تفسير السمعانيالانشقاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الانشقاق

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خلق سبع سموات طباقا﴾ أَي: بَعْضهَا فَوق بعض، بَين كل سماءين أَمر من أمره، وَخلق من خلقه.
وَقَوله ﴿مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت﴾ أَي: من خلل وعيب.
وَيُقَال: من اضْطِرَاب وتباين.
وَقُرِئَ " تفوت " وَاخْتَارَهُ أَبُو عبيد.
قَالَ الْفراء: تفوت وتفاوت بِمَعْنى وَاحِد كَمَا يُقَال: تعهد وتعاهد وَغير ذَلِك.
وَيُقَال: تفوت أَي: لَا تفوت بعضه بَعْضًا.
وَقَوله: ﴿فَارْجِع الْبَصَر﴾ أَي: رد الْبَصَر.
وَقَوله: ﴿هَل ترى من فطور﴾ أَي: صدوع وشقوق وخروق.
وَيُقَال: فطر نَاب الْبَعِير أَي: انْشَقَّ.

وَقَوله: ﴿ثمَّ ارْجع الْبَصَر كرتين﴾ أَي: مرَّتَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: مرّة بعد مرّة، وَإِن زَاد على الْمَرَّتَيْنِ، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: قد قلت لَك هَذَا القَوْل مرّة بعد مرّة، وَقد كَانَ قَالَ لَهُ مَرَّات، ذكر الْقفال.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا ذكر الْمَرَّتَيْنِ، لِأَن الْإِنْسَان فِي الْمرة الثَّانِيَة يكون أحد بصرا وَأكْثر بصرا وَأكْثر نظرا.
وَيُقَال: الكرة الأولى بِالْعينِ.
وَالْأُخْرَى بِالْقَلْبِ.
قَالَ الْفراء: يجوز أَن يكون معنى كرتين كرة وَاحِدَة وأنشدوا:

﴿يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير (4) وَلَقَد زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ (مهمهين قذفين مرَّتَيْنِ ... قطعته [بالسمت] لَا بالسمتين) وَأَرَادَ مهمها وَاحِدًا.
وَقَوله: ﴿يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر﴾ أَي: يرجع إِلَيْك الْبَصَر ﴿خاسئا﴾ أَي: صاغرا ﴿وَهُوَ حسير﴾ أَي: كليل يَعْنِي ضَعِيف عَن إِدْرَاك مَا أَرَادَهُ من طلب الْعَيْب والخلل.
وَيُقَال: دَابَّة حسرى أَي: كالة.
قَالَ الشَّاعِر: (بِهِ جيف الحسرى فَأَما عظامها ... فبيض وَأما جلدهَا فصليب) قَالَ الزّجاج: معنى الْآيَة: أَنه يُبَالغ فِي النّظر، فَرجع الْبَصَر إِلَيْهِ خاسئا وَلم ينل مَا أَرَادَهُ، وَلم ير عَيْبا وخللا.
وَقَوله: ﴿خاسئا﴾ من ذَلِك قَوْلهم للكلب اخْسَأْ وابعد، قَالَ الفرزدق فِي جرير: (اخْسَأْ إِلَيْك جَرِيرًا يَا معر ... نلنا السَّمَاء نجومها وهلالها)

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح﴾ أَي: بسرج، وسمى النُّجُوم مصابيح لإضاءتها.
وَقَوله: ﴿وجعلناها رجوما للشياطين﴾ أَي: رجمنا بهَا الشَّيَاطِين عَن استراق السّمع.
قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: إِن النَّجْم لَا يطلع لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلكنه زِينَة الدُّنْيَا ورجوم الشَّيَاطِين.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: خلق الله النُّجُوم لثَلَاثَة أَشْيَاء: جعلهَا زِينَة للسماء الدُّنْيَا، ورجوما للشياطين، وهاديا للنَّاس فِي الطّرق، فَمن تكلّف غير ذَلِك فقد قَالَ مَا لَا علم لَهُ بِهِ.

﴿وأعتدنا لَهُم عَذَاب السعير (5) وللذين كفرُوا برَبهمْ عَذَاب جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير (6) إِذا ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقا وَهِي تَفُور (7) تكَاد تميز من الغيظ كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير (8) قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ظلال كَبِير (9) ﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأعتدنا لَهُم عَذَاب السعير﴾ أَي: المسعرة.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن السعير هُوَ الطَّبَق الرَّابِع من جَهَنَّم.

وَقَوله: ﴿وللذين كفرُوا برَبهمْ عَذَاب جَهَنَّم﴾ إِنَّمَا سمى جَهَنَّم جهنما لبعد قعرها، تَقول الْعَرَب: ركية جهنام أَي: بعيدَة القعر.
وَقَوله: ﴿وَبئسَ الْمصير﴾ أَي: الْمرجع.

قَوْله: ﴿إِذا ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقا﴾ أَي: لِجَهَنَّم، والشهيق: أول صَوت الْحمار.
وَقيل: الشهيق.
أول صَوته، والزفير.
آخر صَوته.
وَقيل: الشهيق فِي الصَّدْر، والزفير فِي الْحلق.
وَقيل: إِن الشهيق من الْكفَّار حِين يدْخلُونَ جَهَنَّم.
وَالْقَوْل الأول أظهر فِي هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وَهِي تَفُور﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: تغلي غليان الْقدر بِمَا فِيهِ.
وَعَن مُجَاهِد: تغلي غليان المَاء الْكثير بالحب الْقَلِيل.

وَقَوله: ﴿تكَاد تميز من الغيظ﴾ أَي: تتقد وتتفرق.
يُقَال: فلَان امْتَلَأَ غيظا حَتَّى يكَاد يتقد.
وغيظها حنقا على أَعدَاء الله وانتقامها.
وَقَوله: ﴿كلما ألْقى فِيهَا فَوْج﴾ أَي: قوم ﴿سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير﴾ أَي: رَسُول.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: الرُّسُل من الْإِنْس، وَالنّذر من الْجِنّ.
وَهُوَ قَول مهجور.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ظلال كَبِير﴾ أَي: عَظِيم.
وَيُقَال: خاطئين.

﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير (10) فاعرفوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير (11) إِن الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل﴾ أَي: نسْمع سَماع من يُمَيّز ويتفكر، ونعقل عقل من يتدبر وَينظر ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ وَالْمعْنَى: أَنا لم نسْمع الْحق وَلم نعقله أَي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا.
وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " لكل شَيْء دعامة، ودعامة الدّين الْعقل ". وروى أَيْضا أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الرجل يكون من أهل الْجِهَاد وَأهل الصَّلَاة وَأهل الصّيام، وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر، وَإِنَّمَا يجازى يَوْم الْقِيَامَة على قدر عقله " وَهُوَ حَدِيث حسن الْإِسْنَاد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَرفُوا بذنبهم﴾ أَي: بِذُنُوبِهِمْ، وَاحِد بِمَعْنى الْجمع، وَقَوله: ﴿فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ أَي: بعدا، يُقَال: مَكَان سحيق أَي: بعيد.
وَعَن مُجَاهِد: السحق اسْم وَاد فِي جَهَنَّم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ﴾ أَي: بالوعد والوعيد الَّذِي غَابَ عَنهُ، وَيُقَال: بِالْجنَّةِ وَالنَّار، وَيُقَال: فِي الخلوات.

﴿لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير (12) وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور (13) أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير (14) هُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض ذلولا﴾ . وَقَوله: ﴿لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير﴾ أَي: عَظِيم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْكفَّار كَانَ بَعضهم يَقُول لبَعض: أَسرُّوا بقولكم حَتَّى لَا يسمع رب مُحَمَّد فيخبره قَوْلكُم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ أَي: بِمَا فِي الصُّدُور.
قَالَ الْحسن: يعلم من السِّرّ مَا يعلم من الْعَلَانِيَة، وَيعلم من الْعَلَانِيَة مَا يعلم من السِّرّ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ اسْتِفْهَام بِمَعْنى الْإِنْكَار والتوبيخ، وَالْمعْنَى: أَلا يعلم من فِي الصُّدُور من خلق الصُّدُور.
وَيُقَال: أَلا يعلم مَا خلق " من " بِمَعْنى " مَا "، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ أَي: وَمن بناها.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ أَي: اللَّطِيف فِي علمه، يعلم مَا يظْهر وَمَا يسر وكل مَا دق، يُقَال لطيف، وَيُقَال: الْخَبِير هُوَ الْعَالم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض ذلولا﴾ أَي: مذللة، وتذليلها: تسهيل السّير فِيهَا والقرار عَلَيْهَا.
وَقَوله: ﴿فامشوا فِي مناكبها﴾ أَي: فِي جوانبها، وَيُقَال: فِي فجاجها، وَيُقَال: فِي طرقها، وَقيل: فِي جبالها.
وَعَن بشير بن كَعْب الْأنْصَارِيّ أَنه كَانَ يقْرَأ هَذِه السُّورَة فَبلغ هَذِه الْآيَة، فَقَالَ لجارية لَهُ: إِن عرفتي معنى قَوْله: ﴿فِي مناكبها﴾ فَأَنت حرَّة، فَقَالَت: فِي جبالها.
فشح الرجل بالجارية وَجعل يسْأَل أَبَا الدَّرْدَاء فَقَالَ: دع مَا يريبك إِلَى مَالا يريبك خلها.
وَحكى قَتَادَة عَن أبي الْجلد قَالَ: الأَرْض كلهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ، اثْنَا عشر ألفا للسودان، وَثَمَانِية آلَاف للروم، وَثَلَاثَة آلَاف للعجم، وَألف للْعَرَب.

﴿فامشوا فِي مناكبها وكلوا من رزقه وَإِلَيْهِ النشور (15) أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض فَإِذا هِيَ تمور (16) أم أمنتم من فِي السَّمَاء أَن يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا فستعلمون كَيفَ نَذِير (17) وَلَقَد كذب الَّذين من قبلهم فَكيف كَانَ نَكِير (18) أولم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات ويقبضن مَا يمسكهن إِلَّا الرَّحْمَن إِنَّه بِكُل شَيْء بَصِير﴾ . وَقَوله: ﴿وكلوا من رزقه وَإِلَيْهِ النشور﴾ أَي: فِي الْآخِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس أَي: الله.
وَقَوله: ﴿أَن يخسف بكم الأَرْض فَإِذا هِيَ تمور﴾ أَي: تضطرب وتدور، وَيُقَال: تمور أَي: تخسف بكم حَتَّى تجعلكم فِي أَسْفَل الْأَرْضين، قَالَ الشَّاعِر: (رمين فأقصدن الْقُلُوب وَلنْ ترى ... دَمًا مائرا إِلَّا جرى فِي الحيازم) أَي: سَائِلًا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أمنتم من فِي السَّمَاء﴾ أَي: أأمنتم ربكُم ﴿أَن يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا﴾ أَي: ريحًا ذَات حَصْبَاء، وَيُقَال: حِجَارَة فيهلككم بهَا.
والحصباء الْحِجَارَة.
وَقَوله: ﴿فستعلمون كَيفَ نَذِير﴾ أَي: إنذاري، وَالْمعْنَى: كنت محقا فِي إنذاري إيَّاكُمْ الْعَذَاب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كذب الَّذين من قبلهم فيكف كَانَ نَكِير﴾ أَي: إنكاري.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل