يعلم ذَلِك ".
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن أَبَوي كَادَت نفسهما تخرج خوفًا، فَلَمَّا سرى عَن رَسُول الله قَالَ: " أَبْشِرِي يَا عَائِشَة قد أنزل الله تَعَالَى براءتك، وتلا الْآيَات: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ فَقَالَ لي أبي: قومِي إِلَى رَسُول الله، وَقَالَت أُمِّي: قومِي إِلَى رَسُول الله، فَقلت: لَا أقوم وَلَا أَحْمد إِلَّا الله، فَإِن الله تَعَالَى أنزل براءتي ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم﴾ الْإِفْك هُوَ أَشد الْكَذِب، وَإِنَّمَا سمي إفكا لِأَنَّهُ مَصْرُوف عَن الْحق.
وَقَوله: ﴿عصبَة مِنْكُم هَؤُلَاءِ الْعصبَة هم: عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أَثَاثَة ابْن خَالَة أبي بكر، وَحسان بن ثَابت، وَحمْنَة بنت جحش زَوْجَة طَلْحَة بن عبد الله أُخْت زَيْنَب، وَنَفر آخَرُونَ، والعصبة الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا.
وَقَوله: {لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم﴾ هَذَا خطاب لعَائِشَة وَصَفوَان بن معطل فَإِنَّهُم قذفوهما جَمِيعًا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ خطاب لعَائِشَة ولأبويها وَالنَّبِيّ وَصَفوَان، وَمعنى الْآيَة: لَا تحسبوه شرا لكم، يَعْنِي: هَذَا الْإِفْك هُوَ خير لكم لأجل الثَّوَاب، وَمَا ادخر الله لَهُم من ذَلِك.
وَقَوله: ﴿لكل امرىء مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم﴾ أَي: من الْإِثْم بِقدر مَا اكْتسب.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي تولى كبره﴾ . وقرىء: " كبره "، وَقَرَأَ الْأَعْرَج: " كُبره ". فَقَوله: ﴿كبره﴾ أَي: إثمه.
وَقَوله: " كُبره ". أَي: معظمه، قَالَ الشَّاعِر:
﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾
(تنام عَن كبر شَأْنهَا فَإِذا ... قَامَت [رويدا] تكَاد تنغرف)
وَأما الَّذِي تولى كبره فالأكثرون أَنه عبد الله بن أبي بن سلول، وَأما الْعَذَاب الْعَظِيم فَهُوَ النَّار فِي الْآخِرَة.
وَقد روى مَسْرُوق أَن حسان بن ثَابت اسْتَأْذن على عَائِشَة فَأَذنت لَهُ، فَقَالَ مَسْرُوق: أَتَأْذَنِينَ لَهُ، وَقد قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَت: قد أَصَابَهُ الْعَذَاب الْعَظِيم، وَكَانَ قد عمى، وَقد تَابَ حسان من تِلْكَ الْمقَالة ومدح عَائِشَة فَقَالَ:
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل)
( [فَإِن كَانَ مَا بلغت أَنِّي قلته] ... فَلَا رفعت سَوْطِي إِلَى أناملي)
وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه أنكر الْكبر وَقَالَ: إِنَّمَا الْكبر فِي الْوَلَاء وَالنّسب.
وَقد ذكر غَيره أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَحِيح، وَقد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا﴾ أَي: بِمن هُوَ مثل أنفسهم، وَهُوَ مثل قَول النَّبِي: " الْمُؤْمِنُونَ كَنَفس وَاحِدَة "، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ أَي: لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا، وَيُقَال: إِن معنى ظن هَاهُنَا أَيقَن.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين﴾ أَي: كذب ظَاهر.
﴿لمسكم فِي مَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم (14) إِذْ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم مَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم (15) وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم (16) ﴾
قَوْله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ أَي: على مَا زَعَمُوا.
وَقَوله: ﴿فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يصيرون عِنْد الله كاذبين إِذا لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ، (وَمن كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَاذِب عِنْد الله سَوَاء أَتَى بِالشُّهَدَاءِ) ، أَو لم يَأْتِ بهم؟ الْجَواب: قُلْنَا: قَالَ بَعضهم: ﴿عِنْد الله﴾ أَي: فِي حكم الله، وَقَالَ بَعضهم: ﴿عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ أَي: كذبوهم بِمَا أَمركُم الله، وَالْجَوَاب الثَّالِث: أَن هَذَا فِي حق عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - فَمَعْنَاه: أُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ فِي غيبي وَعلمِي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ أَفَضْتُم أَي: خضتم، وَقَوله: ﴿عَذَاب عَظِيم﴾ أَي: عَذَاب لَا انْقِطَاع لَهُ، هَكَذَا قَالَه ابْن عَبَّاس، وَفسّر بِهَذَا لِأَن الله تَعَالَى قد ذكر أَنه أصَاب الَّذِي تولى كبره عَذَاب عَظِيم، وَكَذَلِكَ الْعَذَاب الْعَظِيم هُوَ فِي الدُّنْيَا، وَقد أَصَابَهُ، فَإِنَّهُ قد جلد وحد، وَأما الْعَذَاب الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ لم يصبهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُصِيبهُ فِي الْآخِرَة.
وروت عمْرَة عَن عَائِشَة: " أَن النَّبِي لما نزلت هَذِه الْآيَات حد أَرْبَعَة نفر: عبد الله بن أبي، وَحسان بن ثَابت، ومسطح بن أَثَاثَة، وَحمْنَة بنت جحش ".