تفسير السمعانيصفحات 235-254
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 235-254
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَالْحكمَة يعظكم بِهِ وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله بِكُل شَيْء عليم (231) وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ إِذا تراضوا بَينهم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ قَالَ عَطاء: أَرَادَ بِهِ نعْمَة الْإِسْلَام.
﴿وَمَا أنزل عَلَيْكُم من الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ يَعْنِي: السّنة.
﴿يعظكم بِهِ﴾ يرشدكم بِهِ ﴿وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ﴾ أَرَادَ ببلوغ الْأَجَل فِي هَذِه الْآيَة: تَمام انْقِضَاء الْعدة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ﴾ والعضل: الْمَنْع.
قَالَ الْخَلِيل: يُقَال: دَجَاج معضل، إِذا نشبت فِيهَا الْبَيْضَة وامتنعت من الْخُرُوج؛ لضيق الْمخْرج.
وَمِنْه الدَّاء العضال، وَهُوَ الَّذِي لَا يُطَاق علاجه.
وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: أعضل بِي أهل الْكُوفَة.
أَي: ضيقوا عَليّ، وأوقعوا بِي فِي أَمر شَدِيد.
وَأكْثر الْعلمَاء والمفسرين على أَنه خطاب للأولياء، نَهَاهُم عَن الِامْتِنَاع من التَّزْوِيج.
وَقد قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا بَين، أَنه دَلِيل على أَن الْمَرْأَة لَا تلِي عقد النِّكَاح.
وَنزلت الْآيَة فِي معقل بن يسَار الْمُزنِيّ؛ فَإِنَّهُ زوج أُخْته من رجل فَطلقهَا وَتركهَا حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا، ثمَّ جَاءَ يخطبها مَعَ الْخطاب، ورغبت الْمَرْأَة فِيهِ، فَقَالَ معقل: زَوجتك أُخْتِي دون غَيْرك، وخطبها أَشْرَاف قومِي فاخترتك! أطلقتها، لَا أنكحتكها أبدا؛ فَنزلت الْآيَة.
وَفِيه قَول آخر: أَنه خطاب للأزواج؛ لِأَن ابْتِدَاء الْآيَة خطاب لَهُم.
وَمنع الْأزْوَاج هُوَ مَا ذكرنَا من أَن يطلقن، ثمَّ يُرَاجع، ثمَّ يُطلق.
وَالْأول أصح.
وَقَوله تَعَالَى: {إِذا تراضوا بَينهم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِك يوعظ بِهِ من كَانَ مِنْكُم

﴿بِالْمَعْرُوفِ ذَلِك يوعظ بِهِ من كَانَ مِنْكُم يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِكُم أزكى لكم وأطهر وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ (232) والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ لَا﴾ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر) إِنَّمَا خصهم لِأَن الْوَعْظ إِنَّمَا يُؤثر فِي الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم أزكى لكم وأطهر﴾ أزكى لكم أَي: خير لكم، وأطهر أَي: أصلح.
﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: (والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ) هَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر.
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ . فالحولان: (مُدَّة) الرَّضَاع، فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: كَامِلين؟ قيل: لِأَن الْحَوْلَيْنِ قد ينْطَلق على الْحول وَبَعض الْحول الثَّانِي، كَمَا فِي قَوْله: ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ أطلق الْأَشْهر على شَهْرَيْن وَبَعض الثَّالِث، فَقَالَ: كَامِلين ليعرف أَنه أَرَادَ تَمام الْحَوْلَيْنِ.
وَقيل: إِنَّمَا قَالَه تَأْكِيدًا.
وروى أَن امْرَأَة أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من وَقت النِّكَاح، فجَاء زَوجهَا إِلَى عُثْمَان فِي ذَلِك.
فهم عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ برجمها، فَقَالَ عَليّ: لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا؛ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ وَقَالَ: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ فَإِذا ذهب الفصال حَوْلَيْنِ، بَقِي للْحَمْل سِتَّة أشهر، فَتَركهَا عُثْمَان، وَدَرَأَ الْحَد.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ﴾ يَعْنِي: الزَّوْج أَبُو الْوَلَد.
﴿رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَذَلِكَ نَفَقَة مُدَّة الرَّضَاع.
﴿لَا تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا﴾ إِلَّا طاقتها،

﴿تكلّف نفس إِلَّا وسعهَا لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُود لَهُ بولده وعَلى الْوَارِث مثل ذَلِك فَإِن أَرَادَ فصالا عَن ترَاض مِنْهُمَا وتشاور فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا وَإِن أردتم أَن﴾ يَعْنِي: على الموسع بِقدر وَسعه، وعَلى المقتر بِقدر طاقته.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا تضار وَالِدَة بِوَلَدِهَا﴾ بِفَتْح الرَّاء.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَغَيره بِضَم الرَّاء.
وَقَرَأَ أبان [عَن] عَاصِم: " لَا تضارر " وَفِي الشواذ.
فَمن قَرَأَ بِفَتْح الرَّاء فَمَعْنَاه: لَا تضار الْمَرْأَة بِوَلَدِهَا.
يَعْنِي: لَا ينتزع الْأَب وَلَدهَا مِنْهَا، فيسلمه إِلَى غَيرهَا وَهِي راغبة فِي الْإِرْضَاع.
وَيحْتَمل أَن مَعْنَاهُ: أَن الْمَرْأَة لَا تضار بِوَلَدِهَا فتتركه (لغَيْرهَا) ، وتمتنع من الْإِرْضَاع.
وَمن قَرَأَ بِالرَّفْع فَهَذَا أَيْضا مَعْنَاهُ، وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الثَّالِثَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا مَوْلُود لَهُ بولده﴾ يَعْنِي الْأَب لَا يضر بولده فَيسلم إِلَى غير الْأُم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وعَلى الوراث مثل ذَلِك﴾ قَالَ عمر: أَرَادَ بِهِ على غير الْوَالِدين مثل ذَلِك النَّفَقَة، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ يُوجب نَفَقَة الْقَرَابَة على الْإِخْوَة والأعمام.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَرَادَ بِمثل ذَلِك: ترك المضارة.
وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَلم ير النَّفَقَة على غير الْوَالِدين.
وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَرَادَ بالوارث هَذَا: الْوَلَد، عَلَيْهِ نَفَقَته من مَاله إِن كَانَ لَهُ مَال.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن أَرَادَا فصالا﴾ أَي: فِيمَا دون الْحَوْلَيْنِ.
﴿عَن ترَاض مِنْهُمَا﴾ يَعْنِي: من الْوَالِدين ﴿وتشاور﴾ أَي: يشاور أهل الْعلم بِهِ حَتَّى يخبروا أَن الفصال فِي ذَلِك الْوَقْت لَا يضر بِالْوَلَدِ.
والمشاورة: اسْتِخْرَاج الرَّأْي.

﴿تسترضعوا أَوْلَادكُم فَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِذا سلمتم مَا آتيتم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (233) وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا فعلن﴾ وَقيل: إِن عمر ركب فرسا يشوره، أَي: يسْتَخْرج سيره، فَعَطب تَحْتَهُ، فَحكم شريحا؛ فقضي عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ.
وَقَالَ: إِنَّمَا ركبته سوما؛ فولاه الْقَضَاء، فَقضى بعد ذَلِك سبعين سنة.
وَقَوله: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ أَي: فَلَا حرج فِي الفصال قبل تَمام الْحَوْلَيْنِ.
وَقَوله: ﴿وَإِن أردتم أَن تسترضعوا أَوْلَادكُم﴾ أَي: تستأجروا مُرْضِعَة لأولادكم، وَاللَّام محذوفة.
وَمَعْنَاهُ: أَن تسترضعوا لأولادكم.
وَقَوله: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِذا سلمتم مَا آتيتم بِالْمَعْرُوفِ﴾ . يقْرَأ: " آتيتم " ممدودا، وَيقْرَأ: " أتيتم " مَقْصُورا وَمعنى الأول: إِذا سلمتم إِلَى الْأُم، وَمَا آتيتم أَي: مَا سميتم لَهَا من أجر الرَّضَاع بِقدر مَا أرضعت.
وَيحْتَمل التَّسْلِيم إِلَى الْمُسْتَأْجرَة أجرتهَا إِلَى الرَّضَاع.
وَمن قَرَأَ " أتيتم " فَمَعْنَاه: إِذا سلمتم مَا أتيتم بِالْمَعْرُوفِ، يَعْنِي: إِذا سلمتم لأَمره وانقدتم لحكمه فِيمَا فَعلْتُمْ من الْمَعْرُوف.
﴿وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم﴾ قَرَأَ عَليّ: " يتوفون " بِفَتْح الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: يستوفون أعمارهم.
وَالْمَعْرُوف بِضَم الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: وَالَّذين يموتون ويتوفى آجالهم ﴿ويذرون أَزْوَاجًا﴾ أَي: ويتركون أَزْوَاجًا وَالْمرَاد بالأزواج: الزَّوْجَات.
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرن ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ الْآيَة فِي عدَّة الْوَفَاة، وَهِي مقدرَة بأَرْبعَة أشهر وَعشر بِاتِّفَاق الْأمة لنَصّ الْكتاب.

﴿فِي أَنْفسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (234) وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء أَو أَكُنْتُم فِي أَنفسكُم علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن﴾ وَقيل: إِنَّمَا قدر بِتِلْكَ الْمدَّة لحكمة، وَهِي أَن الْوَلَد يرتكض فِي بطن الْحَامِل لنصف مُدَّة الْحمل وَأَرْبَعَة أشهر وَعشر قريب من نصف مُدَّة الْحمل.
والارتكاض: بِمَعْنى التحرك، وَيُقَال: امْرَأَة مركضة إِذا تحرّك [فِي] بَطنهَا، قَالَ الشَّاعِر: (ومركضة صريحي أَبوهَا ... يهان لَهَا الغلامة والغلام) وَأما قَوْله: ﴿وَعشرا﴾ فَهِيَ لَيَال، يُقَال: عشرَة أَيَّام وَعشر لَيَال، وَإِنَّمَا خص اللَّيَالِي لِأَن كل أجل يبتدىء من اللَّيْل.
وَقَالَ الْمبرد: أَرَادَ بِهِ: عشر مدد، كل مُدَّة يَوْم وَلَيْلَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ﴾ أَي: انْقَضتْ عدتهن.
﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: فِيمَا فعلن من اخْتِيَار الْأزْوَاج دون العقد، وَالْعقد إِلَى الْوَلِيّ.
وَقيل: مَعْنَاهُ فِيمَا (تزين) للأزواج زِينَة لَا ينكرها الشَّرْع.
﴿وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء﴾ التَّعْرِيض بِالْخطْبَةِ فِي أَوَان الْعدة جَائِز.
وَالْخطْبَة: خطْبَة العقد، يُقَال: خطب يخْطب خطْبَة إِذا خطب العقد.
وخطب يخْطب خطْبَة إِذا خطب النَّاس بِكَلَام مَعْلُوم الأول وَالْآخر.
وَصُورَة التَّعْرِيض بِالْخطْبَةِ: أَن يَقُول للْمَرْأَة: إِنَّك لجميلة، وَإنَّك عَليّ لكريمة، وَإِنِّي لراغب فِي النِّسَاء، أَو مَا قضى الله يكون، وَنَحْو ذَلِك.
فَهَذَا لَا بَأْس بِهِ فِي حق الْمُعْتَدَّة.
وَلَا يجوز التَّصْرِيح بِالْخطْبَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِد: وَذَلِكَ أَن يَقُول: لَا تسبقيني بِالنِّكَاحِ، أَو يَقُول: لَا تفوتي على نَفسك، أَو أخطبك حَتَّى إِذا حللت أتزوجك، وَنَحْو هَذَا.

﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا إِلَّا أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله وَاعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَن الله﴾ وَقيل: إِن ذَلِك يجوز مَعَ الْوَلِيّ بِأَن يَقُول لَهُ: لَا تسبقني بِالنِّكَاحِ وَنَحْو ذَلِك.
وَإِنَّمَا لَا يجوز التَّصْرِيح مَعهَا.
وَالدَّلِيل على جَوَاز التَّعْرِيض بِالْخطْبَةِ: مَا روى أَن سكينَة بنت حَنْظَلَة تأيمت عَن زَوجهَا، فَدخل عَلَيْهَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر، وَقَالَ: تعلمين قَرَابَتي من رَسُول الله، وَقَرَابَتِي من عَليّ، وحقي فِي الْإِسْلَام، وشرفي فِي الْعَرَب.
فَقَالَ سكينَة: أَتَخْطُبُنِي وَأَنا مُعْتَدَّة وَأَنت أَنْت يَعْنِي: مِنْك يُؤْخَذ الْعلم؟ ! فَقَالَ: مَا خطبتك، وَلَكِن ذكرت منزلتي.
ثمَّ روى " أَن رَسُول الله دخل على أم سَلمَة وَكَانَت فِي عدَّة زَوجهَا أبي سَلمَة، فَذكر عَلَيْهِ السَّلَام كرامته على الله، ومنزلته عِنْد الله، وَكَانَ يذكر من ذَلِك ويعتمد على يَدَيْهِ حَتَّى أثر الْحَصِير فِي يَدَيْهِ ". فَهَذَا كُله من التَّعْرِيض بِالْخطْبَةِ، وَدلّ الحَدِيث على جَوَازه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَو أكننتم فِي أَنفسكُم﴾ أَي: أضمرتم فِي أَنفسكُم أَمر النِّكَاح ﴿علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن﴾ يَعْنِي: فِي أَنفسكُم.
﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا إِلَّا أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا﴾ فِي معنى هَذَا السِّرّ أَقْوَال، أَصَحهَا: أَنه أَخذ مِيثَاق النِّكَاح مِمَّا، نهى الشَّرْع عَنهُ فِي حَال الْعدة.
وَقيل: السِّرّ: الزِّنَا.
وَقيل: هُوَ الْوَطْء.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: (أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَأَن لَا يحسن السِّرّ أمثالي) يَعْنِي: الْجِمَاع.
قَالَ الشَّافِعِي قَوْله: ﴿لَا تواعدهن سرا﴾ هُوَ أَن يصف نَفسه بِكَثْرَة الْجِمَاع؛ ليرغبها فِي نِكَاحه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا من التَّعْرِيض الْمُبَاح.
قَوْله: ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح﴾ أَي: لَا تحققوا الْعَزْم على عقد النِّكَاح فِي الْعدة ﴿حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ أَي: فرض الْكتاب؛ لِأَن الْعدة من فرض الْكتاب.
﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ﴾ هَذَا فِي التحذير عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ.
﴿وَاعْلَمُوا أَن الله غَفُور حَلِيم﴾ .

﴿غَفُور حَلِيم (235) لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ تَقْدِيره: وَلم تمَسُّوهُنَّ، وَلم تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة.
هَذِه الْآيَة فِي الْمُطلقَة قبل الْفَرْض والمسيس.
وَفِي الْآيَة دَلِيل على جَوَاز إخلاء النِّكَاح عَن تَسْمِيَة الْمهْر.
وفيهَا دَلِيل على وجوب الْمُتْعَة فِي الْجُمْلَة؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿ومتعوهن﴾ . قَالَ ابْن عَبَّاس فِي الْمُتْعَة: أَعْلَاهَا خَادِم، وأوسطها الْوَرق، وَأَدْنَاهَا ثوب للكسوة.
قَالَ الشَّافِعِي: وَاسْتحْسن فِي الْمُتْعَة أَن تكون من عشْرين درهما إِلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي الْجُمْلَة هِيَ مفوضة إِلَى اجْتِهَاد الْحُكَّام، فَيُوجب على كل وَاحِد تَقْدِير مَا يرى ﴿على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ . قَالَ شرح: هَذَا إرشاد وَندب إِلَى الإمتاع، وَلم ير وجوب الْمُتْعَة، وَسَائِر الْعلمَاء ذَهَبُوا إِلَى وجوب الْمُتْعَة، فمذهب عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن لكل مُطلقَة مُتْعَة.
وَقَالَ ابْن عمر: لكل مُطلقَة مُتْعَة؛ إِلَّا الَّتِي فرض لَهَا زَوجهَا، وَطَلقهَا قبل الدُّخُول، حسبها نصف الْمُسَمّى، وَهَذَا أحد قولي الشَّافِعِي.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَنَّهَا لَا تجب إِلَّا للَّتِي لم يفْرض لَهَا، وَطلقت قبل الدُّخُول.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾ هَذِه الْآيَة فِي الْمُطلقَة بعد الْفَرْض قبل الْمَسِيس، وَجب لَهَا نصف الْمُسَمّى عِنْد الطَّلَاق قبل الدُّخُول.
﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ هَذَا فِي الزَّوْجَات، يُقَال: تَعْفُو، تعفوان، يعفون.
وَمعنى عَفْو الْمَرْأَة: هُوَ الْفضل بترك النّصْف الَّذِي وَجب لَهَا.
﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ قَالَ عَليّ وَهُوَ مَذْهَب شُرَيْح، وَالشعْبِيّ:

﴿فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح وَأَن تَعْفُو أقرب للتقوى وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم إِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (237) حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ (238) فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا﴾ إِن المُرَاد بِهِ: الزَّوْج، وعفوه: الْفضل بِإِعْطَاء تَمام الْمهْر.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ الْوَلِيّ وَهُوَ الْأَلْيَق بنظم الْآيَة وَرَأى جَوَاز إِبْرَاء الْوَلِيّ عَن مهر الْمَرْأَة.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه فِي أَب الْبكر خَاصَّة، وَله الْعَفو عَن مهر ابْنَته مَا دَامَت بكرا.
وَالْفَتْوَى على أَن لَيْسَ إِلَى الْوَلِيّ من الْعَفو شَيْء.
وَإِنَّمَا الْآيَة فِي الزَّوْج، كَمَا قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ.
﴿وَأَن تَعْفُو أقرب للتقوى﴾ الْخطاب مَعَ الْكل.
﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ أَي: أفضال بَعْضكُم على بعض.
﴿إِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ أَمر بالمحافظة على جَمِيع الْأَوْقَات.
وَأما الصَّلَاة الْوُسْطَى فَفِيهَا سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: قَالَ عمر، وَعلي، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأَبُو أَيُّوب، وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم هِيَ صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهَا وسط (صَلَاتي) اللَّيْل وصلاتي النَّهَار.
وَعَن حَفْصَة أَنَّهَا قَالَت لكاتب مصحفها: إِذا بلغت قَوْله: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ فَأَعْلمنِي، فَلَمَّا بلغه أعلمها، فَقَالَت: اكْتُبْ: وَالصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر.
وَقد صَحَّ الْخَبَر عَن رَسُول الله أَنه قَالَ يَوْم الخَنْدَق: " شغلونا عَن صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر مَلأ الله بطونهم وقبورهم نَارا ". وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت: أَنَّهَا صَلَاة الظّهْر، لِأَنَّهَا وسط النَّهَار.

وَالْقَوْل الثَّالِث وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَابْن عمر، وَجَابِر: أَنَّهَا صَلَاة الصُّبْح.
وَهُوَ [اخْتِيَار] الشَّافِعِي لِأَنَّهَا وسط صَلَاتي اللَّيْل وصلاتي النَّهَار.
ووراء هَذَا فِيهِ أَربع أَقْوَال غَرِيبَة: أَحدهَا قَالَه قبيصَة بن ذُؤَيْب: أَنَّهَا صَلَاة الْمغرب؛ لِأَنَّهَا وسط فِي عدد الرَّكْعَات.
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب، وَالربيع بن خثيم: أَنَّهَا كل صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس؛ لِأَن كل صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس: وسطى بَين الْأَرْبَع.
وَإِنَّمَا خصّه بعد ذكر الصَّلَوَات تَأْكِيدًا وتحريضا على الْمُحَافظَة على جَمِيع الصَّلَوَات.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا الْجُمُعَة.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنَّهَا الْجَمَاعَة.
وَاخْتلفُوا فِي صَلَاة الصُّبْح أَنَّهَا من صَلَاة اللَّيْل، أَو من صَلَاة النَّهَار.
فَأكْثر الْعلمَاء على أَنَّهَا من صَلَاة النَّهَار.
وَقَالَ بَعضهم: أَنَّهَا [من] صَلَاة اللَّيْل.
وَهَذَا الْخلاف يرجع إِلَى أَن النَّهَار من وَقت طُلُوع الْفجْر أَو [من] وَقت طُلُوع الشَّمْس.
فَمن قَالَ: إِنَّه من وَقت طُلُوع الْفجْر؛ جعل صَلَاة الصُّبْح من صَلَاة النَّهَار.
وَمن قَالَ: إِن النَّهَار من وَقت طُلُوع الشَّمْس؛ جعلهَا من صَلَاة اللَّيْل.
وَاسْتدلَّ قَائِل هَذَا القَوْل بقول أُميَّة بن الصَّلْت.
(وَالشَّمْس تطلع كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد) وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: ليل مَحْض، ونهار مَحْض، ومشترك بَين اللَّيْل، وَالنَّهَار فَصَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة فِي مَحْض اللَّيْل.
وَصَلَاة الظّهْر وَالْعصر فِي مَحْض النَّهَار، وَصَلَاة الصُّبْح مُشْتَرك بَين اللَّيْل وَالنَّهَار.

﴿فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ (239) وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج فَإِن خرجن فَلَا﴾ وَفِيه قَول آخر هُوَ الْمُخْتَار: أَنه ليل لُغَة ونهار شرعا.
وَقَوله: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ أَي: مُطِيعِينَ ساكتين.
وَذَلِكَ أَن الْكَلَام كَانَ مُبَاحا فِي الصَّلَاة فِي الِابْتِدَاء، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة؛ سكتوا.
والقارئ فِي الصَّلَاة سَاكِت عَن الْكَلَام.
وَمذهب الشَّافِعِي أَنه [لَو] حلف لَا يتَكَلَّم فَقَرَأَ الْقُرْآن لم يَحْنَث؛ لِأَنَّهُ كَلَام الله لَا كَلَامه.
خلافًا لأبي حنيفَة قَالَ: يَحْنَث.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا﴾ هَذِه فِي صَلَاة الْخَوْف، يصلونَ مشَاة وفرسانا.
وَقَوله: ﴿فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: كَمَا علمكُم من أصل الصَّلَاة فِي حَال الْأَمْن.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم﴾ . يقْرَأ بِالْفَتْح، وَتَقْدِيره: أوصوا وَصِيَّة.
وَيقْرَأ بِالضَّمِّ: وَتَقْدِيره: عَلَيْكُم وَصِيَّة، وَهَذَا ورد فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَت (الْعدة للوفاة) حولا كَامِلا، وَكَانَت نَفَقَة جَمِيع الْحول على الزَّوْج وَاجِبَة، وَكَانَ يجب عَلَيْهِ الْوَصِيَّة بِالْإِنْفَاقِ إِذا مَاتَ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول﴾ أَي: نَفَقَة الْحول.
وَقَوله: ﴿غير إِخْرَاج﴾ وَحرم على الْوَارِث إِخْرَاج الْمُعْتَدَّة من الْبَيْت قبل تَمام الْحول، لَكِن إِذا خرجت بِنَفسِهَا سَقَطت نَفَقَتهَا.
فنسخ ذَلِك بِآيَة عدَّة الْوَفَاة كَمَا سبق، وَتلك

﴿جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف وَالله عَزِيز حَكِيم (240) وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون (242) ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت﴾ الْآيَة وَإِن كَانَت مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَلكنهَا مُتَأَخِّرَة فِي الْمَعْنى، وَهِي ناسخة لهَذِهِ الْآيَة.
وَقيل لعُثْمَان: أَلا تضع تِلْكَ الْآيَة مَكَان هَذِه الْآيَة، وَهَذِه مَكَان تِلْكَ؟ فَقَالَ: أكره أَن أغير الْقُرْآن عَن مَوْضِعه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن خرجن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف﴾ هُوَ مَا ذكرنَا بعد الْفَرَاغ من الْعدة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ أعَاد ذكر الْمُتْعَة تَأْكِيدًا.
وَسبب نزُول الْآيَة: مَا روى أَنهم لما سمعُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالُوا: إِن شِئْنَا نمتع، وَإِن شِئْنَا لَا نمتع، فَنزلت هَذِه الْآيَة.
﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: الْمُتْعَة لَهُنَّ ملكا، جعلهَا لَهُنَّ بلام التَّمْلِيك.
وَقَوله: ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: وَاجِبا على الْمُؤمنِينَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته﴾ لِأَنَّهُ ذكر فِيمَا قبل كثيرا من الْآيَات، وَالْأَحْكَام، فَأَرَادَ بِهِ ذَلِك.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ أَي: تفهمون وتفقهون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، وَقَالَ غَيره: كَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف، وَقَالَ السّديّ: كَانُوا [بضعَة]

فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون (243) وقاتلوا فِي سَبِيل الله وَاعْلَمُوا أَن الله سميع عليم (244) من ذَا) وَثَلَاثِينَ ألفا وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: أَرْبَعِينَ ألفا، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أُلُوف، أَي: مؤتلفة قُلُوبهم، وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بِهِ: الْعدَد كَمَا بَينا.
وَقَوله: ﴿حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا﴾ أَي: أماتهم الله ﴿ثمَّ أحياهم﴾ هَذَا [فِي] قوم من بني إِسْرَائِيل هربوا من الطَّاعُون، وَقَالُوا: نَذْهَب إِلَى أَرض لَيْسَ بهَا طاعون، فَذَهَبُوا فأماتهم اله تَعَالَى هُنَالك وبقوا سَبْعَة أَيَّام كَذَلِك، فَمر بهم نَبِي يُقَال لَهُ: حزقيل، فَدَعَا الله تَعَالَى فأحياهم.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أماتهم الله تَعَالَى قبل آجالهم؛ عُقُوبَة لَهُم، ثمَّ أحياهم ليستوفوا آجالهم.
وَفِي الْقَصَص: أَنه بعد مَا أحياهم كَانَ يُوجد مِنْهُم ريح الْمَوْت، وَكَذَلِكَ من أَوْلَادهم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله لذُو فضل على النَّاس﴾ قيل: هُوَ على الْعُمُوم فِي حق الكافة فِي الدُّنْيَا، وَقيل: هُوَ على الْخُصُوص فِي حق الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون﴾ أما الْكفَّار فَلَا يشكرون.
وَأما [الْمُؤْمِنُونَ] فَلم يبلغُوا غَايَة الشُّكْر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله وَاعْلَمُوا أَن الله سميع عليم﴾ قيل الْخطاب مَعَ الصَّحَابَة.
وَالْمعْنَى فِيهِ: أَن أُولَئِكَ الْقَوْم لما هربوا من الْمَوْت لم يَنْفَعهُمْ الْهَرَب حَتَّى أدركهم الْمَوْت، فَلَا تقعدوا وَأَنْتُم عَن الْقِتَال خوفًا من الْمَوْت؛ بل جاهدوا وقاتلوا فِي سَبِيل الله.
وَقيل: الْخطاب مَعَ أُولَئِكَ الْقَوْم من بني إِسْرَائِيل، فَإِنَّهُم إِنَّمَا قعدوا عَن الْقِتَال؛ فأماتهم الله ثمَّ أحياهم، وَأمرهمْ بِالْقِتَالِ.

﴿الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ أضعافا كَثِيرَة وَالله يقبض ويبصط وَإِلَيْهِ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ الْقَرْض: هُوَ الْقطع.
وَمِنْه المقراض، وسمى الْقَرْض قرضا؛ لِأَنَّهُ يقطع شَيْئا من مَاله ليكافأ عَلَيْهِ.
أَو يرد عَلَيْهِ مثله.
قَالَ لبيد: (وَإِذا جوزيت قرضا فأجزه ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْإِبِل) فَإِن قيل: كَيفَ يكون الْإِقْرَاض من الله تَعَالَى؟ قيل مَعْنَاهُ: يقْرض أَنْبيَاء الله.
فَقَالَ الضَّحَّاك: مَعْنَاهُ: يتَصَدَّق لله، وَسَماهُ قرضا لِأَن الله تَعَالَى قد وعد الثَّوَاب عَلَيْهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قرضا حسنا﴾ يَعْنِي: حَلَالا، وَقيل: حسنا أَي: طيبَة نَفسه بِهِ.
وَقَوله: ﴿فيضاعفه لَهُ أضعافا كَثِيرَة﴾ يقْرَأ بقراءات: فيضاعفه " بِضَم الْفَاء على إتباع قَوْله: ﴿يقْرض﴾ . وَقُرِئَ: " فيضاعفه ". بِفَتْح الْفَاء نصبا على جَوَاب الِاسْتِفْهَام.
وَيقْرَأ: " فيضعفه " بِالْيَاءِ وَيقْرَأ بالنُّون: " فنضعفه ". ولتضعيف والمضاعفة بِمَعْنى وَاحِد.
والضعف كل مَا زَاد على الْمثل.
وَقَوله: ﴿أضعافا كَثِيرَة﴾ قَالَ السّديّ: كَثِيرَة لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله.
وَقَالَ غَيره: سَبْعمِائة ضعف.
وَقَوله: ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال:

﴿ترجعون (245) ألم تَرَ إِلَى الْمَلأ من بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى إِذْ قَالُوا لبني لَهُم﴾ [أَحدهمَا] : قَالَ الْحسن: يقبض بالتقتير، ويبسط بالتوسيع.
وَقَالَ الزّجاج: يقبض بِقبُول الصَّدَقَة، ويبسط بِإِعْطَاء الثَّوَاب عَلَيْهِ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: يقبض بتقليل الْأَعْمَار، ويبسط بتكثير الْأَعْمَار.
وَالْقَوْل الرَّابِع: يقبض بِالتَّحْرِيمِ، ويبسط بِالْإِبَاحَةِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الْمَلأ من بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى﴾ الْمَلأ: أَشْرَاف كل قوم.
وَفِي الْخَبَر: " أَنه لما قتل رُءُوس الْمُشْركين مثل أبي جهل، وَعتبَة، وَغَيرهمَا يَوْم بدر قَالَ رجل من الْأَنْصَار: مَا قتلنَا إِلَّا عَجَائِز صلعا أَي: أَوَاخِر الْقَوْم شُيُوخًا فكره ذَلِك رَسُول الله وَقَالَ: أُولَئِكَ الْمَلأ من قُرَيْش؛ لَو رَأَيْتهمْ هبتهم، وَإِن أمروك أطعتهم، واحتقرت فعلك مَعَ فعلهم ". وَقَوله: ﴿إِذْ قَالُوا لنَبِيّ لَهُم ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله﴾ قيل: ذَلِك النَّبِي كَانَ اشمويل، وَقيل: كَانَ يُوشَع بن النُّون، وَقيل: هُوَ شَمْعُون، وسى بذلك؛ لِأَن الله تَعَالَى دَعَاهُ فَسَمعهُ.
والقصة فِي ذَلِك: أَن بني إِسْرَائِيل [ظهر] عَلَيْهِم الْعَدو، وَسبوا من أَبنَاء مُلُوكهمْ أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعين نَفرا وَكَانُوا قد قعدوا عَن الْقِتَال أَربع سِنِين فَجَاءُوا إِلَى نَبِيّهم ذَلِك، وَقَالُوا لَهُ: ابْعَثْ لنا ملكا يجْتَمع أمرنَا عَلَيْهِ

﴿ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله قَالَ هَل عسيتم إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال أَلا تقاتلوا قَالُوا وَمَا لنا أَلا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله وَقد أخرجنَا من دِيَارنَا وأبنائنا فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال توَلّوا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالله عليم بالظالمين (246) وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن الله قد﴾ فنقاتل فِي سَبِيل الله.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَل عسيتم﴾ الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: بِفَتْح السِّين.
وقرىء: " هَل عسيتم " بِكَسْر السِّين وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء.
وبالفتح أصوب.
وَقَوله: ﴿إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال أَلا تقاتلوا﴾ وَمعنى الْآيَة: لَعَلَّكُمْ أَن تجبنوا عَن الْقِتَال فَلَا تقاتلوا.
وَقَوله: ﴿قَالُوا ومالنا أَلا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله﴾ أَي: مَا يمنعنا أَن نُقَاتِل فِي سَبِيل الله.
﴿وَقد أخرجنَا من دِيَارنَا﴾ لأَنهم كَانُوا أخرجُوا من بَيت الْمُقَدّس.
﴿وأبنائنا﴾ أَي: أخرجنَا من أَبْنَائِنَا بِالسَّبْيِ، والسبي فِيهِ مُضْمر، وَمثله قَول الشَّاعِر: (وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) أَي: وحاملا رمحا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال توَلّوا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالله عَلَيْهِم بالظالمين﴾ وَأَرَادَ بِالْقَلِيلِ: أُولَئِكَ الَّذين اقتصروا على الغرفة، وجاوزوا مَعَ طالوت وَسَيَأْتِي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ قيل: إِنَّه كَانَ سقاء يَسْتَسْقِي على الْحمار.
وسمى طالوت؛ لطوله لِأَنَّهُ كَانَ أطول من كل أحد بِرَأْسِهِ ومنكبه.
وَقيل: كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا رفع يَدَيْهِ وصل إِلَى رَأسه، يَعْنِي: رَأس طالوت.

بعث لكم طالوت ملكا قَالُوا أَنى يكون لَهُ الْملك علينا وَنحن أَحَق بِالْملكِ مِنْهُ وَلم يُؤْت سَعَة من المَال قَالَ إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم (247) وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن آيَة ملكه أَن) وَقَوله: ﴿قَالُوا أَنِّي يكون لَهُ الْملك علينا وَنحن أَحَق بِالْملكِ مِنْهُ﴾ أَي: كَيفَ يكون لَهُ الْملك علينا، وَلَيْسَ هُوَ من سبط النُّبُوَّة، وَالْملك؟ وَذَلِكَ أَن سبط النُّبُوَّة كَانَ سبط لاوي بن يَعْقُوب، وَهُوَ سبط مُوسَى بن عمرَان، وسبط الْملك كَانَ سبط يهوذا، وَكَانَ طالوت من سبط بنيامين، وَلم يكن سبط ملك وَلَا نبوة؛ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قد عصوا الله مَعْصِيّة عَظِيمَة؛ فَنزع الله مِنْهُم النُّبُوَّة وَالْملك وَكَانُوا يسمون سبط الْإِثْم.
وَقَوله: ﴿وَلم يُؤْت سَعَة من المَال﴾ لِأَنَّهُ كَانَ سقاء كَمَا بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم﴾ أَي: اخْتَارَهُ عَلَيْكُم.
وَقَوله: ﴿وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم﴾ أما الزِّيَادَة بالجسم: مَعْلُوم.
وَأما الْعلم: قيل أَرَادَ بِهِ علم الْحَرْب وَكَانَ طالوت أعلمهم بِأَمْر الْحَرْب وَقيل: أَرَادَ بِهِ علم الدّين، وَالْأول أصح.
وَقَوله: ﴿وَالله يُؤْتى ملكه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ فالواسع: ذُو السعَة، وَهُوَ الَّذِي يعْطى عَن غَنِي.
وَأما الْعَلِيم: فَقيل: الْعَلِيم والعالم بِمَعْنى وَاحِد، وَمِنْهُم من فرق بَين الْعَلِيم والعالم، فَقَالَ: الْعَالم: بِمَا كَانَ، والعليم: بِمَا يكون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن آيَة ملكه أَن يأتيكم التابوت﴾ طلبُوا مِنْهُ آيَة على الْملك، فَأخْبرهُم نَبِيّهم بِآيَة ملكه، وَذَلِكَ إتْيَان التابوت.
قيل: هُوَ التابوت الَّذِي كَانَ مَعَ مُوسَى وَهَارُون، كَانَت بَنو إِسْرَائِيل يخرجُون بِهِ إِلَى الْغَزَوَات ويستنصرون بِهِ.

﴿يأتيكم التابوت فِيهِ سكينَة من ربكُم وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون تحمله﴾ وَقيل: كَانَ من شجر الشمشاذ، وَكَانَ ثَلَاثَة أَذْرع فِي ذراعين.
وَفِيه قَول آخر: أَنه التابوت الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على آدم مَعَ الرُّكْن، وَكَانَ فِيهِ صور الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿فِيهِ سكينَة من ربكُم﴾ قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: السكينَة لَهَا وَجه كوجه الْإِنْسَان، وَهِي بعد ريح هفافة.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ طست من ذهب كَانَ يغسل فِيهِ قُلُوب الْأَنْبِيَاء، وَقيل: هِيَ شَيْء يشبه الهر لَهُ عينان لَهما شُعَاع، وَله جَنَاحَانِ من الزمرد والزبرجد، وَكَانُوا إِذا سمعُوا صَوته تيقنوا بالنصر، وَكَانُوا إِذا خَرجُوا بالتابوت إِلَى الْحَرْب يضعونه قدامهم، فَإِن سَار سَارُوا، وَإِن وقف وقفُوا.
وَقَالَ مُجَاهِد: السكينَة آيَة كَانُوا يسكنون إِلَيْهَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون﴾ وَذَلِكَ عصى مُوسَى، ونعلاه، وعمامة هَارُون، ورضاض الألواح الَّتِي تَكَسَّرَتْ، وقفيز من الْمَنّ الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ التَّوْرَاة، كَانَت فِي التابوت.
﴿مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون﴾ يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُون، وَمثله قَول الشَّاعِر: (فَلَا تبك مَيتا بعد ميت أجنه ... عَليّ وعباس وَآل أبي بكر) أَي: دَفنه يَعْنِي: وَأَبُو بكر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿تحمله الْمَلَائِكَة﴾ قَالَ الْحسن: كَانَ التابوت مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء، فَلَمَّا تولى طالوت الْملك، حملت الْمَلَائِكَة التابوت ووضعوه بَينهم.
وَقيل: إِن العمالقة غلبوا على التابوت، ودفنوه، فَأمر الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة حَتَّى استخرجوه، وَحَمَلُوهُ إِلَيْهِم.

﴿الْمَلَائِكَة إِن فِي ذَلِك لآيَة لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين (248) فَلَمَّا فصل طالوت بالجنود قَالَ إِن الله مبتليكم بنهر فَمن شرب مِنْهُ فَلَيْسَ مني وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني إِلَّا من﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: إِن العمالقة لما غلبوا على التابوت أَخذهم الْبَاسُور، فعلموه أَن ذَلِك عُقُوبَة عَلَيْهِم من أجل التابوت، فشدوه على عجلة وَحَمَلُوهُ على ثورين، وساقوهما إِلَى الْمَفَازَة وتركوه فَجَاءَت الْمَلَائِكَة وَسَاقُوا ذَلِك إِلَى بني إِسْرَائِيل.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا فصل طالوت بالجنود﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ عدد الْجنُود ثَمَانِينَ ألفا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن الله مبتليكم بنهر﴾ وَذَلِكَ نهر كَانَ بَين أردن وفلسطين، وَمَعْنَاهُ: أَن الله ممتحنكم بذلك النَّهر؛ ليظْهر من لَهُ نِيَّة وَقصد فِي الْقِتَال، مِمَّن لَا نِيَّة لَهُ.
وَقَوله: ﴿فَمن شرب مِنْهُ فَلَيْسَ منى﴾ قَالَه طالوت، يَعْنِي: لَيْسَ من أهل ولايتي وصحابتي.
﴿وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني﴾ أَي: من لم يذقه، قَالَ الشَّاعِر: (فَإِن شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم ... وَإِن شِئْت لم أطْعم نقاخا وَلَا بردا) أَي: لم أذق مَاء وَلَا نوما.
يُقَال: منع الْبرد الْبرد أَي: منع الْبرد النّوم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من اغترف غرفَة بِيَدِهِ﴾ يقْرَأ بقراءتين، بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا.
والغرفة بِفَتْح الْغَيْن: الْمرة.
والغرفة بِضَم الْغَيْن: ملْء الْكَفّ.
وَقَوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ قَالَ عِكْرِمَة: كَانَ عدد الْقَلِيل الَّذين اقتصروا على الغرفة: أَرْبَعَة آلَاف.

﴿اغترف غرفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فَلَمَّا جاوزه هُوَ وَالَّذين آمنُوا مَعَه قَالُوا لَا طَاقَة لنا الْيَوْم بجالوت وَجُنُوده قَالَ الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا الله كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين (249) وَلما برزوا لجالوت﴾ وَأكْثر الْمُفَسّرين وَهُوَ الْأَصَح على أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر نَفرا.
قَالَ الْبَراء بن عَازِب: كُنَّا نتحدث أَن عدد أَصْحَاب رَسُول الله، ورضى عَنْهُم يَوْم بدر كَانُوا على عدَّة الَّذين جاوزا مَعَ طالوت، وَكَانُوا يَوْم بدر ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر نَفرا ". قَالَ الْبَراء بن عَازِب: وَلم يُجَاوز إِلَّا مُؤمن.
وَفِي الْقَصَص: أَنهم لما وصلوا إِلَى النَّهر، كَانَ قد ألْقى الله عَلَيْهِم الْعَطش، فَشرب الْكل إِلَّا هَذَا الْعدَد الْقَلِيل.
وكل من شرب مِنْهُم اسودت شفتاه، وَلم يرو، وَبَقِي على الشط، وكل من اقْتصر على الغرفة روى وَجَاوَزَ.
وَقيل: إِن الْكل جاوزا، وَلَكِن حضر بَعضهم الْقِتَال، وَلم يحضر الْبَعْض.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا جاوزه هُوَ وَالَّذين آمنُوا مَعَه قَالُوا لَا طَاقَة لنا الْيَوْم بجالوت وَجُنُوده﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس والسدى: إِنَّمَا قَالَه الَّذين انخذلوا وَلم يجاوزا، وَقيل: إِنَّمَا قَالَه من الَّذين جاوزوا؛ من قلت بصيرته فِي الدّين دون من قويت بصيرته.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا الله﴾ يَعْنِي: الَّذين قويت بصيرتهم.
﴿يظنون﴾ يستيقنون أَنهم ملاقو الله، وَقد ذكرنَا الظَّن بِمَعْنى الْيَقِين وَقيل: هُوَ على حَقِيقَة الظَّن يَعْنِي: الَّذين يظنون إِصَابَة الشَّهَادَة فِي الْوَقْعَة.
وَقَوله: ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله﴾ بِقَضَائِهِ وإدارته.
﴿وَالله مَعَ الصابرين﴾ بالنصر والعونة.

وَقَوله: ﴿وَلما برزوا لجالوت وَجُنُوده﴾ كَانَ جالوت رَئِيس تِلْكَ العمالقة.

﴿وَجُنُوده قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا صبرا وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين (250) فهزموهم بِإِذن الله وَقتل دَاوُد جالوت وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَعلمه مِمَّا يَشَاء وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض وَلَكِن الله ذُو فضل﴾ وَقَوله: ﴿قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا صبرا﴾ مَعْنَاهُ: أصبب علينا.
وَقَوله: ﴿وَثَبت أقدامنا﴾ أَي: فِي الْقِتَال ﴿وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿فهزموهم بِإِذن الله﴾ أَي: كسروهم، يُقَال: سقاء مهزم، ومنهزم أَي: متكسر متثن بعضه على بعض.
وَقَوله ﴿بِإِذن الله﴾ أَي: بِقَضَائِهِ وإرادته.
وَقَوله: ﴿وَقتل دَاوُد جالوت﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن أَبَا دَاوُد حضر الْحَرْب مَعَ ثَلَاثَة عشر نَفرا من أَوْلَاده كَانَ أَصْغَرهم سنا دَاوُد، وَكَانَ [أصَاب] مَعَه مقلاع وقذافة، فبرز جالوت وَطلب البرَاز وَخرج إِلَيْهِ دَاوُد، ورماه بالمقلاع الْحجر بَين عَيْنَيْهِ وَخرج من قَفاهُ، وَأصَاب قوما آخَرين وقتلهم.
وَقَوله: ﴿وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة﴾ جمع لدواد بَين الْملك وَالْحكمَة، يَعْنِي: النُّبُوَّة.
قيل: بعده بِسبع سِنِين، وَلم يكن من قبل مجتمعا، بل كَانَ الْملك فِي سبط والنبوة فِي سبط، وَقيل: الْملك وَالْحكمَة: هُوَ الْعلم مَعَ الْعَمَل.
وَقَوله: ﴿وَعلمه مِمَّا يَشَاء﴾ قيل: صَنْعَة الدروع، وأصوات الطُّيُور، وَالزَّبُور.
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ قَرَأَ نَافِع: " وَلَوْلَا دفاع الله " وَالْمعْنَى وَاحِد.
قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: مَعْنَاهُ: لَوْلَا دفع الله الْكفَّار بِالْمُؤْمِنِينَ؛ لكثر الْكفْر، وَنزلت السخطة، واستؤصلت الأَرْض.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل