محمد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَجعلُوا لملائكة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا أشهدوا خلقهمْ ستكتب شَهَادَتهم ويسألون (19) وَقَالُوا لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا﴾ وَلَيْسَ الْجعل هَاهُنَا بِمَعْنى الْخلق، إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْوَصْف وَالتَّسْمِيَة كَمَا يَقُول الْقَائِل: جعل فلَان زيدا أعلم النَّاس أَي: وَصفه بِهِ، وَحكم لَهُ بذلك، وَقُرِئَ: " عِنْد الرَّحْمَن " وَهُوَ عبارَة عَن الْقرب والرفعة.
وَقَوله: ﴿أشهدوا خلقهمْ﴾ مَعْنَاهُ: أحضروا خلقهمْ فعرفوا أَنهم خلقُوا إِنَاثًا، وَقُرِئَ: (اشْهَدُوا خلقهمْ) مَعْنَاهُ: احضروا.
وَقَوله: ﴿ستكتب شَهَادَتهم﴾ وَقُرِئَ (سنكتب) بالنُّون يعْنى: [أَنهم] يجازون بِشَهَادَتِهِم الكاذبة.
وَقيل سنكتب ليجاوز.
وَقَوله: ﴿ويسألون﴾ أَي: يسْأَلُون عَن شَهَادَتهم يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ تعلق بِهَذِهِ الْآيَة الْقَدَرِيَّة، وَقَالُوا: حكى الله تَعَالَى عَن الْكفَّار أَنهم قَالُوا: لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم، ثمَّ عقبه بالإنكار والتهديد فَقَالَ: ﴿مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون﴾ أَي: يكذبُون، وعندكم أَن الْأَمر على مَا قَالُوا.
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿مَا لَهُم بذلك من علم﴾ أى: مَالهم بقَوْلهمْ إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله من علم إِن هم إِلَّا يخرصون يعْنى: فِي هَذَا القَوْل وَقد تمّ الْكَلَام على هَذَا عِنْد قَوْله: ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ وَالْإِنْكَار غير رَاجع إِلَيْهِ، وَيجوز أَن يحْكى من الْكفَّار مَا هُوَ حق مثل قَوْله: ﴿وَإِذا قيل لَهُم أَنْفقُوا مِمَّا رزقكم الله قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ وَهَذَا القَوْل حق وَصدق، فَإِن قيل: أول الْآيَة وَآخِرهَا خرج مخرج الْإِنْكَار عَلَيْهِم فَكيف يحْكى عَنْهُم مَا هُوَ حق؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم قَالُوا هَذَا لَا على اعْتِقَاد الْحق وَلَكِن لدفع الْقبُول عَن أنفسهم، وَقد كَانُوا أمروا
﴿يخرصون (20) أم آتَيْنَاهُم كتابا من قبله فهم بِهِ مستمسكون (21) بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون (22) وَكَذَلِكَ مَا أرسلنَا من قبلك فِي قَرْيَة من﴾ بِالْقبُولِ، فأرادوا أَن يدفعوا الْقبُول من أنفسهم بِهَذَا القَوْل، كَمَا أَن فِي الْآيَة الآخرى أَرَادوا أَن يدفعوا الْأَمر بِالْإِنْفَاقِ عَن أنفسهم بِمَا قَالُوهُ، وَالْقَوْل على هَذَا الْقَصْد غير صَحِيح.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿مَا لَهُم بذلك من علم﴾ أَي: مَا لَهُم فِي هَذَا القَوْل من عذر.
وَقَوله: ﴿إِن هم غلا يخرصون﴾ أَي: يطْلبُونَ مَا لَا يكون من طلب الْعذر بِهَذَا الْكَلَام، حَكَاهُ النّحاس، وَالْأول ذكره الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أتيناهم كتابا من قبله﴾ أَي: بِمَا زَعَمُوا ان الْمَلَائِكَة خلقُوا إِنَاثًا.
وَقَوله: ﴿فهم بِهِ مستمسكون﴾ أَي: مستمسكون، وَهَذَا على طَرِيق الْإِنْكَار أَيْضا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة﴾ وَقُرِئَ: " إمة " بِكَسْر الْألف فَقَوله: ﴿على أمة﴾ أَي: على مِلَّة وَدين، قَالَ الشَّاعِر:
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَهل يأثمن ذُو أمة وَهُوَ طائع)
أَي: ذُو مِلَّة.
وَأما الإمة بِكَسْر الْألف فَهِيَ بِمَعْنى الطَّرِيقَة، قَالَ الشَّاعِر:
(ثمَّ بعد الْفَلاح وَالْملك وإلامة ... وارتهم هُنَاكَ الْقُبُور)
فَقَوله: والإمة يَعْنِي: الطَّرِيقَة الْحَسَنَة.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ أَي: متبعون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أرسلنَا من قبلك فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها﴾
﴿نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون (23) قَالَ أَو لَو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون (24) فانتقمنا مِنْهُم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين (25) وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَومه إِنَّنِي برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين (27) وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه﴾ أَي: متنعموها.
وَوجه الْإِنْكَار أَن الرفه مَنعهم عَن طلب الْحق.
وَقَوله: ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي الْآيَتَيْنِ دَلِيل على ذمّ التَّقْلِيد وَالرُّجُوع إِلَى قَول الْآبَاء من غير حجَّة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَو لَو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم﴾ مَعْنَاهُ: أتتبعون مَا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم وَإِن جِئتُكُمْ بأهدى مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسلتم بِهِ كافرون﴾ أَي: جاحدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فانتقمنا مِنْهُم﴾ أَي: بالإهلاك والعقوبة.
وَقَوله: ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ أَي: الجاحدين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَومه إِنَّنِي برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ﴾ وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " بَرِيء " فَقَوله: ﴿برَاء﴾ بِمَعْنى قَوْله: " بَرِيء "، وَيُقَال: إِنَّه لُغَة اهل الْحجاز يَعْنِي قَوْله: ﴿برَاء﴾ وَهُوَ مِمَّا لَا يثنى وَلَا يجمع.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فطرني﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه على حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء إِلَّا أَنهم كَانُوا يعْبدُونَ الله وَمَا دونه، فيستقيم الِاسْتِثْنَاء على هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن لذِي فطرني أَي: جعلني ﴿فَإِنَّهُ سيهدين﴾ أَي: يرشدني.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة﴾ قَالَ مُجَاهِد: هِيَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ الْإِخْلَاص والتوحيد.
وَعَن بَعضهم: أَن الْكَلِمَة هِيَ قَول إِبْرَاهِيم:
﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ (28) بل متعت هَؤُلَاءِ وآباءهم حَتَّى جَاءَهُم الْحق وَرَسُول مُبين (29) وَلما جَاءَهُم الْحق قَالُوا هَذَا سحر وَإِنَّا بِهِ كافرون (30) وَقَالُوا لَوْلَا نزل هَذَا الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم (31) أهم يقسمون رحمت رَبك نَحن قسمنا بَينهم﴾ ﴿أسلمت لرب الْعَالمين﴾ . وَذَلِكَ عِنْدَمَا قيل لَهُ: ﴿أسلم﴾ . وَأما قَوْله: ﴿فِي عقبَة﴾ أَي: فِي وَلَده.
وَفِي التَّفْسِير: لَا يزَال فِي عقب إِبْرَاهِيم من هُوَ مُسْتَقِيم على كلمة التَّوْحِيد.
وَقيل: ﴿فِي عقبه﴾ هُوَ رجل وَاحِد، وَذَلِكَ مُحَمَّد.
وَقَالَ السدى: فِي عقبه يَعْنِي: فِي آل مُحَمَّد وَرَضي عَنْهُم.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: يرجعُونَ إِلَى الْهدى بعد الضَّلَالَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل متعت هَؤُلَاءِ وآباءهم﴾ أَي: أمتعتهم بِأَنْفسِهِم وَأَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ، وأمتعت آبَاءَهُم.
وَقَوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُم الْحق وَرَسُول مُبين﴾ أَي: جَاءَهُم الْقُرْآن يبين الْهدى من الضَّلَالَة، وَالْحق من الْبَاطِل.
وَقَوله: ﴿وَلما جَاءَهُم الْحق قَالُوا هَذَا سحر وَإِنَّا بِهِ كافرون﴾ أَي: جاحدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نزل هَذَا الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم﴾ وَتَقْدِيره: على رجل من رجْلي القريتين عَظِيم.
والقريتان هما مَكَّة والطائف، وَأما الرّجلَانِ اخْتلفُوا فيهمَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: الَّذِي من مَكَّة هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَالَّذِي من الطَّائِف هُوَ حبيب بن عَمْرو الثَّقَفِيّ.
وَقيل: الَّذِي من مَكَّة هُوَ عتبَة بن ربيعَة، وَالَّذِي من الطَّائِف هُوَ عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، قَالَه قَتَادَة.
وَقَالَ مُجَاهِد فِي الَّذِي من الطَّائِف: هُوَ ابْن عبد ياليل الثَّقَفِيّ.
وَعَن السدى أَيْضا فِيهِ: أَنه كنَانَة بن عدي بن عَمْرو.
وَقَوله: ﴿أهم يقسمون رَحْمَة رَبك﴾ أَي: رِسَالَة رَبك فيختارون لَهَا من شَاءُوا.
وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ لَهُم هَذَا الِاخْتِيَار.
﴿معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا ورحمت رَبك خير مِمَّا يجمعُونَ (32) وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا﴾
وَقَوله: ﴿نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: كَمَا قسمنا معيشة الْحَيَاة الدُّنْيَا فاخترنا للغنى من شِئْنَا، وللفقر من شِئْنَا، فَكَذَلِك اخترنا واصطفينا للرسالة من شِئْنَا.
وَقد روى ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم، وَإِن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لَا يحب، وَلَا يُعْطي الدّين إِلَّا من يُحِبهُ، وَمن أعطَاهُ الدّين فقد أحبه ". وَعَن قَتَادَة: رب رجل ضَعِيف (الجبلة) عيي اللِّسَان [مَبْسُوط لَهُ] فِي الرزق، وَرب رجل شَدِيد (الجبلة) ، فصيح اللِّسَان مقتر عَلَيْهِ فِي الرزق.
وَقَوله: ﴿ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا، فغني وفقير، وفاضل ومفضول، وحر وَعبد، وصحيح وَسَقِيم، وَأَشْبَاه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا﴾ أَي: خولا.
وَقيل: بتسخير الْغَنِيّ الْفَقِير بِمَالِه، وَالْقَوِي الضَّعِيف بِفضل قوته.
وَيُقَال: تتخذونهم مماليك وعبيدا، وَبِهَذَا الْقيام صَلَاح الْعَالم، وَأنْشد بَعضهم:
(سُبْحَانَ من سخر [الْأَنَام] بَعضهم ... للْبَعْض حِين اسْتَوَى التَّدْبِير واطردا)
(فَصَارَ يخْدم هَذَا ذَاك من جِهَة ... وَذَاكَ من جِهَة هَذَا وَإِن بعدا)
(كل بِمَا عِنْده مُسْتَبْشِرٍ فَرح ... يرى السَّعَادَة فِيمَا نَالَ واعتقدا)
وَقَوله: ﴿وَرَحْمَة رَبك خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ أَي: النُّبُوَّة خير مِمَّا يجمعُونَ من الدُّنْيَا، وَقيل: الْآخِرَة خير من الدُّنْيَا.
وَقُرِئَ: " تجمعون " بِالتَّاءِ، وَالْأول أشهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة﴾ مَعْنَاهُ: وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس كلهم كفَّارًا.
وَقيل: لَوْلَا أَن الدُّنْيَا تميل بِالنَّاسِ عَن الدّين، لَو فعلنَا هَذَا بالكفار لفعلنَا
﴿لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عَلَيْهَا يتكئون (34) وزخرفا وَإِن كل ذَلِك لما مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ هَذَا لهوان الدُّنْيَا عندنَا.
وَقَوله: ﴿لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة﴾ وَقُرِئَ: " سقفا " بِفَتْح السِّين يَعْنِي: جعلنَا جدرها فضَّة.
وَقَوله: ﴿ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ أَي: جعلنَا لَهُم مراقي من فضَّة يظهرون عَلَيْهَا على السّقف.
وَمَعْنَاهُ: يظهرون يصعدون ويعلون.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن نَابِغَة بن جعدة أنْشد للنَّبِي:
(بلغت السَّمَاء عفة وتكرما ... وَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا)
أَي: معلا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: " إِلَى أَيْن يَا أَبَا ليلى؟ " قَالَ: إِلَى لجنة.
قَالَ: " أجل إِن شَاءَ الله ".
وَقَوله: ﴿ولبيوتهم أبوابا وسررا عَلَيْهَا يتكئون﴾ أَي: جعلنَا ذَلِك لَهُم من فضَّة.
وَقَوله: ﴿وزخرفا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وذهبا أَي: (جعلنَا) جَمِيع ذَلِك من ذهب.
فَإِن قَالَ قَائِل لم أنتصب؟ قُلْنَا: لِأَن الْمَعْنى من فضَّة وَمن ذهب، فنزعت " من " فانتصب.
وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وذهبا " وَهَذَا يبين صِحَة هَذَا القَوْل.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وزخرفا﴾ أَي: غنى.
وَعَن الْحسن قَالَ: الزخرف هِيَ النقوش.
وَقيل: كل مَا هُوَ زِينَة فِي الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿وَإِن كل ذَلِك لما مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: تكون مُدَّة ويفنى سَرِيعا.
﴿عِنْد رَبك لِلْمُتقين (35) وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين (36) وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون (37) ﴾ وَقَوله: ﴿وَالْآخِرَة عِنْد رَبك لِلْمُتقين﴾ أَي: لِلْمُتقين من الشّرك والمعاصي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن﴾ قَالَ قَتَادَة: يعرض.
وَمِنْه قَوْلهم: فلَان يعشو أَي: يمشي ببصر ضَعِيف.
[يُقَال] : عشا يعشو إِذا ضعف بَصَره، وعشى يعشي إِذا عمى بَصَره، وَمِنْه الْأَعْشَى.
وَفِي الحَدِيث أَن سعيد بن الْمسيب ذهبت إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَجعل يعشو بِالْأُخْرَى أَي: يبصر بصرا ضَعِيفا.
وَقُرِئَ: " يَعش " بِنصب الشين أَي: يعمى.
وَيُقَال فِي معنى قَوْله: ﴿يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن﴾ أَي: يذهب عَن ذكره؛ فيسير فِي ظلمَة وخبط عَن جَهَالَة.
وَقَوله: ﴿نقيض لَهُ شَيْطَانا﴾ أَي: نوكل بِهِ شَيْطَانا.
وَيُقَال: نلقيه شَيْطَانا.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الْكَافِر إِذا خرج من الْقَبْر لقِيه شَيْطَان، فَأدْخل يَده فِي يَده، وَلَا يزَال مَعَه حَتَّى يصير إِلَى النَّار، وَالْمُؤمن إِذا خرج من قَبره يلقاه ملك، فَيدْخل يَده فِي يَده، فَلَا يزَال مَعَه حَتَّى يصير إِلَى الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿فَهُوَ لَهُ قرين﴾ أَي: مُقَارن.
وَيُقَال: يجعلان فِي سلسلة وَاحِدَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل﴾ أَي: الشَّيَاطِين يصدونهم عَن طَرِيق الْحق.
وَقَوله: ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ أَي: الْكفَّار يحسبون أَنهم مهتدون بإرشاد الشَّيَاطِين.
وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " عَلَيْكُم بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَالِاسْتِغْفَار، فَأَكْثرُوا مِنْهَا فَإِن إِبْلِيس قَالَ: أهلكت بني آدم بِالذنُوبِ،
﴿حَتَّى إِذا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْت بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين (38) وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذا ظلمتم أَنكُمْ فِي الْعَذَاب مشتركون (39) ﴾ وأهلكوني بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَالِاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك أهلكتهم بالأهواء، ثمَّ قَرَأَ النَّبِي: ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءَنَا﴾ وَقُرِئَ: " جاءانا "، فَقَوله: " جَاءَنَا " هُوَ الْكَافِر وَحده، وَقَوله: " جاءانا " هُوَ الْكَافِر وقرينه الشَّيْطَان.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا لَيْت بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: بعد الْمشرق من الْمغرب، وسماها مشرقين على عَادَة الْعَرَب، فَإِنَّهُم يذكرُونَ [شَيْئَيْنِ] مُخْتَلفين ويسمونهما باسم وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر:
(أَخذنَا بآفاق السَّمَاء عَلَيْكُم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع)
أَي الشَّمْس وَالْقَمَر.
وَقَالَ آخر:
(وبصرة الأزد لنا وَالْعراق ... والموصلان وَمنا مصر وَالْحرم)
وَأَرَادَ بالموصلين الْموصل والجزيرة.
وروى أَن أهل الْبَصْرَة قَالُوا لعَلي رَضِي الله عَنهُ حِين حَارَبُوهُ مَعَ عَائِشَة يَوْم الْجمل: إِنَّا نطلب مِنْك سنة العمرين يَعْنِي: أَبَا بكر وَعمر، وَقَالَ جرير:
(مَا كَانَ يرضى رَسُول الله فعلهم ... والعمران أَبُو بكر وَلَا عمر)
وَالْقَوْل الثَّانِي: بعد المشرقين أَي: مشرق الشتَاء ومشرق الصَّيف.
وَقَوله: ﴿فبئس القرين﴾ أَي: بئس الْمُقَارن أَنْت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذْ ظلمتم أَنكُمْ فِي الْعَذَاب مشتركون﴾ أَي: لن يسهل عَلَيْكُم عذابكم رؤيتكم غَيْركُمْ مشاركين لكم فِي الْعَذَاب، فَكَأَن الله
﴿أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي وَمن كَانَ فِي ضلال مُبين (40) فإمَّا نذهبن بك فَإنَّا مِنْهُم منتقمون (41) أَو نرينك الَّذِي وعدناهم فَإنَّا عَلَيْهِم مقتدرون (42) فَاسْتَمْسك﴾ تَعَالَى مَنعهم التأسي بِمَا يسهل على الْإِنْسَان الْمُصِيبَة والعقوبة، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ فِي مُصِيبَة فَرَأى غَيره فِي مثلهَا سهل عَلَيْهِ.
والتأسي [التسلي] . قَالَت الخنساء فِي أَخِيهَا صَخْر:
(وَلَوْلَا كَثْرَة الباكين حَولي ... على إخْوَانهمْ لقتلت نَفسِي)
(وَمَا يَبْكُونَ مثل أخي وَلَكِن ... أعزي النَّفس [عَنهُ] بالتأسي)
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أفأنت تسمع الصم أَو تهدي الْعمي وَمن كَانَ فِي ضلال مُبين﴾ أَي: لَا تسمع وَلَا تهدي.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فإمَّا نذهبن بك فَإنَّا مِنْهُم منتقمون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: فَإِنَّمَا نخرجنك من مَكَّة، فَإنَّا منتقمون مِنْهُم يَوْم بدر بِالْقَتْلِ والأسر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿فإمَّا نذهبن بك﴾ يَعْنِي: بالوفاة، فَإنَّا منتقمون مِنْهُم بعْدك، وَيُقَال: يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو نرينك الَّذِي وعدناهم﴾ قَالَ السدى: هَذَا فِي الْمُشْركين.
وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: هَذَا فِي أمته.
" وروى أَن النَّبِي أرى فِي أمته بعض مَا يصيرون إِلَيْهِ، فَمَا رُؤِيَ ضَاحِكا نشيطا بعد ذَلِك إِلَى أَن فَارق الدُّنْيَا ".
وَفِي بعض التفاسير: أَنه مَا من نَبِي إِلَّا وأري النقمَة فِي أمته إِلَّا نَبينَا، فَإِن الله تَعَالَى لم يره النقمَة فِي أمته، وَقد كَانَ فِي أمته من النقمات، وَيكون إِلَى قيام السَّاعَة.
وَقَوله: ﴿فَإنَّا عَلَيْهِم مقتدرون﴾ أَي: قادرون.
﴿بِالَّذِي أُوحِي إِلَيْك إِنَّك على صِرَاط مُسْتَقِيم (43) وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك وسوف تسْأَلُون (44) واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمْسك بِالَّذِي أوحى إِلَيْك﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّك على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: طَرِيق وَاضح.
وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ أَي: الْقُرْآن شرف لَك ولقومك.
وَقَوله: ﴿وسوف تسْأَلُون﴾ أَي: تسْأَلُون عَن شكر هَذِه النِّعْمَة.
وَعَن قَتَادَة أَو غَيره فِي هَذِه الْآيَة قَالَ: يُقَال للرجل: مِمَّن أَنْت؟ فَيَقُول: من الْعَرَب.
فَيُقَال لَهُ: من أَي الْعَرَب؟ فَيَقُول: من قُرَيْش، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ وروى بَعضهم عَن مَالك بن أنس قَالَ: ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ هُوَ قَول الْقَائِل: حَدثنِي أبي عَن جدي، وَالْمَعْرُوف هُوَ القَوْل الأول، وَمعنى شرف قُرَيْش: أَن الْقُرْآن نزل بلغتهم، وَالرَّسُول كَانَ مِنْهُم.
﴿ [واسأل من أرسلنَا من قبلك] من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ﴾ الْمَعْرُوف من القَوْل فِي هَذِه الْآيَة أَن مَعْنَاهُ: واسأل أُمَم من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي مَعْنَاهُ: وسل تبَاع من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا.
وَقَالَ بَعضهم: واسأل الَّذين يقرءُون الْكتاب مِمَّن أرسلنَا إِلَيْهِم رسلًا من قبلك.
وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود: " واسال الَّذين أرسلنَا إِلَيْهِم رسلًا من قبلك هَل جعلنَا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ " وَهِي تَفْسِير الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: مَا رَوَاهُ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَن الله تَعَالَى جمع الْمُرْسلين لَيْلَة الْإِسْرَاء فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس ثمَّ إِن جِبْرِيل أذن، ثمَّ أَقَامَ، ثمَّ قَالَ للنَّبِي: تقدم وصل بهم، فَلَمَّا فرغ من صلَاته، قَالَ لَهُ: " وسل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا
﴿يعْبدُونَ (45) وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْن وملئه فَقَالَ إِنِّي رَسُول رب الْعَالمين (46) فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذا هم مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر﴾ وَزعم بَعضهم أَنه سَأَلَهُمْ فَأَجَابُوا وَقَالُوا: مَا أمرنَا الله تَعَالَى إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاص.
وَفِي بعض التفاسير: أَن مِيكَائِيل قَالَ لجبريل: هَل سَأَلَ مُحَمَّد الرُّسُل عَمَّا أَمر بِهِ؟ فَقَالَ: لَا، كَانَ أَشد يَقِينا وَأعلم بِاللَّه من أَن يسال عَن ذَلِك.
فَإِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه السُّؤَال وَالْجَوَاب فِي هَذِه المسالة؟ وَالسُّؤَال عَن هَذَا إِنَّمَا يكون من شَاك فِي الْأَمر أما من مستقين فَلَا، وَالْجَوَاب: أَن المُرَاد من الْآيَة هُوَ تَقْرِير الرَّسُول على مَا يَعْتَقِدهُ وتوبيخ الْكفَّار وتوقيفهم أَن الْأَمر على مَا يَقُول الرَّسُول.
وَقَالَ بَعضهم: الْخطاب للرسول وَالْمرَاد مِنْهُ الْأمة، وَيُقَال: [إِن] الْخطاب للْمُشْرِكين كَأَنَّهُ أَمرهم أَن يسْأَلُوا مؤمني أهل الْكتاب، هَل أَمر الله بِمَا يزعمونه فِي كتاب من كتبهمْ، وَهُوَ عبَادَة الْأَصْنَام وتعظيمها؟ وَقد كَانُوا يرجعُونَ إِلَى قَول أهل الْكتاب فِي بعض الْأَشْيَاء، ويعتمدون عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْن وملئه فَقَالَ إِنِّي رَسُول رب الْعَالمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.