المائدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿ليوسف وَأَخُوهُ أحب إِلَى أَبينَا منا وَنحن عصبَة إِن أَبَانَا لفي ضلال مُبين (8) اقْتُلُوا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ وَفِي بعض الْمَصَاحِف: " عِبْرَة للسائلين "، والآيات: جمع الْآيَة؛ وَالْآيَة: هِيَ الدّلَالَة على أَمر عَظِيم.
وَفِي معنى الْآيَة قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن الْيَهُود سَأَلُوا رَسُول الله عَن قصَّة يُوسُف - عَلَيْهِ [الصَّلَاة] السَّلَام - وَفِي بعض الرِّوَايَات (أَنهم سَأَلُوهُ) عَن سَبَب انْتِقَال ولد يَعْقُوب من كنعنان إِلَى مصر، فَذكر لَهُم قصَّة يُوسُف فوجدوها مُوَافقَة لما فِي التَّوْرَاة؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿آيَات للسائلين﴾ أَي: دلَالَة على نبوة الرَّسُول.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن (نعنى) قَوْله: ﴿آيَات للسائلين﴾ يَعْنِي: أَنَّهَا غبر للمعتبرين فَإِنَّهَا تشْتَمل على ذكر حسد إخْوَة يُوسُف لَهُ وَمَا آل إِلَيْهِ أَمرهم فِي الْحَسَد، وتشتمل على ذكر رُؤْيَاهُ وَمَا حقق الله مِنْهَا، وتشتمل على مَا صَبر يُوسُف عَن قَضَاء الشَّهْوَة، وعَلى الْعُبُودِيَّة فِي السجْن، وَمَا آل إِلَيْهِ أمره من الْملك، وتشتمل أَيْضا على ذكر حزن يَعْقُوب وَمَا آل إِلَيْهِ أمره من الْوُصُول إِلَى المُرَاد، وَذَهَاب الْحزن عَنهُ، وَغير هَذَا مِمَّا يذكر فِي السُّورَة؛ فَهَذِهِ عبر للمعتبرين.
قَوْله: ﴿إِذْ قَالُوا ليوسف وَأَخُوهُ أحب إِلَى أَبينَا منا﴾ الْآيَة، كَانَ يُوسُف وَأَخُوهُ بنيامين من أم وَاحِدَة، وَكَانَ يَعْقُوب شَدِيد الْحبّ ليوسف، وَكَانَ إخْوَة يُوسُف يرَوْنَ مِنْهُ من الْميل إِلَيْهِ مَا لَا [يرونه] لأَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا هَذِه الْمقَالة.
وَقَوله: ﴿وَنحن عصبَة﴾ قَالَ الْفراء: الْعصبَة هِيَ: الْعشْرَة فَمَا زَادَت.
(قَالَ القتيبي) وَمن الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين.
وَقَالَ غَيرهمَا: " وَنحن عصبَة " أَي: جمَاعَة يتعصب بَعْضنَا لبَعض.
وَقَوله: ﴿إِن أَبَانَا لفي ضلال مُبين﴾ مَعْنَاهُ: إِن أَبَانَا لفي خطأ ظَاهر.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ وصفوا رَسُولا من رسل الله مثل يَعْقُوب بالضلالة؟
الْجَواب عَنهُ: لَيْسَ (الْمَعْنى) من الضلال هَاهُنَا هُوَ الضلال فِي الدّين، وَلَو
﴿يُوسُف أَو اطرحوه أَرضًا يخل لكم وَجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) ﴾ أرادوه صَارُوا كفَّارًا؛ وَإِنَّمَا المُرَاد من الضلال هَاهُنَا: هُوَ الْخَطَأ (فِي تَدْبِير) أَمر الدُّنْيَا، وعنوا بذلك: أَنا أولى بالمحبة فِي تَدْبِير أَمر الدُّنْيَا؛ لأَنا أَنْفَع لَهُ وأكبر من يُوسُف، ونصلح لَهُ أَمر معايشه، وَنرعى لَهُ مواشيه؛ فَهُوَ مخطىء من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُف﴾ الْقَتْل: تخريب البنية على وَجه لَا يَصح مَعهَا وجود الْحَيَاة.
وَقَوله: ﴿أَو اطرحوه أَرضًا﴾ أَي: اطرحوه فِي أَرض تَأْكُله السبَاع، وَقيل: اطرحوه إِلَى أَرض يبعد عَن أَبِيه وَيبعد أَبوهُ عَنهُ.
وَقَوله: ﴿يخل لكم وَجه أبيكم﴾ يَعْنِي: يخلص لكم وَجه أبيكم.
وَقَوله: ﴿وتكونوا من بعده قوما صالحين﴾ يَعْنِي: تُوبُوا بعد أَن فَعلْتُمْ هَذَا، ودوموا على الصّلاح يعف الله عَنْكُم.
وَاسْتدلَّ أهل السّنة بِهَذِهِ الْآيَة على أَن تَوْبَة الْقَاتِل عمدا مَقْبُولَة؛ فَإِن الله تَعَالَى ذكر عزم الْقَتْل [مِنْهُم] وَذكر التَّوْبَة وَلم يُنكر عَلَيْهِم التَّوْبَة بعد الْقَتْل؛ دلّ أَنَّهَا مَقْبُولَة.
قَالَ ابْن إِسْحَاق - يَعْنِي: مُحَمَّد بن إِسْحَاق -: وَقد اشْتَمَل فعلهم على جرائم، مِنْهَا: قطيعة الرَّحِم، وعقوق (الْوَالِد) ، وَقلة الرأفة بالصغير الطريح الَّذِي لَا ذَنْب لَهُ، والغدر بالأمانة، وَترك الْعَهْد بِالْحِفْظِ، وَالْكذب الَّذِي عزموا عَلَيْهِ مَعَ أَبِيهِم يَعْقُوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ عَفا الله عَنْهُم مَعَ هَذَا كُله؛ لِئَلَّا ييأس أحد من رَحمته.
وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّهُم عزموا على قَتله؛ وَلَكِن الله تَعَالَى حَبسهم عَن قَتله رأفة وَرَحْمَة بهم، وَلَو مضوا على قَتله لهلكوا أَجْمَعِينَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن هَذَا كَانَ يهوذا، وَكَانَ أكبرهم
﴿قَالَ قَائِل مِنْهُم لَا تقتلُوا يُوسُف وألقوه فِي غيابة الْجب يلتقطه بعض السيارة إِن كُنْتُم﴾
فِي الْعقل لَا أكبرهم فِي السن.
هَذَا قَول ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَكَانَ ابْن خَالَة يُوسُف.
وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ روبيل.
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: هُوَ شَمْعُون.
وَأَصَح الْأَقْوَال هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿لَا تقتلُوا يُوسُف﴾ أَشَارَ عَلَيْهِم أَن لَا ترتكبوا هَذِه الْكَبِيرَة الْعَظِيمَة.
وَقَوله ﴿وألقوه فِي غيابة الْجب﴾ يَعْنِي: أَسْفَل الْجب، والغيابة: كل مَوضِع ستر عَنْك الشَّيْء (وغيبه) . قَالَ الشَّاعِر:
(بني إِذا مَا غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري فِي الْعَشِيرَة والأهل)
وعنى بالغيابة: الْقَبْر؛ لِأَنَّهُ يغيب الْمَيِّت ويستره.
والجب: هُوَ الْبِئْر الَّتِي لم تطو لِأَنَّهُ قطع قطعا وَلم تطو بعد، والجب: هُوَ الْقطع.
قَوْله: ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ أَي: يجده بعض السيارة، والالتقاط: هُوَ أَخذ الشَّيْء من حَيْثُ لَا يحتسبه، والسيارة: هم المسافرون.
قَوْله: ﴿إِن كُنْتُم فاعلين﴾ يَعْنِي: إِن عزمتم على فعلكم.
وَاخْتلف أهل الْعلم أَنهم كَانُوا بالغين أَو لم يَكُونُوا بالغين حِين عزموا على هَذَا وفعلوا؟
فالأكثرون أَنهم كَانُوا رجَالًا بالغين، إِلَّا أَنهم لم يَكُونُوا أَنْبيَاء بعد، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنهم قَالُوا: وتكونوا من بعده قوما صالحين؛ وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم بعد الْبلُوغ وَيدل (عَلَيْهِ) أَنهم قَالُوا: يَا أَبَانَا اسْتغْفر لنا ذنوبنا إِنَّا كُنَّا خاطئين، وَالصَّغِير لَا ذَنْب لَهُ، دلّ أَنهم كَانُوا رجَالًا.
وَمِنْهُم من قَالَ: كَانُوا صغَارًا.
وَهَذَا القَوْل غير مرضِي.
وَاسْتدلَّ من قَالَ بِهَذَا القَوْل
﴿فاعلين (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَك لَا تأمنا على يُوسُف وَإِنَّا لَهُ لناصحون (11) أرْسلهُ مَعنا غَدا يرتع ويلعب وَإِنَّا لَهُ لحافظون (12) قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ وأخاف﴾ بِأَنَّهُم قَالُوا: " أرْسلهُ مَعنا غَدا نرتع وَنَلْعَب "، واللعب فعل الصغار لَا فعل الْكِبَار.
وَأَجَابُوا عَن هَذَا: أَنهم لم يذكرُوا لعبا حَرَامًا، وَإِنَّمَا عنوا لعبا مُبَاحا.
وَحكي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه سُئِلَ عَن قَوْله: ﴿نلعب﴾ فَقيل لَهُ: كَيفَ قَالُوا: " نلعب " وَقد كَانُوا أَنْبيَاء؟ فَقَالَ: هَذَا قبل أَن نبأهم الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَالك لَا تأمنا على يُوسُف﴾ بدءوا أَولا (بالإنكار) عَلَيْهِ فِي ترك إرْسَاله مَعَهم وَحفظه مَعَ نَفسه من بَينهم، كَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: إِنَّك لَا ترسله مَعنا أتخافنا عَلَيْهِ؟ ! قَوْله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لناصحون﴾ النصح هَاهُنَا: هُوَ الْقيام بمصلحه، وَقيل: إِنَّه الْبر والعطف، وَمَعْنَاهُ: إِنَّا عاطفون عَلَيْهِ، بارون بِهِ، قائمون بمصلحته.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أرْسلهُ مَعنا غَدا نرتع وَنَلْعَب وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ قَوْله: ﴿نرتع﴾ الرتع: هُوَ الاتساع فِي الملاذ فِي طلب وجوهها يَمِينا وَشمَالًا.
وَقيل معنى الْآيَة: نَأْكُل وَنَشْرَب وننشط ونلهو.
وقرىء: " يرتع ويلعب " بِالْيَاءِ، وَهُوَ فِي معنى الأول، إِلَّا أَنه ينْصَرف إِلَى يُوسُف خَاصَّة، وقرىء: " يرتعي " وَهُوَ يفتعل من الرَّعْي، وَمَعْنَاهُ: إِنَّه يرْعَى الْمَاشِيَة كَمَا نرعى.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ﴾ مَعْنَاهُ: إِنِّي ليغمني أَن تذْهبُوا بِهِ؛ والحزن هَاهُنَا: ألم الْقلب بِفِرَاق المحبوب.
وَقَوله: ﴿وأخاف أَن يَأْكُلهُ الذِّئْب﴾ فِي الْقِصَّة: أَن يَعْقُوب صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ رأى فِي الْمَنَام كَأَن ذئبا شدّ على يُوسُف - وَكَانَ يخَاف من ذَلِك - فَقَالَ مَا قَالَ بذلك الْخَوْف.
وَقد قَالَ بَعضهم: إِنَّه أَرَادَ بالذئب إيَّاهُم.
وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء؛ لِأَنَّهُ لَو خافهم عَلَيْهِ لم يَدْفَعهُ إِلَيْهِم، وَمَا كَانَ يجوز لَهُ ذَلِك، وَلِأَنَّهُ معنى متكلف مستكره، فَلَا يجوز أَن يُصَار إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم عَنهُ غافلون﴾
﴿أَن يَأْكُلهُ الذِّئْب وَأَنْتُم عَنهُ غافلون (13) قَالُوا لَئِن أكله الذِّئْب وَنحن عصبَة إِنَّا إِذا لخاسرون (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمعُوا أَن يجْعَلُوا فِي غيابت الْجب وأوحينا إِلَيْهِ﴾ أَي: ساهون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَئِن أكله الذِّئْب وَنحن عصبَة﴾ أَي: جمَاعَة يتقوى بَعْضنَا بِبَعْض.
وَقَوله: ﴿إِنَّا ذَا لخاسرون﴾ يَعْنِي: إِنَّا إِذا لعاجزون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابة الْجب﴾ الْإِجْمَاع: هُوَ الْعَزْم على الشَّيْء، وَالْوَاو هَاهُنَا مقحمة، وَالْمعْنَى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ أَجمعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابة الْجب.
قَالَ الشَّاعِر:
(أَجمعُوا أَمرهم بلَيْل فَلَمَّا ... أَصْبحُوا أَصْبحُوا عَليّ لصوصا)
وَقَوله ﴿ [وَأَجْمعُوا] أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابة الْجب﴾ مَعْنَاهُ: بِأَن يلقوه فِي غيابة الْجب.
وَذكر وهب بن مُنَبّه، وَغَيره أَنهم لما أخذُوا يُوسُف أَخَذُوهُ بغاية الْإِكْرَام وَجعلُوا يحملونه إِلَى أَن أصحروا بِهِ، فَلَمَّا أصحروا بِهِ ألقوه وَجعلُوا يضربونه وَهُوَ يستغيث حَتَّى كَادُوا يقتلونه، ثمَّ إِن يهوذا مَنعهم مِنْهُ.
وَذكروا أَنه كَانَ من أَبنَاء [اثنتى عشرَة] سنة.
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنه كَانَ ابْن سِتّ سِنِين.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنه كَانَ ابْن سبع عشرَة سنة.
وَهَذَا مَعْرُوف أَيْضا.
ثمَّ أَنهم أَجمعُوا (على أَن) يطرحوه فِي الْبِئْر، فَجَاءُوا إِلَى بِئْر على غير الطَّرِيق وَاسع الْأَسْفَل، ضيق الرَّأْس، فطرحوه فِيهَا، فَروِيَ أَنه كَانَ يتَعَلَّق بجوانب الْبِئْر، فشدوا
﴿لتنبئهم بأمرهم هَذَا وهم لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أباهم عشَاء يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا فَأَكله الذِّئْب وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا﴾ يَدَيْهِ ثمَّ ألقوه.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: (أَنهم) جَعَلُوهُ فِي دلو وأرسلوه فِي الْبِئْر، فَلَمَّا بلغ المَاء فَإِذا صَخْرَة فَقَامَ عَلَيْهَا.
وَرُوِيَ أَنهم قَالُوا لَهُ: اقعد فِي ذَلِك الطاق من الْبِئْر، فَإِذا جَاءَ من يَسْتَقِي فَتعلق بالدلو حَتَّى تخرج.
قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي: لما صَار يُوسُف فِي الْبِئْر دَعَا الله تَعَالَى فَقَالَ: يَا شَاهدا غير غَائِب، وَيَا غَالِبا غير مغلوب، وَيَا قَرِيبا غير بعيد، اجْعَل لي مِمَّا أَنا فِيهِ فرجا ومخرجا.
ثمَّ اخْتلفت الرِّوَايَة أَنه كم بَات فِي الْبِئْر؟ فالأكثرون: أَنه بَات فِيهَا ثَلَاث ليَالِي وَالْقَوْل الآخر: أَنه بَات فِيهَا لَيْلَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأوحينا إِلَيْهِ لتنبئنهم بأمرهم هَذَا﴾ [قَول] أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن هَذَا الْوَحْي إِلَى يُوسُف، وَبعث الله جِبْرِيل يؤنسه ويبشره بِالْخرُوجِ ويخبره: أَنه ينبئهم بِمَا فعلوا ويجازيهم عَلَيْهِ وهم لَا يعْرفُونَ أَنه يُوسُف، وَسَيَأْتِي بعد هَذِه الْقِصَّة.
وَقيل: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنه أوحى إِلَيْهِ.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن الْوَحْي هَاهُنَا هُوَ الإلهام؛ وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى أَن أرضعيه﴾ وَأما إتْيَان جِبْرِيل كَانَ بعد هَذَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاءُوا أباهم عشَاء يَبْكُونَ﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: جَاءُوا فِي ظلمَة الْعشَاء ليكونوا أجرأ على الِاعْتِذَار بِالْكَذِبِ؛ فَروِيَ أَن يَعْقُوب سمع صِيَاحهمْ وعويلهم فَخرج وَقَالَ: مَا لكم؟ هَل أصَاب الذِّئْب من غنمكم شَيْئا؟ قَالُوا: لَا؛ وَإِنَّمَا الذِّئْب أكل يُوسُف.
وَقَرَأَ الْحسن: " غشاء يَبْكُونَ "، وَمَعْنَاهُ: قد غشيت أَبْصَارهم من الْبكاء.
وَقَوله: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق﴾ أَي: ننتضل وَنَنْظُر لمن السَّبق.
وَقيل:
﴿صَادِقين (17) وَجَاءُوا على قَمِيصه بِدَم كذب قَالَ بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر﴾ نَسْتَبِق على أقدامنا.
وَقد ثَبت أَن النَّبِي سَابق عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مرَّتَيْنِ، فسبقته عَائِشَة فِي الْمرة الأولى، وسبقها النَّبِي فِي الْمرة الثَّانِيَة، فَقَالَ لَهَا: " هَذِه بِتِلْكَ ".
وَقَوله: ﴿وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا﴾ يَعْنِي: عِنْد ثيابنا وأقمشتنا ﴿فَأَكله الذِّئْب وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا﴾ يَعْنِي: بمصدق لنا ﴿وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ يَعْنِي: وَإِن كُنَّا صَادِقين.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يجوز أَن يَقُولُوا لنَبِيّ الله: أَنْت لَا تصدق الصَّادِق؟ ﴿
الْجَواب مَعْنَاهُ: أَنا لَو كُنَّا صَادِقين عنْدك كنت تتهمنا فِي هَذَا الْأَمر بِشدَّة حبك لَهُ وميلك إِلَيْهِ، فَكيف وَقد خفتنا فِي الِابْتِدَاء واتهمتنا فِي حَقه؟﴾
وَفِيه معنى آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا﴾ : أَنَّك لَا تصدقنا لِأَنَّهُ لَا دَلِيل لنا على صدقنا، وَإِن كُنَّا صَادِقين عِنْد الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاءُوا على قَمِيصه بِدَم كذب﴾ هَذَا دَلِيل على أَنهم نزعوا قَمِيصه عَنهُ حِين ألقوه فِي الْبِئْر، فروى أَنه قَالَ لَهُم: دعوا لي قَمِيصِي أتستر بِهِ، فَقَالُوا لَهُ: ادْع الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب تسترك - يعنون: مَا رأى من الرُّؤْيَا.
وَقَوله: ﴿بِدَم كذب﴾ وَقيل: بِدَم يَعْنِي: بِدَم ذِي كذب.
وَقيل: مَكْذُوب فِيهِ.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَرَأَ: " بِدَم كدب " بِالدَّال غير الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدَّم الْمُتَغَيّر.
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لطخوا الْقَمِيص بِالدَّمِ وَلم يشقوه، فَقَالَ يَعْقُوب صلوَات الله عَلَيْهِ: كَيفَ أكله الذِّئْب وَلم يشق قَمِيصه؟ ! مَا عهِدت الذِّئْب حَلِيمًا.
حكى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ.
﴿جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون (18) وَجَاءَت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قَالَ يَا بشرى هَذَا غُلَام وأسروه بضَاعَة وَالله عليم بِمَا يعْملُونَ (19) وشروه بِثمن﴾
وَرُوِيَ أَن بَعضهم قَالُوا: قَتله اللُّصُوص، فَاخْتَلَفُوا على يَعْقُوب فَاتَّهمهُمْ بِهِ و ﴿قَالَ بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم﴾ يَعْنِي: كَذبْتُمْ، بل زينت لكم أَنفسكُم ﴿أمرا﴾ والتسويل: التزيين، وَقَوله: ﴿فَصَبر جميل﴾ مَعْنَاهُ: فأمري صَبر جميل.
وَقيل: فَصَبر جميل أختاره.
وَالصَّبْر الْجَمِيل: هُوَ الَّذِي لَا شكوى فِيهِ وَلَا جزع.
وَقَوله: ﴿وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ مَعْنَاهُ: وَالله الْمُسْتَعَان على الصَّبْر على مَا تكذبون.
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم ذَهَبُوا وَجَاءُوا بذئب وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي أكل ولدك، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: يَا ذِئْب! أكلت وَلَدي وَثَمَرَة فُؤَادِي؟ فأنطقه الله تَعَالَى وَقَالَ: بِاللَّه مَا رَأَيْت وَجه ابْنك قطّ، فَقَالَ: فَكيف وَقعت بِأَرْض كنعان؟ فَقَالَ: جِئْت لصلة قرَابَة.
أوردهُ النقاش فِي تَفْسِيره، وَالله أعلم.
وَاخْتلفُوا فِي مَوضِع الْبِئْر الَّذِي أدلي فِيهَا يُوسُف؛ قَالَ قَتَادَة: هِيَ بِئْر بَيت الْمُقَدّس.
وَقيل: إِنَّهَا بِئْر بِأَرْض الْأُرْدُن، وَقَالَ مقَاتل: بِئْر مَعْرُوفَة، كَانَت بَين منزل يَعْقُوب وَبَينهَا ثَلَاثَة فراسخ، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه﴾ السيارة: هم الْقَوْم المسافرون، سموا سيارة لأَنهم يَسِيرُونَ فِي الأَرْض.
وَقَوله: ﴿فأرسلوا واردهم﴾ والوارد: هُوَ الَّذِي يقدم الْقَوْم ليستقي المَاء من الْبِئْر.
قَالَ الْأَصْمَعِي: تَقول الْعَرَب: أدليت الدَّلْو إِذا أرسلتها فِي الْبِئْر، ودليتها إِذا نزعتها من الْبِئْر.
وَقَوله ﴿قَالَ (يَا بشراي﴾ هَذَا غُلَام) فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا - وَهُوَ أظهر الْقَوْلَيْنِ -: أَن معنى قَوْله: ﴿يَا بشراي﴾ أَي: أَبْشِرُوا، هَذَا غُلَام.
ذكره الْفراء والزجاج.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه نَادَى صَاحبه - وَكَانَ اسْمه بشرى - فَقَالَ: يَا بشراي، هَذَا غُلَام أَي: يَا فلَان، هَذَا غُلَام.
ذكره الْأَعْمَش وَالسُّديّ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْبِئْر كَانَت على غير الطَّرِيق، وَلَكِن الْقَوْم ضلوا الطَّرِيق حَتَّى وَقَعُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْوَارِد وَأرْسل الدَّلْو لطلب المَاء، تعلق بِهِ يُوسُف، نزعوا على ظن أَنه المَاء.
وروى ابْن مُجَاهِد، عَن أَبِيه أَن جدران الْبِئْر كَانَت تبْكي على يُوسُف حَتَّى أخرج مِنْهَا.
وَفِي الْقِصَّة أَيْضا أَن صَاحب السيارة كَانَ مَالك بن دعر، رجل من خُزَاعَة.
وَقَوله: ﴿وأسروه بضَاعَة﴾ مَعْنَاهُ: أَن الْوَارِد وَمن كَانَ مَعَه أسروه بضَاعَة عَن أهل الرّفْقَة، مَخَافَة أَن يطلبوا الْمُشَاركَة فِيهِ.
وَقَوله: ﴿بضَاعَة﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم قَالُوا: نقُول للْقَوْم: إِن أهل المَاء استبضعونا هَذَا الْغُلَام.
والبضاعة: هِيَ الْقطعَة من المَال، والبضع: هُوَ الْقطع.
وَمِنْه قَوْله فِي فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا: " إِنَّهَا بضعَة مني " أَي: قِطْعَة مني.
وَهَذَا خبر ثَابت.
وَقَوله: ﴿وَالله عليم بِمَا يعْملُونَ﴾ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وشروه بِثمن بخس دَرَاهِم مَعْدُودَة﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن الَّذين باعوه إخْوَته، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَعَامة الْمُتَقَدِّمين.
وَقَوله " شروه " هُوَ بِمَعْنى: باعوه.
قَالَ الشَّاعِر:
(وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد برد كنت هَامة)
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْقَوْم لما اسْتخْرجُوا يُوسُف من الْبِئْر جَاءَ إخْوَته وَقَالُوا: هَذَا غُلَام أبق منا وهددوا يُوسُف حَتَّى لم يعرف (حَاله) وَأقر مَا قَالُوهُ ثمَّ إِنَّهُم باعوه مِنْهُم.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الَّذين باعوا يُوسُف هم الَّذين استخرجوه من الْبِئْر.
وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿بِثمن بخس﴾ البخس فِي اللُّغَة: هُوَ النَّقْص، وَمعنى البخس هَاهُنَا: هُوَ الْحَرَام؛ سمي الْحَرَام بخسا لِأَنَّهُ مبخوس الْبركَة.
هَذَا قَول الشّعبِيّ وَغَيره.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿بِثمن بخس﴾ أَي: ذِي ظلم.
وَعَن ابْن مَسْعُود، وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا:
﴿بخس دَرَاهِم مَعْدُودَة وَكَانُوا فِيهِ من الزاهدين (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ من مصر لامْرَأَته أكرمي مثواه﴾ بِثمن بخس: زيوف.
وَقيل: بِثمن بخس أَي: قَلِيلا.
اخْتلفُوا، كم كَانَ الثّمن؟ قَالَ مُجَاهِد: كَانَ [اثْنَيْنِ وَعشْرين] درهما، وَالإِخْوَة أحد عشر رجلا، فاقتسموا وَأخذ كل وَاحِد دِرْهَمَيْنِ سوى يهوذا فَإِنَّهُ لم يَأْخُذ شَيْئا.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: باعوه بِعشْرين درهما.
وَقيل: [باعوه] بِأَرْبَعِينَ.
قَوْله ﴿دَرَاهِم مَعْدُودَة﴾ يَعْنِي: أَنهم عدوها عدا وَلم يزنوها وزنا لقلتهَا.
وَقَالَ: إِنَّهُم كَانُوا لَا يزنون مَا دون الْأُوقِيَّة وَهُوَ أَرْبَعُونَ درهما.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ من الزاهدين﴾ يَعْنِي: (أَنهم) لم يكن لَهُم رَغْبَة فِي يُوسُف؛ لأَنهم لم يعرفوا كرامته على الله.
وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا فِي الثّمن من الزاهدين على معنى أَنه لم يكن قصدهم الثّمن؛ إِنَّمَا قصدهم تبعيد يُوسُف عَن أَبِيه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ من مصر لامْرَأَته أكرمي مثواه﴾ فِي الْقَصَص: أَن مَالك بن دعر قدم بِهِ مصر وَعرضه على البيع فَاشْتَرَاهُ قطيفير صَاحب أَمر الْملك وخازنه، وَقيل: قنطور، وَكَانَ يُسمى الْعَزِيز وَلم يَك أحد بِمصْر يُسمى باسمه كَرَامَة وتشريفا، فروى أَنه اشْتَرَاهُ بِعشْرين دِينَارا ونعلين وحلة.
وَذكر وهب بن مُنَبّه أَنه لما عرض على البيع تزايد النَّاس فِي ثمنه حَتَّى بلغ ثمنه: وَزنه ذَهَبا ووزنه فضَّة ووزنه مسكا ووزنه حَرِيرًا، وَكَانَ وَزنه أَرْبَعمِائَة رَطْل وَمِائَتَا (من) ". قَالَ وهب: وَكَانَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة فِي ذَلِك الْوَقْت.
وَقد بَينا أَن على قَول بَعضهم: كَانَ ابْن سبع عشرَة سنة.
قَالَ كَعْب وَغَيره: كَانَ من أحسن النَّاس وَجها، كَانَ على صُورَة آدم حِين خلقه
﴿عَسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولدا وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض ولنعلمه من﴾ الله تَعَالَى قبل أَن يواقع الْمعْصِيَة.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَن يُوسُف أعطي شطر الْحسن ". وَهُوَ غَرِيب، وَقيل: إِنَّه انتزع إِلَى جدته سارة، وَكَانَت سارة أَعْطَيْت سدس الْحسن.
وَقَوله: ﴿لامْرَأَته﴾ قيل: كَانَ اسْمهَا: راغيل.
وَقيل: كَانَ اسْمهَا: زليخة.
وَقَوله: ﴿أكرمي مثواه﴾ مَعْنَاهُ: أكرميه فِي الْمطعم والملبس وَالْمقَام.
والمثوى فِي اللُّغَة: مَوضِع الْإِقَامَة، وَيُقَال: ثوى بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ.
وَقَوله ﴿عَسى أَن ينفعنا﴾ يَعْنِي: نبيع بِالرِّبْحِ إِن أردنَا البيع، أَو ينفعنا بِالْخدمَةِ إِن لم نبعه.
وَقَوله ﴿أَو نتخذه ولدا﴾ يَعْنِي: أَو نعتقه ونتبناه.
وَقد ثَبت عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ بِرِوَايَة أبي إِسْحَاق، عَن أبي الْأَحْوَص، عَنهُ أَنه قَالَ: أَفرس النَّاس ثَلَاثَة: الْعَزِيز فِي يُوسُف حِين قَالَ لامْرَأَته: " أكرمي مثواه عَسى أَن ينفعنا " وَابْنَة شُعَيْب فِي مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - حَيْثُ قَالَت: " يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين " [وَأَبُو بكر فِي عمر رَضِي الله عَنْهُمَا] حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ.
وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: كَمَا خلصناه من الْهَلَاك ونجيناه من ظلمَة الْبِئْر كَذَلِك مكناه فِي الأَرْض؛ وَالْأَرْض هَاهُنَا: أَرض مصر، وَقَوله: ( ﴿مكناه﴾ ) أَي (بالتهليل) وَبسط الْيَد وَرفع الْمنزلَة إِلَى أَن بلغ مَا بلغ.
وَقَوله: ﴿ولنعلمه من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿وَالله غَالب على أمره﴾ فِيهِ قَولَانِ؛ أَحدهمَا: أَن الله غَالب على أمره لَا يمنعهُ مِنْهُ مَانع، وَلَا يردهُ عَمَّا يُرِيد راد.
﴿تَأْوِيل الْأَحَادِيث وَالله غَالب على أمره وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (21) وَلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ (22) وراودته الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا عَن﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَالله غَالب على أَمر يُوسُف بِالتَّدْبِيرِ والحياطة حَتَّى يبلغهُ مُنْتَهى علمه فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن الأشد: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وإليها تَنْتَهِي، يَعْنِي: قُوَّة الشَّبَاب.
وَقيل: ثَلَاثُونَ سنة.
وَقيل: من تَمام [ثَمَانِي عشرَة] سنة إِلَى أَرْبَعِينَ.
وَسُئِلَ مَالك عَن الأشد، فَقَالَ: هُوَ الْحلم.
وَقَوله ﴿آتيناه حكما وعلما﴾ أَي: فقها وعقلا.
وَقيل: الحكم: النُّبُوَّة، وَالْعلم: هُوَ الْفِقْه فِي الدّين.
وَالْفرق بَين الْحَكِيم والعالم: أَن الْعَالم هُوَ الَّذِي يعلم الْأَشْيَاء، والحكيم: هُوَ الَّذِي يعلم بِمَا يُوجِبهُ الْعلم.
وَقيل: هُوَ الَّذِي يمْنَع نَفسه عَمَّا يجهله ويسفهه، وَمِنْه حِكْمَة الدَّابَّة؛ لِأَنَّهَا تمنع الدَّابَّة عَن الْفساد.
قَالَ الشَّاعِر:
(أبني حنيفَة أحكموا سفهاءكم ... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا)
يَعْنِي: امنعوا سفهاءكم.
وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وراودته الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا عَن نَفسه﴾ معنى المراودة: طلب الْفِعْل، وَالْمرَاد هَاهُنَا: هُوَ الدُّعَاء إِلَى الْفَاحِشَة.
وَقَوله: ﴿وغلقت الْأَبْوَاب﴾ يَعْنِي: أطبقت الْأَبْوَاب واستوثقت مِنْهَا، وَيُقَال: إِنَّهَا غلقت سَبْعَة أَبْوَاب.
وَقَوله: ﴿وَقَالَت هيت لَك﴾ مَعْنَاهُ: هَلُمَّ، وعَلى هَذَا أَكثر الْمُفَسّرين.
وَقيل: مَعْنَاهُ: تعال أَنا لَك.
وقريء: " هيت لَك " أَي: تهيأت لَك.
وَأنكر الْكسَائي هَذِه الْقِرَاءَة.
قَالَ الشَّاعِر فِي قَوْله هيت:
(أبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ ... أَخا الْعرَاق إِذا أَتَيْنَا)
(أَن الْعرَاق وَأَهله ... عنق إِلَيْك فهيت هيتا)
﴿نَفسه وغلقت الْأَبْوَاب وَقَالَت هيت لَك قَالَ معَاذ الله إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾
وَقَوله: ﴿قَالَ معَاذ الله﴾ مَعْنَاهُ: قَالَ: أعوذ بِاللَّه أَي: أَعْتَصِم بِهِ إِنَّه رَبِّي.
[و] الْأَكْثَرُونَ أَنه أَرَادَ بِهِ الْعَزِيز؛ وَمَعْنَاهُ: إِنَّه سَيِّدي.
وَقَوله: ﴿إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ أَي: أكْرم مثواي.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ أَنه لَا يسْعد الزناة وَلَا العصاة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا﴾ [الْآيَة] ، الْهم: هُوَ المقاربة من الْفِعْل من غير دُخُول فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ﴾ همها: هُوَ عزمها على الْمعْصِيَة وَالزِّنَا، وَأما هم يُوسُف: فَاعْلَم أَنه قد ثَبت عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن قَوْله ﴿وهم بهَا﴾ قَالَ: جلس مِنْهَا مجْلِس الخاتن وَحل هِمْيَانه.
رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة، وَعَطَاء وَغَيرهمَا.
وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: حل سراويله وَجعل يعالج ثِيَابه.
وَهَذَا قَول أَكثر الْمُتَقَدِّمين؛ مِنْهُم: سعيد بن جُبَير، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَالضَّحَّاك وَغَيرهم.
[و] قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: وَقد أنكر قوم هَذَا القَوْل؛ وَالْقَوْل مَا قَالَه متقدمو هَذِه الْأمة وهم كَانُوا أعلم بِاللَّه أَن يَقُولُوا فِي الْأَنْبِيَاء من غير علم.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي، وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الْهم (كَانَ مِنْهَا) : هُوَ الْعَزِيمَة على الْمعْصِيَة، وَأما الْهم مِنْهُ: كَانَ خاطر الْقلب وَشدَّة الْمحبَّة بالشهوة.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْمَرْأَة قَالَت لَهُ: مَا أحسن عَيْنَيْك، فَقَالَ: هِيَ أول مَا تسيل من وَجْهي فِي قَبْرِي، فَقَالَت: مَا أحسن شعرك، فَقَالَ: هُوَ أول مَا ينشر فِي قَبْرِي، فَقَالَت إِن فرَاش الْحَرِير مَبْسُوط فَقُمْ فَاقْض حَاجَتي، فَقَالَ: إِذا يذهب نَصِيبي من الْجنَّة، فَقَالَت: إِن الجنينة عطشة فَقُمْ فاسقها، فَقَالَ: إِن الْمِفْتَاح بيد غَيْرِي، قَالَ: فجَاء
الشَّيْطَان وَدخل بَينهمَا وَأخذ يحنكه وحنكها حَتَّى هَمت بِهِ وهم بهَا، ثمَّ إِن الله تَعَالَى تدارك عَبده وَنبيه بالبرهان الَّذِي ذكره.
وَقَالَ قطرب: معنى قَوْله: ﴿وهم بهَا﴾ أَي: وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه.
وَأنكر سَائِر النُّحَاة عَلَيْهِ هَذَا القَوْل، وَقَالُوا إِن الْعَرَب لَا تُؤخر لَوْلَا عَن الْفِعْل، وَإِنَّمَا كَلَام الْعَرَب هُوَ التَّقْدِيم فَحسب، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: لَوْلَا كَذَا لفَعَلت كَذَا، وَلَا يَقُولُونَ، فعلت كَذَا لَوْلَا كَذَا.
وَقَالَ بَعضهم: " وهم بهَا " أَي: بضربها وَدفعهَا عَن نَفسه، وَهُوَ تَأْوِيل بعيد.
وَقَالَ بعض أهل التَّفْسِير: يحْتَمل أَن ذَلِك الْقدر الَّذِي فعله يُوسُف من الْهم كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة من الصَّغَائِر يجوز على الْأَنْبِيَاء.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِن الله تَعَالَى لم يذكر ذنُوب الْأَنْبِيَاء فِي الْقُرْآن ليعيرهم بهَا؛ وَلَكِن ذكرهَا ليبين موقع النِّعْمَة عَلَيْهِم بِالْعَفو، وَلِئَلَّا ييأس أحد من رَحمته وَقيل: إِنَّه ابْتَلَاهُم بِالذنُوبِ ليتفرد بِالطَّهَارَةِ والعزة، ويلقاه جَمِيع الْخلق يَوْم الْقِيَامَة على انكسار الْمعْصِيَة.
وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير: أَنه رأى يَعْقُوب صلوَات الله عَلَيْهِ [صَكه] فِي صَدره وَهُوَ يَقُول لَهُ: أتعمل عمل السُّفَهَاء وَأَنت فِي ديوَان الْأَنْبِيَاء؟ !
وروى لَيْث، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من امْرَأَته فَرَأى كفا بِلَا معصم وَلَا عضد مَكْتُوب عَلَيْهَا:: ﴿وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين﴾ فَفَزعَ وهرب، ثمَّ إِنَّه عَاد، فَظهر ذَلِك الْكَفّ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا: ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا﴾ فَفَزعَ وهرب، ثمَّ إِنَّه عَاد فَرَأى ذَلِك الْكَفّ أَيْضا مَكْتُوبًا عَلَيْهَا: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ فَفَزعَ وهرب، ثمَّ إِنَّه عَاد؛ فَقَالَ الله لجبريل: أدْرك عَبدِي قبل أَن يواقع الْخَطِيئَة، فجَاء ومسحه بجناحه حَتَّى خرجت شَهْوَته من أنامله.
﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين (24) واستبقا الْبَاب﴾
وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق: معنى الْبُرْهَان: أَنه كَانَ فِي الْبَيْت صنم فَقَامَتْ الْمَرْأَة وسترته بِثَوْب، فَقَالَ لَهَا يُوسُف: لم فعلت هَذَا؟ فَقَالَت: استحييت مِنْهُ أَن يراني وَأَنا أواقع الْمعْصِيَة، فَقَالَ يُوسُف: أَنا أَحَق أَن أستحي من رَبِّي، وهرب.
وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: الْبُرْهَان: هُوَ أَن الله تَعَالَى أخطر بقلب يُوسُف حُرْمَة الزِّنَا، وَشدَّة الْعقُوبَة عَلَيْهِ، فهرب وَترك.
وَأورد النقاش أَنه لما قرب مِنْهَا رأى شَعْرَة بَيْضَاء فِي أنفها فعافها وَتركهَا.
وَهَذَا قَول بعيد؛ وَالأَصَح من هَذِه الْأَقْوَال: الأول.
وَقد رُوِيَ أَن يَعْقُوب صلوَات الله عَلَيْهِ لما تمثل لَهُ صك فِي صَدره وَقَالَ: يَا يُوسُف أَنْت قبل أَن تَزني كالطير فِي جو السَّمَاء [وَلَا تطاق] ، فَإِذا زَنَيْت فَأَنت كالطير يسْقط وَيَمُوت، وَأَنت قبل أَن تَزني كالثور لَا يُطَاق، فَإِذا زَنَيْت صرت كالثور يهْلك فَيدْخل النَّمْل فِي (أصُول) قرنه.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء﴾ السوء: هُوَ الثَّنَاء الْقَبِيح، والفحشاء: هُوَ مواقعة الزِّنَا.
فَإِن قيل: هَذَا دَلِيل على أَنه لم يهم بِالزِّنَا وَلم يَقْصِدهُ، قُلْنَا: لَا، هَذَا بعد الْهم.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ قد قَالَ فِي أثْنَاء السُّورَة: ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ﴾ ؟ قُلْنَا: قد ثَبت عَن النَّبِي: " أَن يُوسُف لما قَالَ هَذَا، قَالَ لَهُ جِبْرِيل: وَلَا حِين هَمَمْت؟ فَقَالَ: وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء ".
قَوْله: ﴿إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ قرئَ: " المخلَصين " و " المخلِصين " وَمعنى المخلِص: هُوَ الَّذِي يخلص الطَّاعَة لله، وَمعنى المخلَص: هُوَ الَّذِي أخلصه الله وَاخْتَارَهُ.
﴿وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لدا الْبَاب قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم (25) قَالَ هِيَ راودتني عَن نَفسِي وَشهد شَاهد من أَهلهَا إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل فصدقت وَهُوَ من الْكَاذِبين (26) وَإِن كَانَ قَمِيصه قد من دبر فَكَذبت وَهُوَ من الصَّادِقين (27) فَلَمَّا رأى قَمِيصه قد من دبر قَالَ إِنَّه من كيدكن إِن﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ [واستبقا] الْبَاب﴾ رُوِيَ أَن يُوسُف بَادر الْبَاب ليفتح وَيخرج، وَالْمَرْأَة بادرت الْبَاب لتمسك الْبَاب فَلَا يخرج يُوسُف، فَسبق يُوسُف وأدركته الْمَرْأَة وَأخذت بِثَوْبِهِ وشقته من دبر؛ وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وقدت قَمِيصه من دبر﴾ أَي: شقَّتْ.
وَقَوله: ﴿وألفيا سَيِّدهَا لدا الْبَاب﴾ يَعْنِي: وجدا زوج الْمَرْأَة عِنْد الْبَاب فبادرت الْمَرْأَة ﴿قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا﴾ ثمَّ خَافت عَلَيْهِ أَن يقتل فَقَالَت: ﴿إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم﴾ ضرب بالسياط، فَلَمَّا سمع يُوسُف مقالتها
﴿قَالَ هِيَ راودتني عَن نَفسِي﴾ يَعْنِي: هِيَ طلبت مني الْفَاحِشَة.
وَقَوله: ﴿وَشهد شَاهد من أَهلهَا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الشَّاهِد كَانَ صَبيا فِي المهد قَالَ هَذَا القَوْل، وَهَذَا قَول أبي هُرَيْرَة وَسَعِيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: " تكلم ثَلَاثَة من الصّبيان فِي المهد: عِيسَى ابْن مَرْيَم صلوَات الله عَلَيْهِ (وَصَاحب) جريج وَشَاهد يُوسُف " وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الشَّاهِد كَانَ رجلا حكيما من قَرَابَات الْمَرْأَة وَكَانَ قَائِما مَعَ زَوجهَا فَسمع الجلبة من وَرَاء الْبَاب وَرَأى شقّ الْقَمِيص فَقَالَ القَوْل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل فصدقت وَهُوَ من الْكَاذِبين﴾ الْآيَة.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا رأى قَمِيصه قد من دبر﴾ عرف أَن الذَّنب لَهَا ﴿قَالَ إِنَّه من كيدكن إِن كيدكن عَظِيم﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ قَلِيل الحمية والغيرة، ثمَّ قَالَ ليوسف:
﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ يَعْنِي: لَا تذكر هَذَا حَتَّى يشيع، ثمَّ قَالَ للْمَرْأَة: ﴿واستغفري لذنبك﴾ توبي إِلَى الله تَعَالَى ﴿إِنَّك كنت من الخاطئين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
﴿كيدكن عَظِيم (28) يُوسُف أعرض عَن هَذَا واستغفري لذنبك إِنَّك كنت من الخاطئين (29) وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه قد شغفها حبا إِنَّا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه﴾ الْمَدِينَة هَاهُنَا: مَدِينَة مصر، وَقيل: إِنَّهَا مَدِينَة عين شمس.
وَأما النسْوَة قَالُوا: هن خمس نسْوَة: امْرَأَة حَاجِب الْملك، وَامْرَأَة صَاحب الدَّوَابّ، وَامْرَأَة صَاحب الطَّعَام، وَامْرَأَة صَاحب الشَّرَاب، وَامْرَأَة صَاحب السجْن.
وَقَالَ بَعضهم: هن نسْوَة من أَشْرَاف نسْوَة مصر.
وَقَوله: ﴿امْرَأَة الْعَزِيز﴾ قيل الْعَزِيز: هُوَ الْمُمْتَنع بقدرته عَن أَن يضام فِي أمره.
وَقَوله: ﴿تراود فتاها عَن نَفسه﴾ فتاها هَاهُنَا بِمَعْنى: عَبدهَا، وَالْمعْنَى: أَنَّهَا تطلب من عَبدهَا [أَن] يرتكب الْفَاحِشَة.
وَقَوله ﴿قد شغفها حبا﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهَا - أَنه قَالَ: " شغفها حبا " أَي: غلبها.
وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: " شغفها حبا " أَي: دخل الْحبّ فِي شغَاف قَلبهَا، وشغاف الْقلب: دَاخل الْقلب.
وَقيل: شغَاف الْقلب: جلدَة الْقلب؛ كَأَن الْحبّ خرق الْجلْدَة وَأصَاب الْقلب وَغلب عَلَيْهِ.
وَقيل: شغَاف الْقلب: [سويداء] الْقلب.
وَقيل: حَبَّة الْقلب.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَا [وجد] إِلَّا دون وجد وجدته ... أصَاب شغَاف الْقلب فالقلب مشغف)
قرئَ فِي الشاذ: (شعفها) حبا " وَمَعْنَاهُ: ذهب الْحبّ بهَا كل مَذْهَب، وَمِنْه: شعف الْجبَال أَي: رءوسها.
وَقَوله: ﴿إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي خطأ ظَاهر.
وَيُقَال: فِي ضلال مُبين يَعْنِي: أَنَّهَا تركت مَا يكون عَلَيْهِ أَمْثَالهَا من السّتْر والعفاف.